إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ارتفاع صادرات قطاع الطاقة.. خطى ثابتة نحو تعزيز الأمن الطاقي وفتح آفاق الاستثمار

تونس-الصباح

تتقدم اليوم الجهود الرسمية بخطى ثابتة في مجال الطاقة، بهدف إرساء مقاربة أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة للتحولات العالمية التي يشهدها هذا القطاع، وذلك عبر دفع عجلة الاستثمار، وتفعيل الاتفاقيات المبرمة، وتعزيز التعاون الدولي، إلى جانب توسيع قاعدة الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية. ويشهد هذا القطاع، الذي يحظى باهتمام الدولة في أعلى هرمها، ديناميكية متنامية تترجمها لغة الأرقام التي تعكس حجم الحركية التي تشهدها مختلف مكوناته.

في هذا الإطار، يولي رئيس الجمهورية قيس سعيد، استنادا إلى تصريحاته في مختلف اللقاءات الرسمية، ملف الطاقة أهمية خاصة، باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بمدى قدرة الدولة على تثمين ثرواتها الوطنية وتعزيز أمنها الطاقي وتقليص التبعية إلى الخارج، وضبط شروط مناسبة للاستثمار والإنتاج. وهذا التوجه يتقاطع في جوهره مع مسار الإصلاحات الاقتصادية الذي تعمل الدولة على تكريسه في أكثر من مجال، بما من شأنه أن يوفر أرضية ملائمة لتسريع نسق إنجاز المشاريع الطاقية وتفعيل الاتفاقيات المبرمة واستقطاب استثمارات جديدة قادرة على دعم قدرات البلاد في هذا المجال الاستراتيجي.

وتكتسب هذه الديناميكية أهمية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الطاقي العالمي، بما يجعل من تنويع مصادر الطاقة، وتطوير الموارد الوطنية، وتعزيز الشراكات الدولية، خيارات استراتيجية تتجاوز حدود المعالجة الظرفية لتؤسس لمنظومة طاقية أكثر صمودا وقدرة على خدمة الاقتصاد الوطني.

تشير لغة الأرقام إلى ارتفاع قيمة صادرات قطاع الطاقة بنسبة 38 بالمائة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وفقا لمعطيات صادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم. ورغم أن هذا التطور لم يمنع عجز الميزان التجاري الطاقي من الارتفاع بنسبة 35 بالمائة، ليبلغ نحو 7 مليارات دينار مقابل 5.175 مليارات دينار خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، فإن قراءة هذه المؤشرات لا يمكن أن تنفصل عن التحولات التي يشهدها القطاع وعن الجهود المبذولة لإعادة بناء القدرة الوطنية على إنتاج الطاقة وتنويع مصادرها.

 

الطاقة ومعادلة السيادة الاقتصادية

يحتل القطاع الطاقي موقعا متقدما في السياسة الاقتصادية للدولة، في أعلى هرمها، بالنظر إلى ارتباطه المباشر باستقلالية القرار الوطني وقدرة الدولة على التحكم في مواردها وثرواتها وتوظيفها لخدمة التنمية. فمنذ سنوات، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد، في مختلف لقاءاته الرسمية، أن الثروات الطبيعية يجب أن تتحول إلى رافعة للتنمية، وأن التصرف فيها يستوجب أن يقوم على الشفافية وحسن التوظيف وتحقيق المصلحة الوطنية.

 

وفي هذا السياق، لا تبدو المقاربة الرسمية لقطاع الطاقة منفصلة عن التوجه العام الذي يقوم على إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية وتعزيز دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية، وتشجيع الاستثمار المنتج، والحد من الإشكاليات التي أثقلت كاهل المالية العمومية والميزان التجاري.

وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الطاقة، حيث إن تأمين مختلف الحاجيات أصبح يرتبط كذلك بقدرة الدولة على تنويع مصادر الطاقة وتطوير البنية التحتية، واستقطاب الاستثمارات وتطويع التكنولوجيا لخدمة الاقتصاد وبناء شراكات طويلة المدى.

