بين ملفات تبدو للوهلة الأولى مختلفة - من إنتاج المياه المعدنية وتوزيعها إلى وضعية سد نبهانة، ومن الانقطاعات في الماء والكهرباء إلى لقاء المواطنين والاستماع إلى مشاغلهم - تنقلت الجولة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 22 أوت الجاري بين قضايا متشابكة تلتقي جميعها عند نقطة واحدة تعتبر من أكثر المسائل حضورًا في الخطاب السياسي لرئيس الدولة: المحاسبة وضرورة أن تتحول المسؤولية داخل مؤسسات الدولة إلى فعل يترجم على أرض الواقع.
فالمسار الميداني الذي جمع بين معاينة الموارد ومتابعة مسالك توزيعها والاستماع المباشر إلى المواطنين وضع في صدارة النقاش العام أسئلة تتجاوز حدود الإشكالات الظرفية لتطال: من المسؤول عن تعطل الخدمات وترديها؟ وكيف تُدار ثروات البلاد؟ وأين تنتهي حدود الصعوبات الموضوعية؟
منال حرزي
في هذا الاتجاه، لم يكن حضور ملف المحاسبة في صلب اللقاءات التي جمعت رئيس الدولة قيس سعيّد بالمواطنين منفصلًا عن بقية محطات الزيارة، وإنما جاء ليؤكد أن معالجة الصعوبات، مهما كانت طبيعتها، تظل مرتبطة بتحديد المسؤوليات ورفض منطق الانتظار والتردد داخل مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، تمثل سلسلة الزيارات تحركًا ميدانيًا يحمل في طياته رسائل متعددة الأبعاد، عنوانها الأبرز أن الدولة مطالبة اليوم بأن تكون أكثر يقظة وفاعلية، وأن يكون المؤشر الفعلي الحقيقي لأدائها هو ما يلمسه المواطن من شغل وحرية وكرامة وطنية.
ربط بين الإشكاليات والأسباب
من خلال مختلف تنقلاته الميدانية، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد الربط بين الإشكاليات التي يعيشها المواطن يوميًا وبين الأسباب التي أفضت إليها، وخاصة مسؤولية مختلف أجهزة الدولة في بلوغ هذه الأوضاع، وذلك انطلاقًا من مقاربة تعتبر أن الملفات الاجتماعية والخدماتية هي في جوهرها قضايا سياسية تتصل بحسن إدارة المرافق العمومية والثروات الوطنية، وبمدى قدرة الدولة على حماية حق مواطنيها في تلقي مختلف الخدمات الأساسية.
وفي هذا الصدد، يحمل اختيار وحدات إنتاج المياه المعدنية كأول محطة في هذه الجولة أكثر من دلالة، خاصة في ظل انقطاعات متكررة للمياه في عديد المناطق دون موجب أو سبب، على حد تشخيص البعض، فضلًا عن غياب قوارير المياه المعدنية من الأسواق خلال الأيام الأخيرة، وما تم الكشف عنه من حجز عشرات الآلاف من القوارير المخفية في أحد المستودعات، ليتجاوز الأمر هنا مجرد اضطراب في مسالك التوزيع.
وفي هذا السياق، اهتم رئيس الدولة قيس سعيّد بمعاينة وحدات الإنتاج والاطلاع على الصعوبات المرتبطة بالتوزيع، باعتبار أن الإشكال لا يكمن دائمًا في توفر المنتوج، وإنما قد يتعلق بالحلقة التي تفصل بين دوائر الإنتاج والمستهلك.
وتكتسب هذه المسألة بعدًا سياسيًا عندما توضع في سياق ما أكده رئيس الجمهورية قيس سعيّد من وجود ممارسات تهدف إلى تأجيج الأوضاع، خاصة وأن رئيس الدولة قد أكد مرارًا في معرض لقاءاته الرسمية أن عديد الأزمات كشفت في جوهرها عن ممارسات مقصودة حالت دون انتظام نسق التزود.
