تضع الدولة اليوم في أعلى هرم أولوياتها الوطنية مسألة تعزيز الأمن وفرض القانون، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن بناء اقتصاد متين، واستقطاب الاستثمارات، وضمان الاستقرار الاجتماعي، كلها رهانات تنطلق من فرض القانون وبسط سلطة الدولة على كامل تراب الجمهورية.
منال حرزي
وهذا التمشي يفسّر التصاعد الملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة في نسق الحملات الأمنية المكثفة، من خلال ملاحقة شبكات الجريمة المنظمة، وترويج المخدرات، واسترجاع الملك العام، والتصدي لمختلف التجاوزات المرصودة. ويعكس هذا الحراك الميداني مقاربة شاملة يقودها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تقوم على اعتبار الأمن القومي ركيزة أساسية لإعادة بناء الدولة، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساتها، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون.
ومن هذا المنطلق، تشهد مختلف ولايات الجمهورية نسقًا متصاعدًا من الحملات الأمنية التي تستهدف شبكات ترويج المخدرات، والجريمة المنظمة، والاحتكار، والاعتداء على الملك العام، إلى جانب تكثيف الرقابة على الشواطئ والتصدي لكل مظاهر الفوضى والاستغلال غير القانوني للفضاءات العمومية، بما يؤشر إلى توجه واضح تقوده الدولة في أعلى هرمها، يقوم على بسط هيبة القانون وتعزيز الشعور بالأمن والاستقرار باعتبارهما المدخل الأساسي لأي مسار تنموي أو إصلاحي.
ولا تبدو هذه الحملات الأمنية مجرد تحركات ظرفية أو مناسباتية تقترن بمستجدات آنية، وإنما تندرج ضمن توجه سياسي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، حيث اعتبر أن تعزيز الجانب الأمني يمثل ركيزة أساسية لحماية الدولة ومؤسساتها، وتدعيم الاقتصاد الوطني، وضمان استقرار المجتمع وتماسكه. وبالتالي، فإن تكثيف نسق العمليات الأمنية خلال الأسابيع والأشهر الماضية يعكس إرادة سياسية للاستباق، وتجفيف منابع الجريمة المنظمة، وملاحقة مختلف عناصرها وشبكاتها.
الأمن... حجر الأساس
يُستشف من تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد أن مفهوم الأمن، وفق التوجه العام الذي تروم الدولة ترسيخه، يمثل حجر الأساس لأي رؤية سياسية ترنو إلى الإقلاع. وبالتالي، يتجاوز هذا المفهوم، من وجهة نظر رئيس الدولة، المقاربة التقليدية التي ترتبط بحفظ النظام العام فقط، ليشمل حماية الاقتصاد من شبكات الاحتكار والمضاربة، وحماية الشباب من آفة المخدرات، علاوة على حماية الفضاءات العمومية من الاعتداءات، دون التغافل عن أهمية حماية الحدود والتصدي للإرهاب والجريمة السيبرانية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من اجتماع أن المعركة التي تخوضها الدولة ليست فقط ضد مرتكبي الجرائم الفردية، وإنما أيضًا ضد بارونات الفساد والشبكات التي تستثمر في الفوضى وتراكم الثروات بطريقة غير مشروعة على حساب أمن المواطنين واستقرار البلاد.
وفي هذا الإطار، بات التنسيق اليوم - بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيّد - بين مختلف الأسلاك الأمنية والقضائية والإدارية أكثر حضورًا وفاعلية، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو تفكيك الشبكات الإجرامية بمختلف امتداداتها، بالنظر إلى أن التوجه يقوم على استهداف الشبكات المنظمة وتجفيف منابعها، إلى جانب إحكام الرقابة على مسالك نشاطها، بما يعزز نجاعة التدخلات الأمنية ويكرّس مبدأ الاستباق في مواجهة مختلف التهديدات والتحديات، ويؤكد في الآن ذاته أن فرض سيادة القانون وبسط هيبة الدولة يمثلان خيارًا ثابتًا ضمن رؤية شاملة للأمن القومي.
حملات أمنية مكثفة
وتجسيمًا لهذا التوجه، شهدت مختلف أنحاء الجمهورية خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الحملات الأمنية الواسعة شملت عديد المناطق، واستهدفت أوكار ترويج المخدرات وعديد العناصر الإجرامية الخطرة، إضافة إلى تنفيذ حملات مراقبة، سواء كانت اقتصادية أو مخصصة لحماية الشواطئ والفضاءات السياحية وغيرها.
