تحيي تونس اليوم العيد الوطني للمرأة التونسية، في ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية في مثل هذا اليوم من شهر أوت 1956 ودخولها رسميا حيز التفعيل، بما تضمنته من حقوق ومكاسب لفائدة المرأة والأسرة والمجتمع التونسي، بعد أشهر قليلة من حصول بلادنا على الاستقلال. ليكون عيد هذا العام مناسبة أخرى لتأكيد تجذّر حقوق المرأة في تونس دستوريا وقانونيا واقتصاديا واجتماعيا، ومناسبة للوقوف على نتائج تلك الحقوق في تكوين أرضية متكاملة لصناعة المرأة القيادية والرائدة في جميع مجالات البحث والعلم وطنيا وعالميا، والاضطلاع بمسؤوليات جسام في الأسرة والمجتمع والإدارة والدولة. وقد عرفت في مراحل لاحقة جملة من المحطات المفصلية التي عززت مكاسبها ودورها وتموقعها في الأسرة والمجتمع والدولة.
نزيهة الغضباني
تأتي احتفالية هذا العام بالذكرى السبعين لدخول مجلة الأحوال الشخصية حيز التنفيذ، لتعلن الدولة من خلالها انطلاق تنظيم الحياة الأسرية والاجتماعية، في مرحلة اكتسحت فيها المرأة التونسية جميع مجالات النجاح والتميز والريادة، دون تمييز بينها وبين الرجل. ولم تعد إنجازاتها وقدرتها على فرض نسقها على مستويين وطني وعالمي استثناء، بل تؤكد الأخبار المتواترة حول تصدر أسماء نساء تونسيات لقائمة المتوجات في مجالات البحث وريادة الأعمال والرياضة والإبداعات الفكرية والثقافية والفنية، أن المرأة في تونس هي صنو الرجل في تقلد المهام والمسؤوليات والقيام بالأعمال في الأسرة وفي المجتمع، وفي تدرج المسارات العلمية والبحثية، وفي تقلد المناصب الإدارية وإدارة المؤسسات وبعث المشاريع وتحقيق النتائج.
المرأة في صلب المشروع السيادي
لتؤكد المرأة اليوم أنها عنصر ريادي وأساسي في مسار بناء الجمهورية الجديدة، وأنها تضطلع بدور أساسي في بلورة وتنفيذ المشروع السيادي لتونس الجديدة، رغم التحديات التي تواجهها، وأنه لا مجال للارتداد على ما تحقق من مكاسب على امتداد عقود، على نحو جعل المرأة، ومن خلالها تونس، ترتقي في تصنيف مجتمعها إلى "المتحضر" والمتطور.
ولعل أبرز مثال على ما تحقق من نقلة للمرأة في تونس في هذه المرحلة، هو تحول بعض المبادرات والمشاريع التي تشرف عليها الدولة اليوم والموجهة بالأساس إلى المرأة في مختلف مستوياتها وانتماءاتها الاجتماعية والعلمية، إلى مشاريع دولة تعزز حقوقها وتموقعها في دوائر القرار والعمل والنشاط، ومن أبرزها:
مصادقة مجلس الوزراء في تونس رسمياً في جانفي الماضي على إحداث صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. وقد جاء هذا القرار بناءً على توجيهات رئاسية تهدف إلى رد الاعتبار لهذه الفئة المهمة وتأمين عيش كريم لهن. ويستهدف الصندوق إدماج أكثر من 600 ألف عاملة في القطاع الفلاحي ضمن منظومة تغطية قانونية.
كما تحرص اليوم وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن على رعاية وتقديم مجموعة متكاملة من البرامج والآليات الرامية إلى تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً وحمايتها من العنف.