ومن هذا المنطلق، فإن الجهود التي تبذلها اليوم الدولة في قطاع الطاقة تجاوزت حجم الإنتاج المسجل لتطال عدد المشاريع قيد الإنجاز والاتفاقيات المبرمة ومختلف الشراكات التي يتم بناؤها، ولا سيما مدى القدرة على استعادة ثقة المستثمرين وخلق شروط جديدة لدفع عجلة الاستثمار.

 

من التعاون إلى بلورة مشاريع

تبرز مختلف الاتفاقيات والشراكات المبرمة مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية كواحدة من بين الآليات التي تراهن عليها الدولة لتطوير قطاع الطاقة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الاستثمار في عمليات البحث والاستكشاف وتطور التقنيات المستخدمة في استخراج الموارد وإنتاج الكهرباء.

فالتعاون الدولي في الوقت الراهن، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، لم يعد يقتصر على تبادل الخبرات أو توفير التمويلات فقط، بل أصبح يتجه أكثر فأكثر نحو إقامة مشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الوطنية، وهو ما يفتح أمام تونس إمكانات جديدة للاستفادة من الخبرات المتوفرة لدى شركائها الدوليين.

كما أن تفعيل الاتفاقيات المبرمة يمثل في جوهره مؤشرا هاما على الانتقال إلى مرحلة إنجاز المشاريع، وهو ما من شأنه أن يسهم في توسيع قاعدة الإنتاج واستغلال الإمكانيات المتاحة، خاصة في مجال الطاقات المتجددة.

 

ولعل أهمية هذا المسار تكمن في أن تونس لا تتحرك في فضاء معزول، وإنما ضمن محيط إقليمي ومتوسطي يشهد تنافسا متزايدا على الاستثمارات الطاقية. ولذلك، فإن الحفاظ على موقع البلاد يتطلب استثمار موقعها الجغرافي، وتطوير بنيتها التحتية، وتحسين مناخ الأعمال، وتوفير رؤية واضحة للمستثمرين، إلى جانب تسريع الإجراءات المرتبطة بالمشاريع الاستراتيجية.

وهنا تتجلى الدبلوماسية الاقتصادية كآلية عملية في خدمة الأمن الطاقي. فبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، تتجه تونس نحو توظيف علاقاتها الدولية وشراكاتها الثنائية ومتعددة الأطراف لفتح آفاق أرحب أمام الاستثمار في المجال الطاقي، وتطوير التعاون في مجالات البحث والاستكشاف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، إلى جانب دعم مشاريع الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية. ولا تقتصر هذه المقاربة على استقطاب التمويلات والاستثمارات فحسب، وإنما تقوم أيضا على بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، بما يسمح لتونس بتعزيز قدراتها الوطنية والاستفادة من التحولات التي يشهدها المشهد الطاقي العالمي.

 

الطاقات المتجددة.. رهان استراتيجي

ولا يمكن الخوض في الآفاق المستقبلية للقطاع الطاقي دون التوقف عند الطاقات المتجددة، باعتبارها أحد أهم المسارات التي يمكن أن تساعد البلاد على تقليص تبعيتها للطاقة المستوردة والحد تدريجيا من الضغط الذي يفرضه العجز الطاقي على الميزان التجاري.

وتملك تونس مقومات طبيعية مهمة في هذا المجال، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، فضلا عن إمكانات متعلقة بطاقة الرياح، بما يجعل الاستثمار في الطاقات النظيفة خيارا اقتصاديا واستراتيجيا في الوقت نفسه.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن الطاقات المتجددة تحتل حيزا هاما في توجه الدولة، باعتبارها أحد المسارات الواعدة لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية إلى مصادر الطاقة التقليدية، خاصة في ظل ما تزخر به تونس من إمكانات طبيعية هامة في مجال الطاقة الشمسية. وفي هذا الاتجاه، تراهن الدولة، في أعلى هرمها، على مزيد دفع المشاريع المرتبطة بالطاقات النظيفة، بما يسمح بتحويل الإمكانيات الطبيعية التي تمتلكها البلاد إلى قيمة اقتصادية مضافة، ويعزز في الوقت نفسه موقع تونس ضمن خريطة الاستثمار الإقليمي في مجال الطاقات المتجددة.