وتعكس هذه العمليات اعتماد سياسة أمنية تقوم على الحضور الميداني المكثف، بما يعزز الشعور بالأمان لدى المواطنين والسياح، خاصة خلال الموسم الصيفي الذي يشهد حركية سياحية.
وتؤكد مختلف هذه الحملات في جوهرها أن المؤسسة الأمنية لم تعد تقتصر على التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما أصبحت تعتمد العمل الاستباقي الذي يقوم على جمع المعلومات والاستخبارات الأمنية، وملاحقة شبكات الجريمة المنظمة والتصدي لها قبل امتداد نشاطها.
حرب على المخدرات...
تحتل معضلة المخدرات حيزًا هامًا ضمن أولويات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، باعتبارها من أخطر التهديدات التي تستهدف وحدة المجتمع وتماسكه، وخاصة فئة الشباب.
وفي عديد اللقاءات الرسمية، سواء مع وزير الداخلية أو مختلف صناع القرار في الجهاز الأمني، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على ضرورة التصدي لشبكات ترويج المخدرات بكل حزم، معتبرًا أن هذه الشبكات لا تستهدف الأفراد فقط، وإنما تطال مستقبل الدولة من خلال تحطيم طاقاتها البشرية الشابة.
وفي هذا الاتجاه، طالب مؤخرًا رئيس الدولة قيس سعيّد بتكثيف الومضات الإذاعية والتلفزية للتوعية بمخاطر آفة المخدرات، باعتبارها من أخطر التهديدات التي تستهدف النسيج المجتمعي. ويعكس هذا الطرح قناعة مفادها أن التصدي لهذا الأخطبوط لا يعتمد فقط على المقاربة الأمنية وحدها، وإنما يستوجب أيضًا مقاربة وقائية وتوعوية تشارك فيها مختلف وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والثقافية.
وقد شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في هذا الإطار، على أن "الذين كانوا يستهدفون الدولة ولا يزالون يستهدفونها يسعون إلى تفكيك المجتمع واستهداف فئة الشباب على وجه الخصوص"، في إشارة إلى أن شبكات ترويج المخدرات لا تمثل مجرد نشاط إجرامي، وإنما تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي ولقدرة الدولة على حماية رأسمالها البشري، وهو ما يفسر تكثيف الحملات الأمنية الرامية إلى تفكيك هذه الشبكات وتجفيف منابعها.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن العمليات الأمنية الأخيرة أسفرت عن حجز كميات هامة من مختلف أنواع المخدرات، وإيقاف عدد من العناصر المهمة في شبكات الترويج، وهو ما يعكس جاهزية وتطور العمل الأمني نحو استهداف الرؤوس المدبرة والشبكات التي تقف وراءها.
من المعالجة الأمنية إلى تجفيف المنابع...
تشكل الجريمة المنظمة أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجهها مختلف الدول، وتونس ليست بمنأى عن هذا الواقع وهذه التحديات.
فالجرائم المنظمة لم تعد تقتصر على التهريب أو ترويج المخدرات، بل أصبحت تشمل الاتجار بالبشر، وغسل الأموال، والجرائم المالية، والاستيلاء على الملك العام، والجرائم السيبرانية، وغيرها من التجاوزات والجرائم الأخرى.
ومن هذا المنطلق، تقوم المقاربة الحالية على استهداف الشبكات بكامل امتداداتها المالية واللوجستية، بما يحد من قدرتها على إعادة تنظيم نفسها بعد كل عملية أمنية.
وتؤكد هذه السياسة أن نجاح الحرب على الجريمة يترجم في جوهره بمدى قدرة الدولة على تجفيف مصادر التمويل وإحكام الرقابة على مختلف الأنشطة غير القانونية.
ومن بين أبرز الملفات التي شهدت زخمًا خلال الفترة الأخيرة، تبرز مسألة تكثيف الحملات على الشواطئ والملك البحري كواحدة من القضايا الجوهرية التي ظلت على مدار عقود دون مواجهة أو حسم فعلي.
وفي هذا السياق، عملت السلط المختصة مؤخرًا على إزالة عدد من التجاوزات المتعلقة بالاستغلال غير القانوني للملك العام البحري، والتصدي للاحتلال العشوائي للشواطئ، ومراقبة الأنشطة المخالفة للقانون.
