مع توقيع محضر النقاشات الخاص بمشروع الفلاحة الذكية المتأقلمة مع التغيرات المناخية، تدخل العلاقات التونسية- الكورية مرحلة متطورة من التعاون تقوم على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات ومواكبة التحولات التي تفرضها التحديات المناخية والاقتصادية. ويعكس هذا المشروع، بما يتضمنه من حلول ذكية لإدارة الموارد المائية وتعصير الضيعات الفلاحية وتطوير البحث والتكوين، توجهًا نحو جعل التعاون التنموي مدخلًا أساسيًا لبناء شراكة أكثر شمولية بين البلدين.
منال حرزي
ويؤشر هذا الحراك إلى زخم متنامٍ في العلاقات التونسية الكورية، وسط تطلع مشترك إلى توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات واعدة، بالتوازي مع دفع الاستثمارات الكورية وتعزيز حضور الشركات الكورية في تونس.
وفي هذا الخصوص، احتضنت أول أمس وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج حفل توقيع "محضر النقاشات" الخاص بمشروع "الفلاحة الذكية المتأقلمة مع التغيرات المناخية" بين وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ومكتب الوكالة الكورية للتعاون الدولي "KOICA"، بحضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي وسفير جمهورية كوريا بتونس السيد (Lee Tae Won).
ويقوم المشروع التونسي -الكوري على مقاربة متعددة الأبعاد تبدأ بتطوير البحوث والتنمية في مجال الفلاحة الذكية المتأقلمة مع التغيرات المناخية، والتي تشمل دعم البنية التحتية الفلاحية من خلال إدخال تكنولوجيات تساعد على تحقيق إنتاج مستدام للحبوب وأشجار الزيتون، فضلًا عن برامج تكوين لفائدة ممثلي الهياكل الفلاحية المعنية، بما يؤشر إلى أن المشروع يسعى في جوهره إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا والتكوين والتطبيق الميداني.
وهي معادلة يعتبرها أهل الاختصاص هامة لضمان ديمومة أي مشروع تنموي، على اعتبار أن التكنولوجيا تستمد قيمتها الفعلية بمدى قدرة الكفاءات المحلية على استيعابها وتطوير استخدامها بما يتلاءم مع خصوصيات الواقع التونسي.
كما أن تركيز أنظمة ري ذكية يكتسب أهمية مضاعفة في خضم التحديات الراهنة في هذا المجال، وبالتالي فإن التحكم الأفضل في استهلاك المياه وتوجيهها وفقًا للحاجيات الفعلية للزراعات يمكن أن يساهم في التقليص من نسب الهدر وتحسين مردودية الموارد المتاحة.
وفي السياق ذاته، يكتسب المشروع بعدًا عمليًا من خلال تعصير عدد من الضيعات الفلاحية في القيروان وبنزرت ونابل وتحويلها إلى ضيعات نموذجية. وتكمن أهمية هذا التوجه في إمكانية تحويل هذه الفضاءات إلى مختبرات ميدانية لتجربة الحلول الجديدة وتقييم نتائجها قبل توسيع نطاق انتشارها.
وبذلك، يبدو أن التعاون في مجال الفلاحة الذكية بين البلدين يتجاوز سياسة المشاريع الظرفية ليطرح نموذجًا جديدًا للشراكة يقوم على بناء القدرات ونقل التكنولوجيا ومواكبة التحولات المناخية في نفس الوقت.
خبرة كورية تلتقي بحاجيات تونسية
من جانب آخر، فإن اختيار كوريا شريكًا في هذا المجال لم يكن من قبيل الصدفة، فقد نجحت سيول خلال العقود الماضية في بناء تجربة تنموية لافتة ارتكزت على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وتحولت إلى واحدة من أبرز الاقتصاديات ذات الحضور العالمي في الصناعات المتقدمة والرقمنة والابتكار.
ومن هذا المنطلق، تكتسي برامج التعاون التي تنفذها وكالة (KOICA) أهمية خاصة بالنسبة لتونس، باعتبارها تتيح الاستفادة من الخبرة الكورية في مجالات تتصل مباشرة بالتحولات الاقتصادية والمجتمعية، لا سيما وأن التعاون التنموي يمكن أن يشكل، عندما يقترن بنقل الخبرات وبناء الكفاءات، جسرًا نحو علاقات اقتصادية أكثر عمقًا وتوازنًا.