منها البرنامج الوطني "رائدات"، الذي يُعد البرنامج الأبرز لدعم ريادة الأعمال النسائية والاستثمار. وتولى ضمان تمويل المشاريع النسائية الصغرى والمتوسطة بشروط ميسرة للحد من بطالة النساء، إضافة إلى المبادرة الوطنية لتوحيد مسار ريادة الأعمال النسائية، التي تمتد من أوت 2026 إلى أوت 2027 لتبسيط مرافقة النساء. وتشمل المرافقة مراحل الفكرة، ودراسة الجدوى، والتكوين، والتسويق الرقمي. ثم برنامج تمكين النساء والفتيات في الوسط الريفي، الذي يهدف بدوره إلى دعم التشغيل الذاتي وتطوير مهارات العاملات في الفلاحة والمناطق الريفية. ويدعم هذا البرنامج انخراطهن في الاقتصاد التضامني عبر إحداث "المجامع التنموية النسائية" وتوفير وسائل الإنتاج.
كما يستهدف برنامج التمكين الاقتصادي للأسر ذات الوضعيات الخاصة أمهات التلاميذ المهددين بالانقطاع المدرسي والنساء في وضعيات هشة، لتوفير مصادر رزق مستقرة.
وتشرف وزارة الأسرة على برامج مناهضة العنف وحماية المرأة عبر توفير آليات التعهد بالنساء ضحايا العنف، حيث تشرف الوزارة على تنسيق الخدمات المشتركة للتعهد الطبي والنفسي والقانوني بالنساء ضحايا العنف، وتخصيص مراكز استقبال وإيواء النساء ضحايا العنف، وتهيئة وإدارة مراكز أمان لإيواء النساء المعنفات وأطفالهن وتوفير الحماية الفورية لهم.
ولا يتوقف دعم الدولة اليوم لمكاسب المرأة عند هذا الحد، بل يتعداه ليشمل حرصها على توفير آليات الإحاطة والبحوث والدعم الرقمي، من خلال تخصيص منصّة الأسرة التّونسيّة كفضاء رقمي تفاعلي توفره الوزارة لتقريب الخدمات الاستشارية والإرشادية وتسهيل النفاذ إلى آليات الدعم المتاحة للمرأة والأسرة.
كما تراهن الدولة على فئة أخرى من النساء من خلال ما يقدمه مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة "الكريديف"، من خلال فتحه المجال أمام الدراسات وتحليل واقع حقوق المرأة وتطوير السياسات العامة المراعية لتكافؤ الفرص.
وتضع وزارة الأسرة أيضا برنامج ترسيخ المساواة بين النساء والرجال ضمن وحدة تصرف حسب الأهداف، تعمل على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في ميزانيات الدولة والمخططات التنموية.
إرث تشريعي وقانوني
وقد استطاعت المرأة التونسية، بفضل ما تملكه من إرث تشريعي وقانوني محفز، وما تملكه من إرادة وثقة في النفس وطموح للتطور والتقدم، أن تحصد النجاح وتتصدر مراتب متقدمة على مستويين وطني ودولي. ولنا في سجل النجاحات النسائية وما أحرزته من نتائج على مستويات دولية أمثلة حية تؤكد أن المرأة في تونس أدركت مرحلة متقدمة في مجالات علمية وبحثية دقيقة.
فلا أحد ينكر الدور الذي لعبته مجلة الأحوال الشخصية في إحداث نقلة نوعية في وعي ومستوى وقدرات المرأة التونسية على امتداد عقود، إذ كان لها تأثير إيجابي على التماسك الأسري والعلاقات داخل الأسرة، كما ساهمت القوانين التي تضمنتها في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين التنشئة الاجتماعية، باعتبار أن الإصلاحات التي جاءت بها هذه المجلة ساعدت أيضاً على الاستثمار في تعليم الذكور والإناث على حد سواء.
وتتولى المرأة في تونس تحمل أعباء مسؤوليات الأسرة، باعتبار أن القوانين تلزم المرأة بالمساهمة في مصاريف الأسرة والإنفاق عليها بشكل قانوني صريح إن كان لها مال، وذلك بموجب التعديل التشريعي التاريخي الذي طرأ على الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية.