سد نبهانة ورؤية شاملة للموارد المائية
في المحطة الثانية من الجولة، انتقل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى سد نبهانة، حيث اطلع على وضعية الموارد المائية والمسائل المتعلقة بحسن استغلالها والتصرف فيها. وهذه المحطة تنتقل بالزيارة إلى إطار استراتيجي شامل، بما أن تونس تواجه منذ سنوات تحديات مائية متراكمة فرضتها عوامل مناخية وطبيعية، لكنها تطرح في نفس الوقت أسئلة جوهرية حول أنماط الاستغلال والتصرف ومدى النجاعة في إدارة الموارد المائية.
وفي هذا الإطار، يُستشف من زيارة سد نبهانة أن مواجهة الأزمة المائية تقتضي رؤية شاملة تتجاوز حدود الحلول الظرفية، لتشمل حسن استغلال الموارد المتاحة وترشيد التصرف فيها والحد من مختلف أشكال الهدر، إلى جانب وضع سياسات قادرة على تأمين هذا المورد الحيوي على المدى البعيد.
إنصات لمشاغل المواطنين
في خطوة أخرى من مسار الزيارات الميدانية، اتجه رئيس الجمهورية إلى مناطق برج الرأس وسلقطة وسيدي علوان، حيث التقى عددًا من المواطنين واستمع مباشرة إلى مشاغلهم وتطلعاتهم. وهذه اللقاءات تندرج ضمن توجه سياسي يقوم على المعاينة الميدانية والاحتكاك المباشر بالمواطنين، بعيدًا عن سياسة التقارير الإدارية والوسائط التقليدية.
وضمن هذا التمشي، يرى رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العلاقة بين الدولة والمواطن لا يجب أن تقتصر على المناسبات الانتخابية، وإنما من الضروري أن تظل علاقة مباشرة، خاصة أن الاحتكاك المباشر مع المواطنين والإنصات إلى مشاغلهم من شأنه أن يفرز إجراءات ملموسة، وقرارات وحلولًا ومتابعة.
المحاسبة... مطلب مشروع
في حديثه مع المواطنين، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد التأكيد على أن المحاسبة العادلة مطلب مشروع، وأن للشعب التونسي الحق في المطالبة بها بالنظر إلى المعاناة التي طالته جراء عقود من الفساد ومن إهدار المال العام. وهذا الطرح يعيد مجددًا مسألة المحاسبة في صلب المشروع السياسي الذي يطرحه رئيس الدولة.
والخطاب هنا لا يقدم المحاسبة باعتبارها إجراءً انتقاميًا أو شعارًا سياسيًا، وإنما كشرط جوهري لتحقيق العدالة واستعادة الثقة. إذ لا يمكن، وفقًا لهذه المقاربة، الحديث عن إصلاح حقيقي في ظل بقاء دار لقمان على حالها.
من جانب آخر، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد قد أضاف إلى مفهوم المحاسبة بعدًا آخر لا يقل أهمية، حين تحدث عن أن مؤسسات الدولة ليست قاعات انتظار ولا مجالًا للتردد والترقب.
فالمطلوب اليوم ضمان أن يتحمل صناع القرار اليوم مسؤولياتهم كاملة، وهو مطلب يؤكده رئيس الدولة قيس سعيّد باستمرار، على اعتبار أن المرحلة الراهنة تقتضي أن يكون كل مسؤول في موقعه قادرًا على اتخاذ القرار والمبادرة والعمل.
الدولة ليست في حالة انتظار
وفي هذا الخصوص، يحمل خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد تجاه المسؤولين الذين "يهابون المسؤولية أو يتربصون أو ينتظرون" رسالة شديدة الوضوح إلى مختلف هياكل الدولة. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية لا تحتمل بطئًا أو ترددًا على مستوى اتخاذ القرار، خاصة عندما يتعلق الأمر بتأمين خدمات في مجالات حيوية كالماء والكهرباء.
وفي هذا السياق، تبدو الجولة الميدانية وكأنها دعوة إلى تغيير ثقافة العمل داخل الإدارة. فالدولة تحتاج، في مرحلة دقيقة، إلى مسؤولين قادرين على المبادرة واتخاذ القرار والعمل الميداني.
وهذه الرسالة تتجاوز المسؤولين المحليين لتشمل مختلف مستويات القرار. فالتوجه السياسي الذي يطرحه رئيس الدولة قيس سعيّد يقوم على أن مؤسسات الدولة مهمتها الأساسية خدمة المواطنين ورعاية مصالحهم.
