إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أسدل الستار على دورته الـ 60 .. مهرجان الحمامات الدولي: نجاح جماهيري وفني لا يلغي ملاحظات البرمجة وسؤال المسرح والتنوع في الواجهة

تونس - الصباح

أسدل مهرجان الحمامات الدولي الستار على دورته الستين، التي انتظمت من 11 جويلية إلى 13 أوت تحت شعار «ذاكرة تعيش»، بعد أكثر من شهر من العروض التي جمعت الموسيقى والمسرح والرقص المعاصر، واستقطبت جمهورا واسعا إلى فضاء المسرح المفتوح بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات. وإذا كان من الصعب إنكار النجاح الجماهيري الذي رافق عددا من سهرات هذه الدورة، فإن الحصيلة النهائية تفرض أيضا قراءة أبعد من أرقام الحضور ونجاح شباك التذاكر، باتجاه سؤال يتعلق بخيارات البرمجة وتوازنها ومدى قدرتها على الحفاظ على خصوصية مهرجان راكم ستة عقود من التاريخ.

إيمان عبد اللطيف

قدم المهرجان هذا العام 32 عرضا بمشاركة فنانين ومبدعين من 12 دولة، هي تونس ولبنان وفلسطين والجزائر والمغرب ومالي وتركيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وكوبا والولايات المتحدة الأمريكية، بما يجعلها من حيث الانفتاح الجغرافي والفني دورة متنوعة في جوانب عديدة، غير أن هذا التنوع العام لا يلغي أسئلة أخرى تتعلق بالتوازن داخل البرمجة، وبالاختيارات التي حظيت بمساحة أكبر من غيرها، وبمدى قدرة المهرجان على تجديد جمهوره وصناعة مقترحات فنية مختلفة.

وفي مقدمة هذه الأسئلة يبرز حضور الموسيقى اللبنانية الذي كان لافتا في هذه الدورة، ليس من حيث القيمة الفنية للأسماء المشاركة، وهي قيمة لا يمكن التشكيك فيها، وإنما من حيث حجم هذا الحضور مقارنة بغياب تجارب عربية أخرى كان يمكن أن تثري المشهد وتمنحه مساحة أوسع من التنوع. فمصر، مثلا، غابت عن البرمجة، وهي إحدى أهم المدارس الموسيقية والغنائية العربية، كما كان يمكن توسيع الحضور الخليجي أو استقدام تجارب عربية شابة من المشرق والمغرب، بما يجعل الخريطة الموسيقية أكثر اتساعا.

والسؤال هنا ليس لماذا حضرت لبنان، وإنما لماذا بهذا الزخم، وهل كان من الضروري أن تأخذ الموسيقى اللبنانية هذه المساحة الكبيرة على حساب تجارب أخرى؟ فالاختيار البرمجي لا يقاس فقط بجودة الفنانين، وإنما أيضا بقدرته على تحقيق التوازن وصناعة التنوع وفتح نوافذ جديدة أمام الجمهور. ويصبح هذا السؤال أكثر وجاهة عندما نضع في الاعتبار أن الدورة نفسها أثبتت قدرة الجمهور على التفاعل مع تجارب مختلفة، وأن نجاح عدد من العروض لم يكن مرتبطا دائما بالأسماء الأكثر جماهيرية. ويكفي في هذا السياق التوقف عند سهرة مارسيل خليفة التي حققت نجاحا فنيا وجماهيريا، لتؤكد أن الجمهور التونسي لا يزال قادرا على التفاعل مع مشروع فني يحمل قيمة موسيقية وفكرية وتاريخا طويلا، وأن الرهان على التجارب التي تجمع بين الجودة والخصوصية لا يتعارض بالضرورة مع النجاح الجماهيري.

تجربة ظافر يوسف بعرضه " شيراز" قدمت بدورها نموذجا لموسيقى تنفتح على الجاز والتجريب والبعد الصوفي، فيما مثل عرض الأخوين نور وسليم عرجون «Live With Orchestra» تجربة شبابية تونسية كان يمكن أن تكون مدخلا لتوسيع حضور الموسيقى البديلة والمشاريع الموسيقية الجديدة. وهنا تبرز ملاحظة أخرى تتعلق بضعف التركيز على الموسيقى البديلة والتجارب الشابة داخل البرمجة مقارنة بمساحة الموسيقى الجماهيرية والأسماء المعروفة.

