إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تجربة فنية حديثة تجتاح العالم..  تونس على خط "الميكرو دراما".. وشاشات الهواتف الذكية منصة جديدة للعروض الفنية  

 

-صناعة الترفيه تفتح مساحات لتصورات غير تقليدية بعيدا عن قيود الدراما الكلاسيكية

-قناة نسمة تقدم أول تجربة تونسية ومغاربية وإنتاجات جديدة تونسية في طور الإنتاج

-أعمال "الميكرو دراما" أنشأتها شركات صينية.. مداخيلها هامة مقارنة بكلفة إنتاجها لكن جودتها الفنية محل جدل

تونس - الصباح

يجتاح ما يسمى بـ"الميكرو دراما" - وتعرف بالدراما العمودية (القصيرة جدا) على شاشات الهواتف الذكية- عالم الشباب واليافعين بعد أن عرفت انتشارا كبيرا في شرق آسيا (الصين، اليابان وكوريا الجنوبية) كما الولايات المتحدة الأمريكية، المنافسة الأولى لهذه الإنتاجات الآسيوية، وذلك منذ 2018. وقد وجد الشباب المهوس بمتابعة "الريلز" و"اليوتيوب شورتس" في "الميكرو دراما" متنفسا بعيدا عن شاشات التلفزيون والدراما الطويلة عبر حلقات تتجاوز أحيانا 100 حلقة مع مواسم متعددة، خاصة بعد تحولها من تجارب فردية إلى صناعة درامية جادة بداية 2020، إذ تتماشى هذه المضامين مع إيقاع الشباب السريع وهوسه بالتكنولوجيات الحديثة من ألعاب، تطبيقات تواصل، خاصة مع الانتشار العالمي لـ"التيك توك" وظهور مضامين فنية تتجاوز المقاطع الكوميدية على الانترنيت وتقدم حبكة درامية مشوقة لقصص رومانسية أو حكايات رعب غامضة ذات طابع بوليسي أو خيالي، ولا تتجاوز مدة عرض الحلقة الواحدة الثلاث دقائق.

مسلسلات "الميكرو دراما" (Micro-Drama)

شهدت في السنوات الأخيرة رواجا في العالم العربي على مستوى المشاهدة والإنتاج كذلك، وكانت انطلاقتها في مصر مع المنتجين هشام سليمان وعمرو قورة، وعرضت أولى هذه التجارب المتمثلة في مسلسلي ""1:45" و"قلب مفتوح"، وحقق هذا الإنتاج نسب متابعة عالية من المتابعة، خاصة وأنه يتناول قصص جرائم غامضة جذبت فضول الشباب الباحث عن مثل هذه المادة الفنية، وكان خطوة مشجعة لإنتاجات أكثر تهتم بالجوانب الاجتماعية وبأسلوب كوميدي، أبرزها "ابن الشركة" وأعمال على غرار "غرفة التحقيق" و"خطوط عريضة"، وبدورها اتجهت لبنان وسوريا لهذه الدراما القصيرة جدا عبر عدد من التجارب منها "بيت نجيب"، "ابن الحارة"، "بيت الأحلام" و"صراع الملكة والمنتقم" "ورا الكنز" للمخرج جعفر نور الدين.

وتسجل تونس في هذا النمط الدرامي الجديد التجربة المغاربية الأولى بعد أن قدمت قناة "نسمة" مسلسل "المخبي"، واختارت الولوج لهذا العالم بعمل اجتماعي مشوق عن سيناريو للطفي المشري، إخراج زياد بكارة، موسيقى هادي هلال، وجسد أدواره عدد من الوجوه الجديدة من بينهم يقين بن زيتون، نزار الورتاني، نسرين السعيداني، ياسمين الأخوة وملاك الحاج مبروك..