اكتساح لجميع المجالات
أشارت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، أول أمس، خلال إشرافها على موكب إسناد جائزة أفضل بحث علمي، إلى أن نسبة المشاركة النسائية في هياكل البحوث والمختبرات بلغت 59 بالمائة، ما يعكس ريادة المرأة التونسية في المجالات الأكاديمية.
وأضافت في نفس المناسبة أن عدد الطالبات يمثل 66,8 بالمائة من إجمالي طلبة التعليم العالي العمومي، حيث تسجل المرأة حضوراً متفوقاً في الاختصاصات الدقيقة كالعلوم الحياتية والعلوم الفيزيائية والصحة وعلوم الإعلامية والهندسة.
كما تتصدر المرأة، وفق الوزيرة، المشهد الأكاديمي في مرحلة الدراسات العليا بنسبة 64,9 في مجال الدكتوراه و72,5 بالمائة في مجال ماجستير البحث.
وتفيد عمادة المهندسين أن 45 % من المهندسين المنضوين في الهيئة هن مهندسات.
كما احتلت تونس المرتبة الثانية عالميا في نسبة مشاركة الفتيات والنساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والمنظومة الهندسية (STEM). وتبين الأرقام أن نسبة طالبات العلوم في تونس تصل في كليات العلوم التونسية إلى حوالي 67%، وتتجاوز 70% في التخصصات الطبية. فيما تمثل النساء التونسيات الباحثات ما يقارب 55 % من إجمالي الباحثين في البلاد، وهي من أعلى النسب دولياً.
لذلك ما انفكت تطالعنا من الفينة والأخرى الأخبار التي تتعلق بتتويج نساء تونسيات على مستوى وطني وعالمي، ولعل آخرها ما تعلق بحصول الباحثة والمهندسة بالمعهد الوطني للرصد الجوي خولة الخميري على جائزة أفضل بحث علمي نسائي بعنوان سنة 2026، حول موضوع ابتكارات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن المائي والغذائي، عن بحثها بعنوان "التغيرات المناخية والضغوطات البشرية على المياه الزرقاء في تونس".
كما يُحسب في هذا السياق حصول كل من الباحثة التونسية الدكتورة سمرة البدروشي، المساعدة الاستشفائية الجامعية في أمراض الكلى بكلية الطب بتونس والناشطة في مستشفى شارنيكول، والباحثة الدكتورة ألفة مسعود من معهد باستور، على شهادة ماجستير العلوم الطبية في البحث السريري من كلية الطب بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية، على مدى تميز المرأة التونسية عالميا.
وقد كان لتصنيف الدكتورة حبيبة الزاهي بن رمضان، التي سبق أن تقلدت وزارة الصحة في العام الماضي، من قبل جامعة ستانفورد الأمريكية ضمن أفضل 2 % من علماء العالم لعام 2025، نظير أبحاثها الأكاديمية المؤثرة، أهمية في تأكيد هذا التميز.
وأمثلة تتويجات نسائية تونسية عالمية كثيرة، ويكفي الوقوف عند ما حققته أنس جابر، لاعبة التنس، من إنجاز وصيت رياضي عالمي، إضافة إلى تتويج الرائد بالمؤسسة العسكرية التونسية أحلام الدّوزي، منذ عامين، بجائزة الرّيادة الأمميّة "Trailblazer" كأفضل عنصر نسائي في مجال العدالة والإصلاح. وفوز الكاتبة التونسية أميرة غنيم بجائزة الأدب العربي لعام 2024، التي تمنحها مؤسسة "جان لوك لاغاردير" ومعهد العالم العربي، عن روايتها "نازلة دار الأكابر"، وغيرها من الجوائز والتتويجات التي تحسب للمرأة التونسية وتؤكد فرادتها وقدرتها على تحقيق النجاح وصنع التميز إذا ما توفرت الظروف الملائمة.
