إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سهرة الطرب السوري في قرطاج... ميادة الحناوي وذاكرة الأغنية العربية أمام اختبار الزمن

تونس ـ الصباح

 

لم تكن سهرة الطرب السوري في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي مجرد لقاء فني جمع الفنانة ميادة الحناوي والفنان محمد خيري، بل كانت لحظة اختبرت علاقة الجمهور العربي بذاكرته الموسيقية، وطرحت سؤالا أوسع حول كيفية تعامل المهرجانات الكبرى مع الرموز التي صنعت تاريخ الأغنية العربية. فبين الوفاء لأصوات ارتبطت بوجدان أجيال كاملة، وشروط العرض الحي الذي يفرض منطقه الخاص فوق الركح، وجدت سهرة ميادة الحناوي نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن لصوت يحمل تاريخا كبيرا أن يعود إلى المسرح بعد سنوات طويلة دون أن يصبح أسير المقارنة مع ماضيه؟

إيمان عبد اللطيف

منذ الإعلان عن هذه السهرة، لم يكن الجدل حول قيمة ميادة الحناوي الفنية، فهذه مسألة حسمها التاريخ منذ عقود، وإنما حول قدرة صوت حمل روائع محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي على مواجهة الزمن فوق أحد أكثر المسارح العربية رهبة. وقد جاء جمهور قرطاج إلى هذه السهرة محملا بانتظارات مختلفة، بعضه يبحث عن استعادة زمن الأغنية الطربية، وبعضه يحمل في ذاكرته صورة الفنانة التي عرفها عبر التسجيلات القديمة وإطلالاتها التلفزية، ومنها حضورها في ذاكرة الجمهور التونسي من خلال لقاءاتها مع الإعلامي الراحل نجيب الخطاب.

 

ولعل اختيار مهرجان قرطاج تقديم محمد خيري قبل ميادة الحناوي لم يكن مجرد ترتيب فني وأيضا تنظيمي، بل حمل دلالة رمزية واضحة. فقد بدا خيري حلقة وصل بين جيلين، جيل رسخ مدرسة الطرب السوري والعربي الأصيل، وجيل جديد يحاول حمل هذا الإرث بأدوات الحاضر. ولم يكن صعوده إلى ركح قرطاج في حفل خاص به حدثا عاديا، فهو سبق أن وقف فوق هذا المسرح قبل نحو عشرين عاما ضمن الكورال المرافق للراحل صباح فخري، وهو في السابعة عشرة من عمره، ليعود اليوم فنانا يحمل ملامح تجربة خاصة.

ومنذ الموشح الأندلسي "لما بدا يتثنى"، أعلن محمد خيري عن اختياره لمدرسة تقوم على الكلمة والمقام والارتجال، بعيدا عن الاستعراض المجرد. وتنقل بين القدود الحلبية وروائع المدونة الطربية العربية، مقدما "سيبوني يا ناس" و"قدك المياس" و"آه يا حلو" و"ما تفوتنيش أنا وحدي" و"ابعثلي جواب" و"خمرة الحب"، إلى جانب أغنيته الخاصة "سنين". وبقيادة المايسترو مازن زوايدي، قدم عرضا حافظ على توازنه، وأثبت أن القدود الحلبية ما تزال قادرة على الوصول إلى الجمهور حين تجد الصوت القادر على احترام خصوصياتها.

كما اختار خيري عدم أداء أغنيته الجديدة "وجهة نظر" مباشرة على الركح، رغم تزامن إطلاقها مع موعد الحفل، مفضلا تقديم الأعمال التي أعد لها جيدا والتي تربطه بها علاقة مباشرة مع الجمهور. وكان هذا القرار يعكس وعيا بأن ركح قرطاج لا يحتمل المجازفة، وأن نجاح العرض لا يقاس فقط بجدة المادة الفنية، وإنما بقدرتها على التواصل مع الحاضرين.

بعد هذا الجزء الأول، جاءت لحظة انتظار ميادة الحناوي. وما إن اعتلت الفنانة السورية الركح على وقع "أنا مخلصالك"، حتى تحول المسرح إلى فضاء لاستعادة ذاكرة كاملة. لم يكن التصفيق مجرد استقبال لفنانة عائدة بعد غياب تجاوز 21 عاما عن قرطاج، بل كان احتفاء بمسيرة طويلة من الأغاني التي صنعت جزءا من الوجدان العربي.

