تبيّن درجات الحرارة المسجلة خلال أشهر صائفة 2026، وما يتم إصداره دوريا من مؤشرات جديدة فيما يتعلق بالمناخ والظواهر البيئية، أن مسألة التغيرات المناخية لم تعد مجرد عنوان يتم التطرق إليه كل فترة، بل أصبحت واقعا معيشا وتوقعات يجدر التنبيه إليها وأخذها بعين الاعتبار من قبل المؤسسات والهياكل المعنية في الدولة، والحذر من تداعياتها، أمام ما يمكن أن تشكله من خطر على الأفراد والممتلكات والطبيعة.
وبعد شهر جويلية الذي شهد ارتفاعا استثنائيا في درجات الحرارة على مستوى البلاد، حيث أشارت النشرة الأولية للمعهد الوطني للرصد الجوي إلى أن المعدل الوطني لدرجة الحرارة قد بلغ 31.7 درجة مائوية، أي بزيادة قدرها +3.4 درجات مائوية مقارنة بالمعدل المناخي العادي البالغ 28.4 درجة مائوية، وبذلك احتل جويلية 2026 المرتبة الثانية بين أكثر أشهر جويلية حرارة في تونس منذ 1950، بعد جويلية 2023 الذي سجل معدلا وطنيا بلغ 32.4 درجة مائوية، أي بفارق قدره +4.0 درجات مائوية عن المعدل المناخي، تتجه الأنظار إلى فصلي الخريف والشتاء. ويرجح، حسب التوقعات المعلنة من قبل الخبراء والمختصين في المناخ، أنهما قد يحملان بدورهما درجات حرارة أعلى من المعدلات المعتادة، إلى جانب أمطار متذبذبة قد تكون غزيرة في فترات قصيرة، بما يرفع مخاطر السيول والفيضانات والعواصف الرعدية المحلية.
وتشير المعطيات المناخية الأولية والتوقعات الموسمية إلى إمكانية تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات المرجعية خلال خريف 2026، بالتوازي مع أمطار قد تتجاوز المعدلات بقليل، مع احتمال بروز تقلبات جوية لافتة وظواهر متطرفة.
ولا تأتي هذه التوقعات بمعزل عن السياق المناخي العالمي والإقليمي، إذ يشهد البحر الأبيض المتوسط بدوره ارتفاعا لافتا في حرارة مياهه، في وقت أصبحت فيه موجات الحر البحرية أكثر حضورا وتواترا.
وتكتسب الأرقام المسجلة خلال أشهر الصائفة أهمية أكبر عندما توضع ضمن سياق أوسع يتمثل في ارتفاع درجات حرارة اليابسة والبحر معاً، وهو ما يضاعف الضغوط على المنظومة المناخية ويزيد من احتمالات ظهور فترات حر طويلة ومتكررة، إلى جانب اضطرابات مفاجئة في الطقس.
ويشير الخبير المناخي والبيئي حمدي حشاد إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط يمثل أحد العناصر المهمة في فهم التطورات الجوية المرتقبة. وأوضح أن مياه المتوسط تشهد ارتفاعا كبيرا مقارنة بالمعدلات المعتادة، مشيرا إلى أن الفوارق بلغت في بعض المناطق نحو أربع إلى خمس درجات مائوية، وقد تصل في مناطق أخرى إلى سبع درجات.
ويحوّل هذا الاحترار البحر المتوسط، تدريجيا، إلى ما يشبه «خزانا حراريا» ضخما، قادرا على تخزين كميات كبيرة من الطاقة والرطوبة.
ولا تعني حرارة البحر المرتفعة بالضرورة أن عاصفة عنيفة ستحدث، غير أنها تغيّر البيئة التي تتشكل فيها السحب والاضطرابات الجوية، وفقا للخبير نفسه. فعندما تتوفر الظروف الجوية الملائمة، يمكن للحرارة والرطوبة المتراكمة فوق سطح البحر أن تساهم في تغذية السحب الركامية والعواصف الرعدية والأمطار الغزيرة. ومن هنا، يصبح ارتفاع حرارة المتوسط عاملاً إضافياً ينبغي أخذه في الاعتبار عند دراسة مخاطر الطقس المتطرف في تونس وبقية دول جنوب المتوسط.