تونس – الصباح
تحيي تونس اليوم العيد الوطني للمرأة التونسية، في ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية في مثل هذا اليوم من شهر أوت 1956 ودخولها رسميا حيز التفعيل، بما تضمنته من حقوق ومكاسب لفائدة المرأة والأسرة والمجتمع التونسي، بعد أشهر قليلة من حصول بلادنا على الاستقلال. ليكون عيد هذا العام مناسبة أخرى لتأكيد تجذّر حقوق المرأة في تونس دستوريا وقانونيا واقتصاديا واجتماعيا، ومناسبة للوقوف على نتائج تلك الحقوق في تكوين أرضية متكاملة لصناعة المرأة القيادية والرائدة في جميع مجالات البحث والعلم وطنيا وعالميا، والاضطلاع بمسؤوليات جسام في الأسرة والمجتمع والإدارة والدولة. وقد عرفت في مراحل لاحقة جملة من المحطات المفصلية التي عززت مكاسبها ودورها وتموقعها في الأسرة والمجتمع والدولة.
نزيهة الغضباني
تأتي احتفالية هذا العام بالذكرى السبعين لدخول مجلة الأحوال الشخصية حيز التنفيذ، لتعلن الدولة من خلالها انطلاق تنظيم الحياة الأسرية والاجتماعية، في مرحلة اكتسحت فيها المرأة التونسية جميع مجالات النجاح والتميز والريادة، دون تمييز بينها وبين الرجل. ولم تعد إنجازاتها وقدرتها على فرض نسقها على مستويين وطني وعالمي استثناء، بل تؤكد الأخبار المتواترة حول تصدر أسماء نساء تونسيات لقائمة المتوجات في مجالات البحث وريادة الأعمال والرياضة والإبداعات الفكرية والثقافية والفنية، أن المرأة في تونس هي صنو الرجل في تقلد المهام والمسؤوليات والقيام بالأعمال في الأسرة وفي المجتمع، وفي تدرج المسارات العلمية والبحثية، وفي تقلد المناصب الإدارية وإدارة المؤسسات وبعث المشاريع وتحقيق النتائج.
المرأة في صلب المشروع السيادي
لتؤكد المرأة اليوم أنها عنصر ريادي وأساسي في مسار بناء الجمهورية الجديدة، وأنها تضطلع بدور أساسي في بلورة وتنفيذ المشروع السيادي لتونس الجديدة، رغم التحديات التي تواجهها، وأنه لا مجال للارتداد على ما تحقق من مكاسب على امتداد عقود، على نحو جعل المرأة، ومن خلالها تونس، ترتقي في تصنيف مجتمعها إلى "المتحضر" والمتطور.
ولعل أبرز مثال على ما تحقق من نقلة للمرأة في تونس في هذه المرحلة، هو تحول بعض المبادرات والمشاريع التي تشرف عليها الدولة اليوم والموجهة بالأساس إلى المرأة في مختلف مستوياتها وانتماءاتها الاجتماعية والعلمية، إلى مشاريع دولة تعزز حقوقها وتموقعها في دوائر القرار والعمل والنشاط، ومن أبرزها:
مصادقة مجلس الوزراء في تونس رسمياً في جانفي الماضي على إحداث صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. وقد جاء هذا القرار بناءً على توجيهات رئاسية تهدف إلى رد الاعتبار لهذه الفئة المهمة وتأمين عيش كريم لهن. ويستهدف الصندوق إدماج أكثر من 600 ألف عاملة في القطاع الفلاحي ضمن منظومة تغطية قانونية.
كما تحرص اليوم وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن على رعاية وتقديم مجموعة متكاملة من البرامج والآليات الرامية إلى تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً وحمايتها من العنف.