فالمهرجان الدولي لا يفترض أن يكون فقط مكانا لاستعادة الأسماء التي يعرفها الجمهور، وإنما يمكن أن يكون أيضا مختبرا لاكتشاف الأصوات الجديدة والتيارات الموسيقية التي تتشكل خارج القوالب التجارية التقليدية. وهذا الدور مهم خصوصا في سياق يتغير فيه ذوق الجمهور، وتظهر فيه تجارب موسيقية تونسية وعربية جديدة تستحق أن تجد طريقها إلى أكبر المنصات. ولا يتعلق الأمر بإقصاء الطرب أو الأسماء المعروفة، بل بإيجاد صيغة أكثر توازنا بين ضمان الحضور الجماهيري وبين الاستثمار في المستقبل. وعلى مستوى المسرح، تبرز مفارقة أخرى لا تقل أهمية. فالمهرجان الذي ظل المسرح أحد مكوناته الأساسية قدم أربعة عروض مسرحية فقط ضمن برمجة غلبت عليها الموسيقى، وهي «الهاربات» لوفاء الطبوبي، و«جاكراندا» لنزار السعيدي، و«هوما» لسيرين قنون، و«روضة العشاق» لمعز العاشوري. ولا يعني محدودية العدد ضعف القيمة الفنية لهذه الأعمال، فقد أكدت «الهاربات» منذ الافتتاح أن المسرح التونسي قادر على تحقيق التفاعل والاشتغال على قضايا المجتمع من خلال رؤية فنية متماسكة، كما أثارت «هوما» اهتماما نقديا وجماهيريا، وقدمت «جاكراندا» تجربة تنفتح على التجديد في الإخراج والأداء، بينما أضافت «روضة العشاق» بعدا آخر إلى الحضور المسرحي. لكن السؤال يظل قائما: هل تكفي أربعة عروض للحفاظ على موقع المسرح داخل مهرجان ارتبط تاريخيا بالفن الرابع والفنون الأدائية؟ وإذا كان عدد العروض قد تقلص مقارنة بدورات سابقة، فإن الأمر يستحق مراجعة هادئة، ليس بهدف تحويل مهرجان الحمامات إلى مهرجان مسرحي، وإنما حتى لا تتحول الموسيقى تدريجيا إلى المجال الطاغي على حساب أحد المكونات التي صنعت شخصية المهرجان. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الجمهور والفن، وبين العروض الجماهيرية والتجارب التي تحتاج إلى فرصة كي تجد جمهورها، ولما لا الانفتاح على تجارب عربية مسرحية راقية.

ومن هذه الزاوية أيضا يمكن فهم الحاجة إلى مساحة أكبر للموسيقى البديلة والتجارب الجديدة، فالجمهور الذي حضر مارسيل خليفة وظافر يوسف ونور وسليم عرجون، وتفاعل مع تجارب موسيقية مختلفة أخرى، يؤكد أن الرهان على الاختلاف ليس بالضرورة رهانا خاسرا في شباك التذاكر. وإذا كان الجانب الفني والبرمجي يفتح بابا للنقاش، فإن الجانب التنظيمي يبقى من النقاط المضيئة في الدورة الستين. فقد تمكن المهرجان في عدد من السهرات من إدارة أعداد كبيرة من الجمهور، ونجح في تأمين ظروف تقنية جيدة للعروض، إلى جانب تنظيم عملية الدخول والخروج والتنسيق بين مختلف المتدخلين. كما أن الإقبال الكبير الذي عرفته عدة سهرات يؤكد قدرة الفريق المنظم على إدارة تظاهرة بهذا الحجم. لكن هذه الصورة الإيجابية لم تخل من نقطة سوداء كادت أن تحول إحدى السهرات إلى إشكال خطير، وتحديدا سهرة الفنان آدم، التي شهدت توافد أعداد من الجمهور تجاوزت طاقة استيعاب الفضاء بأعداد مهولة تقدر بالمئات. وهذه الواقعة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل عابر في دورة ناجحة تنظيميا، لأنها تضع مسألة الطاقة الاستيعابية والسلامة وإدارة الجماهير أمام مسؤولية أكبر.

فنجاح الحفل في استقطاب الجمهور لا يمكن أن يكون على حساب شروط السلامة، و«الشباك المغلق» ينبغي أن يعني أيضا احترام الطاقة القصوى للفضاء، لا أن يصبح مؤشرا على تجاوزها. وإذا كانت سهرة آدم قد كشفت أن الشعبية الكبيرة لبعض الفنانين يمكن أن تضع التنظيم أمام اختبارات صعبة، فإن الدرس الأهم هو ضرورة الاستعداد المسبق لكل الاحتمالات، خصوصا في السهرات التي تكون فيها توقعات الإقبال مرتفعة. ولا ينبغي لهذا الإخلال أن يحجب ما تحقق في بقية الدورة من نجاحات تنظيمية، لكنه في المقابل يستحق أن يكون موضع تقييم حقيقي حتى لا يتكرر مستقبلا.