 

مناخ الإصلاح.. ودفع نسق الاستثمار

تشير المؤشرات المسجلة إلى مناخ إصلاحي بدأ ينعكس تدريجيا على البيئة الاقتصادية.

فالإصلاح لا يعني فقط ترسانة تشريعية جديدة، وإنما العمل على تجاوز كل التحديات والعراقيل لإرساء بيئة قادرة على تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع فعلية.

 

وضمن هذه المقاربة، فإن المناخ الإصلاحي الذي كرّسه رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مجال يمكن أن يمثل عاملا حاسما في استعادة نسق الاستثمار في قطاع الطاقة، في ظل الجهود المبذولة لإرساء قواعد جديدة تقوم على محاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الشفافية، وحماية المال العام، وجميعها عناصر من شأنها أن تعزز من جاذبية الاستثمار الذي لا يبحث عن الموارد فقط، وإنما عن بيئة حاضنة قادرة على حماية المشروع وضمان استمراريته.

 

التحول نحو الطاقات النظيفة...

تعتبر المرحلة المقبلة فرصة لتوطيد الصلة بين الطاقة والتنمية. فالهدف اليوم لم يعد منحصرا في توفير الكهرباء والمحروقات للسوق المحلية، وإنما في بناء قطاع قادر على خلق القيمة والثروة وتحريك الاستثمار وتوفير فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد.

 

وتونس تمتلك مؤهلات تسمح لها بأن تكون منصة إقليمية في بعض مجالات الطاقة، خاصة إذا نجحت في الجمع بين موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وكفاءاتها البشرية وشبكة علاقاتها الدولية.

كما أن التحول نحو الطاقات النظيفة يمكن أن يمنح الاقتصاد الوطني فرصة للاندماج في قطاعات اقتصادية جديدة، بما في ذلك تصنيع المعدات، والخدمات الهندسية، والصيانة، والبحث والتطوير، والتكوين، والنقل والتخزين.

وبذلك يصبح الاستثمار في الطاقة استثمارا متعدد الأبعاد، يتجاوز أثره القطاع نفسه ليمتد إلى الصناعة والنقل والتكنولوجيا والتكوين والتصدير.

 

نحو نتائج أكثر إيجابية

 

من جهة أخرى، جدير بالذكر أن الحراك اليوم في المجال الطاقي، من تعزيز للاتفاقيات والتعاون الدولي، وتهيئة لمناخ الاستثمار، وتطوير للطاقات المتجددة، يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لنتائج أكثر إيجابية خلال السنوات المقبلة. فالتحديات المطروحة في المجال الطاقي، وإن كانت تفرض مواصلة الإصلاح وتسريع نسق المشاريع، فإنها في المقابل تفتح أمام تونس آفاقا جديدة لإعادة بناء منظومتها الطاقية على أسس أكثر استدامة ونجاعة.

كما أن تضافر الجهود بين الدولة ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والشركاء الدوليين من شأنه أن يدفع نحو مزيد استقطاب الاستثمارات وتثمين الموارد الوطنية وتطوير القدرات الإنتاجية، بما يساهم تدريجيا في تقليص الفجوة بين الحاجيات والموارد، وتعزيز الأمن الطاقي الوطني، بما من شأنه أن يفضي إلى مسار أكثر طموحا يجعل من الطاقة رافعة للاستثمار والتنمية.

فإن كان المشهد الطاقي في بلادنا لا يزال يواجه جملة من التحديات المرتبطة بتراجع الموارد وارتفاع الطلب وكلفة التوريد، فإنه في المقابل يحظى بمؤشرات واعدة تؤكد وجود إرادة سياسية لدفع القطاع نحو مرحلة جديدة قوامها الاستثمار والإنتاج وتنويع مصادر الطاقة.