حرصت ميادة الحناوي على استعادة الصورة التي ارتبطت بها في ذاكرة جمهورها، سواء من خلال الإطلالة أو الحضور الركحي، وكأنها تحاول بناء جسر بين صورتها التاريخية واللحظة الراهنة. وقدمت مجموعة من أبرز أعمالها مثل "حبينا واتحبينا" و"هي الليالي كده" و"الشمس" و"دوا عيني" و"الحب اللي كان" و"فاتت سنة"، قبل أن تختتم بأغنيتها الأشهر ونشيد الحب "أنا بعشقك".

لكن الركح يختلف عن الذاكرة. فالصوت الذي يحتفظ به الجمهور في التسجيلات القديمة يظل دائما مرتبطا بلحظة زمنية معينة، وعندما يلتقي بالحاضر تظهر المسافة بين الصورة المحفوظة والأداء الحي. وقد بدا أن السنوات تركت أثرها على القوة الصوتية للفنانة، خصوصا في بعض المقاطع التي تحتاج إلى امتداد صوتي واسع، غير أن اختزال العودة في هذه الملاحظة وحدها يبقى قراءة ناقصة، لأن السهرة قامت على عناصر أخرى ساهمت في بناء المشهد.

في مقدمة هذه العناصر، برز الدور الكبير للفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، التي لم تكن مجرد مرافقة خلف الفنانة، بل أحد الأعمدة الأساسية التي حافظت على تماسك العرض. فقد تعاملت الفرقة مع خصوصية صوت ميادة الحناوي في هذه المرحلة من مسيرتها، وحافظت على روح الأعمال الأصلية، مع توزيعات موسيقية متوازنة وفرت للفنانة المساحة اللازمة لتقديم أغانيها ضمن بناء فني منسجم.

كما كان للكورال المرافق دور مهم في إنجاح هذا الجزء من السهرة، إذ لم يقتصر حضوره على الجانب الجمالي، بل ساهم في تقوية حضور الأغاني وإبراز جمالها، خاصة في المقاطع التي تحتاج إلى مشاركة جماعية وصوت داعم يضيف إليها مزيدا من الامتلاء والتأثير. وفي لحظات عديدة، بدا أن الفرقة والكورال يشكلان شبكة أمان فنية تساعد الفنانة على الحفاظ على انسيابية العرض، وتمنح الأغاني امتدادها الطربي.

لكن الإسناد الأكبر جاء أيضا من جمهور قرطاج نفسه. ففي "الحب اللي كان"، ثم خصوصا في "أنا بعشقك"، لم يعد الجمهور مجرد متلق، بل تحول إلى شريك في صناعة اللحظة. آلاف الأصوات رددت الكلمات، واستعادت أغنية أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية العربية. ولم يكن هذا الغناء محاولة لتعويض الفنانة، بل تعبيرا عن علاقة وجدانية عميقة مع أعمال تجاوزت حدود صاحبها وأصبحت ملكا لجمهور يحملها معه عبر السنوات.

 

غير أن هذا الوفاء الكبير يفتح في المقابل سؤالا حول حضور الفنانين الكبار في المهرجانات الكبرى. فمهرجان قرطاج لا يستقبل الأسماء فقط، بل يضعها أمام جمهور يحمل ذاكرة لا ترحم المقارنة. ومن هنا تبرز الإشكالية: هل يكفي الرصيد التاريخي لضمان نجاح عرض حي؟ أم أن المهرجانات مطالبة بابتكار صيغ جديدة تكرم هذه الأسماء وتحفظ مكانتها، مع مراعاة التحولات التي يفرضها الزمن؟

