إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

باحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه لـ"الصباح":  مياه الحنفية يمكنها تعويض المياه المعدنية بتكلفة أقلّ بنحو سبعة أضعاف إذا تم اعتماد هذه التقنيات  

 

تونس - الصباح

تعيش مختلف ولايات الجمهورية، بمستويات متفاوتة، منذ نحو الشهر، أزمة تزوّد واضحة بالمياه المعدنية المعلّبة. تحتدّ في المدن الكبرى، مثل تونس العاصمة ونابل وصفاقس، وتكون أقلّ وطأة في جهات الوسط والجنوب، أين يصنع المواطن توازنه باستهلاك المياه في السوق الموازية التي يتم توزيعها عبر الشاحنات.

 

وأمام تكرّر نفس المشكل في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، وتحوّله إلى أزمة حقيقية خلال هذه الصائفة في ظلّ ارتفاع درجات الحرارة، وما تشهده سوق البيع بالجملة والتفصيل من مضاربة واحتكار وارتفاع في الأسعار، طرحت "الصباح" سؤالًا: هل يمكن العودة إلى مياه الحنفية، وما هي الآليات التي تجعل مياه شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) صالحة للشرب في مختلف الجهات دون أية تأثيرات ممكنة؟

بكلّ وضوح، كان ردّ الأستاذ والباحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه، حمزة الفيل، بالإيجاب عن سؤال "الصباح"، وقال إنّ العودة إلى مياه الحنفية ممكنة، وإنّ مياه الشبكة صالحة للشرب في عديد المناطق والجهات التونسية.

وبيّن في حديثه لـ"الصباح"، أنّ هناك ثلاث إشكاليات تُطرح مع مياه الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، أي مياه الحنفية، وهي ملوحة مرتفعة، أو مياه تحمل ترسّبات على غرار الأتربة والأوساخ، أو مشكل في التعقيم، أين يكون الماء حاملًا لرائحة الكلور أو حاملًا لطعم، وهو أمر أشار حمزة الفيل إلى أنّه تحسّن في السنوات الأخيرة.

وأوضح الفيل أنّ المياه في عديد المناطق من البلاد التونسية، التي تكون فيها درجة الملوحة منخفضة، أقلّ من 1 غرام في اللتر من الماء، على غرار مدن الشمال الغربي وبنزرت وسيدي بوسعيد والمرسى وقرطاج... وهو معدّل جيّد بالنسبة لمياه الشرب، غير أنّه في العديد من الأحيان تكون المياه غير صافية، وبالنسبة لهؤلاء بإمكانهم اعتماد تجهيزات تصفية يتم تركيبها مع بداية الشبكة، أي خارج المنزل وما بعد العدّاد مباشرة، فتقوم بتصفية المياه من كلّ الشوائب، وهو أمر جيّد حتى بالنسبة للتجهيزات المنزلية، على غرار الغسالة ومسخّن المياه...

أمّا بالنسبة لمياه الشرب، فيتمّ إضافة مصفّى الفحم المنشّط على مستوى حنفية المطبخ، أين يقوم بإزالة الكلور والبكتيريا، وبالتالي يصبح الماء صالحًا للشرب وصحيًا، كما أنّه جيّد للطبخ.

وأوضح الأستاذ والباحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه أنّ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مطالبة، في هذه الحالة، بإصدار تقارير مفصّلة حول نسب الملوحة المتواجدة بكلّ جهة ومنطقة من البلاد التونسية، حتى يتسنّى للمواطن اختيار الطريقة المثلى لتصفية مياه الحنفية وجعلها صالحة للشرب وتعويض استهلاكه من المياه المعدنية المعلّبة.

أمّا بالنسبة للمناطق التي تتجاوز فيها درجة الملوحة 1 غرام في اللتر، فيصبح الماء غير مقبول من ناحية الطعم (ليس مضرًا بالصحة)، وأيّ شخص تعوّد على استهلاك المياه المعدنية يصبح غير قادر على استهلاك مياه يتجاوز فيها معدّل الملوحة الـ1 غرام في اللتر، خاصّة أنّ هناك جهات تتجاوز فيها المعدّلات الـ2 غرام في اللتر الواحد، وهناك تقرير صدر في 2024 بيّن أنّ 50% من مياه الشبكة غير مطابقة للمواصفات الفيزيوكيميائية، ويمكن أن تتجاوز نسبة الملح الـ2 غرام في اللتر.