وبالتالي، تكشف الإحصائيات الأخيرة عن التحولات التي تشهدها السياسة الطاقية في تونس والجهود المبذولة لتفعيل الاتفاقيات وتوسيع دائرة التعاون الدولي والتسريع من وتيرة الاستثمار، وفتح المجال أمام مشاريع جديدة في الطاقات المتجددة.

وضمن هذا التمشي، يمكن لمناخ الإصلاح الذي تكرسه الدولة في أكثر من مجال، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، أن يكون أحد أهم العوامل القادرة على تغيير المعادلة، على اعتبار أن جهود الإصلاح حين تقترن بتعزيز الاستثمار تتحول من مجرد إجراءات إدارية إلى قوة دفع اقتصادية، وحين تقترن بالتعاون الدولي تصبح قادرة على استقطاب التكنولوجيا والخبرة.

وفي هذا الخصوص، يتوقع كثيرون أن تكون المرحلة المقبلة حاسمة في ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة، عبر تسريع نسق المشاريع الطاقية، وتحسين القدرة على استغلال الموارد الوطنية، ودفع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وترشيد الاستهلاك، وتعزيز النجاعة الطاقية.

فالمعادلة التي تطرحها تونس اليوم تقوم على التوصل إلى بناء منظومة طاقية أكثر استدامة وأقل تبعية وأكثر قدرة على خلق الثروة. وفي هذا الخضم، تبدو الإصلاحات والاستثمارات والشراكات الدولية حلقات مترابطة ضمن مسار واحد يسعى إلى بناء أمن طاقي مستدام.

في هذا الخضم، فإن التوجه الوطني يقوم اليوم على إرساء منظومة أكثر قدرة على الاستباق والصمود، تستثمر في موارد تونس وكفاءاتها وموقعها، وتفتح المجال أمام طاقات جديدة وشراكات أوسع. ومع تواصل هذا المسار، تبدو بلادنا أمام فرصة فعلية لتعزيز الأمن الطاقي وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاستقلالية والنمو المستدام.

منال حرزي

 

ارتفاع صادرات قطاع الطاقة.. خطى ثابتة نحو تعزيز الأمن الطاقي وفتح آفاق الاستثمار

تونس-الصباح

تتقدم اليوم الجهود الرسمية بخطى ثابتة في مجال الطاقة، بهدف إرساء مقاربة أكثر نجاعة وقدرة على الاستجابة للتحولات العالمية التي يشهدها هذا القطاع، وذلك عبر دفع عجلة الاستثمار، وتفعيل الاتفاقيات المبرمة، وتعزيز التعاون الدولي، إلى جانب توسيع قاعدة الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية. ويشهد هذا القطاع، الذي يحظى باهتمام الدولة في أعلى هرمها، ديناميكية متنامية تترجمها لغة الأرقام التي تعكس حجم الحركية التي تشهدها مختلف مكوناته.

في هذا الإطار، يولي رئيس الجمهورية قيس سعيد، استنادا إلى تصريحاته في مختلف اللقاءات الرسمية، ملف الطاقة أهمية خاصة، باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بمدى قدرة الدولة على تثمين ثرواتها الوطنية وتعزيز أمنها الطاقي وتقليص التبعية إلى الخارج، وضبط شروط مناسبة للاستثمار والإنتاج. وهذا التوجه يتقاطع في جوهره مع مسار الإصلاحات الاقتصادية الذي تعمل الدولة على تكريسه في أكثر من مجال، بما من شأنه أن يوفر أرضية ملائمة لتسريع نسق إنجاز المشاريع الطاقية وتفعيل الاتفاقيات المبرمة واستقطاب استثمارات جديدة قادرة على دعم قدرات البلاد في هذا المجال الاستراتيجي.

وتكتسب هذه الديناميكية أهمية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الطاقي العالمي، بما يجعل من تنويع مصادر الطاقة، وتطوير الموارد الوطنية، وتعزيز الشراكات الدولية، خيارات استراتيجية تتجاوز حدود المعالجة الظرفية لتؤسس لمنظومة طاقية أكثر صمودا وقدرة على خدمة الاقتصاد الوطني.