الاستقرار مسؤولية مشتركة
من جهة أخرى، أولى رئيس الجمهورية قيس سعيّد اهتمامًا لما يحدث من انقطاعات للماء والكهرباء في فترة تشهد ذروة الارتفاع في درجات الحرارة، مؤكدًا أن مثل هذه الأوضاع ليست طبيعية، خاصة مع الحديث عن توثيق أعمال قطع متعمد لأنابيب المياه وأسلاك الكهرباء.
وبعيدًا عن الخوض في طبيعة كل حادثة ومسؤولياتها التي تبقى من مشمولات الجهات المختصة، فإن الرسالة السياسية الأبرز هي أن حماية المرافق الحيوية أصبحت جزءًا من حماية الاستقرار الوطني.
ولذلك، فإن أي إخلال متعمد بهذه المرافق لا يمكن أن يصنف في خانة الأعطاب العادية، على اعتبار أن الدولة مطالبة اليوم بتعزيز حماية بنيتها الأساسية وبالكشف عن كل من يثبت تورطه في إلحاق الضرر بها.
كما أن حديث رئيس الدولة قيس سعيّد عن وعي المواطنين بطبيعة التحديات يحمل رهانًا آخر يتمثل في ضرورة المحافظة على رصيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
من معالجة الأزمة إلى بناء دولة قوية
تكشف مختلف محطات جولة رئيس الدولة قيس سعيّد أن الهدف هو تعزيز وتحصين الدولة أمام الأزمات من خلال القدرة على حسن إدارتها وعلى مجابهة جميع التحديات عبر التحرك السريع والناجع للتصدي لجميع الإخلالات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية اليقظة والاستباق في عمل مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة، بما يتيح معالجة الإشكاليات في الوقت المناسب والحد من تداعياتها قبل أن تتحول إلى أزمات أكثر تعقيدًا، فضلًا عن تعزيز ثقة المواطن في قدرة الدولة على حماية مصالحه والاستجابة لمشاغله.
مواصلة الطريق رغم التحديات...
في ختام حديثه، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد مواصلة الطريق التي خطها الشعب التونسي رغم الإرث الثقيل من الفساد وإهدار أموال الشعب وخيرات البلاد.
فالصعوبات والتحديات التي تواجهها البلاد اليوم لا يمكن إنكارها، كما أن حجم التراكمات يجعل من تحقيق نتائج عملية وسريعة مسألة تقتضي جهدًا ووقتًا وإصلاحات عميقة، غير أن الخطاب السياسي الذي رافق هذه الجولة يؤكد أن الرهان بالنسبة إلى الدولة في أعلى هرمها يتمثل في عدم تحويل هذه الصعوبات إلى مبرر للجمود.
ولعل الرسالة الأبرز هي أن الطريق إلى الإصلاح، مهما كان صعبًا ومفعمًا بالتحديات، إلا أنه يظل رهين استعادة الدولة لفاعليتها وهيبتها.
وبين الوسلاتية ونبهانة وكندار وسلقطة وسيدي علوان، رسمت جولة رئيس الجمهورية قيس سعيّد خارطة سياسية تتجاوز حدود الولايات التي شملتها، لتلتقي عند تساؤل ملح: كيف يمكن للدولة أن تكون أكثر حضورًا وفاعلية في حياة مواطنيها؟
وتبدو الإجابة على هذا التساؤل بسيطة وفقًا للمقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد. فالدولة تحتاج إلى إدارة تستبق الأزمات وتجد الحلول، كما تحتاج إلى مسؤول يعي جسامة المرحلة وتحدياتها، وأن المنصب اليوم بات تكليفًا وليس تشريفًا. وفي حال استوعب صناع القرار هذه المعادلة، فإن تحقيق الإقلاع المنشود في أكثر من مجال يصبح أكثر واقعية، لأن المراد اليوم هو بناء دولة أكثر يقظة ونجاعة وفاعلية، يكون فيها كل مسؤول على قدر جسامة التكليف وحجم تطلعات الشعب.