وبالنسبة لهذه المناطق، يمكن للمواطنين، حسب حمزة الفيل، استعمال وحدات التحلية المنزلية التي تضمّ أكثر من مرحلة تصفية، تزيل الشوائب والبكتيريا، وتقوم بتحلية المياه وتقدّم مياه بطعم حلو.

ونبّه الباحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه إلى أنّ هذه التجهيزات تعطي مياه شبه منزوعة (أقلّ من 0.9، المعدّل المطلوب) من الأملاح، وهو ما يمكن أن يكون مضرًا بصحة الفرد مع طول المدّة وعلى المستوى البعيد. والحلّ في هذه الحالة يكون عبر اعتماد منظومة الخلط: ربع مياه بالأملاح وثلاثة أرباع دون أملاح، وبالتالي الحصول على المعدّل المطلوب من الأملاح. ونصح الفيل، في هذا السياق، التونسيين بالتثبّت من نسبة الأملاح ونسبة الحموضة (لا يجب أن تكون أقلّ من 6.5) بعد تركيب وحدات التحلية المنزلية، وطلب ذلك من الشركة التي تقوم ببيعها وتركيبها.

وأفاد حمزة الفيل أنّ تركيب وحدة تحلية منزلية تبلغ كلفته تقريبًا 400 دينار، وهناك من يقوم ببيعها بداية من 300 دينار حسب الجهة والطلب، وتضاف 50 دينارًا في حال تمّ تدعيمها بمنظومة الخلطة في تركيبة الماء وضمان نسبة أملاح حسب المعدّلات المطلوبة.

وقال حمزة الفيل إنّه قام بعملية حسابية للكلفة الجملية لتحلية المياه في مستوياتها العالية (التيار الكهربائي ومياه الصوناد ومعلوم شراء وحدة التحلية)، فوجد أنّ اللتر من المياه المحلّاة الصالحة للشرب يكون في حدود 30 مليمًا للتر الواحد.

وينصح بالتالي حمزة الفيل، في ظلّ ما يعيشه التونسيون من مشكل واضح في التزوّد بالمياه المعدنية المعلّبة منذ نحو الشهر، بالتوجّه لاعتماد تصفية لمياه الحنفية، كلّ حسب نسبة الملوحة التي تتّسم بها منطقته، وضمان تزوّد دائم بمياه الشرب، وفي نفس الوقت ربح فارق الكلفة بينها وبين المياه المعدنية المعلّبة.

ويبلغ معدّل استهلاك الفرد التونسي للمياه المعدنية المعلّبة حوالي 20 إلى 24 لترًا شهريًا (بمعدّل سنوي يتراوح بين 225 و241 لترًا)، وفقًا لآخر الدراسات الصادرة عن المرصد التونسي للمياه والديوان الوطني للمياه المعدنية، كما تتراوح كلفة استهلاك المياه المعلّبة للأسرة الواحدة (تتكوّن من 5 أفراد) بين 130 و180 دينارًا شهريًا، وتتأثّر صعودًا خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة.

ويمثّل الإنفاق اليومي من المياه المعدنية للفرد نحو 700 مليم، أي ما يعادل خمس الدخل اليومي لمؤشّرات الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

وفي مقارنة بسيطة بين كلفة المياه المعدنية والمياه المحلّاة من الحنفية، نجد أنّ معدّل استهلاك 3 لترات من المياه للفرد (90 مليمًا) يعني أنّ المياه المعلّبة تساوي تقريبًا سبع مرات كلفة الاستهلاك اليومي من المياه المحلّاة للفرد الواحد. مع العلم أنّه، وبالنظر إلى أسعار تداول المياه المعدنية في الفترة الأخيرة، ترتفع النسبة إلى نحو عشر مرات.