تشير لغة الأرقام إلى ارتفاع قيمة صادرات قطاع الطاقة بنسبة 38 بالمائة خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وفقا لمعطيات صادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم. ورغم أن هذا التطور لم يمنع عجز الميزان التجاري الطاقي من الارتفاع بنسبة 35 بالمائة، ليبلغ نحو 7 مليارات دينار مقابل 5.175 مليارات دينار خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، فإن قراءة هذه المؤشرات لا يمكن أن تنفصل عن التحولات التي يشهدها القطاع وعن الجهود المبذولة لإعادة بناء القدرة الوطنية على إنتاج الطاقة وتنويع مصادرها.

 

الطاقة ومعادلة السيادة الاقتصادية

يحتل القطاع الطاقي موقعا متقدما في السياسة الاقتصادية للدولة، في أعلى هرمها، بالنظر إلى ارتباطه المباشر باستقلالية القرار الوطني وقدرة الدولة على التحكم في مواردها وثرواتها وتوظيفها لخدمة التنمية. فمنذ سنوات، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد، في مختلف لقاءاته الرسمية، أن الثروات الطبيعية يجب أن تتحول إلى رافعة للتنمية، وأن التصرف فيها يستوجب أن يقوم على الشفافية وحسن التوظيف وتحقيق المصلحة الوطنية.

 

وفي هذا السياق، لا تبدو المقاربة الرسمية لقطاع الطاقة منفصلة عن التوجه العام الذي يقوم على إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية وتعزيز دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية، وتشجيع الاستثمار المنتج، والحد من الإشكاليات التي أثقلت كاهل المالية العمومية والميزان التجاري.

وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الطاقة، حيث إن تأمين مختلف الحاجيات أصبح يرتبط كذلك بقدرة الدولة على تنويع مصادر الطاقة وتطوير البنية التحتية، واستقطاب الاستثمارات وتطويع التكنولوجيا لخدمة الاقتصاد وبناء شراكات طويلة المدى.

ومن هذا المنطلق، فإن الجهود التي تبذلها اليوم الدولة في قطاع الطاقة تجاوزت حجم الإنتاج المسجل لتطال عدد المشاريع قيد الإنجاز والاتفاقيات المبرمة ومختلف الشراكات التي يتم بناؤها، ولا سيما مدى القدرة على استعادة ثقة المستثمرين وخلق شروط جديدة لدفع عجلة الاستثمار.

 

من التعاون إلى بلورة مشاريع

تبرز مختلف الاتفاقيات والشراكات المبرمة مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية كواحدة من بين الآليات التي تراهن عليها الدولة لتطوير قطاع الطاقة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الاستثمار في عمليات البحث والاستكشاف وتطور التقنيات المستخدمة في استخراج الموارد وإنتاج الكهرباء.

فالتعاون الدولي في الوقت الراهن، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، لم يعد يقتصر على تبادل الخبرات أو توفير التمويلات فقط، بل أصبح يتجه أكثر فأكثر نحو إقامة مشاريع مشتركة ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الوطنية، وهو ما يفتح أمام تونس إمكانات جديدة للاستفادة من الخبرات المتوفرة لدى شركائها الدوليين.

كما أن تفعيل الاتفاقيات المبرمة يمثل في جوهره مؤشرا هاما على الانتقال إلى مرحلة إنجاز المشاريع، وهو ما من شأنه أن يسهم في توسيع قاعدة الإنتاج واستغلال الإمكانيات المتاحة، خاصة في مجال الطاقات المتجددة.

 

ولعل أهمية هذا المسار تكمن في أن تونس لا تتحرك في فضاء معزول، وإنما ضمن محيط إقليمي ومتوسطي يشهد تنافسا متزايدا على الاستثمارات الطاقية. ولذلك، فإن الحفاظ على موقع البلاد يتطلب استثمار موقعها الجغرافي، وتطوير بنيتها التحتية، وتحسين مناخ الأعمال، وتوفير رؤية واضحة للمستثمرين، إلى جانب تسريع الإجراءات المرتبطة بالمشاريع الاستراتيجية.