وهو طرح تؤكده المجالات التي أشار إليها وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي، فمن الذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة إلى تكنولوجيات الصحة، يعكس توجيه وتطوير أجندة التعاون نحو هذه القطاعات تطلع تونس إلى الاستفادة من المزايا التكنولوجية الكورية في مجالات تعد من ركائز الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، توفر تونس مجالًا لتطبيق هذه الخبرات في بيئة إقليمية تتسم بحاجياتها المتزايدة إلى الحلول التكنولوجية، سواء في إفريقيا أو في الضفة الجنوبية للمتوسط. ومن هنا، تتجاوز الشراكة الثنائية بعدها التقليدي لتتحول إلى منصة لتبادل المصالح والخبرات.
من التعاون الفني إلى شراكة اقتصادية واسعة
اللافت في الخطاب الرسمي المرافق لتوقيع المشروع هو الربط الواضح بين التعاون التنموي والطموح الاقتصادي والاستثماري. فالإشادة بدور الوكالة الكورية للتعاون الدولي لم تقتصر على مساهمتها في تمويل المشاريع ذات الأولوية، وإنما ارتبطت أيضًا بالتطلع إلى أن تظل الوكالة قوة دفع نحو تعزيز الاستثمارات الكورية الخاصة في تونس.
وهنا تبرز واحدة من بين أهم الرهانات المطروحة على العلاقات التونسية- الكورية مستقبلًا، وتتعلق بكيف يمكن تحويل رصيد التعاون الفني والمؤسساتي إلى استثمارات وشراكات اقتصادية أكثر كثافة؟
فالاستثمار الكوري في تونس ما يزال، رغم الإرادة السياسية للبلدين ورغم الإمكانيات المتاحة، دون المطلوب، حيث يقدر حجم الاستثمارات الكورية المباشرة بنحو 200 مليون دولار، فيما يناهز عدد المؤسسات والشركات الكورية الجنوبية الكبرى المنتصبة فعليًا في تونس ست مؤسسات رئيسية. وهي أرقام، ولئن تعكس حضورًا اقتصاديًا قائمًا، فإنها ومقارنة بالإمكانيات المتاحة تؤكد أن هنالك هامشًا واسعًا للانتشار والتوسع.
تبرز شركة(Yura)، ضمن هذه المقاربة، الناشطة في مجال مكونات السيارات كمثال حي على قدرة تونس على استقطاب المؤسسات الكورية العاملة في الصناعات الموجهة نحو التصدير. فوجود مثل هذه الشركات لا يوفر مواطن شغل فحسب، وإنما يساهم أيضًا في إدماج تونس ضمن سلاسل القيمة الصناعية العالمية ونقل بعض الخبرات والمعايير الصناعية.
ويبدو، في ظل الإرادة السياسية للطرفين للارتقاء بواقع العلاقات الثنائية إلى مصاف التعاون الاستراتيجي، أن الجهود ستتركز في المرحلة القادمة على استقطاب استثمارات أكثر تنوعًا وأعلى قيمة مضافة، خاصة في قطاعات السيارات الذكية والإلكترونيات والطاقات النظيفة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الصحية. وهنا تحديدًا يمكن أن تلتقي الرغبة التونسية في تطوير نسيجها الاقتصادي مع حاجة الشركات الكورية إلى مواقع جديدة تدعم انتشارها الدولي.
تونس.. منصة بين إفريقيا وأوروبا
تراهن تونس في حوارها مع المستثمرين الكوريين على مجموعة من المقومات التي يمكن أن تمنحها بعدًا متميزًا في استراتيجيات الانتشار الخارجي للشركات الآسيوية. فإلى جانب موقعها الجغرافي على الضفة الجنوبية للمتوسط، تمتلك تونس قاعدة من الكفاءات البشرية وخبرة صناعية متراكمة، فضلًا عن شبكة علاقاتها الاقتصادية مع الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وقد شدد وزير الخارجية على هذه المزايا خلال حفل التوقيع، معتبرًا أن تونس يمكن أن تشكل منصة إقليمية للشركات الكورية الراغبة في تعزيز حضورها في إفريقيا وأوروبا. وهذه الرؤية تكتسب أهميتها في سياق دولي تبحث فيه الشركات الكبرى عن تنويع مواقع الإنتاج وتقريب سلاسل التوريد من الأسواق المستهدفة.