هذه التجربة الأولى فتحت المجال لعدد من صناع الدراما الشباب في تونس لتقديم مزيد من التجارب، وقد علمت "الصباح" في هذا السياق أن مخرج مسلسل "الأكسيدون" مطيع الدريدي يعمل على عمل ضخم ينتمي لفئة "الميكرو دراما"، ولكن مع وجوه معروفة في المشهد الفني التونسي، ومع توجه مخرجين شباب لتقديم أعمال قصيرة على اليوتيوب، من المتوقع أن تكون الفترة القادمة مساحة ثرية لهذه النوعية من التجارب في بلادنا، خاصة مع انتشار موضة هذه المسلسلات العمودية القصيرة في صفوف اليافعين والشباب.

ومن العوامل المشجعة لتقديم إنتاجات الميكرو دراما في تونس هي المرونة المميزة لهذه الصناعة على عدة مستويات، فلا تحتاج هذه الأعمال لميزانيات ضخمة ولا للوجوه معروفة، فالكلفة منخفضة ومحدودة وتناسب الشباب الباحث عن فرصة لتقديم رؤية فنية وحبكة درامية تشبه جيله وتعبر عنه دون قيود أو معايير مضبوطة تفرضها الدراما التلفزيونية، والتي بدورها موسمية في بلادنا (البرمجة الرمضانية)، كما تفتح هذه الدراما أسواقا جديدة للعرض عبر منصات دولية اعتمادا على الدبلجة وغيرها من الأساليب التسويقية الحديثة القادرة على تجاوز قواعد اللعبة الكلاسيكية للإنتاج الدرامي، فقد تغيرت تقاليد الفرجة في السنوات الأخيرة، ويبدو أن مسلسلات شاشة الهواتف الذكية بدأت تدريجيا تسحب البساط من التلفزيون، خاصة على مستوى الجمهور اليافع الذي لا يجد في المضامين الدرامية مادة تعبر عن أحلامه وتطلعاته وذائقته الفنية أو تواكب إيقاعه اليومي.

أمّا عن الانعكاسات السلبية لهذه الموجة من الأعمال الدرامية الحديثة فهي عديدة، منها النفسي والاجتماعي، فهذه النوعية السريعة من الأعمال تفقد الجيل اليافع ميزة التركيز والتفكير العميق في الطرح الفني المقترح في هذه الأعمال الاستهلاكية، إذ يتماهى مع سطحيتها وبعدها الترفيهي الموحش، ويصبح ضحية للاستغلال المالي من منصات عرض إنتاجات "الميكرو دراما" التي تطالب بعدد من الحلقات المشوقة المجانية برسوم مالية تتجاوز بكثير أسعار الاشتراك في منصات عالمية شهيرة.

وتنسحب هذه السلبيات على الجانب البصري والجمالي لإنتاجات الدراما العمودية القصيرة جدا، فمشاهدها معظمها لقطات مقربة مع مبالغة في الأداء من طرف الأبطال، بينما يفرض البعد الربحي معالجة درامية ضعيفة في حبكتها، هدفها الكسب التجاري على حساب الرؤية الإخراجية والسيناريو المتماسك.

في عالمنا العربي مازالت موجة "الميكرو دراما" لم تسيطر بعد على اهتمامات أغلب الجماهير، ويعتبر الشباب المستهلك الأول لهذه الدراما، لذلك يتعامل صناع الترفيه التقليديون باستهلال مع هذه الموجة الجديدة من الأعمال الفنية المعروضة على شاشات الهواتف الذكية، باعتبار جمهورهم الأول ربات البيوت ومتابعي الدراما العائلية والكوميديا الاجتماعية، غير أن المعايير الجديدة للفرجة في العالم تتغير تدريجيا، وقد قُدر في هذا السياق عدد مستخدمي منصة "ريل شوت" 55 مليون مشترك، وهي واحدة من أهم منصات عرض هذه النوعية من الدراما، وبالتالي التحولات في تقاليد المشاهدة تحتاج لصناع ترفيه واعين بالتغيير وقادرين على مواكبة التطورات وتوظيف ميزات صناعة الدراما القصيرة جدا والعمودية ذات الربحي المالي الكبير مقارنة بتكاليف إنتاجها في تنمية القطاع الترفيهي، مع تحسين جودتها الفنية حتى تدعم قاعدتها الجماهيرية وتستقطب مختلف الفئات العمرية.