ولا يتعلق الأمر بمجرد حملات موسمية، بل يندرج ضمن توجه يؤكد أن الملك العام هو ملك لجميع المواطنين، ولا يمكن أن يتحول إلى مجال للاستغلال الشخصي غير المشروع أو مجال تستفيد منه دوائر معينة.
وهو التوجه الذي لطالما كرسه رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته وخطاباته الرسمية، معتبرًا أن القانون هو الفيصل في التعامل مع مختلف التجاوزات، وأن استغلال الملك العام أو الاستيلاء عليه خارج الأطر القانونية أمر لا يمكن للدولة القبول باستمراره.
مواجهة الاحتكار والمضاربة
من الأوجه الأخرى لفرض الأمن وتكريس النظام العام، تتجلى مسألة مكافحة الاحتكار والمضاربة كأحد أبرز المحاور الأساسية التي يربطها رئيس الجمهورية قيس سعيّد بمفهوم الأمن الوطني.
فالاحتكار لا ينعكس فقط على الأسعار، وإنما له تداعيات على النسيج المجتمعي. ولهذا، شهدت الفترة الأخيرة تكثيفًا للرقابة الاقتصادية بالتنسيق بين وزارة التجارة ووزارة الداخلية وبقية الهياكل الرقابية، بهدف ملاحقة المحتكرين وضبط مسالك التوزيع والتصدي للممارسات غير القانونية.
وتعكس هذه المقاربة قناعة بأن استقرار الأسواق لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الاقتصادية، وإنما أيضًا من خلال فرض القانون على كل من يتلاعب بقوت المواطنين.
هيبة الدولة... الرسالة الأبرز
وتحمل العمليات الأمنية المكثفة - وفي أكثر من مجال - رسائل سياسية وإدارية واضحة، مفادها أن الدولة تسعى إلى تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ففي مختلف تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يتكرر التأكيد على أن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء، وأن مؤسسات الدولة مطالبة بالقيام بدورها كاملًا في حماية المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن بسط هيبة الدولة لا يعني فقط تكثيف الحضور الأمني، وإنما أيضًا ترسيخ ثقافة احترام القانون وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة وهياكلها، لا سيما أنه لا يمكن الخوض في مسائل من قبيل التنمية الشاملة أو استقطاب الاستثمارات في غياب بيئة آمنة ومستقرة.
فالمستثمر، سواء كان تونسيًا أو أجنبيًا، يبحث عن مناخ يضمن حماية استثماراته واستقرار المعاملات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن نجاح الدولة في الحد من الجريمة المنظمة ومقاومة الاحتكار والتهريب يساهم في تحسين مناخ الأعمال ويعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين.
الأمن مسؤولية جماعية
ورغم أهمية الجهود المكثفة وفي أكثر من مجال، فإن مكافحة الجريمة لا يمكن أن تعتمد على المؤسسة الأمنية وحدها، بالنظر إلى أن التصدي لآفة المخدرات ومواجهة الانحراف ومحاربة الجريمة المنظمة يقتضي أيضًا أن تلعب الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني دورًا رياديًا في مواجهة كل أشكال الجريمة المنظمة.
كما أن تعزيز الثقافة القانونية لدى المواطنين يمثل عاملًا مهمًا في الحد من انتشار العديد من الجرائم، خاصة في ظل التطور المتسارع للجرائم الإلكترونية.
الدولة ماضية في تثبيت هيبتها...
ويكشف النسق المتصاعد للحملات الأمنية التي شهدتها بلادنا خلال الفترة الأخيرة عن توجه واضح نحو تعزيز حضور الدولة ميدانيًا، وترسيخ مقاربة شاملة تعتبر الأمن القومي قاعدة لكل مشروع إصلاحي أو تنموي.
فمكافحة المخدرات، وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة، واسترجاع الملك العام، والتصدي للاحتكار، جميعها حلقات متماسكة ضمن رؤية شاملة تقوم على فرض سيادة القانون وحماية مؤسسات الدولة والمجتمع، بما يؤشر إلى أن الدولة ماضية في تثبيت هيبتها، وأن الأمن سيظل أحد أهم دعائم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، باعتباره الأرضية التي تُبنى عليها بقية مسارات الإصلاح والتنمية.