كما يمكن للشراكة مع الشركات الكورية أن تفتح آفاقًا جديدة في مجال نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك. فتونس لا تسعى فقط إلى استقطاب رؤوس الأموال، بل تحتاج أيضًا إلى شراكات تساهم في الارتقاء بالقدرات الصناعية الوطنية وتعزيز الابتكار وخلق فرص عمل ذات مهارات عالية.
التعاون الثلاثي.. البعد الإفريقي للشراكة
من أبرز النقاط التي تضمنها حفل التوقيع التأكيد على الاستعداد لمواصلة تطوير صيغ التعاون الثلاثي بين تونس وكوريا والدول الإفريقية، بالاستناد إلى الخبرة التونسية في مجالات التنمية والتكوين وبناء القدرات. وهو توجه يمنح العلاقات الثنائية بعدًا يتجاوز الإطار التقليدي للتعاون بين بلدين.
فكوريا تمتلك إمكانات مالية وتكنولوجية كبيرة، في حين تمتلك تونس رصيدًا بشريًا هامًا وعلاقات تاريخية مع محيطها الإفريقي، بما من شأنه أن يخلق صيغة تعاون تستجيب لحاجيات بلدان القارة في مجالات حيوية مثل الفلاحة والصحة والرقمنة والتكوين.
ولا ينفصل هذا التوجه عن الحراك الذي تشهده الدبلوماسية التونسية باتجاه القارة الإفريقية، ولا عن التوجه الكوري المتزايد لتعزيز علاقاته الاقتصادية والسياسية مع إفريقيا. وقد سبق أن تم التأكيد على هذه الأهداف خلال مشاركة وزير الخارجية في الاجتماع الوزاري كوريا-إفريقيا الذي احتضنته سيول في جوان 2026.
ومن ثمة، فإن التعاون الثلاثي يمكن أن يشكل أحد المسارات الهامة التي تمنح الشراكة التونسية الكورية بعدًا استراتيجيًا إضافيًا. فتونس قد تتحول، من خلال خبراتها وموقعها، إلى شريك في تنفيذ مشاريع كورية موجهة نحو القارة.
وفي هذا الخضم، يمكن القول إن العلاقات التونسية- الكورية تعيش اليوم مرحلة من الزخم المتصاعد، تدعمها اللقاءات السياسية والتعاون التنموي وتنامي الاهتمام بالقطاعات المستقبلية، غير أن هذا الزخم يواجه في المقابل بتحد جوهري يتمثل في أهمية أن تواكب المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية مستوى الطموح السياسي والدبلوماسي.
فاقتصاد بحجم الاقتصاد الكوري، وخبرة صناعية وتكنولوجية متقدمة، يمكن أن يتيحا فرصًا أوسع لتونس إذا ما تم تعزيز التعريف بالمزايا الاستثمارية وتكثيف اللقاءات بين رجال الأعمال، هذا بالتوازي مع دعم المشاريع المشتركة.
وقد يكون مشروع الفلاحة الذكية بداية موفقة لتكريس هذه المقاربة الجديدة، لأنه يقدم نموذجًا للتعاون الذي ينطلق من حاجيات تونس التنموية ويستفيد من التكنولوجيا الكورية، مع إمكانية أن يفتح لاحقًا آفاقًا اقتصادية واستثمارية مرتبطة بالحلول الزراعية والتكنولوجية.
وفي هذا الإطار، تبدو العلاقات التونسية -الكورية أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى مستوى أكثر عمقًا. فبين الفلاحة الذكية والذكاء الاصطناعي والطاقة والصحة، تتسع مجالات الالتقاء حول أولويات تونس وخبرات كوريا.