ولا يتعلق الأمر بميادة الحناوي وحدها، بل بكل الفنانين الذين صنعوا مجد الأغنية العربية ويواجهون اليوم تحدي العودة إلى الركح بعد سنوات طويلة. فالجمهور يحتفظ دائما بنسخة مثالية من أصواتهم صنعتها التسجيلات وظروف زمنية مختلفة، وعندما يلتقي هذا الصوت بالواقع الحي تظهر المسافة بين الماضي والحاضر، وهي مسافة لا تعني سقوط القيمة الفنية، بل تكشف طبيعة العلاقة بين الفنان والزمن.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال سهرة ميادة الحناوي في حكم سريع حول النجاح أو الإخفاق. فقد حملت تناقضات الفن نفسه: الحنين والواقع، الذاكرة والحاضر، التاريخ ومتطلبات العرض. فإذا كان محمد خيري قد قدم صورة لجيل جديد يحمل التراث بأدوات الحاضر، فإن ميادة الحناوي قدمت نموذجا آخر لفنانة تحمل تاريخا لا يمكن قياسه فقط بما يحدث في لحظة عابرة فوق الركح.

لقد خرجت سهرة الطرب السوري في قرطاج بصورة مركبة، صوت محمد خيري أكد أن المدرسة الطربية قادرة على تجديد حضورها، وحضور ميادة الحناوي أعاد الجمهور إلى زمن الأغنية العربية الكبيرة، بينما لعبت الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة يوسف بالهاني والكورال دورا أساسيا في حمل مسؤولية موسيقية دقيقة. أما الجمهور، فقد أثبت مرة أخرى أن بعض الأغاني لا تعيش فقط بقوة أصحابها، بل بما تتركه من أثر في الوجدان.

لذلك ربما لم يكن السؤال الحقيقي الذي طرحته السهرة هو: هل عادت ميادة الحناوي إلى قرطاج كما كانت؟ بل: لماذا ما يزال الجمهور مستعدا بعد كل هذه السنوات لأن يغني معها ويحمل كلماتها ويمنحها كل هذا الاحتفاء؟ والإجابة أن بعض الأصوات قد تتغير بفعل الزمن، لكن الأغاني التي أصبحت جزءا من ذاكرة الناس تظل قادرة على العيش، حتى بعد أن تخفت بعض ملامحها الأولى، وهو ما عبّر عنه عدد من الجمهور دون أن يسيء إلى نجمتهم المفضلة.

 

سهرة الطرب السوري في قرطاج... ميادة الحناوي وذاكرة الأغنية العربية أمام اختبار الزمن

تونس ـ الصباح

 

لم تكن سهرة الطرب السوري في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي مجرد لقاء فني جمع الفنانة ميادة الحناوي والفنان محمد خيري، بل كانت لحظة اختبرت علاقة الجمهور العربي بذاكرته الموسيقية، وطرحت سؤالا أوسع حول كيفية تعامل المهرجانات الكبرى مع الرموز التي صنعت تاريخ الأغنية العربية. فبين الوفاء لأصوات ارتبطت بوجدان أجيال كاملة، وشروط العرض الحي الذي يفرض منطقه الخاص فوق الركح، وجدت سهرة ميادة الحناوي نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن لصوت يحمل تاريخا كبيرا أن يعود إلى المسرح بعد سنوات طويلة دون أن يصبح أسير المقارنة مع ماضيه؟

إيمان عبد اللطيف

منذ الإعلان عن هذه السهرة، لم يكن الجدل حول قيمة ميادة الحناوي الفنية، فهذه مسألة حسمها التاريخ منذ عقود، وإنما حول قدرة صوت حمل روائع محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي على مواجهة الزمن فوق أحد أكثر المسارح العربية رهبة. وقد جاء جمهور قرطاج إلى هذه السهرة محملا بانتظارات مختلفة، بعضه يبحث عن استعادة زمن الأغنية الطربية، وبعضه يحمل في ذاكرته صورة الفنانة التي عرفها عبر التسجيلات القديمة وإطلالاتها التلفزية، ومنها حضورها في ذاكرة الجمهور التونسي من خلال لقاءاتها مع الإعلامي الراحل نجيب الخطاب.