تونس-الصباح
بين ملفات تبدو للوهلة الأولى مختلفة - من إنتاج المياه المعدنية وتوزيعها إلى وضعية سد نبهانة، ومن الانقطاعات في الماء والكهرباء إلى لقاء المواطنين والاستماع إلى مشاغلهم - تنقلت الجولة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 22 أوت الجاري بين قضايا متشابكة تلتقي جميعها عند نقطة واحدة تعتبر من أكثر المسائل حضورًا في الخطاب السياسي لرئيس الدولة: المحاسبة وضرورة أن تتحول المسؤولية داخل مؤسسات الدولة إلى فعل يترجم على أرض الواقع.
فالمسار الميداني الذي جمع بين معاينة الموارد ومتابعة مسالك توزيعها والاستماع المباشر إلى المواطنين وضع في صدارة النقاش العام أسئلة تتجاوز حدود الإشكالات الظرفية لتطال: من المسؤول عن تعطل الخدمات وترديها؟ وكيف تُدار ثروات البلاد؟ وأين تنتهي حدود الصعوبات الموضوعية؟
منال حرزي
في هذا الاتجاه، لم يكن حضور ملف المحاسبة في صلب اللقاءات التي جمعت رئيس الدولة قيس سعيّد بالمواطنين منفصلًا عن بقية محطات الزيارة، وإنما جاء ليؤكد أن معالجة الصعوبات، مهما كانت طبيعتها، تظل مرتبطة بتحديد المسؤوليات ورفض منطق الانتظار والتردد داخل مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، تمثل سلسلة الزيارات تحركًا ميدانيًا يحمل في طياته رسائل متعددة الأبعاد، عنوانها الأبرز أن الدولة مطالبة اليوم بأن تكون أكثر يقظة وفاعلية، وأن يكون المؤشر الفعلي الحقيقي لأدائها هو ما يلمسه المواطن من شغل وحرية وكرامة وطنية.
ربط بين الإشكاليات والأسباب
من خلال مختلف تنقلاته الميدانية، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد الربط بين الإشكاليات التي يعيشها المواطن يوميًا وبين الأسباب التي أفضت إليها، وخاصة مسؤولية مختلف أجهزة الدولة في بلوغ هذه الأوضاع، وذلك انطلاقًا من مقاربة تعتبر أن الملفات الاجتماعية والخدماتية هي في جوهرها قضايا سياسية تتصل بحسن إدارة المرافق العمومية والثروات الوطنية، وبمدى قدرة الدولة على حماية حق مواطنيها في تلقي مختلف الخدمات الأساسية.
وفي هذا الصدد، يحمل اختيار وحدات إنتاج المياه المعدنية كأول محطة في هذه الجولة أكثر من دلالة، خاصة في ظل انقطاعات متكررة للمياه في عديد المناطق دون موجب أو سبب، على حد تشخيص البعض، فضلًا عن غياب قوارير المياه المعدنية من الأسواق خلال الأيام الأخيرة، وما تم الكشف عنه من حجز عشرات الآلاف من القوارير المخفية في أحد المستودعات، ليتجاوز الأمر هنا مجرد اضطراب في مسالك التوزيع.
وفي هذا السياق، اهتم رئيس الدولة قيس سعيّد بمعاينة وحدات الإنتاج والاطلاع على الصعوبات المرتبطة بالتوزيع، باعتبار أن الإشكال لا يكمن دائمًا في توفر المنتوج، وإنما قد يتعلق بالحلقة التي تفصل بين دوائر الإنتاج والمستهلك.
وتكتسب هذه المسألة بعدًا سياسيًا عندما توضع في سياق ما أكده رئيس الجمهورية قيس سعيّد من وجود ممارسات تهدف إلى تأجيج الأوضاع، خاصة وأن رئيس الدولة قد أكد مرارًا في معرض لقاءاته الرسمية أن عديد الأزمات كشفت في جوهرها عن ممارسات مقصودة حالت دون انتظام نسق التزود.