تضع الدولة اليوم في أعلى هرم أولوياتها الوطنية مسألة تعزيز الأمن وفرض القانون، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن بناء اقتصاد متين، واستقطاب الاستثمارات، وضمان الاستقرار الاجتماعي، كلها رهانات تنطلق من فرض القانون وبسط سلطة الدولة على كامل تراب الجمهورية.
منال حرزي
وهذا التمشي يفسّر التصاعد الملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة في نسق الحملات الأمنية المكثفة، من خلال ملاحقة شبكات الجريمة المنظمة، وترويج المخدرات، واسترجاع الملك العام، والتصدي لمختلف التجاوزات المرصودة. ويعكس هذا الحراك الميداني مقاربة شاملة يقودها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تقوم على اعتبار الأمن القومي ركيزة أساسية لإعادة بناء الدولة، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساتها، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون.
ومن هذا المنطلق، تشهد مختلف ولايات الجمهورية نسقًا متصاعدًا من الحملات الأمنية التي تستهدف شبكات ترويج المخدرات، والجريمة المنظمة، والاحتكار، والاعتداء على الملك العام، إلى جانب تكثيف الرقابة على الشواطئ والتصدي لكل مظاهر الفوضى والاستغلال غير القانوني للفضاءات العمومية، بما يؤشر إلى توجه واضح تقوده الدولة في أعلى هرمها، يقوم على بسط هيبة القانون وتعزيز الشعور بالأمن والاستقرار باعتبارهما المدخل الأساسي لأي مسار تنموي أو إصلاحي.
ولا تبدو هذه الحملات الأمنية مجرد تحركات ظرفية أو مناسباتية تقترن بمستجدات آنية، وإنما تندرج ضمن توجه سياسي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، حيث اعتبر أن تعزيز الجانب الأمني يمثل ركيزة أساسية لحماية الدولة ومؤسساتها، وتدعيم الاقتصاد الوطني، وضمان استقرار المجتمع وتماسكه. وبالتالي، فإن تكثيف نسق العمليات الأمنية خلال الأسابيع والأشهر الماضية يعكس إرادة سياسية للاستباق، وتجفيف منابع الجريمة المنظمة، وملاحقة مختلف عناصرها وشبكاتها.
الأمن... حجر الأساس
يُستشف من تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد أن مفهوم الأمن، وفق التوجه العام الذي تروم الدولة ترسيخه، يمثل حجر الأساس لأي رؤية سياسية ترنو إلى الإقلاع. وبالتالي، يتجاوز هذا المفهوم، من وجهة نظر رئيس الدولة، المقاربة التقليدية التي ترتبط بحفظ النظام العام فقط، ليشمل حماية الاقتصاد من شبكات الاحتكار والمضاربة، وحماية الشباب من آفة المخدرات، علاوة على حماية الفضاءات العمومية من الاعتداءات، دون التغافل عن أهمية حماية الحدود والتصدي للإرهاب والجريمة السيبرانية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من اجتماع أن المعركة التي تخوضها الدولة ليست فقط ضد مرتكبي الجرائم الفردية، وإنما أيضًا ضد بارونات الفساد والشبكات التي تستثمر في الفوضى وتراكم الثروات بطريقة غير مشروعة على حساب أمن المواطنين واستقرار البلاد.
وفي هذا الإطار، بات التنسيق اليوم - بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيّد - بين مختلف الأسلاك الأمنية والقضائية والإدارية أكثر حضورًا وفاعلية، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو تفكيك الشبكات الإجرامية بمختلف امتداداتها، بالنظر إلى أن التوجه يقوم على استهداف الشبكات المنظمة وتجفيف منابعها، إلى جانب إحكام الرقابة على مسالك نشاطها، بما يعزز نجاعة التدخلات الأمنية ويكرّس مبدأ الاستباق في مواجهة مختلف التهديدات والتحديات، ويؤكد في الآن ذاته أن فرض سيادة القانون وبسط هيبة الدولة يمثلان خيارًا ثابتًا ضمن رؤية شاملة للأمن القومي.
حملات أمنية مكثفة
وتجسيمًا لهذا التوجه، شهدت مختلف أنحاء الجمهورية خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الحملات الأمنية الواسعة شملت عديد المناطق، واستهدفت أوكار ترويج المخدرات وعديد العناصر الإجرامية الخطرة، إضافة إلى تنفيذ حملات مراقبة، سواء كانت اقتصادية أو مخصصة لحماية الشواطئ والفضاءات السياحية وغيرها.