 

ولعل اختيار مهرجان قرطاج تقديم محمد خيري قبل ميادة الحناوي لم يكن مجرد ترتيب فني وأيضا تنظيمي، بل حمل دلالة رمزية واضحة. فقد بدا خيري حلقة وصل بين جيلين، جيل رسخ مدرسة الطرب السوري والعربي الأصيل، وجيل جديد يحاول حمل هذا الإرث بأدوات الحاضر. ولم يكن صعوده إلى ركح قرطاج في حفل خاص به حدثا عاديا، فهو سبق أن وقف فوق هذا المسرح قبل نحو عشرين عاما ضمن الكورال المرافق للراحل صباح فخري، وهو في السابعة عشرة من عمره، ليعود اليوم فنانا يحمل ملامح تجربة خاصة.

ومنذ الموشح الأندلسي "لما بدا يتثنى"، أعلن محمد خيري عن اختياره لمدرسة تقوم على الكلمة والمقام والارتجال، بعيدا عن الاستعراض المجرد. وتنقل بين القدود الحلبية وروائع المدونة الطربية العربية، مقدما "سيبوني يا ناس" و"قدك المياس" و"آه يا حلو" و"ما تفوتنيش أنا وحدي" و"ابعثلي جواب" و"خمرة الحب"، إلى جانب أغنيته الخاصة "سنين". وبقيادة المايسترو مازن زوايدي، قدم عرضا حافظ على توازنه، وأثبت أن القدود الحلبية ما تزال قادرة على الوصول إلى الجمهور حين تجد الصوت القادر على احترام خصوصياتها.

كما اختار خيري عدم أداء أغنيته الجديدة "وجهة نظر" مباشرة على الركح، رغم تزامن إطلاقها مع موعد الحفل، مفضلا تقديم الأعمال التي أعد لها جيدا والتي تربطه بها علاقة مباشرة مع الجمهور. وكان هذا القرار يعكس وعيا بأن ركح قرطاج لا يحتمل المجازفة، وأن نجاح العرض لا يقاس فقط بجدة المادة الفنية، وإنما بقدرتها على التواصل مع الحاضرين.

بعد هذا الجزء الأول، جاءت لحظة انتظار ميادة الحناوي. وما إن اعتلت الفنانة السورية الركح على وقع "أنا مخلصالك"، حتى تحول المسرح إلى فضاء لاستعادة ذاكرة كاملة. لم يكن التصفيق مجرد استقبال لفنانة عائدة بعد غياب تجاوز 21 عاما عن قرطاج، بل كان احتفاء بمسيرة طويلة من الأغاني التي صنعت جزءا من الوجدان العربي.

حرصت ميادة الحناوي على استعادة الصورة التي ارتبطت بها في ذاكرة جمهورها، سواء من خلال الإطلالة أو الحضور الركحي، وكأنها تحاول بناء جسر بين صورتها التاريخية واللحظة الراهنة. وقدمت مجموعة من أبرز أعمالها مثل "حبينا واتحبينا" و"هي الليالي كده" و"الشمس" و"دوا عيني" و"الحب اللي كان" و"فاتت سنة"، قبل أن تختتم بأغنيتها الأشهر ونشيد الحب "أنا بعشقك".

لكن الركح يختلف عن الذاكرة. فالصوت الذي يحتفظ به الجمهور في التسجيلات القديمة يظل دائما مرتبطا بلحظة زمنية معينة، وعندما يلتقي بالحاضر تظهر المسافة بين الصورة المحفوظة والأداء الحي. وقد بدا أن السنوات تركت أثرها على القوة الصوتية للفنانة، خصوصا في بعض المقاطع التي تحتاج إلى امتداد صوتي واسع، غير أن اختزال العودة في هذه الملاحظة وحدها يبقى قراءة ناقصة، لأن السهرة قامت على عناصر أخرى ساهمت في بناء المشهد.

في مقدمة هذه العناصر، برز الدور الكبير للفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بالهاني، التي لم تكن مجرد مرافقة خلف الفنانة، بل أحد الأعمدة الأساسية التي حافظت على تماسك العرض. فقد تعاملت الفرقة مع خصوصية صوت ميادة الحناوي في هذه المرحلة من مسيرتها، وحافظت على روح الأعمال الأصلية، مع توزيعات موسيقية متوازنة وفرت للفنانة المساحة اللازمة لتقديم أغانيها ضمن بناء فني منسجم.

