إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مع انطلاق الاستعدادات لموسم البذر بعد أسابيع..  توجه نحو بلوغ 40 بالمائة من البذور الممتازة ..ولجنة فنية لمتابعة توزيع الأسمدة  

 

تونس - الصباح

في إطار الاستعدادات لموسم البذر، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، خلال الأيام الماضية، عن ضبط برنامج لتوفير كميات من البذور الممتازة والبذور التجارية العادية والمراقبة بنقاط البيع.

وبعد الانتهاء من موسم الحصاد، انطلقت استعدادات فلاحي الزراعات الكبرى، وخاصة الحبوب، لموسم البذر بعد أسابيع قليلة، الذي بدأ يواجه صعوبات متنوعة خلال المواسم الأخيرة، سواء بسبب نقص بعض أنواع البذور أو نقص الأسمدة الضرورية، ووفق التقديرات الرسمية فإن إجمالي صابة الحبوب لموسم 2025/2026 كان في حدود 20 مليون قنطار، محققًا بذلك استقرارًا في الإنتاج، خاصة بالنسبة إلى بعض الأصناف، مقارنة بالمواسم الفارطة.

 

وقد نجح ديوان الحبوب في تجميع وتخزين كميات كبيرة من المحاصيل بلغت مع بداية شهر أوت الجاري أكثر من 10.7 مليون قنطار من الحبوب، وهو ما يجعل موسم 2026 من بين أفضل المواسم المسجلة خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالفترات التي تأثرت بالجفاف وضعف التساقطات. وبالمقارنة مع الموسم الفارط، أبرزت المؤشرات استقرار كميات القمح الصلب المجمعة، مقابل ارتفاع كميات القمح اللين نتيجة توسع المساحات المبذورة، في حين تراجعت كميات الشعير المصرح بها بنسبة 39% بسبب الاتجار الحر بهذه المادة في السوق الداخلية.

بالإضافة إلى ذلك تسجيل أرقام مهمة في الإجلاء، حيث تم نقل وتأمين المحاصيل بشكل سريع نحو وحدات التخزين والمطاحن لتفادي التلف والحرائق.

تسعير واستنباط البذور

حددت وزارة الفلاحة أسعار بيع البذور الممتازة للحبوب بـ170 دينارًا للقنطار بالنسبة إلى القمح الصلب و140 دينارًا للقنطار بالنسبة إلى القمح اللين، في حين تم تحديد سعر بذور الشعير والتريتيكال بـ130 دينارًا للقنطار، وبخصوص البذور التجارية العادية والمراقبة تم تحديد سعر بذور الشعير بـ115 دينارًا للقنطار، كما أكدت وزارة الفلاحة في بلاغها أنه سيقع تحميل نسبة إضافية قدرها 3 بالمائة على سعر بيع القنطار بالنسبة إلى أصناف البذور الممتازة التي تكون محل عقود استغلال تجاري، وذلك بعنوان حقوق الاستنباط، وفق بلاغ الوزارة.

ويقوم المعهد الوطني للبحوث الزراعية بجهود كبيرة لتأمين أصناف مستنبطة وممتازة من الحبوب تتماشى والوضع المناخي في تونس ولها مردودية عالية، وقد أكد مدير المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس منذر بن سالم، في ماي الماضي وخلال ندوة علمية، أن الأصناف المستنبطة من قبل المعهد والمسجلة منذ نشأته تشمل 138 صنفًا من حبوب القمح الصلب واللين والشعير والتريتكال، و17 صنفًا من البقوليات الغذائية على غرار الفول والحمص والعدس، و31 صنفًا من الأصناف العلفية والرعوية، وصنفين من الزراعات الصناعية.

كما أكد رئيس المعهد الوطني للبحوث الزراعية أن 80% من البذور الممتازة التي تم تسويقها في تونس خلال موسم 2025/2026 هي من الأصناف المستنبطة من قبل المعهد الوطني للبحوث الزراعية، وذلك بعد إبرام 66 عقد استغلال تجاري منذ سنة 2017، مشددًا على أن البذور المعتمدة في زراعة الحبوب في تونس كلها منتجة محليًا ولا وجود لتوريد بذور الحبوب ببلادنا، وتشمل 80 بالمائة من الأصناف المستنبطة من قبل المعهد و20 بالمائة هي أصناف أخرى مسجلة ومكثرة بتونس.