منها البرنامج الوطني "رائدات"، الذي يُعد البرنامج الأبرز لدعم ريادة الأعمال النسائية والاستثمار. وتولى ضمان تمويل المشاريع النسائية الصغرى والمتوسطة بشروط ميسرة للحد من بطالة النساء، إضافة إلى المبادرة الوطنية لتوحيد مسار ريادة الأعمال النسائية، التي تمتد من أوت 2026 إلى أوت 2027 لتبسيط مرافقة النساء. وتشمل المرافقة مراحل الفكرة، ودراسة الجدوى، والتكوين، والتسويق الرقمي. ثم برنامج تمكين النساء والفتيات في الوسط الريفي، الذي يهدف بدوره إلى دعم التشغيل الذاتي وتطوير مهارات العاملات في الفلاحة والمناطق الريفية. ويدعم هذا البرنامج انخراطهن في الاقتصاد التضامني عبر إحداث "المجامع التنموية النسائية" وتوفير وسائل الإنتاج.
كما يستهدف برنامج التمكين الاقتصادي للأسر ذات الوضعيات الخاصة أمهات التلاميذ المهددين بالانقطاع المدرسي والنساء في وضعيات هشة، لتوفير مصادر رزق مستقرة.
وتشرف وزارة الأسرة على برامج مناهضة العنف وحماية المرأة عبر توفير آليات التعهد بالنساء ضحايا العنف، حيث تشرف الوزارة على تنسيق الخدمات المشتركة للتعهد الطبي والنفسي والقانوني بالنساء ضحايا العنف، وتخصيص مراكز استقبال وإيواء النساء ضحايا العنف، وتهيئة وإدارة مراكز أمان لإيواء النساء المعنفات وأطفالهن وتوفير الحماية الفورية لهم.
ولا يتوقف دعم الدولة اليوم لمكاسب المرأة عند هذا الحد، بل يتعداه ليشمل حرصها على توفير آليات الإحاطة والبحوث والدعم الرقمي، من خلال تخصيص منصّة الأسرة التّونسيّة كفضاء رقمي تفاعلي توفره الوزارة لتقريب الخدمات الاستشارية والإرشادية وتسهيل النفاذ إلى آليات الدعم المتاحة للمرأة والأسرة.
كما تراهن الدولة على فئة أخرى من النساء من خلال ما يقدمه مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة "الكريديف"، من خلال فتحه المجال أمام الدراسات وتحليل واقع حقوق المرأة وتطوير السياسات العامة المراعية لتكافؤ الفرص.
وتضع وزارة الأسرة أيضا برنامج ترسيخ المساواة بين النساء والرجال ضمن وحدة تصرف حسب الأهداف، تعمل على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في ميزانيات الدولة والمخططات التنموية.
إرث تشريعي وقانوني
وقد استطاعت المرأة التونسية، بفضل ما تملكه من إرث تشريعي وقانوني محفز، وما تملكه من إرادة وثقة في النفس وطموح للتطور والتقدم، أن تحصد النجاح وتتصدر مراتب متقدمة على مستويين وطني ودولي. ولنا في سجل النجاحات النسائية وما أحرزته من نتائج على مستويات دولية أمثلة حية تؤكد أن المرأة في تونس أدركت مرحلة متقدمة في مجالات علمية وبحثية دقيقة.
فلا أحد ينكر الدور الذي لعبته مجلة الأحوال الشخصية في إحداث نقلة نوعية في وعي ومستوى وقدرات المرأة التونسية على امتداد عقود، إذ كان لها تأثير إيجابي على التماسك الأسري والعلاقات داخل الأسرة، كما ساهمت القوانين التي تضمنتها في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين التنشئة الاجتماعية، باعتبار أن الإصلاحات التي جاءت بها هذه المجلة ساعدت أيضاً على الاستثمار في تعليم الذكور والإناث على حد سواء.
وتتولى المرأة في تونس تحمل أعباء مسؤوليات الأسرة، باعتبار أن القوانين تلزم المرأة بالمساهمة في مصاريف الأسرة والإنفاق عليها بشكل قانوني صريح إن كان لها مال، وذلك بموجب التعديل التشريعي التاريخي الذي طرأ على الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية.