ويمكن التأكيد على أنّ حصيلة الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي الذي للتو افتتح بعرض لمسرحية " الهاربات" واختتم بعرض للفنانة صوفية صادق، بدت مزدوجة: نجاح جماهيري وتنظيمي وفني في محطات عديدة، مقابل أسئلة مشروعة حول توازن البرمجة، وحجم حضور المسرح، ومساحة الموسيقى البديلة، وسبب التركيز الكبير على بعض الألوان الموسيقية العربية دون غيرها، في وقت كان يمكن فيه توسيع الخريطة لتشمل تجارب غابت من الأصوات العربية الجديدة. والمطلوب في الدورات المقبلة ليس التخلي عن الأسماء الجماهيرية ولا التضحية بنجاح شباك التذاكر، وإنما البناء على هذا النجاح لتقديم برمجة أكثر تنوعا وجرأة، توازن بين المعروف والمكتشف، وبين المسرح والموسيقى، وبين الطرب والتجريب، وبين تونس ومحيطها العربي، والإفريقي، والمتوسطي، والعالمي.

فمهرجان الحمامات الدولي، بعد ستين دورة، أصبح يملك رصيدا تاريخيا يسمح له بأن يكون أكثر من مجرد موعد صيفي ناجح. وإذا كانت «ذاكرة تعيش» شعار الدورة، فإن التحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه الذاكرة إلى مشروع مستقبلي يحافظ على هوية المهرجان، ويمنح المسرح مكانته، ويفتح مساحة أكبر للتجارب البديلة، ويضمن تنوعا عربيا ودوليا أوسع، دون أن يفقد في المقابل قدرته على جذب الجمهور. فالنجاح الحقيقي ليس فقط أن تمتلئ المدارج، وإنما أن يجد المتفرج في كل دورة سببا جديدا للعودة، وأن يجد الفنان المختلف مكانا له فوق الخشبة، وأن يبقى مهرجان الحمامات فضاء للفن والاختلاف والاكتشاف، لا مجرد منصة للأسماء الأكثر ضمانا لشباك التذاكر وأذواق المتعهدين الفنية والموسيقية.

 

أسدل الستار على دورته الـ 60 .. مهرجان الحمامات الدولي: نجاح جماهيري وفني لا يلغي ملاحظات البرمجة وسؤال المسرح والتنوع في الواجهة

تونس - الصباح

أسدل مهرجان الحمامات الدولي الستار على دورته الستين، التي انتظمت من 11 جويلية إلى 13 أوت تحت شعار «ذاكرة تعيش»، بعد أكثر من شهر من العروض التي جمعت الموسيقى والمسرح والرقص المعاصر، واستقطبت جمهورا واسعا إلى فضاء المسرح المفتوح بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات. وإذا كان من الصعب إنكار النجاح الجماهيري الذي رافق عددا من سهرات هذه الدورة، فإن الحصيلة النهائية تفرض أيضا قراءة أبعد من أرقام الحضور ونجاح شباك التذاكر، باتجاه سؤال يتعلق بخيارات البرمجة وتوازنها ومدى قدرتها على الحفاظ على خصوصية مهرجان راكم ستة عقود من التاريخ.

إيمان عبد اللطيف

قدم المهرجان هذا العام 32 عرضا بمشاركة فنانين ومبدعين من 12 دولة، هي تونس ولبنان وفلسطين والجزائر والمغرب ومالي وتركيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وكوبا والولايات المتحدة الأمريكية، بما يجعلها من حيث الانفتاح الجغرافي والفني دورة متنوعة في جوانب عديدة، غير أن هذا التنوع العام لا يلغي أسئلة أخرى تتعلق بالتوازن داخل البرمجة، وبالاختيارات التي حظيت بمساحة أكبر من غيرها، وبمدى قدرة المهرجان على تجديد جمهوره وصناعة مقترحات فنية مختلفة.

وفي مقدمة هذه الأسئلة يبرز حضور الموسيقى اللبنانية الذي كان لافتا في هذه الدورة، ليس من حيث القيمة الفنية للأسماء المشاركة، وهي قيمة لا يمكن التشكيك فيها، وإنما من حيث حجم هذا الحضور مقارنة بغياب تجارب عربية أخرى كان يمكن أن تثري المشهد وتمنحه مساحة أوسع من التنوع. فمصر، مثلا، غابت عن البرمجة، وهي إحدى أهم المدارس الموسيقية والغنائية العربية، كما كان يمكن توسيع الحضور الخليجي أو استقدام تجارب عربية شابة من المشرق والمغرب، بما يجعل الخريطة الموسيقية أكثر اتساعا.