كما كان للكورال المرافق دور مهم في إنجاح هذا الجزء من السهرة، إذ لم يقتصر حضوره على الجانب الجمالي، بل ساهم في تقوية حضور الأغاني وإبراز جمالها، خاصة في المقاطع التي تحتاج إلى مشاركة جماعية وصوت داعم يضيف إليها مزيدا من الامتلاء والتأثير. وفي لحظات عديدة، بدا أن الفرقة والكورال يشكلان شبكة أمان فنية تساعد الفنانة على الحفاظ على انسيابية العرض، وتمنح الأغاني امتدادها الطربي.

لكن الإسناد الأكبر جاء أيضا من جمهور قرطاج نفسه. ففي "الحب اللي كان"، ثم خصوصا في "أنا بعشقك"، لم يعد الجمهور مجرد متلق، بل تحول إلى شريك في صناعة اللحظة. آلاف الأصوات رددت الكلمات، واستعادت أغنية أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية العربية. ولم يكن هذا الغناء محاولة لتعويض الفنانة، بل تعبيرا عن علاقة وجدانية عميقة مع أعمال تجاوزت حدود صاحبها وأصبحت ملكا لجمهور يحملها معه عبر السنوات.

 

غير أن هذا الوفاء الكبير يفتح في المقابل سؤالا حول حضور الفنانين الكبار في المهرجانات الكبرى. فمهرجان قرطاج لا يستقبل الأسماء فقط، بل يضعها أمام جمهور يحمل ذاكرة لا ترحم المقارنة. ومن هنا تبرز الإشكالية: هل يكفي الرصيد التاريخي لضمان نجاح عرض حي؟ أم أن المهرجانات مطالبة بابتكار صيغ جديدة تكرم هذه الأسماء وتحفظ مكانتها، مع مراعاة التحولات التي يفرضها الزمن؟

ولا يتعلق الأمر بميادة الحناوي وحدها، بل بكل الفنانين الذين صنعوا مجد الأغنية العربية ويواجهون اليوم تحدي العودة إلى الركح بعد سنوات طويلة. فالجمهور يحتفظ دائما بنسخة مثالية من أصواتهم صنعتها التسجيلات وظروف زمنية مختلفة، وعندما يلتقي هذا الصوت بالواقع الحي تظهر المسافة بين الماضي والحاضر، وهي مسافة لا تعني سقوط القيمة الفنية، بل تكشف طبيعة العلاقة بين الفنان والزمن.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال سهرة ميادة الحناوي في حكم سريع حول النجاح أو الإخفاق. فقد حملت تناقضات الفن نفسه: الحنين والواقع، الذاكرة والحاضر، التاريخ ومتطلبات العرض. فإذا كان محمد خيري قد قدم صورة لجيل جديد يحمل التراث بأدوات الحاضر، فإن ميادة الحناوي قدمت نموذجا آخر لفنانة تحمل تاريخا لا يمكن قياسه فقط بما يحدث في لحظة عابرة فوق الركح.

لقد خرجت سهرة الطرب السوري في قرطاج بصورة مركبة، صوت محمد خيري أكد أن المدرسة الطربية قادرة على تجديد حضورها، وحضور ميادة الحناوي أعاد الجمهور إلى زمن الأغنية العربية الكبيرة، بينما لعبت الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة يوسف بالهاني والكورال دورا أساسيا في حمل مسؤولية موسيقية دقيقة. أما الجمهور، فقد أثبت مرة أخرى أن بعض الأغاني لا تعيش فقط بقوة أصحابها، بل بما تتركه من أثر في الوجدان.

لذلك ربما لم يكن السؤال الحقيقي الذي طرحته السهرة هو: هل عادت ميادة الحناوي إلى قرطاج كما كانت؟ بل: لماذا ما يزال الجمهور مستعدا بعد كل هذه السنوات لأن يغني معها ويحمل كلماتها ويمنحها كل هذا الاحتفاء؟ والإجابة أن بعض الأصوات قد تتغير بفعل الزمن، لكن الأغاني التي أصبحت جزءا من ذاكرة الناس تظل قادرة على العيش، حتى بعد أن تخفت بعض ملامحها الأولى، وهو ما عبّر عنه عدد من الجمهور دون أن يسيء إلى نجمتهم المفضلة.