وبين نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، فإن الشراكة التونسية الكورية ستكون مؤهلة لأن تتحول من تعاون واعد إلى رافعة فعلية للتنمية والابتكار والانفتاح الاقتصادي، بما يعزز موقع تونس في محيطها المتوسطي والإفريقي ويفتح أمامها آفاقًا جديدة في عالم تتزايد فيه أهمية الشراكات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
تونس-الصباح
مع توقيع محضر النقاشات الخاص بمشروع الفلاحة الذكية المتأقلمة مع التغيرات المناخية، تدخل العلاقات التونسية- الكورية مرحلة متطورة من التعاون تقوم على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات ومواكبة التحولات التي تفرضها التحديات المناخية والاقتصادية. ويعكس هذا المشروع، بما يتضمنه من حلول ذكية لإدارة الموارد المائية وتعصير الضيعات الفلاحية وتطوير البحث والتكوين، توجهًا نحو جعل التعاون التنموي مدخلًا أساسيًا لبناء شراكة أكثر شمولية بين البلدين.
منال حرزي
ويؤشر هذا الحراك إلى زخم متنامٍ في العلاقات التونسية الكورية، وسط تطلع مشترك إلى توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات واعدة، بالتوازي مع دفع الاستثمارات الكورية وتعزيز حضور الشركات الكورية في تونس.
وفي هذا الخصوص، احتضنت أول أمس وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج حفل توقيع "محضر النقاشات" الخاص بمشروع "الفلاحة الذكية المتأقلمة مع التغيرات المناخية" بين وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ومكتب الوكالة الكورية للتعاون الدولي "KOICA"، بحضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي وسفير جمهورية كوريا بتونس السيد (Lee Tae Won).
ويقوم المشروع التونسي -الكوري على مقاربة متعددة الأبعاد تبدأ بتطوير البحوث والتنمية في مجال الفلاحة الذكية المتأقلمة مع التغيرات المناخية، والتي تشمل دعم البنية التحتية الفلاحية من خلال إدخال تكنولوجيات تساعد على تحقيق إنتاج مستدام للحبوب وأشجار الزيتون، فضلًا عن برامج تكوين لفائدة ممثلي الهياكل الفلاحية المعنية، بما يؤشر إلى أن المشروع يسعى في جوهره إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا والتكوين والتطبيق الميداني.
وهي معادلة يعتبرها أهل الاختصاص هامة لضمان ديمومة أي مشروع تنموي، على اعتبار أن التكنولوجيا تستمد قيمتها الفعلية بمدى قدرة الكفاءات المحلية على استيعابها وتطوير استخدامها بما يتلاءم مع خصوصيات الواقع التونسي.
كما أن تركيز أنظمة ري ذكية يكتسب أهمية مضاعفة في خضم التحديات الراهنة في هذا المجال، وبالتالي فإن التحكم الأفضل في استهلاك المياه وتوجيهها وفقًا للحاجيات الفعلية للزراعات يمكن أن يساهم في التقليص من نسب الهدر وتحسين مردودية الموارد المتاحة.
وفي السياق ذاته، يكتسب المشروع بعدًا عمليًا من خلال تعصير عدد من الضيعات الفلاحية في القيروان وبنزرت ونابل وتحويلها إلى ضيعات نموذجية. وتكمن أهمية هذا التوجه في إمكانية تحويل هذه الفضاءات إلى مختبرات ميدانية لتجربة الحلول الجديدة وتقييم نتائجها قبل توسيع نطاق انتشارها.
وبذلك، يبدو أن التعاون في مجال الفلاحة الذكية بين البلدين يتجاوز سياسة المشاريع الظرفية ليطرح نموذجًا جديدًا للشراكة يقوم على بناء القدرات ونقل التكنولوجيا ومواكبة التحولات المناخية في نفس الوقت.
خبرة كورية تلتقي بحاجيات تونسية
من جانب آخر، فإن اختيار كوريا شريكًا في هذا المجال لم يكن من قبيل الصدفة، فقد نجحت سيول خلال العقود الماضية في بناء تجربة تنموية لافتة ارتكزت على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وتحولت إلى واحدة من أبرز الاقتصاديات ذات الحضور العالمي في الصناعات المتقدمة والرقمنة والابتكار.
ومن هذا المنطلق، تكتسي برامج التعاون التي تنفذها وكالة (KOICA) أهمية خاصة بالنسبة لتونس، باعتبارها تتيح الاستفادة من الخبرة الكورية في مجالات تتصل مباشرة بالتحولات الاقتصادية والمجتمعية، لا سيما وأن التعاون التنموي يمكن أن يشكل، عندما يقترن بنقل الخبرات وبناء الكفاءات، جسرًا نحو علاقات اقتصادية أكثر عمقًا وتوازنًا.