ويمثل قطاع الحبوب ركيزة من الركائز الأساسية للفلاحة التونسية، حيث يساهم في تحقيق الأمن الغذائي وخلق مواطن الشغل والحد من ظاهرة الهجرة الداخلية وتثمين الموارد الطبيعية المتاحة، ويمتد قطاع الزراعات الكبرى على مساحة 1.6 مليون هكتار، منها 1.2 مليون هكتار من الحبوب، بما يمثل ثلث المساحة الفلاحية المستغلة، كما يستقطب قطاع الحبوب حوالي 50% من اليد العاملة الفلاحية ويؤمن موارد رزق لحوالي 250 ألف مستغل فلاحي، وفق معطيات وزارة الفلاحة.

وتقدر الاحتياجات السنوية لتونس من الحبوب بحوالي 36 مليون قنطار قمح صلب وقمح لين وشعير، ويغطي الإنتاج الوطني ما بين 60 و70% من حاجيات القمح الصلب و5 بالمائة من حاجيات القمح اللين.

وقبل انطلاق موسم الحصاد، وخلال ندوة حول "البرنامج الوطني لتحسين الوراثي في الزراعات الكبرى"، أكد كاهية مدير الحبوب، محمد علي بن رمضان، أن نسبة استعمال البذور الممتازة في تونس بلغت الموسم المنقضي 30 بالمائة من إجمالي البذور التي تم تسويقها، بعد أن كانت في حدود 15 بالمائة فقط خلال السنوات السابقة، وهو ما يعكس نجاح برامج البحث العلمي والتجارب المنجزة في مجال استنباط الأصناف المحلية، كما بين أن هذه البذور مسجلة رسميًا ضمن السجل الوطني للأصناف النباتية، وتتميز بقدرتها على التأقلم مع التغيرات المناخية وتحقيق مردودية أفضل للفلاحين، وقد أشار بن رمضان إلى أن الهدف المستقبلي يتمثل في بلوغ نسبة 40 بالمائة، وهي النسبة المعتمدة في عدد من الدول المتقدمة في قطاع إنتاج الحبوب.

توفير الأسمدة أساس نجاح موسم البذر

تجدد الجدل خلال هذه الأيام حول مدى توفر الأسمدة في الأسواق مع اقتراب انطلاق موسم الزراعات الكبرى، حيث يقاس نجاح الموسم الفلاحي القادم أساسًا عبر ضمان توفير جميع مستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة، قبل انطلاق عمليات البذر.

وكانت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري قد أعلنت، في بلاغ لها نهاية شهر جويلية الماضي، عن انعقاد اجتماع اللجنة الفنية المكلفة بمتابعة توزيع الأسمدة الكيميائية الأساسية استعدادًا للموسم الفلاحي 2026-2027، بإشراف وزير الفلاحة عز الدين بن الشيخ وبمشاركة مختلف الهياكل المعنية، من بينها المجمع الكيميائي التونسي وعدد من الوزارات والمؤسسات المختصة.

وقد أوضحت الوزارة في بلاغها أن الاجتماع خصص لاستعراض وضعية إنتاج الأسمدة ومؤشرات المخزون وبرنامج التزويد والتوزيع على المستوى الوطني، إلى جانب تقييم جاهزية مختلف المتدخلين لتأمين حاجيات الفلاحين، بما يضمن انتظام عمليات التزويد وتوفير الأسمدة بالكميات المطلوبة وفي الآجال المناسبة.

واعتبر وزير الفلاحة، وفق بلاغ الوزارة، أن تأمين حاجيات القطاع من الأسمدة الكيميائية يمثل أولوية وطنية، داعيًا إلى تعبئة كل الإمكانيات لضمان توفيرها في المواعيد التي تتلاءم مع الروزنامة الزراعية، فيما أكد ممثلو المجمع الكيميائي التونسي العمل على توفير مختلف أنواع الأسمدة، وخاصة الفسفاطية والآزوتية، وفق برنامج إنتاج يستجيب لحاجيات السوق الوطنية مع احترام آجال التسليم.