ريم سوودي

 

باحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه لـ"الصباح":   مياه الحنفية يمكنها تعويض المياه المعدنية بتكلفة أقلّ بنحو سبعة أضعاف إذا تم اعتماد هذه التقنيات   

 

تونس - الصباح

تعيش مختلف ولايات الجمهورية، بمستويات متفاوتة، منذ نحو الشهر، أزمة تزوّد واضحة بالمياه المعدنية المعلّبة. تحتدّ في المدن الكبرى، مثل تونس العاصمة ونابل وصفاقس، وتكون أقلّ وطأة في جهات الوسط والجنوب، أين يصنع المواطن توازنه باستهلاك المياه في السوق الموازية التي يتم توزيعها عبر الشاحنات.

 

وأمام تكرّر نفس المشكل في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، وتحوّله إلى أزمة حقيقية خلال هذه الصائفة في ظلّ ارتفاع درجات الحرارة، وما تشهده سوق البيع بالجملة والتفصيل من مضاربة واحتكار وارتفاع في الأسعار، طرحت "الصباح" سؤالًا: هل يمكن العودة إلى مياه الحنفية، وما هي الآليات التي تجعل مياه شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) صالحة للشرب في مختلف الجهات دون أية تأثيرات ممكنة؟

بكلّ وضوح، كان ردّ الأستاذ والباحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه، حمزة الفيل، بالإيجاب عن سؤال "الصباح"، وقال إنّ العودة إلى مياه الحنفية ممكنة، وإنّ مياه الشبكة صالحة للشرب في عديد المناطق والجهات التونسية.

وبيّن في حديثه لـ"الصباح"، أنّ هناك ثلاث إشكاليات تُطرح مع مياه الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، أي مياه الحنفية، وهي ملوحة مرتفعة، أو مياه تحمل ترسّبات على غرار الأتربة والأوساخ، أو مشكل في التعقيم، أين يكون الماء حاملًا لرائحة الكلور أو حاملًا لطعم، وهو أمر أشار حمزة الفيل إلى أنّه تحسّن في السنوات الأخيرة.

وأوضح الفيل أنّ المياه في عديد المناطق من البلاد التونسية، التي تكون فيها درجة الملوحة منخفضة، أقلّ من 1 غرام في اللتر من الماء، على غرار مدن الشمال الغربي وبنزرت وسيدي بوسعيد والمرسى وقرطاج... وهو معدّل جيّد بالنسبة لمياه الشرب، غير أنّه في العديد من الأحيان تكون المياه غير صافية، وبالنسبة لهؤلاء بإمكانهم اعتماد تجهيزات تصفية يتم تركيبها مع بداية الشبكة، أي خارج المنزل وما بعد العدّاد مباشرة، فتقوم بتصفية المياه من كلّ الشوائب، وهو أمر جيّد حتى بالنسبة للتجهيزات المنزلية، على غرار الغسالة ومسخّن المياه...

أمّا بالنسبة لمياه الشرب، فيتمّ إضافة مصفّى الفحم المنشّط على مستوى حنفية المطبخ، أين يقوم بإزالة الكلور والبكتيريا، وبالتالي يصبح الماء صالحًا للشرب وصحيًا، كما أنّه جيّد للطبخ.

وأوضح الأستاذ والباحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه أنّ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مطالبة، في هذه الحالة، بإصدار تقارير مفصّلة حول نسب الملوحة المتواجدة بكلّ جهة ومنطقة من البلاد التونسية، حتى يتسنّى للمواطن اختيار الطريقة المثلى لتصفية مياه الحنفية وجعلها صالحة للشرب وتعويض استهلاكه من المياه المعدنية المعلّبة.

أمّا بالنسبة للمناطق التي تتجاوز فيها درجة الملوحة 1 غرام في اللتر، فيصبح الماء غير مقبول من ناحية الطعم (ليس مضرًا بالصحة)، وأيّ شخص تعوّد على استهلاك المياه المعدنية يصبح غير قادر على استهلاك مياه يتجاوز فيها معدّل الملوحة الـ1 غرام في اللتر، خاصّة أنّ هناك جهات تتجاوز فيها المعدّلات الـ2 غرام في اللتر الواحد، وهناك تقرير صدر في 2024 بيّن أنّ 50% من مياه الشبكة غير مطابقة للمواصفات الفيزيوكيميائية، ويمكن أن تتجاوز نسبة الملح الـ2 غرام في اللتر.