وبالنسبة إلى خريف 2026، تتجه المؤشرات الأولية نحو استمرار درجات الحرارة فوق المعدلات المعتادة، مع إمكانية تسجيل فترات دافئة بشكل غير مألوف بالنسبة إلى هذا الفصل. ولا يعني ارتفاع الحرارة بالضرورة غياب الأمطار. فالتوقعات تشير إلى إمكانية تسجيل تساقطات تفوق المعدلات المرجعية بقليل، لكن مع توزيع غير منتظم زمنيا ومجاليا. وينتظر أن تعرف الأيام القادمة، وفقا لنشرية المعهد الوطني للرصد الجوي، سحبا عابرة بأغلب المناطق، مع ظهور خلايا رعدية محلية مصحوبة بأمطار بعد الظهر بالمرتفعات الغربية للشمال والوسط، ثم تشمل محليا الجهات الشرقية، بما في ذلك جهة صفاقس.
وقد تكون بعض المناطق، خاصة المرتفعات والمناطق الغربية، عرضة لعواصف رعدية وأمطار غزيرة محليا، فيما قد تتساقط كميات هامة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما يرفع احتمال تشكل السيول.
وللإشارة، تفيد المؤشرات الأولية الخاصة بالشتاء القادم بإمكانية أن يكون أكثر دفئا من المعدلات المعتادة في عدد من مناطق البلاد، مع إمكانية أن تتعايش الفترات الدافئة مع اضطرابات جوية قصيرة وعنيفة، في حين يستمر التفاوت بين المناطق. ومن المنتظر أن يحافظ الشمال على حصة أكبر من التساقطات مقارنة بالوسط والجنوب، مع استمرار احتمال تسجيل فترات جفاف نسبي تتخللها أحيانا كميات هامة من الأمطار خلال مدد قصيرة.
النينيو.. عامل إضافي في المشهد المناخي
ولا تتوقف العوامل المؤثرة عند حدود المتوسط، إذ يحذر حمدي حشاد أيضا من إمكانية أن تشهد الأشهر المقبلة تأثيرات مرتبطة بظاهرة النينيو، (ظاهرة مناخية طبيعية تتمثل في ارتفاع غير اعتيادي لدرجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي الأوسط والشرقي)، مع احتمال تطورها إلى حالة قوية.
وتشير تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمالية عودة ظاهرة «النينيو» خلال عام 2026 بقوة متوسطة إلى شديدة، مما ينذر بارتفاع إضافي في درجات الحرارة العالمية وزيادة حدة الظواهر المناخية المتطرفة كالجفاف والفيضانات في مختلف مناطق العالم.
وتعد النينيو من أبرز الظواهر المناخية واسعة النطاق، ويمكن أن تؤثر في أنماط الحرارة والتساقطات في مناطق مختلفة من العالم، وإن كانت انعكاساتها على تونس غير مباشرة ومعقدة ولا يمكن اختزالها في سيناريو واحد.
وتضاف هذه الديناميكية إلى تأثير التغير المناخي العالمي وارتفاع حرارة البحار والمحيطات، بما يجعل عملية التنبؤ بالمشهد المناخي أكثر تعقيدا.
وتكشف المؤشرات الحالية أن التحدي بالنسبة إلى تونس لم يعد يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بل أصبح مرتبطا بتغير طبيعة المخاطر نفسها. فقد تتعاقب موجات الحر مع الأمطار الغزيرة، وتتزامن فترات الجفاف مع تساقطات مركزة قادرة على إحداث أمطار غزيرة وسيول، بينما يؤدي ارتفاع حرارة البحر إلى توفير ظروف أكثر ملاءمة لتراكم الرطوبة والطاقة في الغلاف الجوي.
وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحة إلى تعزيز منظومات الرصد والإنذار المبكر، وتطوير خرائط مخاطر السيول والفيضانات، ومراجعة جاهزية البنية التحتية للتعامل مع الأمطار القصوى، إلى جانب اعتماد سياسات أكثر جدية للتكيف مع التغيرات المناخية.
