إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

لا تهاون مع التلوث ولا تفريط في التراث..   مرحلة جديدة في حماية البيئة والذاكرة الوطنية 

تونس-الصباح

حين تتحول قضايا البيئة والتراث إلى محور اجتماع رفيع المستوى للدولة في أعلى هرمها، فإن ذلك يؤشر إلى أن هذه الملفات قد ارتقت إلى مصاف الأولويات الوطنية، وباتت جزءًا لا يتجزأ من منظومة فرض القانون على الجميع دون استثناء، وحسن التصرف في إدارة الفضاء العام.

 

فالتحديات المطروحة تجاوزت معضلة الحد من التلوث أو المحافظة على المواقع الأثرية، لترتبط بمدى قدرة الدولة على فرض احترام القانون وتعزيز نجاعة وهيبة مؤسساتها، إلى جانب حماية وصون الثروات الطبيعية والإرث الحضاري، باعتبارهما ركيزتين من ركائز دعم التنمية المستدامة وترسيخ الهوية الوطنية.

وفي هذا السياق، يندرج الاجتماع الذي أشرف عليه مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقصر قرطاج، بحضور رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزراء البيئة والثقافة، إلى جانب المسؤولين في الخطوط الأولى عن حماية التراث والبيئة، ضمن توجه سياسي يرسخ رؤية تقوم على أن حماية البيئة والتراث باتت استحقاقًا يفرض تعبئة مختلف مؤسسات الدولة وتحميل المسؤوليات لكل من يعتدي على مقدرات البلاد - سهوًا أو قصدًا - أو يفرّط فيها.

فمنع التلوث وصون الشريط الساحلي وحماية المواقع الأثرية لم تعد اليوم مجرد ملفات منفصلة، بل أضحت تمثل عناوين لمعركة شاملة تخوضها الدولة من أجل فرض علوية القانون، واستعادة المؤسسات لفاعليتها ونجاعتها وهيبتها، بالتوازي مع المحافظة على الثروات الطبيعية والرصيد الحضاري باعتبارهما ملكًا مشتركًا للأجيال.

وفي هذا السياق، جاء اجتماع قرطاج ليؤكد أن المرحلة القادمة لن تكتفي فقط بسنّ القوانين أو إعداد البرامج وضبط الاستراتيجيات، وإنما ستكون بوصلتها مدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية البيئة وصيانة التراث، ومحاسبة كل من يعتدي على الثروات الطبيعية للبلاد أو يفرّط فيها.

وفي هذا الاتجاه، يتجاوز اجتماع قرطاج بعده التقني والإداري ليجسّم توجهًا سياسيًا لطالما شدد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وهو أن قضايا البيئة والتراث أصبحت اليوم جزءًا من مفهوم السيادة الوطنية، وأن حماية الفضاء العام تشمل أيضًا حماية البيئة والطبيعة والذاكرة الوطنية من كل أشكال الاعتداء والإهمال والتقصير.

فالرسائل التي حملها الاجتماع تجاوزت حدود متابعة أداء وزارتين أو وكالتين عموميتين (وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ووكالة تهيئة الشريط الساحلي)، لتضع الجميع أمام مسؤولية قوامها المحاسبة والنجاعة الميدانية.

ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الاجتماع مباشرة بعد الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الدولة قيس سعيّد إلى مدينة رادس، وهي زيارة أعادت ملف التلوث البيئي إلى واجهة ودائرة الاهتمام الوطني، بما يؤكد مرة أخرى أن المعاينات والزيارات الميدانية أصبحت تمثل منطلقًا لاتخاذ القرارات السياسية والإدارية، وأن الدولة تسعى جاهدة إلى فرض حلول عملية قائمة على المساءلة وتحميل المسؤوليات.

التلوث البيئي... مسألة أمن وطني

اختار رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن يستهل الاجتماع بالتعرض إلى الوضع البيئي، بما يعكس حجم التحديات التي تواجهها تونس في هذا المجال، لا سيما وأن هذه المعضلة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز التحديات التي تمسّ وتعيق مسار التنمية الشاملة.