والسؤال هنا ليس لماذا حضرت لبنان، وإنما لماذا بهذا الزخم، وهل كان من الضروري أن تأخذ الموسيقى اللبنانية هذه المساحة الكبيرة على حساب تجارب أخرى؟ فالاختيار البرمجي لا يقاس فقط بجودة الفنانين، وإنما أيضا بقدرته على تحقيق التوازن وصناعة التنوع وفتح نوافذ جديدة أمام الجمهور. ويصبح هذا السؤال أكثر وجاهة عندما نضع في الاعتبار أن الدورة نفسها أثبتت قدرة الجمهور على التفاعل مع تجارب مختلفة، وأن نجاح عدد من العروض لم يكن مرتبطا دائما بالأسماء الأكثر جماهيرية. ويكفي في هذا السياق التوقف عند سهرة مارسيل خليفة التي حققت نجاحا فنيا وجماهيريا، لتؤكد أن الجمهور التونسي لا يزال قادرا على التفاعل مع مشروع فني يحمل قيمة موسيقية وفكرية وتاريخا طويلا، وأن الرهان على التجارب التي تجمع بين الجودة والخصوصية لا يتعارض بالضرورة مع النجاح الجماهيري.

تجربة ظافر يوسف بعرضه " شيراز" قدمت بدورها نموذجا لموسيقى تنفتح على الجاز والتجريب والبعد الصوفي، فيما مثل عرض الأخوين نور وسليم عرجون «Live With Orchestra» تجربة شبابية تونسية كان يمكن أن تكون مدخلا لتوسيع حضور الموسيقى البديلة والمشاريع الموسيقية الجديدة. وهنا تبرز ملاحظة أخرى تتعلق بضعف التركيز على الموسيقى البديلة والتجارب الشابة داخل البرمجة مقارنة بمساحة الموسيقى الجماهيرية والأسماء المعروفة.

فالمهرجان الدولي لا يفترض أن يكون فقط مكانا لاستعادة الأسماء التي يعرفها الجمهور، وإنما يمكن أن يكون أيضا مختبرا لاكتشاف الأصوات الجديدة والتيارات الموسيقية التي تتشكل خارج القوالب التجارية التقليدية. وهذا الدور مهم خصوصا في سياق يتغير فيه ذوق الجمهور، وتظهر فيه تجارب موسيقية تونسية وعربية جديدة تستحق أن تجد طريقها إلى أكبر المنصات. ولا يتعلق الأمر بإقصاء الطرب أو الأسماء المعروفة، بل بإيجاد صيغة أكثر توازنا بين ضمان الحضور الجماهيري وبين الاستثمار في المستقبل. وعلى مستوى المسرح، تبرز مفارقة أخرى لا تقل أهمية. فالمهرجان الذي ظل المسرح أحد مكوناته الأساسية قدم أربعة عروض مسرحية فقط ضمن برمجة غلبت عليها الموسيقى، وهي «الهاربات» لوفاء الطبوبي، و«جاكراندا» لنزار السعيدي، و«هوما» لسيرين قنون، و«روضة العشاق» لمعز العاشوري. ولا يعني محدودية العدد ضعف القيمة الفنية لهذه الأعمال، فقد أكدت «الهاربات» منذ الافتتاح أن المسرح التونسي قادر على تحقيق التفاعل والاشتغال على قضايا المجتمع من خلال رؤية فنية متماسكة، كما أثارت «هوما» اهتماما نقديا وجماهيريا، وقدمت «جاكراندا» تجربة تنفتح على التجديد في الإخراج والأداء، بينما أضافت «روضة العشاق» بعدا آخر إلى الحضور المسرحي. لكن السؤال يظل قائما: هل تكفي أربعة عروض للحفاظ على موقع المسرح داخل مهرجان ارتبط تاريخيا بالفن الرابع والفنون الأدائية؟ وإذا كان عدد العروض قد تقلص مقارنة بدورات سابقة، فإن الأمر يستحق مراجعة هادئة، ليس بهدف تحويل مهرجان الحمامات إلى مهرجان مسرحي، وإنما حتى لا تتحول الموسيقى تدريجيا إلى المجال الطاغي على حساب أحد المكونات التي صنعت شخصية المهرجان. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الجمهور والفن، وبين العروض الجماهيرية والتجارب التي تحتاج إلى فرصة كي تجد جمهورها، ولما لا الانفتاح على تجارب عربية مسرحية راقية.