ريم سوودي
تونس - الصباح
تبيّن درجات الحرارة المسجلة خلال أشهر صائفة 2026، وما يتم إصداره دوريا من مؤشرات جديدة فيما يتعلق بالمناخ والظواهر البيئية، أن مسألة التغيرات المناخية لم تعد مجرد عنوان يتم التطرق إليه كل فترة، بل أصبحت واقعا معيشا وتوقعات يجدر التنبيه إليها وأخذها بعين الاعتبار من قبل المؤسسات والهياكل المعنية في الدولة، والحذر من تداعياتها، أمام ما يمكن أن تشكله من خطر على الأفراد والممتلكات والطبيعة.
وبعد شهر جويلية الذي شهد ارتفاعا استثنائيا في درجات الحرارة على مستوى البلاد، حيث أشارت النشرة الأولية للمعهد الوطني للرصد الجوي إلى أن المعدل الوطني لدرجة الحرارة قد بلغ 31.7 درجة مائوية، أي بزيادة قدرها +3.4 درجات مائوية مقارنة بالمعدل المناخي العادي البالغ 28.4 درجة مائوية، وبذلك احتل جويلية 2026 المرتبة الثانية بين أكثر أشهر جويلية حرارة في تونس منذ 1950، بعد جويلية 2023 الذي سجل معدلا وطنيا بلغ 32.4 درجة مائوية، أي بفارق قدره +4.0 درجات مائوية عن المعدل المناخي، تتجه الأنظار إلى فصلي الخريف والشتاء. ويرجح، حسب التوقعات المعلنة من قبل الخبراء والمختصين في المناخ، أنهما قد يحملان بدورهما درجات حرارة أعلى من المعدلات المعتادة، إلى جانب أمطار متذبذبة قد تكون غزيرة في فترات قصيرة، بما يرفع مخاطر السيول والفيضانات والعواصف الرعدية المحلية.
وتشير المعطيات المناخية الأولية والتوقعات الموسمية إلى إمكانية تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات المرجعية خلال خريف 2026، بالتوازي مع أمطار قد تتجاوز المعدلات بقليل، مع احتمال بروز تقلبات جوية لافتة وظواهر متطرفة.
ولا تأتي هذه التوقعات بمعزل عن السياق المناخي العالمي والإقليمي، إذ يشهد البحر الأبيض المتوسط بدوره ارتفاعا لافتا في حرارة مياهه، في وقت أصبحت فيه موجات الحر البحرية أكثر حضورا وتواترا.
وتكتسب الأرقام المسجلة خلال أشهر الصائفة أهمية أكبر عندما توضع ضمن سياق أوسع يتمثل في ارتفاع درجات حرارة اليابسة والبحر معاً، وهو ما يضاعف الضغوط على المنظومة المناخية ويزيد من احتمالات ظهور فترات حر طويلة ومتكررة، إلى جانب اضطرابات مفاجئة في الطقس.
ويشير الخبير المناخي والبيئي حمدي حشاد إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط يمثل أحد العناصر المهمة في فهم التطورات الجوية المرتقبة. وأوضح أن مياه المتوسط تشهد ارتفاعا كبيرا مقارنة بالمعدلات المعتادة، مشيرا إلى أن الفوارق بلغت في بعض المناطق نحو أربع إلى خمس درجات مائوية، وقد تصل في مناطق أخرى إلى سبع درجات.
ويحوّل هذا الاحترار البحر المتوسط، تدريجيا، إلى ما يشبه «خزانا حراريا» ضخما، قادرا على تخزين كميات كبيرة من الطاقة والرطوبة.
ولا تعني حرارة البحر المرتفعة بالضرورة أن عاصفة عنيفة ستحدث، غير أنها تغيّر البيئة التي تتشكل فيها السحب والاضطرابات الجوية، وفقا للخبير نفسه. فعندما تتوفر الظروف الجوية الملائمة، يمكن للحرارة والرطوبة المتراكمة فوق سطح البحر أن تساهم في تغذية السحب الركامية والعواصف الرعدية والأمطار الغزيرة. ومن هنا، يصبح ارتفاع حرارة المتوسط عاملاً إضافياً ينبغي أخذه في الاعتبار عند دراسة مخاطر الطقس المتطرف في تونس وبقية دول جنوب المتوسط.