وهو طرح تؤكده المجالات التي أشار إليها وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي، فمن الذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة إلى تكنولوجيات الصحة، يعكس توجيه وتطوير أجندة التعاون نحو هذه القطاعات تطلع تونس إلى الاستفادة من المزايا التكنولوجية الكورية في مجالات تعد من ركائز الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، توفر تونس مجالًا لتطبيق هذه الخبرات في بيئة إقليمية تتسم بحاجياتها المتزايدة إلى الحلول التكنولوجية، سواء في إفريقيا أو في الضفة الجنوبية للمتوسط. ومن هنا، تتجاوز الشراكة الثنائية بعدها التقليدي لتتحول إلى منصة لتبادل المصالح والخبرات.
من التعاون الفني إلى شراكة اقتصادية واسعة
اللافت في الخطاب الرسمي المرافق لتوقيع المشروع هو الربط الواضح بين التعاون التنموي والطموح الاقتصادي والاستثماري. فالإشادة بدور الوكالة الكورية للتعاون الدولي لم تقتصر على مساهمتها في تمويل المشاريع ذات الأولوية، وإنما ارتبطت أيضًا بالتطلع إلى أن تظل الوكالة قوة دفع نحو تعزيز الاستثمارات الكورية الخاصة في تونس.
وهنا تبرز واحدة من بين أهم الرهانات المطروحة على العلاقات التونسية- الكورية مستقبلًا، وتتعلق بكيف يمكن تحويل رصيد التعاون الفني والمؤسساتي إلى استثمارات وشراكات اقتصادية أكثر كثافة؟
فالاستثمار الكوري في تونس ما يزال، رغم الإرادة السياسية للبلدين ورغم الإمكانيات المتاحة، دون المطلوب، حيث يقدر حجم الاستثمارات الكورية المباشرة بنحو 200 مليون دولار، فيما يناهز عدد المؤسسات والشركات الكورية الجنوبية الكبرى المنتصبة فعليًا في تونس ست مؤسسات رئيسية. وهي أرقام، ولئن تعكس حضورًا اقتصاديًا قائمًا، فإنها ومقارنة بالإمكانيات المتاحة تؤكد أن هنالك هامشًا واسعًا للانتشار والتوسع.
تبرز شركة(Yura)، ضمن هذه المقاربة، الناشطة في مجال مكونات السيارات كمثال حي على قدرة تونس على استقطاب المؤسسات الكورية العاملة في الصناعات الموجهة نحو التصدير. فوجود مثل هذه الشركات لا يوفر مواطن شغل فحسب، وإنما يساهم أيضًا في إدماج تونس ضمن سلاسل القيمة الصناعية العالمية ونقل بعض الخبرات والمعايير الصناعية.
ويبدو، في ظل الإرادة السياسية للطرفين للارتقاء بواقع العلاقات الثنائية إلى مصاف التعاون الاستراتيجي، أن الجهود ستتركز في المرحلة القادمة على استقطاب استثمارات أكثر تنوعًا وأعلى قيمة مضافة، خاصة في قطاعات السيارات الذكية والإلكترونيات والطاقات النظيفة والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الصحية. وهنا تحديدًا يمكن أن تلتقي الرغبة التونسية في تطوير نسيجها الاقتصادي مع حاجة الشركات الكورية إلى مواقع جديدة تدعم انتشارها الدولي.
تونس.. منصة بين إفريقيا وأوروبا
تراهن تونس في حوارها مع المستثمرين الكوريين على مجموعة من المقومات التي يمكن أن تمنحها بعدًا متميزًا في استراتيجيات الانتشار الخارجي للشركات الآسيوية. فإلى جانب موقعها الجغرافي على الضفة الجنوبية للمتوسط، تمتلك تونس قاعدة من الكفاءات البشرية وخبرة صناعية متراكمة، فضلًا عن شبكة علاقاتها الاقتصادية مع الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وقد شدد وزير الخارجية على هذه المزايا خلال حفل التوقيع، معتبرًا أن تونس يمكن أن تشكل منصة إقليمية للشركات الكورية الراغبة في تعزيز حضورها في إفريقيا وأوروبا. وهذه الرؤية تكتسب أهميتها في سياق دولي تبحث فيه الشركات الكبرى عن تنويع مواقع الإنتاج وتقريب سلاسل التوريد من الأسواق المستهدفة.