سد نبهانة ورؤية شاملة للموارد المائية
في المحطة الثانية من الجولة، انتقل رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى سد نبهانة، حيث اطلع على وضعية الموارد المائية والمسائل المتعلقة بحسن استغلالها والتصرف فيها. وهذه المحطة تنتقل بالزيارة إلى إطار استراتيجي شامل، بما أن تونس تواجه منذ سنوات تحديات مائية متراكمة فرضتها عوامل مناخية وطبيعية، لكنها تطرح في نفس الوقت أسئلة جوهرية حول أنماط الاستغلال والتصرف ومدى النجاعة في إدارة الموارد المائية.
وفي هذا الإطار، يُستشف من زيارة سد نبهانة أن مواجهة الأزمة المائية تقتضي رؤية شاملة تتجاوز حدود الحلول الظرفية، لتشمل حسن استغلال الموارد المتاحة وترشيد التصرف فيها والحد من مختلف أشكال الهدر، إلى جانب وضع سياسات قادرة على تأمين هذا المورد الحيوي على المدى البعيد.
إنصات لمشاغل المواطنين
في خطوة أخرى من مسار الزيارات الميدانية، اتجه رئيس الجمهورية إلى مناطق برج الرأس وسلقطة وسيدي علوان، حيث التقى عددًا من المواطنين واستمع مباشرة إلى مشاغلهم وتطلعاتهم. وهذه اللقاءات تندرج ضمن توجه سياسي يقوم على المعاينة الميدانية والاحتكاك المباشر بالمواطنين، بعيدًا عن سياسة التقارير الإدارية والوسائط التقليدية.
وضمن هذا التمشي، يرى رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العلاقة بين الدولة والمواطن لا يجب أن تقتصر على المناسبات الانتخابية، وإنما من الضروري أن تظل علاقة مباشرة، خاصة أن الاحتكاك المباشر مع المواطنين والإنصات إلى مشاغلهم من شأنه أن يفرز إجراءات ملموسة، وقرارات وحلولًا ومتابعة.
المحاسبة... مطلب مشروع
في حديثه مع المواطنين، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد التأكيد على أن المحاسبة العادلة مطلب مشروع، وأن للشعب التونسي الحق في المطالبة بها بالنظر إلى المعاناة التي طالته جراء عقود من الفساد ومن إهدار المال العام. وهذا الطرح يعيد مجددًا مسألة المحاسبة في صلب المشروع السياسي الذي يطرحه رئيس الدولة.
والخطاب هنا لا يقدم المحاسبة باعتبارها إجراءً انتقاميًا أو شعارًا سياسيًا، وإنما كشرط جوهري لتحقيق العدالة واستعادة الثقة. إذ لا يمكن، وفقًا لهذه المقاربة، الحديث عن إصلاح حقيقي في ظل بقاء دار لقمان على حالها.
من جانب آخر، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد قد أضاف إلى مفهوم المحاسبة بعدًا آخر لا يقل أهمية، حين تحدث عن أن مؤسسات الدولة ليست قاعات انتظار ولا مجالًا للتردد والترقب.
فالمطلوب اليوم ضمان أن يتحمل صناع القرار اليوم مسؤولياتهم كاملة، وهو مطلب يؤكده رئيس الدولة قيس سعيّد باستمرار، على اعتبار أن المرحلة الراهنة تقتضي أن يكون كل مسؤول في موقعه قادرًا على اتخاذ القرار والمبادرة والعمل.
الدولة ليست في حالة انتظار
وفي هذا الخصوص، يحمل خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد تجاه المسؤولين الذين "يهابون المسؤولية أو يتربصون أو ينتظرون" رسالة شديدة الوضوح إلى مختلف هياكل الدولة. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية لا تحتمل بطئًا أو ترددًا على مستوى اتخاذ القرار، خاصة عندما يتعلق الأمر بتأمين خدمات في مجالات حيوية كالماء والكهرباء.
وفي هذا السياق، تبدو الجولة الميدانية وكأنها دعوة إلى تغيير ثقافة العمل داخل الإدارة. فالدولة تحتاج، في مرحلة دقيقة، إلى مسؤولين قادرين على المبادرة واتخاذ القرار والعمل الميداني.