ومن هذه الزاوية أيضا يمكن فهم الحاجة إلى مساحة أكبر للموسيقى البديلة والتجارب الجديدة، فالجمهور الذي حضر مارسيل خليفة وظافر يوسف ونور وسليم عرجون، وتفاعل مع تجارب موسيقية مختلفة أخرى، يؤكد أن الرهان على الاختلاف ليس بالضرورة رهانا خاسرا في شباك التذاكر. وإذا كان الجانب الفني والبرمجي يفتح بابا للنقاش، فإن الجانب التنظيمي يبقى من النقاط المضيئة في الدورة الستين. فقد تمكن المهرجان في عدد من السهرات من إدارة أعداد كبيرة من الجمهور، ونجح في تأمين ظروف تقنية جيدة للعروض، إلى جانب تنظيم عملية الدخول والخروج والتنسيق بين مختلف المتدخلين. كما أن الإقبال الكبير الذي عرفته عدة سهرات يؤكد قدرة الفريق المنظم على إدارة تظاهرة بهذا الحجم. لكن هذه الصورة الإيجابية لم تخل من نقطة سوداء كادت أن تحول إحدى السهرات إلى إشكال خطير، وتحديدا سهرة الفنان آدم، التي شهدت توافد أعداد من الجمهور تجاوزت طاقة استيعاب الفضاء بأعداد مهولة تقدر بالمئات. وهذه الواقعة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل عابر في دورة ناجحة تنظيميا، لأنها تضع مسألة الطاقة الاستيعابية والسلامة وإدارة الجماهير أمام مسؤولية أكبر.

فنجاح الحفل في استقطاب الجمهور لا يمكن أن يكون على حساب شروط السلامة، و«الشباك المغلق» ينبغي أن يعني أيضا احترام الطاقة القصوى للفضاء، لا أن يصبح مؤشرا على تجاوزها. وإذا كانت سهرة آدم قد كشفت أن الشعبية الكبيرة لبعض الفنانين يمكن أن تضع التنظيم أمام اختبارات صعبة، فإن الدرس الأهم هو ضرورة الاستعداد المسبق لكل الاحتمالات، خصوصا في السهرات التي تكون فيها توقعات الإقبال مرتفعة. ولا ينبغي لهذا الإخلال أن يحجب ما تحقق في بقية الدورة من نجاحات تنظيمية، لكنه في المقابل يستحق أن يكون موضع تقييم حقيقي حتى لا يتكرر مستقبلا.

ويمكن التأكيد على أنّ حصيلة الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي الذي للتو افتتح بعرض لمسرحية " الهاربات" واختتم بعرض للفنانة صوفية صادق، بدت مزدوجة: نجاح جماهيري وتنظيمي وفني في محطات عديدة، مقابل أسئلة مشروعة حول توازن البرمجة، وحجم حضور المسرح، ومساحة الموسيقى البديلة، وسبب التركيز الكبير على بعض الألوان الموسيقية العربية دون غيرها، في وقت كان يمكن فيه توسيع الخريطة لتشمل تجارب غابت من الأصوات العربية الجديدة. والمطلوب في الدورات المقبلة ليس التخلي عن الأسماء الجماهيرية ولا التضحية بنجاح شباك التذاكر، وإنما البناء على هذا النجاح لتقديم برمجة أكثر تنوعا وجرأة، توازن بين المعروف والمكتشف، وبين المسرح والموسيقى، وبين الطرب والتجريب، وبين تونس ومحيطها العربي، والإفريقي، والمتوسطي، والعالمي.

فمهرجان الحمامات الدولي، بعد ستين دورة، أصبح يملك رصيدا تاريخيا يسمح له بأن يكون أكثر من مجرد موعد صيفي ناجح. وإذا كانت «ذاكرة تعيش» شعار الدورة، فإن التحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه الذاكرة إلى مشروع مستقبلي يحافظ على هوية المهرجان، ويمنح المسرح مكانته، ويفتح مساحة أكبر للتجارب البديلة، ويضمن تنوعا عربيا ودوليا أوسع، دون أن يفقد في المقابل قدرته على جذب الجمهور. فالنجاح الحقيقي ليس فقط أن تمتلئ المدارج، وإنما أن يجد المتفرج في كل دورة سببا جديدا للعودة، وأن يجد الفنان المختلف مكانا له فوق الخشبة، وأن يبقى مهرجان الحمامات فضاء للفن والاختلاف والاكتشاف، لا مجرد منصة للأسماء الأكثر ضمانا لشباك التذاكر وأذواق المتعهدين الفنية والموسيقية.