وتخضع صناعة وتجارة وتوزيع الأسمدة الكيميائية المعدة للاستعمال الفلاحي لرقابة وطنية ودولية صارمة، ولكن ذلك لا ينفي أن كل دول العالم تتوجه اليوم إلى الزراعات البيولوجية لدعم النظام البيئي وتقليص المخاطر المحتملة للأسمدة على جودة ومذاق المنتجات الفلاحية.

وفي السنوات الأخيرة أصبح هناك توجه مهم في تونس نحو الفلاحة البيولوجية التي أصبحت اليوم من المنظومات الزراعية التي تراهن عليها دول كثيرة من أجل تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة بتقليل استخدام المواد الكيميائية والأسمدة الاصطناعية لحماية التربة والمياه من التلوث ودعم النظام البيئي وتنوع المحاصيل باستخدام أساليب زراعية تقليدية، سواء من حيث البذور أو التنبيت وجني المحاصيل لاحقًا. وفي دراسة بعنوان "التلوث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيرات الواقع الميداني"، أعدتها جمعية المساءلة الاجتماعية وقدمت مضامينها خلال ندوة انعقدت بالعاصمة تونس، إلى أن التلوث الفلاحي في تونس لم يعد مجرد إشكال ظرفي أو انعكاس محدود لبعض الممارسات غير السليمة، بل أصبح، وفق الدراسة، أزمة هيكلية متشعبة تهدد التوازنات البيئية والأمنين المائي والغذائي وتطرح أسئلة جدية حول نجاعة المنظومة التشريعية والرقابية الحالية، حيث أكدت هذه الدراسة أن آثار هذا التلوث لم تعد مقتصرة على التربة فقط، بل امتدت إلى الموارد المائية السطحية والجوفية، إذ تتسرب المواد الكيميائية المستعملة في الزراعة إلى الموائد المائية والوديان والسدود، سواء عبر مياه الري أو مياه الأمطار، بما يهدد جودة المياه المخصصة للشرب والاستعمال الفلاحي مستقبلا. كما نبهت الدراسة إلى أن التلوث الفلاحي يمثل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، سواء من خلال بقايا المبيدات في الخضر والغلال والمنتجات الغذائية أو عبر التعرض المباشر للمواد الكيميائية، خاصة في ظل ضعف التأطير والتكوين وغياب وسائل الوقاية في عديد المناطق.

وفي السنوات الأخيرة ندد عدة مختصين في القطاع الفلاحي باللجوء إلى الاستعمال المكثف للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الفلاحة، خاصة بعد التخلي عن البذور الأصلية القادرة على التكيف مع التربة والمناخ ودخول الفلاحة التونسية مرحلة الإنتاج المكثف الموجه للتصدير، خاصة وأن استعمال بذور موردة تتطلب مساحات سقوية وكميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية حتى تكون هناك وفرة في الإنتاج.

إلى جانب ذلك ضعف المكننة في الفلاحة التونسية جعل الفلاح يستعمل كميات غير مدروسة من المبيدات والمواد والأسمدة الكيميائية بطريقة تقليدية يدوية وبكميات أكبر من الكميات التي تحتاجها التربة والنبات، مما يدفع إلى انجراف وتسرب بقايا هذه المواد إلى الأودية، إلى الموائد المائية السطحية والجوفية، ويؤثر بالتالي على نوعية الماء والغلال والخضر التي تصل المستهلك، واللجوء إلى المبيدات لم يكن خيارًا عفويًا، بل جاء نتيجة تحولات عميقة عرفها القطاع الزراعي، حيث انتقل من نمط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى نمط إنتاج مكثف يستجيب لمتطلبات السوق، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، مع التخلي التدريجي عن البذور المحلية وتعويضها ببذور مستوردة تحتاج إلى دعم كيميائي مستمر من أسمدة ومبيدات حتى تتأقلم مع البيئة المحلية، وهو ما أدى إلى تلوث التربة عبر تراكم المواد الكيميائية التي تفوق حاجيات النبات.