كما يمكن للشراكة مع الشركات الكورية أن تفتح آفاقًا جديدة في مجال نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك. فتونس لا تسعى فقط إلى استقطاب رؤوس الأموال، بل تحتاج أيضًا إلى شراكات تساهم في الارتقاء بالقدرات الصناعية الوطنية وتعزيز الابتكار وخلق فرص عمل ذات مهارات عالية.
التعاون الثلاثي.. البعد الإفريقي للشراكة
من أبرز النقاط التي تضمنها حفل التوقيع التأكيد على الاستعداد لمواصلة تطوير صيغ التعاون الثلاثي بين تونس وكوريا والدول الإفريقية، بالاستناد إلى الخبرة التونسية في مجالات التنمية والتكوين وبناء القدرات. وهو توجه يمنح العلاقات الثنائية بعدًا يتجاوز الإطار التقليدي للتعاون بين بلدين.
فكوريا تمتلك إمكانات مالية وتكنولوجية كبيرة، في حين تمتلك تونس رصيدًا بشريًا هامًا وعلاقات تاريخية مع محيطها الإفريقي، بما من شأنه أن يخلق صيغة تعاون تستجيب لحاجيات بلدان القارة في مجالات حيوية مثل الفلاحة والصحة والرقمنة والتكوين.
ولا ينفصل هذا التوجه عن الحراك الذي تشهده الدبلوماسية التونسية باتجاه القارة الإفريقية، ولا عن التوجه الكوري المتزايد لتعزيز علاقاته الاقتصادية والسياسية مع إفريقيا. وقد سبق أن تم التأكيد على هذه الأهداف خلال مشاركة وزير الخارجية في الاجتماع الوزاري كوريا-إفريقيا الذي احتضنته سيول في جوان 2026.
ومن ثمة، فإن التعاون الثلاثي يمكن أن يشكل أحد المسارات الهامة التي تمنح الشراكة التونسية الكورية بعدًا استراتيجيًا إضافيًا. فتونس قد تتحول، من خلال خبراتها وموقعها، إلى شريك في تنفيذ مشاريع كورية موجهة نحو القارة.
وفي هذا الخضم، يمكن القول إن العلاقات التونسية- الكورية تعيش اليوم مرحلة من الزخم المتصاعد، تدعمها اللقاءات السياسية والتعاون التنموي وتنامي الاهتمام بالقطاعات المستقبلية، غير أن هذا الزخم يواجه في المقابل بتحد جوهري يتمثل في أهمية أن تواكب المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية مستوى الطموح السياسي والدبلوماسي.
فاقتصاد بحجم الاقتصاد الكوري، وخبرة صناعية وتكنولوجية متقدمة، يمكن أن يتيحا فرصًا أوسع لتونس إذا ما تم تعزيز التعريف بالمزايا الاستثمارية وتكثيف اللقاءات بين رجال الأعمال، هذا بالتوازي مع دعم المشاريع المشتركة.
وقد يكون مشروع الفلاحة الذكية بداية موفقة لتكريس هذه المقاربة الجديدة، لأنه يقدم نموذجًا للتعاون الذي ينطلق من حاجيات تونس التنموية ويستفيد من التكنولوجيا الكورية، مع إمكانية أن يفتح لاحقًا آفاقًا اقتصادية واستثمارية مرتبطة بالحلول الزراعية والتكنولوجية.
وفي هذا الإطار، تبدو العلاقات التونسية -الكورية أمام فرصة حقيقية للانتقال إلى مستوى أكثر عمقًا. فبين الفلاحة الذكية والذكاء الاصطناعي والطاقة والصحة، تتسع مجالات الالتقاء حول أولويات تونس وخبرات كوريا.
وبين نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، فإن الشراكة التونسية الكورية ستكون مؤهلة لأن تتحول من تعاون واعد إلى رافعة فعلية للتنمية والابتكار والانفتاح الاقتصادي، بما يعزز موقع تونس في محيطها المتوسطي والإفريقي ويفتح أمامها آفاقًا جديدة في عالم تتزايد فيه أهمية الشراكات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا.