رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان عبد المجيد الزحاف لـ«الصباح»: المخدرات «سرطان المجتمع».. والدعم العائلي والاجتماعي ضروريان لإعادة دمج المتعافي...
رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل ورئيس جمعية صوت الطفل بتونس معز الشريف لـ«الصباح»: الوقاية من الإدمان تبدأ من التوعية وحماية الطفل من الفراغ...
تونس-الصباح
تُعدّ الوقاية من المخدرات اليوم من أبرز التحديات التي تفرض نفسها على المجتمع، باعتبار أن هذه الآفة لا تستهدف فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، بل تهدد الشباب والتلاميذ والأسر، وتمسّ الصحة النفسية والجسدية والاستقرار الاجتماعي.
ورغم الحملات والمجهودات الأمنية المتواصلة التي أسفرت عن تفكيك شبكات تنشط في ترويج المخدرات وإحباط عمليات تهريب وحجز كميات هامة من المواد المخدرة، فإن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون وحدها كافية لمحاصرة هذه الظاهرة والحد من انتشارها، فالمواجهة الحقيقية تقتضي العمل بالتوازي على تقليص العرض وتقليص الطلب، من خلال الاستثمار في الوقاية والتوعية والتحسيس بمخاطر المخدرات، خاصة لدى الناشئة والشباب الذين قد يجدون أنفسهم عرضة لضغوط المحيط أو تأثير الأصدقاء أو الأزمات النفسية والاجتماعية.
فالوقاية تبدأ قبل أول تجربة، من خلال تقديم المعلومة الصحيحة ومساعدة الشباب على إدراك خطورة المواد المخدرة وآثارها على الدماغ والصحة النفسية والجسدية والتركيز والسلوك والدراسة والمستقبل.
كما أن أهمية الجانب التوعوي والتحسيسي حظيت بتأكيد من أعلى هرم في الدولة، إذ دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال إشرافه على موكب الاحتفال بيوم العلم، إلى تخصيص بعض الوقت في بداية الحصص التعليمية للتحسيس بالأخطار المحدقة بالناشئة، وفي مقدمتها خطر المخدرات.
وتعكس هذه الدعوة أهمية الانتقال من الاقتصار على مقاومة شبكات الترويج والتهريب إلى العمل على الجانب الوقائي، باعتباره خط الدفاع الأول لحماية الشباب والتلاميذ من الوقوع في براثن هذه الآفة المدمرة. فالمعركة لا تتعلق فقط بمنع المخدرات من الوصول إلى الناشئة، وإنما أيضا بتحصينهم بالوعي والمعرفة والقدرة على رفض التجربة الأولى، وفتح المجال أمامهم لطلب المساعدة عند مواجهة الصعوبات.
ومن هنا تبرز أهمية تكثيف الحملات التحسيسية داخل المؤسسات التربوية والجامعات وفضاءات الشباب، وتعزيز دور الأسرة والإطار التربوي والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، حتى تتحول الوقاية إلى عمل متواصل وليس مجرد حملات ظرفية. فالمخدرات قد تبدأ بتجربة أو فضول أو محاولة للهروب من مشكلة، لكنها يمكن أن تنتهي بالإدمان وتدمير مستقبل الفرد ومحيطه.
ووراء أرقام المخدرات والإدمان، قصص لشباب دخلوا عالم التعاطي من أبواب مختلفة، لكنهم وجدوا أنفسهم في النهاية أمام دائرة يصعب الخروج منها. فالبداية قد تكون بدافع الفضول أو مسايرة الأصدقاء، وقد تأتي في لحظة ضعف بعد أزمة عاطفية أو فشل دراسي أو مشاكل نفسية أو عائلية، قبل أن يتحول التعاطي تدريجيا من تجربة عابرة إلى عادة ثم إلى إدمان.
وعبّر شباب تورطوا في تعاطي آفة المخدرات عن ندمهم الشديد على الوقوع في براثن هذه الآفة المدمرة، ووجهوا نصائحهم إلى الشباب لتجنب هذه الآفة الخطيرة، وأكدوا أن بداية التوجه نحوها تبدأ بعامل نفسي أو ظروف عائلية صعبة، أما فشل تجربة الدراسة أو مشاكل عاطفية، فتحوّل إثرها المواد المخدرة، «الزطلة أو غيرها»، إلى وسيلة للهروب من الواقع. ومع مرور الوقت، تظهر مجموعة من التغيرات على المتعاطي، ليصبح أكثر انزواء في علاقته بعائلته وأصدقائه، قبل أن يدرك أنه أصبح في حاجة إلى مساعدة مختصين للخروج من هذه الدائرة.
وتكشف أغلبية الشهادات لمتعافين تحدثوا في عدد من وسائل الإعلام أو عبر فيديوهات بمواقع التواصل الاجتماعي عن حسرة شديدة لوقوعهم في براثن هذه الآفة، وأكدوا أن الإدمان لا يبدأ بالضرورة بقرار واعٍ للوصول إلى هذه المرحلة، وإنما قد يكون نتيجة تراكم عوامل نفسية واجتماعية وضغوط من المحيط، وهو ما يجعل الوقاية والتدخل المبكر أكثر أهمية.
ويؤكد أحد المتعافين من الإدمان أن تجربته بدأت مع مجموعة من الأصدقاء، حيث لم يكن يعتقد أن ما يفعله يمكن أن يتحول إلى مشكلة حقيقية، قبل أن يصبح يبحث عن المخدر كلما واجه ضغطا أو مشكلة.
كما أوضح أن أخطر مرحلة كانت عندما لم يعد قادرا على التوقف بمفرده، وأصبحت حياته اليومية مرتبطة بالحصول على المادة المخدرة، وتحدث بنبرة حزينة، موجها نصائحه إلى كل شاب بعدم الاقتراب من هذه الآفة المدمرة.
ظاهرة لم تعد مرتبطة بعمر أو فئة...
وتُعدّ المخدرات من أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات لما تخلّفه من آثار صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالشباب الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع.
ولم تعد الظاهرة مرتبطة بفئة عمرية محددة أو بمنطقة دون أخرى، بل أصبحت تشمل فئات مختلفة، من المراهقين إلى الشباب والكهول، ومن الذكور والإناث، وهو ما يجعل مواجهتها مسؤولية جماعية تتجاوز الجانب الأمني لتشمل الوقاية والعلاج والإحاطة النفسية والاجتماعية.
أهمية الدور التوعوي والتحسيسي
وشدد رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان عبد المجيد الزحاف، في تصريح لـ«الصباح»، على أهمية العمل التوعوي والتحسيسي للتوقي من هذه الظاهرة الخطيرة، داعيا مختلف الأطراف إلى ضرورة الانخراط في هذا التوجه لإنقاذ آلاف الشباب من هذه الآفة.
وفي توصيفه لخطورة الظاهرة، حذّر الدكتور عبد المجيد الزحاف من تداعيات انتشار المخدرات، خاصة في صفوف الفئات الشابة، معتبرا أن هذه الآفة لا تمس المتعاطي بمفرده، وإنما تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع بأكمله، واصفا إياها بأنها «سرطان المجتمع».
وفي سياق متصل، أشار محدثنا إلى أن تحديد أرقام دقيقة حول عدد متعاطي المخدرات في تونس يبقى أمرا صعبا، باعتبار الحاجة إلى إحصائيات أمنية وصحية واجتماعية متكاملة.
وأوضح الزحاف أن التقديرات المتوفرة تشير إلى وجود حوالي 400 ألف شخص يتعاطون المخدرات المنومة، فيما يُقدّر عدد مستعملي القنب الهندي بأكثر من 200 إلى 300 ألف شخص، إلى جانب أكثر من 100 ألف شخص يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن الوريدي.
وشدد محدثنا على أن هذه الأرقام غير ثابتة، لكنها تعكس، وفق تقديره، حجم التحدي الذي تواجهه البلاد، خاصة أن التعاطي لم يعد مقتصرا على منطقة معينة، وإنما أصبح منتشرا في مختلف أنحاء الجمهورية.
وأضاف محدثنا أن الظاهرة تشمل مختلف الأعمار، مشيرا إلى وجود حالات لدى المراهقين والشباب وكذلك لدى فئات عمرية أكبر، فضلا عن وجود مستهلكين من الذكور والإناث.
الإناث في دائرة الاستهلاك.. مؤشر خطير
كما أشار الزحاف إلى أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بالذكور فقط، بل أصبحت تمس الإناث أيضا، مع تسجيل مؤشرات مقلقة بشأن تنامي الاستهلاك لدى هذه الفئة. ووفق المعطيات التي أوردها، فإن عدد الذكور الذين يتعاطون المخدرات يفوق عدد الإناث، مع التأكيد على أن حضور الإناث في دائرة الاستهلاك يظل مؤشرا خطيرا يستوجب مزيدا من اليقظة والتوعية والوقاية.
وتكشف هذه المعطيات أن المعالجة لا ينبغي أن ترتكز فقط على من وصلوا إلى مرحلة الإدمان، بل يجب أن تتجه أساسا إلى الوقاية المبكرة، وخاصة لدى الأطفال والمراهقين والشباب، قبل أن تتحول التجربة إلى عادة يصعب التخلص منها.
"الزطلة" الأكثر انتشارا
وأشار رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان عبد المجيد الزحاف إلى أن القنب الهندي، المعروف بـ«الزطلة»، يُعتبر من أكثر أنواع المخدرات انتشارا بين الشباب، بما في ذلك في الوسط المدرسي.
ولا تكمن الخطورة في المادة وحدها، وإنما في الآثار التي يمكن أن تترتب عن الاستعمال المتكرر، خاصة على التركيز والانتباه والقدرات الذهنية والسلوك.
وأوضح الزحاف أن تأثير المخدرات يختلف حسب نوع المادة وطريقة الاستعمال ودرجة الإدمان، فبعض المواد يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي والصحة النفسية، فيما قد تؤدي مواد أخرى، خاصة بعض المواد الكيميائية المستنشقة، إلى أضرار عصبية وجسدية خطيرة.
أما المخدرات التي يتم استعمالها عن طريق الحقن، فتطرح مخاطر إضافية، وفق محدثنا، خاصة بالنسبة إلى انتقال فيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي والأمراض المنقولة جنسيا.
من التجربة إلى الإدمان..
وحول الأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى الانتقال من مجرد التجربة إلى الإدمان، أوضح الدكتور الزحاف أن المشاكل النفسية والعاطفية والدراسية يمكن أن تكون من بين العوامل التي تدفع الشاب إلى البحث عن المخدر باعتباره متنفسا أو وسيلة للهروب من الضغوط.
وأضاف الزحاف أن تأثير الأصدقاء يمثل عاملا مهما، خاصة عندما يجد الشاب نفسه داخل مجموعة تعتبر التعاطي سلوكا عاديا أو وسيلة لإثبات الذات والانتماء.
وفي هذا الإطار، يصبح الشاب أكثر عرضة للاستمرار في التعاطي، خاصة إذا لم يجد من يستمع إليه أو يساعده على معالجة الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى هذه التجربة.
وأكد رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان أن الأسرة مطالبة بالانتباه إلى التغيرات التي تطرأ على أبنائها، وعدم إخفاء المشكلة عندما تظهر، مشددا على أن الإدمان مرض يحتاج إلى العلاج والمتابعة.
الصحة النفسية في قلب المعركة..
وتكتسي الصحة النفسية أهمية خاصة في مواجهة الإدمان، إذ لا يمكن الاكتفاء بمعالجة آثار التعاطي دون البحث عن الأسباب التي دفعت إليه.
وفي هذا السياق، أكد المكلف بملف الإدمان بوزارة الصحة الدكتور نبيل بن صالح، في تصريح إعلامي مؤخرا، أن ما بين 40 و50 بالمائة من المدمنين على المخدرات يعانون من مرض نفسي، وهو ما يبرز الحاجة إلى تكامل العلاج الطبي والنفسي والاجتماعي. فالعديد من الشباب قد يلجؤون إلى المخدرات نتيجة القلق أو الاكتئاب أو الصدمات أو المشاكل العائلية والعاطفية، ولذلك فإن علاج الإدمان يحتاج إلى مرافقة متكاملة تساعد الشخص على استعادة توازنه والعودة إلى حياته الطبيعية.
التلاميذ.. فئة تستوجب وقاية مبكرة
وإذا كانت ظاهرة المخدرات تشمل مختلف فئات المجتمع، فإن وصولها إلى الأطفال والمراهقين يمثل مصدر قلق خاص، باعتبار أن هذه المرحلة العمرية تعرف تغيرات نفسية وسلوكية كبيرة وتجعل الناشئة أكثر عرضة لتأثير المحيط.
وفي هذا السياق، كشف المكلف بملف الإدمان بوزارة الصحة الدكتور نبيل بن صالح أن نسبة استهلاك القنب الهندي لدى التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة ارتفعت خلال السنوات الأخيرة من 1.5 بالمائة إلى 7.9 بالمائة.
كما ارتفعت نسبة استهلاك الأقراص المخدرة لدى الفئة نفسها من 7 بالمائة إلى 14 بالمائة.
وتكشف هذه الأرقام أن الوقاية لا يمكن أن تبدأ بعد ظهور الإدمان، وإنما يجب أن تبدأ منذ سنوات الطفولة والمراهقة، من خلال التربية والتوعية والحوار والإحاطة النفسية والاجتماعية.
المخدرات لا تهدد الدراسة فقط
وما يجب أن ينتبه إليه الجميع أن آثار المخدرات لا تقتصر على النتائج الدراسية، إذ يمكن أن تؤثر على التركيز والانتباه والذاكرة والسلوك والعلاقات مع الآخرين، وقد تؤدي إلى الانقطاع عن الدراسة أو الدخول في صراعات عائلية واجتماعية.
ويؤكد المختصون أن التلميذ الذي يواجه مشكلة نفسية أو عائلية أو دراسية يحتاج إلى فضاء يستطيع داخله التعبير عن مشاكله وطلب المساعدة.
دعوة إلى توفير فضاءات للحوار والتوعية
وفي هذا الإطار، دعا الدكتور الزحاف إلى إعادة تفعيل نوادي الصحة في المؤسسات التربوية، لتكون فضاءات للحوار والتثقيف والتوعية، بمشاركة الإطار الطبي والتربوي والتلاميذ أنفسهم.
كما أشار إلى أهمية تكوين الإطار التربوي وتمكين المدرسين من المعارف الضرورية للتعامل مع الظاهرة واكتشاف مؤشرات الخطر والتوجيه نحو المختصين.
الوقاية مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع..
ولا يمكن، وفق محدثنا، للمدرسة أن تتحمل بمفردها مسؤولية مواجهة المخدرات، كما لا يمكن للعائلة وحدها أن تقوم بهذا الدور، فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجمع الأسرة والمؤسسة التربوية ووزارة الصحة والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.
وتبقى الأسرة الحلقة الأولى في الوقاية، من خلال الحوار والإنصات وعدم الاكتفاء بالمراقبة والعقاب. فالشاب الذي يشعر بأنه يستطيع الحديث عن مشاكله داخل أسرته سيكون أكثر قدرة على طلب المساعدة قبل أن تتحول المشكلة إلى إدمان.
لا للإخفاء ولا لليأس..
ويؤكد الدكتور الزحاف في تصريحه لـ«الصباح» أن اكتشاف الإدمان في بدايته يمنح فرصا أكبر للعلاج، داعيا العائلات إلى عدم إخفاء المشكلة وعدم اعتبار المدمن شخصا يجب التخلي عنه. فالانتكاسة يمكن أن تحدث أثناء العلاج، لكنها لا تعني بالضرورة فشل المسار العلاجي، وإنما تستوجب مواصلة المتابعة وإعادة تقييم الوضع النفسي والاجتماعي للمريض.
كما يرى الزحاف أن التعامل مع الإدمان باعتباره مرضا يستوجب العلاج يمكن أن يساعد على إعادة دمج المتعافي في المجتمع، خاصة إذا رافق العلاج دعم عائلي واجتماعي حقيقي.
العلاج.. فرصة لاستعادة الحياة
وفي الجانب العلاجي، أفاد الدكتور نبيل بن صالح بأن وزارة الصحة انطلقت منذ السنة الفارطة في نشر عيادات لطب الإدمان بعدد من المستشفيات ومراكز الصحة الأساسية، على غرار مستشفيات الرازي والوردية ومونفلوري، مع التوجه إلى فتح عيادات جديدة في أريانة ومنوبة.
كما أشار إلى فتح عيادة في منوبة لعلاج الإدمان بالميثادون بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتعاطون المواد الأفيونية عن طريق الحقن.
والميثادون دواء أفيوني طويل المفعول يُستخدم تحت إشراف طبي في علاج الاعتماد على المواد الأفيونية، ويساعد على الحد من أعراض الانسحاب والرغبة الشديدة في التعاطي.
وشدد المختصون على أن العلاج ليس مجرد إعطاء دواء، وإنما هو مسار طويل يحتاج إلى متابعة طبية ونفسية واجتماعية ودعم عائلي.
من أول تجربة تبدأ الوقاية..
إن مواجهة المخدرات في تونس لا يمكن أن تقتصر على مقاومة شبكات الترويج أو حجز المواد المخدرة، رغم أهمية الجانب الأمني، وإنما يجب أن تشمل أيضا تقليص الطلب من خلال الوقاية والتوعية والعلاج.
والرسالة الموجهة إلى الشباب والتلاميذ اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد رسالة تخويف، وإنما رسالة توعية. فالمخدر قد يبدو في البداية تجربة بسيطة أو وسيلة للهروب من مشكلة، لكنه يمكن أن يتحول تدريجيا إلى مشكلة أكبر تسيطر على حياة الشخص.
وفي نفس السياق، أكد رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل ورئيس جمعية صوت الطفل بتونس معز الشريف، في تصريح لـ«الصباح»، أن الوقاية من الإدمان تقتضي اعتماد مقاربة شاملة تبدأ منذ الطفولة، باعتبار أن استهلاك المواد المخدرة لا يحدث بشكل مفاجئ، وإنما يمر في أغلب الحالات عبر مراحل وتدرج في الاستهلاك.
وأوضح محدثنا أن المقلق اليوم هو أن الظاهرة أصبحت تمس أطفالا وتلاميذ في سن مبكرة، في وقت تتركز المخاطر بشكل أكبر في المرحلة الإعدادية، باعتبار أن فترة المراهقة تتميز بالرغبة في خوض التجارب والتحدي، وهو ما قد يجعل الطفل أكثر عرضة لمختلف السلوكيات الخطرة، ومن بينها استهلاك المواد المدمنة بمختلف أصنافها.
التدخين هو الخطوة الأولى نحو الإدمان..
وأشار محدثنا إلى أن أغلب الأطفال الذين يتجهون نحو مواد أخرى تبدأ تجربتهم من التدخين، الذي يمثل، حسب تقديره، الخطوة الأولى نحو سلوكيات الإدمان.
وأضاف أن السجائر الإلكترونية أصبحت بدورها منتشرة بشكل لافت لدى الإناث والذكور، خاصة في ظل تنامي نقاط بيعها وتقديمها في أشكال جذابة للأطفال واليافعين، فضلا عن توفرها بنكهات مختلفة تجعلها أكثر استقطابا لهذه الفئة.
وشدد محدثنا على أن الوقاية يجب أن تبدأ أساسا من الوقاية من التدخين ومختلف أشكاله، بما في ذلك السجائر الإلكترونية، قبل أن يتطور الاستهلاك تدريجيا نحو مواد أخرى أكثر خطورة.
أكثر من 13 بالمائة من الفتيات لديهن سلوكيات إدمان..
وبخصوص المعطيات المتعلقة باستهلاك المواد المدمنة، أفاد معز الشريف بأن هناك إحصائيات تبرز تنامي التعاطي مع المواد المدمنة، مشيرا إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على الذكور، بل أصبحت تمس الفتيات بشكل متزايد، حيث إن أكثر من 13 بالمائة من الفتيات لديهن، وفق المعطيات التي أشار إليها، سلوكيات مرتبطة بالإدمان.
الزمن المدرسي والفراغ في قفص الاتهام..
ويرى محدثنا أن الوقاية من الإدمان لا يمكن أن تقتصر على التحسيس داخل المؤسسات التربوية، بل يجب معالجة الظروف الاجتماعية والتربوية التي قد تدفع الطفل إلى البحث عن فضاءات أخرى خارج المدرسة.
وأوضح أن الأطفال يكونون تحت رعاية المؤسسات التربوية من الثامنة صباحا إلى الخامسة مساء، إلا أن هناك، حسب تقديره، غيابا للتناغم بين الزمن الوظيفي والزمن المدرسي، داعيا إلى اعتماد زمن تربوي أكثر انسجاما مع الزمن الاجتماعي والمهني للعائلات.
وأكد في هذا السياق ضرورة تطوير المهارات الحياتية لدى الأطفال، وفتح المجال أمام المؤسسات التربوية لتوفير أنشطة ثقافية ورياضية موازية للتعليم، بما يساعد على استثمار أوقات الفراغ بشكل إيجابي، ويجنب الأطفال البحث عن فضاءات أخرى قد تكون خطرة وتستهدفهم بشكل مباشر.
وأضاف أن استغلال أوقات الفراغ والبحث عن فضاءات خارج الإطار التربوي يمكن أن يدفع بعض الأطفال إلى ارتياد أماكن ووجهات تستهدف الناشئة وتوفر لهم ظروفا تساعد على الانحراف نحو سلوكيات خطرة.
وأشار رئيس جمعية صوت الطفل بتونس إلى أن شبكات الترويج تستغل أيضا الأطفال المنقطعين عن الدراسة، باعتبار أنهم يمثلون فئة أكثر هشاشة وأقل حماية ومتابعة، وبإمكانهم الاقتراب من محيط المدرسة.
وشدد على أن حماية هذه الفئة تقتضي تدخلا اجتماعيا وتربويا متكاملا، وعدم ترك الأطفال المنقطعين عن الدراسة خارج منظومة الرعاية والتأطير، بما يجعلهم عرضة للاستغلال من قبل شبكات الترويج ومختلف أشكال الانحراف.
وعلى مستوى العائلة، أكد معز الشريف أن مسؤولية العائلة تبقى أساسية وضرورية في التوعية والوقاية من الإدمان وحماية الطفل، مشيرا إلى أن حق الطفل في التربية والتعليم والحماية من مسؤولية والديه، كما أن الدولة مطالبة دستوريا بتوفير مؤسسات الحماية والرعاية.
وأوضح أن التعويل على الأسرة وحدها لم يعد كافيا في ظل التحولات التي شهدها المجتمع، حيث أصبحت الأسرة في أغلب الحالات أسرة نووية تتكون من الأب والأم وطفلين، وهو ما يجعلها تواجه في الوقت نفسه ضغوطا اجتماعية ومهنية واقتصادية متعددة.
وأضاف أن الدولة بقيت، إلى حد ما، تعتمد على الثقافة التقليدية القائمة على التعويل على العائلة، في حين أن تركيبة الأسرة وأدوارها تغيرت، وهو ما يستوجب مراجعة منظومة رعاية الطفولة، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة.
وتساءل معز الشريف عن الجهة التي تتحمل مسؤولية الأطفال خارج أوقات التعليم، مؤكدا ضرورة تطوير مؤسسات الرعاية والأنشطة الموجهة للأطفال.
ودعا في هذا السياق إلى تركيز أكثر محاضن مدرسية عمومية حتى تصبح متاحة بشكل أوسع، معتبرا أن غياب خدمات الرعاية المتكافئة ساهم في خلق فوارق بين الأطفال، إذ تختلف قدرة العائلات على توفير الرعاية والأنشطة لأبنائها في أوقات الفراغ حسب إمكانياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وشدد الشريف على أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على قطاع بعينه، وإنما تشمل مختلف هياكلها، بما يستوجب تخصيص الاهتمام والوقت والموارد لفئة الأطفال والشباب، باعتبار أن الاستثمار في الوقاية في سن مبكرة أفضل من معالجة نتائج الإدمان والانحراف لاحقا.
توفير فضاءات الرعاية والتأطير
وأكد معز الشريف أن الدولة مطالبة بأن تنشط أكثر في مجال رعاية الطفولة والاهتمام بها، وأن تعمل أولا على تحقيق التزامن بين الزمن التربوي والاجتماعي والمهني، إلى جانب التركيز على العائلات الهشة اقتصاديا واجتماعيا وسكنيا.
وأشار إلى أن أكثر من 30 بالمائة من المعتمديات التونسية تفتقر، حسب المعطيات التي قدمها، إلى دور لرعاية الأطفال والشباب عموما، وهو ما يستوجب، وفق تقديره، وضع سياسة أكثر نجاعة لتوفير فضاءات الرعاية والتأطير والأنشطة الثقافية والرياضية في مختلف الجهات.
ويجدر التذكير أنه في مجال التصدي للإدمان، فقد قال وزير الصحة في تصريح سابق بمجلس الجهات والأقاليم إنه تم منذ افريل 2025 إدماج طب الإدمان في عديد الجهات، مع برمجة التوسع التدريجي في الجهات، مثل إعادة فتح مركز الأمل لعلاج الإدمان بجبل الوسط ومركز الرازي ومونفلوري، على أن يتم إحداث مراكز للوقاية والعلاج في كل الأقاليم، وفق تأكيده.
وأضاف أن وزارة الصحة تقدمت بمشروع تنقيح قانوني لتسهيل الولوج إلى العلاج من الإدمان.
وعموما، فإن الوقاية الحقيقية من الإدمان تبدأ بالإنصات إلى الشباب، وتوفير فضاءات للحوار ودعم نفسي واجتماعي، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة، وتسهيل الوصول إلى العلاج. فالشاب الذي يسقط في بئر الإدمان ليس مجرد رقم في إحصائية، والتلميذ الذي يبدأ في تعاطي المخدرات ليس بالضرورة حالة ميؤوسا منها، وإنما هو في حاجة إلى تدخل مبكر يمنحه فرصة لاستعادة الدراسة والصحة.
أميرة الدريدي
رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان عبد المجيد الزحاف لـ«الصباح»: المخدرات «سرطان المجتمع».. والدعم العائلي والاجتماعي ضروريان لإعادة دمج المتعافي...
رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل ورئيس جمعية صوت الطفل بتونس معز الشريف لـ«الصباح»: الوقاية من الإدمان تبدأ من التوعية وحماية الطفل من الفراغ...
تونس-الصباح
تُعدّ الوقاية من المخدرات اليوم من أبرز التحديات التي تفرض نفسها على المجتمع، باعتبار أن هذه الآفة لا تستهدف فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، بل تهدد الشباب والتلاميذ والأسر، وتمسّ الصحة النفسية والجسدية والاستقرار الاجتماعي.
ورغم الحملات والمجهودات الأمنية المتواصلة التي أسفرت عن تفكيك شبكات تنشط في ترويج المخدرات وإحباط عمليات تهريب وحجز كميات هامة من المواد المخدرة، فإن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون وحدها كافية لمحاصرة هذه الظاهرة والحد من انتشارها، فالمواجهة الحقيقية تقتضي العمل بالتوازي على تقليص العرض وتقليص الطلب، من خلال الاستثمار في الوقاية والتوعية والتحسيس بمخاطر المخدرات، خاصة لدى الناشئة والشباب الذين قد يجدون أنفسهم عرضة لضغوط المحيط أو تأثير الأصدقاء أو الأزمات النفسية والاجتماعية.
فالوقاية تبدأ قبل أول تجربة، من خلال تقديم المعلومة الصحيحة ومساعدة الشباب على إدراك خطورة المواد المخدرة وآثارها على الدماغ والصحة النفسية والجسدية والتركيز والسلوك والدراسة والمستقبل.
كما أن أهمية الجانب التوعوي والتحسيسي حظيت بتأكيد من أعلى هرم في الدولة، إذ دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال إشرافه على موكب الاحتفال بيوم العلم، إلى تخصيص بعض الوقت في بداية الحصص التعليمية للتحسيس بالأخطار المحدقة بالناشئة، وفي مقدمتها خطر المخدرات.
وتعكس هذه الدعوة أهمية الانتقال من الاقتصار على مقاومة شبكات الترويج والتهريب إلى العمل على الجانب الوقائي، باعتباره خط الدفاع الأول لحماية الشباب والتلاميذ من الوقوع في براثن هذه الآفة المدمرة. فالمعركة لا تتعلق فقط بمنع المخدرات من الوصول إلى الناشئة، وإنما أيضا بتحصينهم بالوعي والمعرفة والقدرة على رفض التجربة الأولى، وفتح المجال أمامهم لطلب المساعدة عند مواجهة الصعوبات.
ومن هنا تبرز أهمية تكثيف الحملات التحسيسية داخل المؤسسات التربوية والجامعات وفضاءات الشباب، وتعزيز دور الأسرة والإطار التربوي والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، حتى تتحول الوقاية إلى عمل متواصل وليس مجرد حملات ظرفية. فالمخدرات قد تبدأ بتجربة أو فضول أو محاولة للهروب من مشكلة، لكنها يمكن أن تنتهي بالإدمان وتدمير مستقبل الفرد ومحيطه.
ووراء أرقام المخدرات والإدمان، قصص لشباب دخلوا عالم التعاطي من أبواب مختلفة، لكنهم وجدوا أنفسهم في النهاية أمام دائرة يصعب الخروج منها. فالبداية قد تكون بدافع الفضول أو مسايرة الأصدقاء، وقد تأتي في لحظة ضعف بعد أزمة عاطفية أو فشل دراسي أو مشاكل نفسية أو عائلية، قبل أن يتحول التعاطي تدريجيا من تجربة عابرة إلى عادة ثم إلى إدمان.
وعبّر شباب تورطوا في تعاطي آفة المخدرات عن ندمهم الشديد على الوقوع في براثن هذه الآفة المدمرة، ووجهوا نصائحهم إلى الشباب لتجنب هذه الآفة الخطيرة، وأكدوا أن بداية التوجه نحوها تبدأ بعامل نفسي أو ظروف عائلية صعبة، أما فشل تجربة الدراسة أو مشاكل عاطفية، فتحوّل إثرها المواد المخدرة، «الزطلة أو غيرها»، إلى وسيلة للهروب من الواقع. ومع مرور الوقت، تظهر مجموعة من التغيرات على المتعاطي، ليصبح أكثر انزواء في علاقته بعائلته وأصدقائه، قبل أن يدرك أنه أصبح في حاجة إلى مساعدة مختصين للخروج من هذه الدائرة.
وتكشف أغلبية الشهادات لمتعافين تحدثوا في عدد من وسائل الإعلام أو عبر فيديوهات بمواقع التواصل الاجتماعي عن حسرة شديدة لوقوعهم في براثن هذه الآفة، وأكدوا أن الإدمان لا يبدأ بالضرورة بقرار واعٍ للوصول إلى هذه المرحلة، وإنما قد يكون نتيجة تراكم عوامل نفسية واجتماعية وضغوط من المحيط، وهو ما يجعل الوقاية والتدخل المبكر أكثر أهمية.
ويؤكد أحد المتعافين من الإدمان أن تجربته بدأت مع مجموعة من الأصدقاء، حيث لم يكن يعتقد أن ما يفعله يمكن أن يتحول إلى مشكلة حقيقية، قبل أن يصبح يبحث عن المخدر كلما واجه ضغطا أو مشكلة.
كما أوضح أن أخطر مرحلة كانت عندما لم يعد قادرا على التوقف بمفرده، وأصبحت حياته اليومية مرتبطة بالحصول على المادة المخدرة، وتحدث بنبرة حزينة، موجها نصائحه إلى كل شاب بعدم الاقتراب من هذه الآفة المدمرة.
ظاهرة لم تعد مرتبطة بعمر أو فئة...
وتُعدّ المخدرات من أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات لما تخلّفه من آثار صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالشباب الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع.
ولم تعد الظاهرة مرتبطة بفئة عمرية محددة أو بمنطقة دون أخرى، بل أصبحت تشمل فئات مختلفة، من المراهقين إلى الشباب والكهول، ومن الذكور والإناث، وهو ما يجعل مواجهتها مسؤولية جماعية تتجاوز الجانب الأمني لتشمل الوقاية والعلاج والإحاطة النفسية والاجتماعية.
أهمية الدور التوعوي والتحسيسي
وشدد رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان عبد المجيد الزحاف، في تصريح لـ«الصباح»، على أهمية العمل التوعوي والتحسيسي للتوقي من هذه الظاهرة الخطيرة، داعيا مختلف الأطراف إلى ضرورة الانخراط في هذا التوجه لإنقاذ آلاف الشباب من هذه الآفة.
وفي توصيفه لخطورة الظاهرة، حذّر الدكتور عبد المجيد الزحاف من تداعيات انتشار المخدرات، خاصة في صفوف الفئات الشابة، معتبرا أن هذه الآفة لا تمس المتعاطي بمفرده، وإنما تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع بأكمله، واصفا إياها بأنها «سرطان المجتمع».
وفي سياق متصل، أشار محدثنا إلى أن تحديد أرقام دقيقة حول عدد متعاطي المخدرات في تونس يبقى أمرا صعبا، باعتبار الحاجة إلى إحصائيات أمنية وصحية واجتماعية متكاملة.
وأوضح الزحاف أن التقديرات المتوفرة تشير إلى وجود حوالي 400 ألف شخص يتعاطون المخدرات المنومة، فيما يُقدّر عدد مستعملي القنب الهندي بأكثر من 200 إلى 300 ألف شخص، إلى جانب أكثر من 100 ألف شخص يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن الوريدي.
وشدد محدثنا على أن هذه الأرقام غير ثابتة، لكنها تعكس، وفق تقديره، حجم التحدي الذي تواجهه البلاد، خاصة أن التعاطي لم يعد مقتصرا على منطقة معينة، وإنما أصبح منتشرا في مختلف أنحاء الجمهورية.
وأضاف محدثنا أن الظاهرة تشمل مختلف الأعمار، مشيرا إلى وجود حالات لدى المراهقين والشباب وكذلك لدى فئات عمرية أكبر، فضلا عن وجود مستهلكين من الذكور والإناث.
الإناث في دائرة الاستهلاك.. مؤشر خطير
كما أشار الزحاف إلى أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بالذكور فقط، بل أصبحت تمس الإناث أيضا، مع تسجيل مؤشرات مقلقة بشأن تنامي الاستهلاك لدى هذه الفئة. ووفق المعطيات التي أوردها، فإن عدد الذكور الذين يتعاطون المخدرات يفوق عدد الإناث، مع التأكيد على أن حضور الإناث في دائرة الاستهلاك يظل مؤشرا خطيرا يستوجب مزيدا من اليقظة والتوعية والوقاية.
وتكشف هذه المعطيات أن المعالجة لا ينبغي أن ترتكز فقط على من وصلوا إلى مرحلة الإدمان، بل يجب أن تتجه أساسا إلى الوقاية المبكرة، وخاصة لدى الأطفال والمراهقين والشباب، قبل أن تتحول التجربة إلى عادة يصعب التخلص منها.
"الزطلة" الأكثر انتشارا
وأشار رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان عبد المجيد الزحاف إلى أن القنب الهندي، المعروف بـ«الزطلة»، يُعتبر من أكثر أنواع المخدرات انتشارا بين الشباب، بما في ذلك في الوسط المدرسي.
ولا تكمن الخطورة في المادة وحدها، وإنما في الآثار التي يمكن أن تترتب عن الاستعمال المتكرر، خاصة على التركيز والانتباه والقدرات الذهنية والسلوك.
وأوضح الزحاف أن تأثير المخدرات يختلف حسب نوع المادة وطريقة الاستعمال ودرجة الإدمان، فبعض المواد يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي والصحة النفسية، فيما قد تؤدي مواد أخرى، خاصة بعض المواد الكيميائية المستنشقة، إلى أضرار عصبية وجسدية خطيرة.
أما المخدرات التي يتم استعمالها عن طريق الحقن، فتطرح مخاطر إضافية، وفق محدثنا، خاصة بالنسبة إلى انتقال فيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي والأمراض المنقولة جنسيا.
من التجربة إلى الإدمان..
وحول الأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى الانتقال من مجرد التجربة إلى الإدمان، أوضح الدكتور الزحاف أن المشاكل النفسية والعاطفية والدراسية يمكن أن تكون من بين العوامل التي تدفع الشاب إلى البحث عن المخدر باعتباره متنفسا أو وسيلة للهروب من الضغوط.
وأضاف الزحاف أن تأثير الأصدقاء يمثل عاملا مهما، خاصة عندما يجد الشاب نفسه داخل مجموعة تعتبر التعاطي سلوكا عاديا أو وسيلة لإثبات الذات والانتماء.
وفي هذا الإطار، يصبح الشاب أكثر عرضة للاستمرار في التعاطي، خاصة إذا لم يجد من يستمع إليه أو يساعده على معالجة الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى هذه التجربة.
وأكد رئيس الجمعية التونسية لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا وعلاج الإدمان أن الأسرة مطالبة بالانتباه إلى التغيرات التي تطرأ على أبنائها، وعدم إخفاء المشكلة عندما تظهر، مشددا على أن الإدمان مرض يحتاج إلى العلاج والمتابعة.
الصحة النفسية في قلب المعركة..
وتكتسي الصحة النفسية أهمية خاصة في مواجهة الإدمان، إذ لا يمكن الاكتفاء بمعالجة آثار التعاطي دون البحث عن الأسباب التي دفعت إليه.
وفي هذا السياق، أكد المكلف بملف الإدمان بوزارة الصحة الدكتور نبيل بن صالح، في تصريح إعلامي مؤخرا، أن ما بين 40 و50 بالمائة من المدمنين على المخدرات يعانون من مرض نفسي، وهو ما يبرز الحاجة إلى تكامل العلاج الطبي والنفسي والاجتماعي. فالعديد من الشباب قد يلجؤون إلى المخدرات نتيجة القلق أو الاكتئاب أو الصدمات أو المشاكل العائلية والعاطفية، ولذلك فإن علاج الإدمان يحتاج إلى مرافقة متكاملة تساعد الشخص على استعادة توازنه والعودة إلى حياته الطبيعية.
التلاميذ.. فئة تستوجب وقاية مبكرة
وإذا كانت ظاهرة المخدرات تشمل مختلف فئات المجتمع، فإن وصولها إلى الأطفال والمراهقين يمثل مصدر قلق خاص، باعتبار أن هذه المرحلة العمرية تعرف تغيرات نفسية وسلوكية كبيرة وتجعل الناشئة أكثر عرضة لتأثير المحيط.
وفي هذا السياق، كشف المكلف بملف الإدمان بوزارة الصحة الدكتور نبيل بن صالح أن نسبة استهلاك القنب الهندي لدى التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة ارتفعت خلال السنوات الأخيرة من 1.5 بالمائة إلى 7.9 بالمائة.
كما ارتفعت نسبة استهلاك الأقراص المخدرة لدى الفئة نفسها من 7 بالمائة إلى 14 بالمائة.
وتكشف هذه الأرقام أن الوقاية لا يمكن أن تبدأ بعد ظهور الإدمان، وإنما يجب أن تبدأ منذ سنوات الطفولة والمراهقة، من خلال التربية والتوعية والحوار والإحاطة النفسية والاجتماعية.
المخدرات لا تهدد الدراسة فقط
وما يجب أن ينتبه إليه الجميع أن آثار المخدرات لا تقتصر على النتائج الدراسية، إذ يمكن أن تؤثر على التركيز والانتباه والذاكرة والسلوك والعلاقات مع الآخرين، وقد تؤدي إلى الانقطاع عن الدراسة أو الدخول في صراعات عائلية واجتماعية.
ويؤكد المختصون أن التلميذ الذي يواجه مشكلة نفسية أو عائلية أو دراسية يحتاج إلى فضاء يستطيع داخله التعبير عن مشاكله وطلب المساعدة.
دعوة إلى توفير فضاءات للحوار والتوعية
وفي هذا الإطار، دعا الدكتور الزحاف إلى إعادة تفعيل نوادي الصحة في المؤسسات التربوية، لتكون فضاءات للحوار والتثقيف والتوعية، بمشاركة الإطار الطبي والتربوي والتلاميذ أنفسهم.
كما أشار إلى أهمية تكوين الإطار التربوي وتمكين المدرسين من المعارف الضرورية للتعامل مع الظاهرة واكتشاف مؤشرات الخطر والتوجيه نحو المختصين.
الوقاية مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع..
ولا يمكن، وفق محدثنا، للمدرسة أن تتحمل بمفردها مسؤولية مواجهة المخدرات، كما لا يمكن للعائلة وحدها أن تقوم بهذا الدور، فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجمع الأسرة والمؤسسة التربوية ووزارة الصحة والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.
وتبقى الأسرة الحلقة الأولى في الوقاية، من خلال الحوار والإنصات وعدم الاكتفاء بالمراقبة والعقاب. فالشاب الذي يشعر بأنه يستطيع الحديث عن مشاكله داخل أسرته سيكون أكثر قدرة على طلب المساعدة قبل أن تتحول المشكلة إلى إدمان.
لا للإخفاء ولا لليأس..
ويؤكد الدكتور الزحاف في تصريحه لـ«الصباح» أن اكتشاف الإدمان في بدايته يمنح فرصا أكبر للعلاج، داعيا العائلات إلى عدم إخفاء المشكلة وعدم اعتبار المدمن شخصا يجب التخلي عنه. فالانتكاسة يمكن أن تحدث أثناء العلاج، لكنها لا تعني بالضرورة فشل المسار العلاجي، وإنما تستوجب مواصلة المتابعة وإعادة تقييم الوضع النفسي والاجتماعي للمريض.
كما يرى الزحاف أن التعامل مع الإدمان باعتباره مرضا يستوجب العلاج يمكن أن يساعد على إعادة دمج المتعافي في المجتمع، خاصة إذا رافق العلاج دعم عائلي واجتماعي حقيقي.
العلاج.. فرصة لاستعادة الحياة
وفي الجانب العلاجي، أفاد الدكتور نبيل بن صالح بأن وزارة الصحة انطلقت منذ السنة الفارطة في نشر عيادات لطب الإدمان بعدد من المستشفيات ومراكز الصحة الأساسية، على غرار مستشفيات الرازي والوردية ومونفلوري، مع التوجه إلى فتح عيادات جديدة في أريانة ومنوبة.
كما أشار إلى فتح عيادة في منوبة لعلاج الإدمان بالميثادون بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتعاطون المواد الأفيونية عن طريق الحقن.
والميثادون دواء أفيوني طويل المفعول يُستخدم تحت إشراف طبي في علاج الاعتماد على المواد الأفيونية، ويساعد على الحد من أعراض الانسحاب والرغبة الشديدة في التعاطي.
وشدد المختصون على أن العلاج ليس مجرد إعطاء دواء، وإنما هو مسار طويل يحتاج إلى متابعة طبية ونفسية واجتماعية ودعم عائلي.
من أول تجربة تبدأ الوقاية..
إن مواجهة المخدرات في تونس لا يمكن أن تقتصر على مقاومة شبكات الترويج أو حجز المواد المخدرة، رغم أهمية الجانب الأمني، وإنما يجب أن تشمل أيضا تقليص الطلب من خلال الوقاية والتوعية والعلاج.
والرسالة الموجهة إلى الشباب والتلاميذ اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد رسالة تخويف، وإنما رسالة توعية. فالمخدر قد يبدو في البداية تجربة بسيطة أو وسيلة للهروب من مشكلة، لكنه يمكن أن يتحول تدريجيا إلى مشكلة أكبر تسيطر على حياة الشخص.
وفي نفس السياق، أكد رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل ورئيس جمعية صوت الطفل بتونس معز الشريف، في تصريح لـ«الصباح»، أن الوقاية من الإدمان تقتضي اعتماد مقاربة شاملة تبدأ منذ الطفولة، باعتبار أن استهلاك المواد المخدرة لا يحدث بشكل مفاجئ، وإنما يمر في أغلب الحالات عبر مراحل وتدرج في الاستهلاك.
وأوضح محدثنا أن المقلق اليوم هو أن الظاهرة أصبحت تمس أطفالا وتلاميذ في سن مبكرة، في وقت تتركز المخاطر بشكل أكبر في المرحلة الإعدادية، باعتبار أن فترة المراهقة تتميز بالرغبة في خوض التجارب والتحدي، وهو ما قد يجعل الطفل أكثر عرضة لمختلف السلوكيات الخطرة، ومن بينها استهلاك المواد المدمنة بمختلف أصنافها.
التدخين هو الخطوة الأولى نحو الإدمان..
وأشار محدثنا إلى أن أغلب الأطفال الذين يتجهون نحو مواد أخرى تبدأ تجربتهم من التدخين، الذي يمثل، حسب تقديره، الخطوة الأولى نحو سلوكيات الإدمان.
وأضاف أن السجائر الإلكترونية أصبحت بدورها منتشرة بشكل لافت لدى الإناث والذكور، خاصة في ظل تنامي نقاط بيعها وتقديمها في أشكال جذابة للأطفال واليافعين، فضلا عن توفرها بنكهات مختلفة تجعلها أكثر استقطابا لهذه الفئة.
وشدد محدثنا على أن الوقاية يجب أن تبدأ أساسا من الوقاية من التدخين ومختلف أشكاله، بما في ذلك السجائر الإلكترونية، قبل أن يتطور الاستهلاك تدريجيا نحو مواد أخرى أكثر خطورة.
أكثر من 13 بالمائة من الفتيات لديهن سلوكيات إدمان..
وبخصوص المعطيات المتعلقة باستهلاك المواد المدمنة، أفاد معز الشريف بأن هناك إحصائيات تبرز تنامي التعاطي مع المواد المدمنة، مشيرا إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على الذكور، بل أصبحت تمس الفتيات بشكل متزايد، حيث إن أكثر من 13 بالمائة من الفتيات لديهن، وفق المعطيات التي أشار إليها، سلوكيات مرتبطة بالإدمان.
الزمن المدرسي والفراغ في قفص الاتهام..
ويرى محدثنا أن الوقاية من الإدمان لا يمكن أن تقتصر على التحسيس داخل المؤسسات التربوية، بل يجب معالجة الظروف الاجتماعية والتربوية التي قد تدفع الطفل إلى البحث عن فضاءات أخرى خارج المدرسة.
وأوضح أن الأطفال يكونون تحت رعاية المؤسسات التربوية من الثامنة صباحا إلى الخامسة مساء، إلا أن هناك، حسب تقديره، غيابا للتناغم بين الزمن الوظيفي والزمن المدرسي، داعيا إلى اعتماد زمن تربوي أكثر انسجاما مع الزمن الاجتماعي والمهني للعائلات.
وأكد في هذا السياق ضرورة تطوير المهارات الحياتية لدى الأطفال، وفتح المجال أمام المؤسسات التربوية لتوفير أنشطة ثقافية ورياضية موازية للتعليم، بما يساعد على استثمار أوقات الفراغ بشكل إيجابي، ويجنب الأطفال البحث عن فضاءات أخرى قد تكون خطرة وتستهدفهم بشكل مباشر.
وأضاف أن استغلال أوقات الفراغ والبحث عن فضاءات خارج الإطار التربوي يمكن أن يدفع بعض الأطفال إلى ارتياد أماكن ووجهات تستهدف الناشئة وتوفر لهم ظروفا تساعد على الانحراف نحو سلوكيات خطرة.
وأشار رئيس جمعية صوت الطفل بتونس إلى أن شبكات الترويج تستغل أيضا الأطفال المنقطعين عن الدراسة، باعتبار أنهم يمثلون فئة أكثر هشاشة وأقل حماية ومتابعة، وبإمكانهم الاقتراب من محيط المدرسة.
وشدد على أن حماية هذه الفئة تقتضي تدخلا اجتماعيا وتربويا متكاملا، وعدم ترك الأطفال المنقطعين عن الدراسة خارج منظومة الرعاية والتأطير، بما يجعلهم عرضة للاستغلال من قبل شبكات الترويج ومختلف أشكال الانحراف.
وعلى مستوى العائلة، أكد معز الشريف أن مسؤولية العائلة تبقى أساسية وضرورية في التوعية والوقاية من الإدمان وحماية الطفل، مشيرا إلى أن حق الطفل في التربية والتعليم والحماية من مسؤولية والديه، كما أن الدولة مطالبة دستوريا بتوفير مؤسسات الحماية والرعاية.
وأوضح أن التعويل على الأسرة وحدها لم يعد كافيا في ظل التحولات التي شهدها المجتمع، حيث أصبحت الأسرة في أغلب الحالات أسرة نووية تتكون من الأب والأم وطفلين، وهو ما يجعلها تواجه في الوقت نفسه ضغوطا اجتماعية ومهنية واقتصادية متعددة.
وأضاف أن الدولة بقيت، إلى حد ما، تعتمد على الثقافة التقليدية القائمة على التعويل على العائلة، في حين أن تركيبة الأسرة وأدوارها تغيرت، وهو ما يستوجب مراجعة منظومة رعاية الطفولة، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة.
وتساءل معز الشريف عن الجهة التي تتحمل مسؤولية الأطفال خارج أوقات التعليم، مؤكدا ضرورة تطوير مؤسسات الرعاية والأنشطة الموجهة للأطفال.
ودعا في هذا السياق إلى تركيز أكثر محاضن مدرسية عمومية حتى تصبح متاحة بشكل أوسع، معتبرا أن غياب خدمات الرعاية المتكافئة ساهم في خلق فوارق بين الأطفال، إذ تختلف قدرة العائلات على توفير الرعاية والأنشطة لأبنائها في أوقات الفراغ حسب إمكانياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وشدد الشريف على أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على قطاع بعينه، وإنما تشمل مختلف هياكلها، بما يستوجب تخصيص الاهتمام والوقت والموارد لفئة الأطفال والشباب، باعتبار أن الاستثمار في الوقاية في سن مبكرة أفضل من معالجة نتائج الإدمان والانحراف لاحقا.
توفير فضاءات الرعاية والتأطير
وأكد معز الشريف أن الدولة مطالبة بأن تنشط أكثر في مجال رعاية الطفولة والاهتمام بها، وأن تعمل أولا على تحقيق التزامن بين الزمن التربوي والاجتماعي والمهني، إلى جانب التركيز على العائلات الهشة اقتصاديا واجتماعيا وسكنيا.
وأشار إلى أن أكثر من 30 بالمائة من المعتمديات التونسية تفتقر، حسب المعطيات التي قدمها، إلى دور لرعاية الأطفال والشباب عموما، وهو ما يستوجب، وفق تقديره، وضع سياسة أكثر نجاعة لتوفير فضاءات الرعاية والتأطير والأنشطة الثقافية والرياضية في مختلف الجهات.
ويجدر التذكير أنه في مجال التصدي للإدمان، فقد قال وزير الصحة في تصريح سابق بمجلس الجهات والأقاليم إنه تم منذ افريل 2025 إدماج طب الإدمان في عديد الجهات، مع برمجة التوسع التدريجي في الجهات، مثل إعادة فتح مركز الأمل لعلاج الإدمان بجبل الوسط ومركز الرازي ومونفلوري، على أن يتم إحداث مراكز للوقاية والعلاج في كل الأقاليم، وفق تأكيده.
وأضاف أن وزارة الصحة تقدمت بمشروع تنقيح قانوني لتسهيل الولوج إلى العلاج من الإدمان.
وعموما، فإن الوقاية الحقيقية من الإدمان تبدأ بالإنصات إلى الشباب، وتوفير فضاءات للحوار ودعم نفسي واجتماعي، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة، وتسهيل الوصول إلى العلاج. فالشاب الذي يسقط في بئر الإدمان ليس مجرد رقم في إحصائية، والتلميذ الذي يبدأ في تعاطي المخدرات ليس بالضرورة حالة ميؤوسا منها، وإنما هو في حاجة إلى تدخل مبكر يمنحه فرصة لاستعادة الدراسة والصحة.