وهنا تتجلى الدبلوماسية الاقتصادية كآلية عملية في خدمة الأمن الطاقي. فبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، تتجه تونس نحو توظيف علاقاتها الدولية وشراكاتها الثنائية ومتعددة الأطراف لفتح آفاق أرحب أمام الاستثمار في المجال الطاقي، وتطوير التعاون في مجالات البحث والاستكشاف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، إلى جانب دعم مشاريع الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية. ولا تقتصر هذه المقاربة على استقطاب التمويلات والاستثمارات فحسب، وإنما تقوم أيضا على بناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، بما يسمح لتونس بتعزيز قدراتها الوطنية والاستفادة من التحولات التي يشهدها المشهد الطاقي العالمي.

 

الطاقات المتجددة.. رهان استراتيجي

ولا يمكن الخوض في الآفاق المستقبلية للقطاع الطاقي دون التوقف عند الطاقات المتجددة، باعتبارها أحد أهم المسارات التي يمكن أن تساعد البلاد على تقليص تبعيتها للطاقة المستوردة والحد تدريجيا من الضغط الذي يفرضه العجز الطاقي على الميزان التجاري.

وتملك تونس مقومات طبيعية مهمة في هذا المجال، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، فضلا عن إمكانات متعلقة بطاقة الرياح، بما يجعل الاستثمار في الطاقات النظيفة خيارا اقتصاديا واستراتيجيا في الوقت نفسه.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن الطاقات المتجددة تحتل حيزا هاما في توجه الدولة، باعتبارها أحد المسارات الواعدة لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية إلى مصادر الطاقة التقليدية، خاصة في ظل ما تزخر به تونس من إمكانات طبيعية هامة في مجال الطاقة الشمسية. وفي هذا الاتجاه، تراهن الدولة، في أعلى هرمها، على مزيد دفع المشاريع المرتبطة بالطاقات النظيفة، بما يسمح بتحويل الإمكانيات الطبيعية التي تمتلكها البلاد إلى قيمة اقتصادية مضافة، ويعزز في الوقت نفسه موقع تونس ضمن خريطة الاستثمار الإقليمي في مجال الطاقات المتجددة.

 

مناخ الإصلاح.. ودفع نسق الاستثمار

تشير المؤشرات المسجلة إلى مناخ إصلاحي بدأ ينعكس تدريجيا على البيئة الاقتصادية.

فالإصلاح لا يعني فقط ترسانة تشريعية جديدة، وإنما العمل على تجاوز كل التحديات والعراقيل لإرساء بيئة قادرة على تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع فعلية.

 

وضمن هذه المقاربة، فإن المناخ الإصلاحي الذي كرّسه رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مجال يمكن أن يمثل عاملا حاسما في استعادة نسق الاستثمار في قطاع الطاقة، في ظل الجهود المبذولة لإرساء قواعد جديدة تقوم على محاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس الشفافية، وحماية المال العام، وجميعها عناصر من شأنها أن تعزز من جاذبية الاستثمار الذي لا يبحث عن الموارد فقط، وإنما عن بيئة حاضنة قادرة على حماية المشروع وضمان استمراريته.

 

التحول نحو الطاقات النظيفة...

تعتبر المرحلة المقبلة فرصة لتوطيد الصلة بين الطاقة والتنمية. فالهدف اليوم لم يعد منحصرا في توفير الكهرباء والمحروقات للسوق المحلية، وإنما في بناء قطاع قادر على خلق القيمة والثروة وتحريك الاستثمار وتوفير فرص العمل، وتحريك عجلة الاقتصاد.

 

وتونس تمتلك مؤهلات تسمح لها بأن تكون منصة إقليمية في بعض مجالات الطاقة، خاصة إذا نجحت في الجمع بين موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وكفاءاتها البشرية وشبكة علاقاتها الدولية.