وبالنسبة لهذه المناطق، يمكن للمواطنين، حسب حمزة الفيل، استعمال وحدات التحلية المنزلية التي تضمّ أكثر من مرحلة تصفية، تزيل الشوائب والبكتيريا، وتقوم بتحلية المياه وتقدّم مياه بطعم حلو.

ونبّه الباحث بمركز البحوث وتكنولوجيا المياه إلى أنّ هذه التجهيزات تعطي مياه شبه منزوعة (أقلّ من 0.9، المعدّل المطلوب) من الأملاح، وهو ما يمكن أن يكون مضرًا بصحة الفرد مع طول المدّة وعلى المستوى البعيد. والحلّ في هذه الحالة يكون عبر اعتماد منظومة الخلط: ربع مياه بالأملاح وثلاثة أرباع دون أملاح، وبالتالي الحصول على المعدّل المطلوب من الأملاح. ونصح الفيل، في هذا السياق، التونسيين بالتثبّت من نسبة الأملاح ونسبة الحموضة (لا يجب أن تكون أقلّ من 6.5) بعد تركيب وحدات التحلية المنزلية، وطلب ذلك من الشركة التي تقوم ببيعها وتركيبها.

وأفاد حمزة الفيل أنّ تركيب وحدة تحلية منزلية تبلغ كلفته تقريبًا 400 دينار، وهناك من يقوم ببيعها بداية من 300 دينار حسب الجهة والطلب، وتضاف 50 دينارًا في حال تمّ تدعيمها بمنظومة الخلطة في تركيبة الماء وضمان نسبة أملاح حسب المعدّلات المطلوبة.

وقال حمزة الفيل إنّه قام بعملية حسابية للكلفة الجملية لتحلية المياه في مستوياتها العالية (التيار الكهربائي ومياه الصوناد ومعلوم شراء وحدة التحلية)، فوجد أنّ اللتر من المياه المحلّاة الصالحة للشرب يكون في حدود 30 مليمًا للتر الواحد.

وينصح بالتالي حمزة الفيل، في ظلّ ما يعيشه التونسيون من مشكل واضح في التزوّد بالمياه المعدنية المعلّبة منذ نحو الشهر، بالتوجّه لاعتماد تصفية لمياه الحنفية، كلّ حسب نسبة الملوحة التي تتّسم بها منطقته، وضمان تزوّد دائم بمياه الشرب، وفي نفس الوقت ربح فارق الكلفة بينها وبين المياه المعدنية المعلّبة.

ويبلغ معدّل استهلاك الفرد التونسي للمياه المعدنية المعلّبة حوالي 20 إلى 24 لترًا شهريًا (بمعدّل سنوي يتراوح بين 225 و241 لترًا)، وفقًا لآخر الدراسات الصادرة عن المرصد التونسي للمياه والديوان الوطني للمياه المعدنية، كما تتراوح كلفة استهلاك المياه المعلّبة للأسرة الواحدة (تتكوّن من 5 أفراد) بين 130 و180 دينارًا شهريًا، وتتأثّر صعودًا خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة.

ويمثّل الإنفاق اليومي من المياه المعدنية للفرد نحو 700 مليم، أي ما يعادل خمس الدخل اليومي لمؤشّرات الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

وفي مقارنة بسيطة بين كلفة المياه المعدنية والمياه المحلّاة من الحنفية، نجد أنّ معدّل استهلاك 3 لترات من المياه للفرد (90 مليمًا) يعني أنّ المياه المعلّبة تساوي تقريبًا سبع مرات كلفة الاستهلاك اليومي من المياه المحلّاة للفرد الواحد. مع العلم أنّه، وبالنظر إلى أسعار تداول المياه المعدنية في الفترة الأخيرة، ترتفع النسبة إلى نحو عشر مرات.

ريم سوودي