وبالنسبة إلى خريف 2026، تتجه المؤشرات الأولية نحو استمرار درجات الحرارة فوق المعدلات المعتادة، مع إمكانية تسجيل فترات دافئة بشكل غير مألوف بالنسبة إلى هذا الفصل. ولا يعني ارتفاع الحرارة بالضرورة غياب الأمطار. فالتوقعات تشير إلى إمكانية تسجيل تساقطات تفوق المعدلات المرجعية بقليل، لكن مع توزيع غير منتظم زمنيا ومجاليا. وينتظر أن تعرف الأيام القادمة، وفقا لنشرية المعهد الوطني للرصد الجوي، سحبا عابرة بأغلب المناطق، مع ظهور خلايا رعدية محلية مصحوبة بأمطار بعد الظهر بالمرتفعات الغربية للشمال والوسط، ثم تشمل محليا الجهات الشرقية، بما في ذلك جهة صفاقس.
وقد تكون بعض المناطق، خاصة المرتفعات والمناطق الغربية، عرضة لعواصف رعدية وأمطار غزيرة محليا، فيما قد تتساقط كميات هامة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما يرفع احتمال تشكل السيول.
وللإشارة، تفيد المؤشرات الأولية الخاصة بالشتاء القادم بإمكانية أن يكون أكثر دفئا من المعدلات المعتادة في عدد من مناطق البلاد، مع إمكانية أن تتعايش الفترات الدافئة مع اضطرابات جوية قصيرة وعنيفة، في حين يستمر التفاوت بين المناطق. ومن المنتظر أن يحافظ الشمال على حصة أكبر من التساقطات مقارنة بالوسط والجنوب، مع استمرار احتمال تسجيل فترات جفاف نسبي تتخللها أحيانا كميات هامة من الأمطار خلال مدد قصيرة.
النينيو.. عامل إضافي في المشهد المناخي
ولا تتوقف العوامل المؤثرة عند حدود المتوسط، إذ يحذر حمدي حشاد أيضا من إمكانية أن تشهد الأشهر المقبلة تأثيرات مرتبطة بظاهرة النينيو، (ظاهرة مناخية طبيعية تتمثل في ارتفاع غير اعتيادي لدرجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي الأوسط والشرقي)، مع احتمال تطورها إلى حالة قوية.
وتشير تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمالية عودة ظاهرة «النينيو» خلال عام 2026 بقوة متوسطة إلى شديدة، مما ينذر بارتفاع إضافي في درجات الحرارة العالمية وزيادة حدة الظواهر المناخية المتطرفة كالجفاف والفيضانات في مختلف مناطق العالم.
وتعد النينيو من أبرز الظواهر المناخية واسعة النطاق، ويمكن أن تؤثر في أنماط الحرارة والتساقطات في مناطق مختلفة من العالم، وإن كانت انعكاساتها على تونس غير مباشرة ومعقدة ولا يمكن اختزالها في سيناريو واحد.
وتضاف هذه الديناميكية إلى تأثير التغير المناخي العالمي وارتفاع حرارة البحار والمحيطات، بما يجعل عملية التنبؤ بالمشهد المناخي أكثر تعقيدا.
وتكشف المؤشرات الحالية أن التحدي بالنسبة إلى تونس لم يعد يقتصر على ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بل أصبح مرتبطا بتغير طبيعة المخاطر نفسها. فقد تتعاقب موجات الحر مع الأمطار الغزيرة، وتتزامن فترات الجفاف مع تساقطات مركزة قادرة على إحداث أمطار غزيرة وسيول، بينما يؤدي ارتفاع حرارة البحر إلى توفير ظروف أكثر ملاءمة لتراكم الرطوبة والطاقة في الغلاف الجوي.
وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحة إلى تعزيز منظومات الرصد والإنذار المبكر، وتطوير خرائط مخاطر السيول والفيضانات، ومراجعة جاهزية البنية التحتية للتعامل مع الأمطار القصوى، إلى جانب اعتماد سياسات أكثر جدية للتكيف مع التغيرات المناخية.