اكتساح لجميع المجالات
أشارت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري، أول أمس، خلال إشرافها على موكب إسناد جائزة أفضل بحث علمي، إلى أن نسبة المشاركة النسائية في هياكل البحوث والمختبرات بلغت 59 بالمائة، ما يعكس ريادة المرأة التونسية في المجالات الأكاديمية.
وأضافت في نفس المناسبة أن عدد الطالبات يمثل 66,8 بالمائة من إجمالي طلبة التعليم العالي العمومي، حيث تسجل المرأة حضوراً متفوقاً في الاختصاصات الدقيقة كالعلوم الحياتية والعلوم الفيزيائية والصحة وعلوم الإعلامية والهندسة.
كما تتصدر المرأة، وفق الوزيرة، المشهد الأكاديمي في مرحلة الدراسات العليا بنسبة 64,9 في مجال الدكتوراه و72,5 بالمائة في مجال ماجستير البحث.
وتفيد عمادة المهندسين أن 45 % من المهندسين المنضوين في الهيئة هن مهندسات.
كما احتلت تونس المرتبة الثانية عالميا في نسبة مشاركة الفتيات والنساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والمنظومة الهندسية (STEM). وتبين الأرقام أن نسبة طالبات العلوم في تونس تصل في كليات العلوم التونسية إلى حوالي 67%، وتتجاوز 70% في التخصصات الطبية. فيما تمثل النساء التونسيات الباحثات ما يقارب 55 % من إجمالي الباحثين في البلاد، وهي من أعلى النسب دولياً.
لذلك ما انفكت تطالعنا من الفينة والأخرى الأخبار التي تتعلق بتتويج نساء تونسيات على مستوى وطني وعالمي، ولعل آخرها ما تعلق بحصول الباحثة والمهندسة بالمعهد الوطني للرصد الجوي خولة الخميري على جائزة أفضل بحث علمي نسائي بعنوان سنة 2026، حول موضوع ابتكارات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن المائي والغذائي، عن بحثها بعنوان "التغيرات المناخية والضغوطات البشرية على المياه الزرقاء في تونس".
كما يُحسب في هذا السياق حصول كل من الباحثة التونسية الدكتورة سمرة البدروشي، المساعدة الاستشفائية الجامعية في أمراض الكلى بكلية الطب بتونس والناشطة في مستشفى شارنيكول، والباحثة الدكتورة ألفة مسعود من معهد باستور، على شهادة ماجستير العلوم الطبية في البحث السريري من كلية الطب بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية، على مدى تميز المرأة التونسية عالميا.
وقد كان لتصنيف الدكتورة حبيبة الزاهي بن رمضان، التي سبق أن تقلدت وزارة الصحة في العام الماضي، من قبل جامعة ستانفورد الأمريكية ضمن أفضل 2 % من علماء العالم لعام 2025، نظير أبحاثها الأكاديمية المؤثرة، أهمية في تأكيد هذا التميز.
وأمثلة تتويجات نسائية تونسية عالمية كثيرة، ويكفي الوقوف عند ما حققته أنس جابر، لاعبة التنس، من إنجاز وصيت رياضي عالمي، إضافة إلى تتويج الرائد بالمؤسسة العسكرية التونسية أحلام الدّوزي، منذ عامين، بجائزة الرّيادة الأمميّة "Trailblazer" كأفضل عنصر نسائي في مجال العدالة والإصلاح. وفوز الكاتبة التونسية أميرة غنيم بجائزة الأدب العربي لعام 2024، التي تمنحها مؤسسة "جان لوك لاغاردير" ومعهد العالم العربي، عن روايتها "نازلة دار الأكابر"، وغيرها من الجوائز والتتويجات التي تحسب للمرأة التونسية وتؤكد فرادتها وقدرتها على تحقيق النجاح وصنع التميز إذا ما توفرت الظروف الملائمة.