عوائق تواجه قطاع الحبوب

ورغم التراجع الملحوظ الذي مرّ به قطاع الحبوب في بعض المواسم، إلا أنه في الموسمين الأخيرين تبذل مختلف الأطراف جهودًا للترفيع من نسق الإنتاج واستغلال البذور الممتازة لتحقيق الجودة والمردودية العالية، إلا أن ذلك لم يزل الصعوبات نهائيًا من أمام قطاع الحبوب، حيث خلصت دراسة أعدها المرصد التونسي للاقتصاد بالشراكة مع جمعية "نوماد" السنة الفارطة حول سياسة الأمن الغذائي في قطاع الحبوب إلى تعدد العوائق التي تحول دون تطور قطاع الحبوب على الصعيد الوطني، حيث بيّنت الدراسة أن السياسة الفلاحية المعتمدة منذ الثمانينيات تتسم بقلة الوضوح في التوجيهات والرؤى المتبعة لضمان استدامة هذه القطاعات، حيث أكدت الدراسة على ضرورة وضع نموذج تنموي بديل يرتكز على الموارد المائية للنهوض بالسيادة الغذائية والأمن المائي في البلاد لمجابهة ندرة الموارد الطبيعية والصدمات الخارجية وتأثيرات التغيرات المناخية.

وقد أشارت الدراسة، كذلك، إلى مشاكل عديدة يعاني منها قطاع الحبوب، مثل تعدد المتدخلين واحتكار القطاع وانخفاض المردود المسجل للقمح اللين، الأمر الذي ينتج عنه ارتفاع نسبة الاعتماد على الحبوب المستوردة وضعف الإرشاد والتأطير بالنسبة إلى مختلف المتدخلين في كل مراحل السلسلة، وغياب هيكلة خاصة بالفلاحين للوفاء بالالتزامات المتعلقة بالكميات التي ينبغي توفيرها في الأسواق، وتغير العادات الغذائية، إلى جانب التبذير المشط لمنتجات الحبوب، خاصة الخبز، والاعتماد شبه الكلي لزراعة الحبوب على الظروف الطبيعية، بما يفاقم المخاطر في قيس الأثر المترتب على التغير المناخي الذي يهدد الفلاحة التونسية، وخاصة زراعة الحبوب.

واليوم من الضروري التفكير بجدية في إعادة هيكلة قطاع الحبوب وتطويره وضمان مردوديته حتى بوجود الجفاف، لأن المراهنة على قطاع الحبوب هي مراهنة على أمن غذائي آمن للتونسيين.

منية العرفاوي

 

مع انطلاق الاستعدادات لموسم البذر بعد أسابيع..   توجه نحو بلوغ 40 بالمائة من البذور الممتازة ..ولجنة فنية لمتابعة توزيع الأسمدة   

 

تونس - الصباح

في إطار الاستعدادات لموسم البذر، أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، خلال الأيام الماضية، عن ضبط برنامج لتوفير كميات من البذور الممتازة والبذور التجارية العادية والمراقبة بنقاط البيع.

وبعد الانتهاء من موسم الحصاد، انطلقت استعدادات فلاحي الزراعات الكبرى، وخاصة الحبوب، لموسم البذر بعد أسابيع قليلة، الذي بدأ يواجه صعوبات متنوعة خلال المواسم الأخيرة، سواء بسبب نقص بعض أنواع البذور أو نقص الأسمدة الضرورية، ووفق التقديرات الرسمية فإن إجمالي صابة الحبوب لموسم 2025/2026 كان في حدود 20 مليون قنطار، محققًا بذلك استقرارًا في الإنتاج، خاصة بالنسبة إلى بعض الأصناف، مقارنة بالمواسم الفارطة.

 

وقد نجح ديوان الحبوب في تجميع وتخزين كميات كبيرة من المحاصيل بلغت مع بداية شهر أوت الجاري أكثر من 10.7 مليون قنطار من الحبوب، وهو ما يجعل موسم 2026 من بين أفضل المواسم المسجلة خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالفترات التي تأثرت بالجفاف وضعف التساقطات. وبالمقارنة مع الموسم الفارط، أبرزت المؤشرات استقرار كميات القمح الصلب المجمعة، مقابل ارتفاع كميات القمح اللين نتيجة توسع المساحات المبذورة، في حين تراجعت كميات الشعير المصرح بها بنسبة 39% بسبب الاتجار الحر بهذه المادة في السوق الداخلية.

بالإضافة إلى ذلك تسجيل أرقام مهمة في الإجلاء، حيث تم نقل وتأمين المحاصيل بشكل سريع نحو وحدات التخزين والمطاحن لتفادي التلف والحرائق.