نجلاء قموع

تجربة فنية حديثة تجتاح العالم..   تونس على خط "الميكرو دراما".. وشاشات الهواتف الذكية منصة جديدة للعروض الفنية   

 

-صناعة الترفيه تفتح مساحات لتصورات غير تقليدية بعيدا عن قيود الدراما الكلاسيكية

-قناة نسمة تقدم أول تجربة تونسية ومغاربية وإنتاجات جديدة تونسية في طور الإنتاج

-أعمال "الميكرو دراما" أنشأتها شركات صينية.. مداخيلها هامة مقارنة بكلفة إنتاجها لكن جودتها الفنية محل جدل

تونس - الصباح

يجتاح ما يسمى بـ"الميكرو دراما" - وتعرف بالدراما العمودية (القصيرة جدا) على شاشات الهواتف الذكية- عالم الشباب واليافعين بعد أن عرفت انتشارا كبيرا في شرق آسيا (الصين، اليابان وكوريا الجنوبية) كما الولايات المتحدة الأمريكية، المنافسة الأولى لهذه الإنتاجات الآسيوية، وذلك منذ 2018. وقد وجد الشباب المهوس بمتابعة "الريلز" و"اليوتيوب شورتس" في "الميكرو دراما" متنفسا بعيدا عن شاشات التلفزيون والدراما الطويلة عبر حلقات تتجاوز أحيانا 100 حلقة مع مواسم متعددة، خاصة بعد تحولها من تجارب فردية إلى صناعة درامية جادة بداية 2020، إذ تتماشى هذه المضامين مع إيقاع الشباب السريع وهوسه بالتكنولوجيات الحديثة من ألعاب، تطبيقات تواصل، خاصة مع الانتشار العالمي لـ"التيك توك" وظهور مضامين فنية تتجاوز المقاطع الكوميدية على الانترنيت وتقدم حبكة درامية مشوقة لقصص رومانسية أو حكايات رعب غامضة ذات طابع بوليسي أو خيالي، ولا تتجاوز مدة عرض الحلقة الواحدة الثلاث دقائق.

مسلسلات "الميكرو دراما" (Micro-Drama)

شهدت في السنوات الأخيرة رواجا في العالم العربي على مستوى المشاهدة والإنتاج كذلك، وكانت انطلاقتها في مصر مع المنتجين هشام سليمان وعمرو قورة، وعرضت أولى هذه التجارب المتمثلة في مسلسلي ""1:45" و"قلب مفتوح"، وحقق هذا الإنتاج نسب متابعة عالية من المتابعة، خاصة وأنه يتناول قصص جرائم غامضة جذبت فضول الشباب الباحث عن مثل هذه المادة الفنية، وكان خطوة مشجعة لإنتاجات أكثر تهتم بالجوانب الاجتماعية وبأسلوب كوميدي، أبرزها "ابن الشركة" وأعمال على غرار "غرفة التحقيق" و"خطوط عريضة"، وبدورها اتجهت لبنان وسوريا لهذه الدراما القصيرة جدا عبر عدد من التجارب منها "بيت نجيب"، "ابن الحارة"، "بيت الأحلام" و"صراع الملكة والمنتقم" "ورا الكنز" للمخرج جعفر نور الدين.

وتسجل تونس في هذا النمط الدرامي الجديد التجربة المغاربية الأولى بعد أن قدمت قناة "نسمة" مسلسل "المخبي"، واختارت الولوج لهذا العالم بعمل اجتماعي مشوق عن سيناريو للطفي المشري، إخراج زياد بكارة، موسيقى هادي هلال، وجسد أدواره عدد من الوجوه الجديدة من بينهم يقين بن زيتون، نزار الورتاني، نسرين السعيداني، ياسمين الأخوة وملاك الحاج مبروك..