كما أن التحول نحو الطاقات النظيفة يمكن أن يمنح الاقتصاد الوطني فرصة للاندماج في قطاعات اقتصادية جديدة، بما في ذلك تصنيع المعدات، والخدمات الهندسية، والصيانة، والبحث والتطوير، والتكوين، والنقل والتخزين.

وبذلك يصبح الاستثمار في الطاقة استثمارا متعدد الأبعاد، يتجاوز أثره القطاع نفسه ليمتد إلى الصناعة والنقل والتكنولوجيا والتكوين والتصدير.

 

نحو نتائج أكثر إيجابية

 

من جهة أخرى، جدير بالذكر أن الحراك اليوم في المجال الطاقي، من تعزيز للاتفاقيات والتعاون الدولي، وتهيئة لمناخ الاستثمار، وتطوير للطاقات المتجددة، يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لنتائج أكثر إيجابية خلال السنوات المقبلة. فالتحديات المطروحة في المجال الطاقي، وإن كانت تفرض مواصلة الإصلاح وتسريع نسق المشاريع، فإنها في المقابل تفتح أمام تونس آفاقا جديدة لإعادة بناء منظومتها الطاقية على أسس أكثر استدامة ونجاعة.

كما أن تضافر الجهود بين الدولة ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والشركاء الدوليين من شأنه أن يدفع نحو مزيد استقطاب الاستثمارات وتثمين الموارد الوطنية وتطوير القدرات الإنتاجية، بما يساهم تدريجيا في تقليص الفجوة بين الحاجيات والموارد، وتعزيز الأمن الطاقي الوطني، بما من شأنه أن يفضي إلى مسار أكثر طموحا يجعل من الطاقة رافعة للاستثمار والتنمية.

فإن كان المشهد الطاقي في بلادنا لا يزال يواجه جملة من التحديات المرتبطة بتراجع الموارد وارتفاع الطلب وكلفة التوريد، فإنه في المقابل يحظى بمؤشرات واعدة تؤكد وجود إرادة سياسية لدفع القطاع نحو مرحلة جديدة قوامها الاستثمار والإنتاج وتنويع مصادر الطاقة.

وبالتالي، تكشف الإحصائيات الأخيرة عن التحولات التي تشهدها السياسة الطاقية في تونس والجهود المبذولة لتفعيل الاتفاقيات وتوسيع دائرة التعاون الدولي والتسريع من وتيرة الاستثمار، وفتح المجال أمام مشاريع جديدة في الطاقات المتجددة.

وضمن هذا التمشي، يمكن لمناخ الإصلاح الذي تكرسه الدولة في أكثر من مجال، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، أن يكون أحد أهم العوامل القادرة على تغيير المعادلة، على اعتبار أن جهود الإصلاح حين تقترن بتعزيز الاستثمار تتحول من مجرد إجراءات إدارية إلى قوة دفع اقتصادية، وحين تقترن بالتعاون الدولي تصبح قادرة على استقطاب التكنولوجيا والخبرة.

وفي هذا الخصوص، يتوقع كثيرون أن تكون المرحلة المقبلة حاسمة في ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة، عبر تسريع نسق المشاريع الطاقية، وتحسين القدرة على استغلال الموارد الوطنية، ودفع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وترشيد الاستهلاك، وتعزيز النجاعة الطاقية.

فالمعادلة التي تطرحها تونس اليوم تقوم على التوصل إلى بناء منظومة طاقية أكثر استدامة وأقل تبعية وأكثر قدرة على خلق الثروة. وفي هذا الخضم، تبدو الإصلاحات والاستثمارات والشراكات الدولية حلقات مترابطة ضمن مسار واحد يسعى إلى بناء أمن طاقي مستدام.

في هذا الخضم، فإن التوجه الوطني يقوم اليوم على إرساء منظومة أكثر قدرة على الاستباق والصمود، تستثمر في موارد تونس وكفاءاتها وموقعها، وتفتح المجال أمام طاقات جديدة وشراكات أوسع. ومع تواصل هذا المسار، تبدو بلادنا أمام فرصة فعلية لتعزيز الأمن الطاقي وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاستقلالية والنمو المستدام.

منال حرزي