تسعير واستنباط البذور

حددت وزارة الفلاحة أسعار بيع البذور الممتازة للحبوب بـ170 دينارًا للقنطار بالنسبة إلى القمح الصلب و140 دينارًا للقنطار بالنسبة إلى القمح اللين، في حين تم تحديد سعر بذور الشعير والتريتيكال بـ130 دينارًا للقنطار، وبخصوص البذور التجارية العادية والمراقبة تم تحديد سعر بذور الشعير بـ115 دينارًا للقنطار، كما أكدت وزارة الفلاحة في بلاغها أنه سيقع تحميل نسبة إضافية قدرها 3 بالمائة على سعر بيع القنطار بالنسبة إلى أصناف البذور الممتازة التي تكون محل عقود استغلال تجاري، وذلك بعنوان حقوق الاستنباط، وفق بلاغ الوزارة.

ويقوم المعهد الوطني للبحوث الزراعية بجهود كبيرة لتأمين أصناف مستنبطة وممتازة من الحبوب تتماشى والوضع المناخي في تونس ولها مردودية عالية، وقد أكد مدير المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس منذر بن سالم، في ماي الماضي وخلال ندوة علمية، أن الأصناف المستنبطة من قبل المعهد والمسجلة منذ نشأته تشمل 138 صنفًا من حبوب القمح الصلب واللين والشعير والتريتكال، و17 صنفًا من البقوليات الغذائية على غرار الفول والحمص والعدس، و31 صنفًا من الأصناف العلفية والرعوية، وصنفين من الزراعات الصناعية.

كما أكد رئيس المعهد الوطني للبحوث الزراعية أن 80% من البذور الممتازة التي تم تسويقها في تونس خلال موسم 2025/2026 هي من الأصناف المستنبطة من قبل المعهد الوطني للبحوث الزراعية، وذلك بعد إبرام 66 عقد استغلال تجاري منذ سنة 2017، مشددًا على أن البذور المعتمدة في زراعة الحبوب في تونس كلها منتجة محليًا ولا وجود لتوريد بذور الحبوب ببلادنا، وتشمل 80 بالمائة من الأصناف المستنبطة من قبل المعهد و20 بالمائة هي أصناف أخرى مسجلة ومكثرة بتونس.

ويمثل قطاع الحبوب ركيزة من الركائز الأساسية للفلاحة التونسية، حيث يساهم في تحقيق الأمن الغذائي وخلق مواطن الشغل والحد من ظاهرة الهجرة الداخلية وتثمين الموارد الطبيعية المتاحة، ويمتد قطاع الزراعات الكبرى على مساحة 1.6 مليون هكتار، منها 1.2 مليون هكتار من الحبوب، بما يمثل ثلث المساحة الفلاحية المستغلة، كما يستقطب قطاع الحبوب حوالي 50% من اليد العاملة الفلاحية ويؤمن موارد رزق لحوالي 250 ألف مستغل فلاحي، وفق معطيات وزارة الفلاحة.

وتقدر الاحتياجات السنوية لتونس من الحبوب بحوالي 36 مليون قنطار قمح صلب وقمح لين وشعير، ويغطي الإنتاج الوطني ما بين 60 و70% من حاجيات القمح الصلب و5 بالمائة من حاجيات القمح اللين.

وقبل انطلاق موسم الحصاد، وخلال ندوة حول "البرنامج الوطني لتحسين الوراثي في الزراعات الكبرى"، أكد كاهية مدير الحبوب، محمد علي بن رمضان، أن نسبة استعمال البذور الممتازة في تونس بلغت الموسم المنقضي 30 بالمائة من إجمالي البذور التي تم تسويقها، بعد أن كانت في حدود 15 بالمائة فقط خلال السنوات السابقة، وهو ما يعكس نجاح برامج البحث العلمي والتجارب المنجزة في مجال استنباط الأصناف المحلية، كما بين أن هذه البذور مسجلة رسميًا ضمن السجل الوطني للأصناف النباتية، وتتميز بقدرتها على التأقلم مع التغيرات المناخية وتحقيق مردودية أفضل للفلاحين، وقد أشار بن رمضان إلى أن الهدف المستقبلي يتمثل في بلوغ نسبة 40 بالمائة، وهي النسبة المعتمدة في عدد من الدول المتقدمة في قطاع إنتاج الحبوب.