هذه التجربة الأولى فتحت المجال لعدد من صناع الدراما الشباب في تونس لتقديم مزيد من التجارب، وقد علمت "الصباح" في هذا السياق أن مخرج مسلسل "الأكسيدون" مطيع الدريدي يعمل على عمل ضخم ينتمي لفئة "الميكرو دراما"، ولكن مع وجوه معروفة في المشهد الفني التونسي، ومع توجه مخرجين شباب لتقديم أعمال قصيرة على اليوتيوب، من المتوقع أن تكون الفترة القادمة مساحة ثرية لهذه النوعية من التجارب في بلادنا، خاصة مع انتشار موضة هذه المسلسلات العمودية القصيرة في صفوف اليافعين والشباب.

ومن العوامل المشجعة لتقديم إنتاجات الميكرو دراما في تونس هي المرونة المميزة لهذه الصناعة على عدة مستويات، فلا تحتاج هذه الأعمال لميزانيات ضخمة ولا للوجوه معروفة، فالكلفة منخفضة ومحدودة وتناسب الشباب الباحث عن فرصة لتقديم رؤية فنية وحبكة درامية تشبه جيله وتعبر عنه دون قيود أو معايير مضبوطة تفرضها الدراما التلفزيونية، والتي بدورها موسمية في بلادنا (البرمجة الرمضانية)، كما تفتح هذه الدراما أسواقا جديدة للعرض عبر منصات دولية اعتمادا على الدبلجة وغيرها من الأساليب التسويقية الحديثة القادرة على تجاوز قواعد اللعبة الكلاسيكية للإنتاج الدرامي، فقد تغيرت تقاليد الفرجة في السنوات الأخيرة، ويبدو أن مسلسلات شاشة الهواتف الذكية بدأت تدريجيا تسحب البساط من التلفزيون، خاصة على مستوى الجمهور اليافع الذي لا يجد في المضامين الدرامية مادة تعبر عن أحلامه وتطلعاته وذائقته الفنية أو تواكب إيقاعه اليومي.

أمّا عن الانعكاسات السلبية لهذه الموجة من الأعمال الدرامية الحديثة فهي عديدة، منها النفسي والاجتماعي، فهذه النوعية السريعة من الأعمال تفقد الجيل اليافع ميزة التركيز والتفكير العميق في الطرح الفني المقترح في هذه الأعمال الاستهلاكية، إذ يتماهى مع سطحيتها وبعدها الترفيهي الموحش، ويصبح ضحية للاستغلال المالي من منصات عرض إنتاجات "الميكرو دراما" التي تطالب بعدد من الحلقات المشوقة المجانية برسوم مالية تتجاوز بكثير أسعار الاشتراك في منصات عالمية شهيرة.

وتنسحب هذه السلبيات على الجانب البصري والجمالي لإنتاجات الدراما العمودية القصيرة جدا، فمشاهدها معظمها لقطات مقربة مع مبالغة في الأداء من طرف الأبطال، بينما يفرض البعد الربحي معالجة درامية ضعيفة في حبكتها، هدفها الكسب التجاري على حساب الرؤية الإخراجية والسيناريو المتماسك.

في عالمنا العربي مازالت موجة "الميكرو دراما" لم تسيطر بعد على اهتمامات أغلب الجماهير، ويعتبر الشباب المستهلك الأول لهذه الدراما، لذلك يتعامل صناع الترفيه التقليديون باستهلال مع هذه الموجة الجديدة من الأعمال الفنية المعروضة على شاشات الهواتف الذكية، باعتبار جمهورهم الأول ربات البيوت ومتابعي الدراما العائلية والكوميديا الاجتماعية، غير أن المعايير الجديدة للفرجة في العالم تتغير تدريجيا، وقد قُدر في هذا السياق عدد مستخدمي منصة "ريل شوت" 55 مليون مشترك، وهي واحدة من أهم منصات عرض هذه النوعية من الدراما، وبالتالي التحولات في تقاليد المشاهدة تحتاج لصناع ترفيه واعين بالتغيير وقادرين على مواكبة التطورات وتوظيف ميزات صناعة الدراما القصيرة جدا والعمودية ذات الربحي المالي الكبير مقارنة بتكاليف إنتاجها في تنمية القطاع الترفيهي، مع تحسين جودتها الفنية حتى تدعم قاعدتها الجماهيرية وتستقطب مختلف الفئات العمرية.

نجلاء قموع