وتعكس هذه العمليات اعتماد سياسة أمنية تقوم على الحضور الميداني المكثف، بما يعزز الشعور بالأمان لدى المواطنين والسياح، خاصة خلال الموسم الصيفي الذي يشهد حركية سياحية.
وتؤكد مختلف هذه الحملات في جوهرها أن المؤسسة الأمنية لم تعد تقتصر على التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما أصبحت تعتمد العمل الاستباقي الذي يقوم على جمع المعلومات والاستخبارات الأمنية، وملاحقة شبكات الجريمة المنظمة والتصدي لها قبل امتداد نشاطها.
حرب على المخدرات...
تحتل معضلة المخدرات حيزًا هامًا ضمن أولويات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، باعتبارها من أخطر التهديدات التي تستهدف وحدة المجتمع وتماسكه، وخاصة فئة الشباب.
وفي عديد اللقاءات الرسمية، سواء مع وزير الداخلية أو مختلف صناع القرار في الجهاز الأمني، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على ضرورة التصدي لشبكات ترويج المخدرات بكل حزم، معتبرًا أن هذه الشبكات لا تستهدف الأفراد فقط، وإنما تطال مستقبل الدولة من خلال تحطيم طاقاتها البشرية الشابة.
وفي هذا الاتجاه، طالب مؤخرًا رئيس الدولة قيس سعيّد بتكثيف الومضات الإذاعية والتلفزية للتوعية بمخاطر آفة المخدرات، باعتبارها من أخطر التهديدات التي تستهدف النسيج المجتمعي. ويعكس هذا الطرح قناعة مفادها أن التصدي لهذا الأخطبوط لا يعتمد فقط على المقاربة الأمنية وحدها، وإنما يستوجب أيضًا مقاربة وقائية وتوعوية تشارك فيها مختلف وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والثقافية.
وقد شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في هذا الإطار، على أن "الذين كانوا يستهدفون الدولة ولا يزالون يستهدفونها يسعون إلى تفكيك المجتمع واستهداف فئة الشباب على وجه الخصوص"، في إشارة إلى أن شبكات ترويج المخدرات لا تمثل مجرد نشاط إجرامي، وإنما تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي ولقدرة الدولة على حماية رأسمالها البشري، وهو ما يفسر تكثيف الحملات الأمنية الرامية إلى تفكيك هذه الشبكات وتجفيف منابعها.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن العمليات الأمنية الأخيرة أسفرت عن حجز كميات هامة من مختلف أنواع المخدرات، وإيقاف عدد من العناصر المهمة في شبكات الترويج، وهو ما يعكس جاهزية وتطور العمل الأمني نحو استهداف الرؤوس المدبرة والشبكات التي تقف وراءها.
من المعالجة الأمنية إلى تجفيف المنابع...
تشكل الجريمة المنظمة أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجهها مختلف الدول، وتونس ليست بمنأى عن هذا الواقع وهذه التحديات.
فالجرائم المنظمة لم تعد تقتصر على التهريب أو ترويج المخدرات، بل أصبحت تشمل الاتجار بالبشر، وغسل الأموال، والجرائم المالية، والاستيلاء على الملك العام، والجرائم السيبرانية، وغيرها من التجاوزات والجرائم الأخرى.
ومن هذا المنطلق، تقوم المقاربة الحالية على استهداف الشبكات بكامل امتداداتها المالية واللوجستية، بما يحد من قدرتها على إعادة تنظيم نفسها بعد كل عملية أمنية.
وتؤكد هذه السياسة أن نجاح الحرب على الجريمة يترجم في جوهره بمدى قدرة الدولة على تجفيف مصادر التمويل وإحكام الرقابة على مختلف الأنشطة غير القانونية.
ومن بين أبرز الملفات التي شهدت زخمًا خلال الفترة الأخيرة، تبرز مسألة تكثيف الحملات على الشواطئ والملك البحري كواحدة من القضايا الجوهرية التي ظلت على مدار عقود دون مواجهة أو حسم فعلي.
وفي هذا السياق، عملت السلط المختصة مؤخرًا على إزالة عدد من التجاوزات المتعلقة بالاستغلال غير القانوني للملك العام البحري، والتصدي للاحتلال العشوائي للشواطئ، ومراقبة الأنشطة المخالفة للقانون.