توفير الأسمدة أساس نجاح موسم البذر

تجدد الجدل خلال هذه الأيام حول مدى توفر الأسمدة في الأسواق مع اقتراب انطلاق موسم الزراعات الكبرى، حيث يقاس نجاح الموسم الفلاحي القادم أساسًا عبر ضمان توفير جميع مستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة، قبل انطلاق عمليات البذر.

وكانت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري قد أعلنت، في بلاغ لها نهاية شهر جويلية الماضي، عن انعقاد اجتماع اللجنة الفنية المكلفة بمتابعة توزيع الأسمدة الكيميائية الأساسية استعدادًا للموسم الفلاحي 2026-2027، بإشراف وزير الفلاحة عز الدين بن الشيخ وبمشاركة مختلف الهياكل المعنية، من بينها المجمع الكيميائي التونسي وعدد من الوزارات والمؤسسات المختصة.

وقد أوضحت الوزارة في بلاغها أن الاجتماع خصص لاستعراض وضعية إنتاج الأسمدة ومؤشرات المخزون وبرنامج التزويد والتوزيع على المستوى الوطني، إلى جانب تقييم جاهزية مختلف المتدخلين لتأمين حاجيات الفلاحين، بما يضمن انتظام عمليات التزويد وتوفير الأسمدة بالكميات المطلوبة وفي الآجال المناسبة.

واعتبر وزير الفلاحة، وفق بلاغ الوزارة، أن تأمين حاجيات القطاع من الأسمدة الكيميائية يمثل أولوية وطنية، داعيًا إلى تعبئة كل الإمكانيات لضمان توفيرها في المواعيد التي تتلاءم مع الروزنامة الزراعية، فيما أكد ممثلو المجمع الكيميائي التونسي العمل على توفير مختلف أنواع الأسمدة، وخاصة الفسفاطية والآزوتية، وفق برنامج إنتاج يستجيب لحاجيات السوق الوطنية مع احترام آجال التسليم.

وتخضع صناعة وتجارة وتوزيع الأسمدة الكيميائية المعدة للاستعمال الفلاحي لرقابة وطنية ودولية صارمة، ولكن ذلك لا ينفي أن كل دول العالم تتوجه اليوم إلى الزراعات البيولوجية لدعم النظام البيئي وتقليص المخاطر المحتملة للأسمدة على جودة ومذاق المنتجات الفلاحية.

وفي السنوات الأخيرة أصبح هناك توجه مهم في تونس نحو الفلاحة البيولوجية التي أصبحت اليوم من المنظومات الزراعية التي تراهن عليها دول كثيرة من أجل تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة بتقليل استخدام المواد الكيميائية والأسمدة الاصطناعية لحماية التربة والمياه من التلوث ودعم النظام البيئي وتنوع المحاصيل باستخدام أساليب زراعية تقليدية، سواء من حيث البذور أو التنبيت وجني المحاصيل لاحقًا. وفي دراسة بعنوان "التلوث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيرات الواقع الميداني"، أعدتها جمعية المساءلة الاجتماعية وقدمت مضامينها خلال ندوة انعقدت بالعاصمة تونس، إلى أن التلوث الفلاحي في تونس لم يعد مجرد إشكال ظرفي أو انعكاس محدود لبعض الممارسات غير السليمة، بل أصبح، وفق الدراسة، أزمة هيكلية متشعبة تهدد التوازنات البيئية والأمنين المائي والغذائي وتطرح أسئلة جدية حول نجاعة المنظومة التشريعية والرقابية الحالية، حيث أكدت هذه الدراسة أن آثار هذا التلوث لم تعد مقتصرة على التربة فقط، بل امتدت إلى الموارد المائية السطحية والجوفية، إذ تتسرب المواد الكيميائية المستعملة في الزراعة إلى الموائد المائية والوديان والسدود، سواء عبر مياه الري أو مياه الأمطار، بما يهدد جودة المياه المخصصة للشرب والاستعمال الفلاحي مستقبلا. كما نبهت الدراسة إلى أن التلوث الفلاحي يمثل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، سواء من خلال بقايا المبيدات في الخضر والغلال والمنتجات الغذائية أو عبر التعرض المباشر للمواد الكيميائية، خاصة في ظل ضعف التأطير والتكوين وغياب وسائل الوقاية في عديد المناطق.