وهذه الرسالة تتجاوز المسؤولين المحليين لتشمل مختلف مستويات القرار. فالتوجه السياسي الذي يطرحه رئيس الدولة قيس سعيّد يقوم على أن مؤسسات الدولة مهمتها الأساسية خدمة المواطنين ورعاية مصالحهم.
الاستقرار مسؤولية مشتركة
من جهة أخرى، أولى رئيس الجمهورية قيس سعيّد اهتمامًا لما يحدث من انقطاعات للماء والكهرباء في فترة تشهد ذروة الارتفاع في درجات الحرارة، مؤكدًا أن مثل هذه الأوضاع ليست طبيعية، خاصة مع الحديث عن توثيق أعمال قطع متعمد لأنابيب المياه وأسلاك الكهرباء.
وبعيدًا عن الخوض في طبيعة كل حادثة ومسؤولياتها التي تبقى من مشمولات الجهات المختصة، فإن الرسالة السياسية الأبرز هي أن حماية المرافق الحيوية أصبحت جزءًا من حماية الاستقرار الوطني.
ولذلك، فإن أي إخلال متعمد بهذه المرافق لا يمكن أن يصنف في خانة الأعطاب العادية، على اعتبار أن الدولة مطالبة اليوم بتعزيز حماية بنيتها الأساسية وبالكشف عن كل من يثبت تورطه في إلحاق الضرر بها.
كما أن حديث رئيس الدولة قيس سعيّد عن وعي المواطنين بطبيعة التحديات يحمل رهانًا آخر يتمثل في ضرورة المحافظة على رصيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
من معالجة الأزمة إلى بناء دولة قوية
تكشف مختلف محطات جولة رئيس الدولة قيس سعيّد أن الهدف هو تعزيز وتحصين الدولة أمام الأزمات من خلال القدرة على حسن إدارتها وعلى مجابهة جميع التحديات عبر التحرك السريع والناجع للتصدي لجميع الإخلالات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية اليقظة والاستباق في عمل مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة، بما يتيح معالجة الإشكاليات في الوقت المناسب والحد من تداعياتها قبل أن تتحول إلى أزمات أكثر تعقيدًا، فضلًا عن تعزيز ثقة المواطن في قدرة الدولة على حماية مصالحه والاستجابة لمشاغله.
مواصلة الطريق رغم التحديات...
في ختام حديثه، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد مواصلة الطريق التي خطها الشعب التونسي رغم الإرث الثقيل من الفساد وإهدار أموال الشعب وخيرات البلاد.
فالصعوبات والتحديات التي تواجهها البلاد اليوم لا يمكن إنكارها، كما أن حجم التراكمات يجعل من تحقيق نتائج عملية وسريعة مسألة تقتضي جهدًا ووقتًا وإصلاحات عميقة، غير أن الخطاب السياسي الذي رافق هذه الجولة يؤكد أن الرهان بالنسبة إلى الدولة في أعلى هرمها يتمثل في عدم تحويل هذه الصعوبات إلى مبرر للجمود.
ولعل الرسالة الأبرز هي أن الطريق إلى الإصلاح، مهما كان صعبًا ومفعمًا بالتحديات، إلا أنه يظل رهين استعادة الدولة لفاعليتها وهيبتها.
وبين الوسلاتية ونبهانة وكندار وسلقطة وسيدي علوان، رسمت جولة رئيس الجمهورية قيس سعيّد خارطة سياسية تتجاوز حدود الولايات التي شملتها، لتلتقي عند تساؤل ملح: كيف يمكن للدولة أن تكون أكثر حضورًا وفاعلية في حياة مواطنيها؟
وتبدو الإجابة على هذا التساؤل بسيطة وفقًا للمقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد. فالدولة تحتاج إلى إدارة تستبق الأزمات وتجد الحلول، كما تحتاج إلى مسؤول يعي جسامة المرحلة وتحدياتها، وأن المنصب اليوم بات تكليفًا وليس تشريفًا. وفي حال استوعب صناع القرار هذه المعادلة، فإن تحقيق الإقلاع المنشود في أكثر من مجال يصبح أكثر واقعية، لأن المراد اليوم هو بناء دولة أكثر يقظة ونجاعة وفاعلية، يكون فيها كل مسؤول على قدر جسامة التكليف وحجم تطلعات الشعب.