ولا يتعلق الأمر بمجرد حملات موسمية، بل يندرج ضمن توجه يؤكد أن الملك العام هو ملك لجميع المواطنين، ولا يمكن أن يتحول إلى مجال للاستغلال الشخصي غير المشروع أو مجال تستفيد منه دوائر معينة.
وهو التوجه الذي لطالما كرسه رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته وخطاباته الرسمية، معتبرًا أن القانون هو الفيصل في التعامل مع مختلف التجاوزات، وأن استغلال الملك العام أو الاستيلاء عليه خارج الأطر القانونية أمر لا يمكن للدولة القبول باستمراره.
مواجهة الاحتكار والمضاربة
من الأوجه الأخرى لفرض الأمن وتكريس النظام العام، تتجلى مسألة مكافحة الاحتكار والمضاربة كأحد أبرز المحاور الأساسية التي يربطها رئيس الجمهورية قيس سعيّد بمفهوم الأمن الوطني.
فالاحتكار لا ينعكس فقط على الأسعار، وإنما له تداعيات على النسيج المجتمعي. ولهذا، شهدت الفترة الأخيرة تكثيفًا للرقابة الاقتصادية بالتنسيق بين وزارة التجارة ووزارة الداخلية وبقية الهياكل الرقابية، بهدف ملاحقة المحتكرين وضبط مسالك التوزيع والتصدي للممارسات غير القانونية.
وتعكس هذه المقاربة قناعة بأن استقرار الأسواق لا يتحقق فقط عبر الإجراءات الاقتصادية، وإنما أيضًا من خلال فرض القانون على كل من يتلاعب بقوت المواطنين.
هيبة الدولة... الرسالة الأبرز
وتحمل العمليات الأمنية المكثفة - وفي أكثر من مجال - رسائل سياسية وإدارية واضحة، مفادها أن الدولة تسعى إلى تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ففي مختلف تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يتكرر التأكيد على أن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء، وأن مؤسسات الدولة مطالبة بالقيام بدورها كاملًا في حماية المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن بسط هيبة الدولة لا يعني فقط تكثيف الحضور الأمني، وإنما أيضًا ترسيخ ثقافة احترام القانون وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة وهياكلها، لا سيما أنه لا يمكن الخوض في مسائل من قبيل التنمية الشاملة أو استقطاب الاستثمارات في غياب بيئة آمنة ومستقرة.
فالمستثمر، سواء كان تونسيًا أو أجنبيًا، يبحث عن مناخ يضمن حماية استثماراته واستقرار المعاملات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن نجاح الدولة في الحد من الجريمة المنظمة ومقاومة الاحتكار والتهريب يساهم في تحسين مناخ الأعمال ويعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين.
الأمن مسؤولية جماعية
ورغم أهمية الجهود المكثفة وفي أكثر من مجال، فإن مكافحة الجريمة لا يمكن أن تعتمد على المؤسسة الأمنية وحدها، بالنظر إلى أن التصدي لآفة المخدرات ومواجهة الانحراف ومحاربة الجريمة المنظمة يقتضي أيضًا أن تلعب الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني دورًا رياديًا في مواجهة كل أشكال الجريمة المنظمة.
كما أن تعزيز الثقافة القانونية لدى المواطنين يمثل عاملًا مهمًا في الحد من انتشار العديد من الجرائم، خاصة في ظل التطور المتسارع للجرائم الإلكترونية.
الدولة ماضية في تثبيت هيبتها...
ويكشف النسق المتصاعد للحملات الأمنية التي شهدتها بلادنا خلال الفترة الأخيرة عن توجه واضح نحو تعزيز حضور الدولة ميدانيًا، وترسيخ مقاربة شاملة تعتبر الأمن القومي قاعدة لكل مشروع إصلاحي أو تنموي.
فمكافحة المخدرات، وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة، واسترجاع الملك العام، والتصدي للاحتكار، جميعها حلقات متماسكة ضمن رؤية شاملة تقوم على فرض سيادة القانون وحماية مؤسسات الدولة والمجتمع، بما يؤشر إلى أن الدولة ماضية في تثبيت هيبتها، وأن الأمن سيظل أحد أهم دعائم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، باعتباره الأرضية التي تُبنى عليها بقية مسارات الإصلاح والتنمية.