وفي السنوات الأخيرة ندد عدة مختصين في القطاع الفلاحي باللجوء إلى الاستعمال المكثف للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الفلاحة، خاصة بعد التخلي عن البذور الأصلية القادرة على التكيف مع التربة والمناخ ودخول الفلاحة التونسية مرحلة الإنتاج المكثف الموجه للتصدير، خاصة وأن استعمال بذور موردة تتطلب مساحات سقوية وكميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية حتى تكون هناك وفرة في الإنتاج.

إلى جانب ذلك ضعف المكننة في الفلاحة التونسية جعل الفلاح يستعمل كميات غير مدروسة من المبيدات والمواد والأسمدة الكيميائية بطريقة تقليدية يدوية وبكميات أكبر من الكميات التي تحتاجها التربة والنبات، مما يدفع إلى انجراف وتسرب بقايا هذه المواد إلى الأودية، إلى الموائد المائية السطحية والجوفية، ويؤثر بالتالي على نوعية الماء والغلال والخضر التي تصل المستهلك، واللجوء إلى المبيدات لم يكن خيارًا عفويًا، بل جاء نتيجة تحولات عميقة عرفها القطاع الزراعي، حيث انتقل من نمط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى نمط إنتاج مكثف يستجيب لمتطلبات السوق، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، مع التخلي التدريجي عن البذور المحلية وتعويضها ببذور مستوردة تحتاج إلى دعم كيميائي مستمر من أسمدة ومبيدات حتى تتأقلم مع البيئة المحلية، وهو ما أدى إلى تلوث التربة عبر تراكم المواد الكيميائية التي تفوق حاجيات النبات.

عوائق تواجه قطاع الحبوب

ورغم التراجع الملحوظ الذي مرّ به قطاع الحبوب في بعض المواسم، إلا أنه في الموسمين الأخيرين تبذل مختلف الأطراف جهودًا للترفيع من نسق الإنتاج واستغلال البذور الممتازة لتحقيق الجودة والمردودية العالية، إلا أن ذلك لم يزل الصعوبات نهائيًا من أمام قطاع الحبوب، حيث خلصت دراسة أعدها المرصد التونسي للاقتصاد بالشراكة مع جمعية "نوماد" السنة الفارطة حول سياسة الأمن الغذائي في قطاع الحبوب إلى تعدد العوائق التي تحول دون تطور قطاع الحبوب على الصعيد الوطني، حيث بيّنت الدراسة أن السياسة الفلاحية المعتمدة منذ الثمانينيات تتسم بقلة الوضوح في التوجيهات والرؤى المتبعة لضمان استدامة هذه القطاعات، حيث أكدت الدراسة على ضرورة وضع نموذج تنموي بديل يرتكز على الموارد المائية للنهوض بالسيادة الغذائية والأمن المائي في البلاد لمجابهة ندرة الموارد الطبيعية والصدمات الخارجية وتأثيرات التغيرات المناخية.

وقد أشارت الدراسة، كذلك، إلى مشاكل عديدة يعاني منها قطاع الحبوب، مثل تعدد المتدخلين واحتكار القطاع وانخفاض المردود المسجل للقمح اللين، الأمر الذي ينتج عنه ارتفاع نسبة الاعتماد على الحبوب المستوردة وضعف الإرشاد والتأطير بالنسبة إلى مختلف المتدخلين في كل مراحل السلسلة، وغياب هيكلة خاصة بالفلاحين للوفاء بالالتزامات المتعلقة بالكميات التي ينبغي توفيرها في الأسواق، وتغير العادات الغذائية، إلى جانب التبذير المشط لمنتجات الحبوب، خاصة الخبز، والاعتماد شبه الكلي لزراعة الحبوب على الظروف الطبيعية، بما يفاقم المخاطر في قيس الأثر المترتب على التغير المناخي الذي يهدد الفلاحة التونسية، وخاصة زراعة الحبوب.

واليوم من الضروري التفكير بجدية في إعادة هيكلة قطاع الحبوب وتطويره وضمان مردوديته حتى بوجود الجفاف، لأن المراهنة على قطاع الحبوب هي مراهنة على أمن غذائي آمن للتونسيين.

منية العرفاوي