فالعديد من المناطق الساحلية والصناعية تشهد تراكمًا للفضلات نتيجة غياب المتابعة الصارمة، وضعف تطبيق القوانين البيئية، وتداخل المسؤوليات وتشعبها بين مختلف الهياكل والأطراف المتداخلة. وهو ما جعل عددًا من الملفات أو الإشكاليات البيئية الدقيقة تتراكم دون حلول جذرية، رغم وجود ترسانة قانونية تؤطر هذا المجال.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة طرح الدولة، في أعلى هرمها، للملف يعكس إرادة سياسية لإعادة ترتيب الأولويات، خاصة وأن البيئة أصبحت اليوم إحدى القضايا الأساسية التي تُقاس بها جودة السياسات العمومية ومدى قدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها في بيئة آمنة وسليمة.

 "الملوّث يدفع"...

وفي هذا الاتجاه، فإن من أبرز الرسائل التي حملها الاجتماع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن كل من تسبب في التلوث يجب أن يتحمل كامل مسؤوليته، في انسجام مع مبدأ "الملوّث يدفع" المعتمد في القانون الدولي منذ قمة ريو دي جانيرو سنة 1992.

ولم يكن استحضار هذا المبدأ مجرد إحالة قانونية، بقدر ما مثّل إرادة فعلية في القطع مع مرحلة ظلت فيها كلفة التلوث تتحمل تبعاتها الدولة والمجتمع، بينما يبقى المساهمون فيها خارج دائرة المحاسبة.

ويقوم هذا المبدأ على تحميل الجهة أو المؤسسة أو الشخص الذي يتسبب في الإضرار بالبيئة مسؤولية إصلاح الضرر أو تحمل تكلفته، وهو ما يشكل أحد أهم أسس العدالة البيئية الحديثة.

وقد يُستشف من هذا الطرح أن المرحلة القادمة قد تشهد تشديدًا في تطبيق التشريعات البيئية، ومراجعة لأساليب الرقابة، مع تحميل المسؤولية لكل من ثبت تقصيره.

ومن جانب آخر، لم يكتف رئيس الدولة قيس سعيّد بالإشارة إلى القانون الدولي، وإنما استند أيضًا إلى الفصل 47 من الدستور الذي ينص على حق كل مواطن في بيئة سليمة ومتوازنة.

وهنا يكتسب الخطاب بعدًا سياسيًا هامًا، إذ يعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أن حماية البيئة تمثل التزامًا دستوريًا تتحمل الدولة مسؤولية تنفيذه.

وبالتالي، فحين يصبح الحق في البيئة السليمة حقًا دستوريًا، فإن مختلف المؤسسات تصبح مطالبة ليس فقط بوضع البرامج وضبط الخطط والاستراتيجيات، وإنما بتحقيق نتائج ملموسة يلمسها المواطن في تفاصيله اليومية، سواء تعلق الأمر بجودة الهواء أو حماية السواحل أو التصدي للمصبات العشوائية أو مقاومة التلوث الصناعي.

كما أن هذا التوجه يعزز فكرة أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتم على حساب البيئة، وأن الاستثمار الفعلي هو الذي يحترم المعايير البيئية ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

الشريط الساحلي... ثروة تستوجب الحماية

خصص اجتماع قرطاج حيزًا هامًا لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، وهنا جاء تقييم أدائها واضحًا وصريحًا، إذ اعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن الوكالة لم تقم بدورها على الوجه المطلوب في عدد من المناطق.

ويمثل هذا التقييم رسالة مباشرة إلى مختلف المؤسسات العمومية بأن المرحلة الراهنة ترتكز إلى تقييم الأداء والنتائج، بعيدًا عن سياسة الخطط والبرامج بعيدة المدى.

ولأن الشريط الساحلي يعتبر من أهم الثروات الاستراتيجية التي تمتلكها تونس، بوصفه يمثل ركيزة أساسية للسياحة والاستثمار والاقتصاد الأزرق، ويشكل فضاءً بيئيًا يحتاج إلى حماية دائمة من التوسع العمراني العشوائي والاعتداءات البيئية والاستغلال غير القانوني، جاءت دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى مضاعفة الجهود والإسراع في تنفيذ برامج التهيئة والصيانة، بما يعكس إدراكًا بأن حماية الساحل لم تعد مجرد قضية بيئية أو جمالية أو سياحية فقط، وإنما أصبحت جزءًا من الأمن البيئي للدولة.

ذلك أن المحافظة على السواحل النظيفة تعزز من جاذبية وتنافسية الوجهة السياحية، وترفع من جاذبية البلاد للاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد البحري والطاقات المتجددة والأنشطة البيئية المستدامة.

اختبار النجاعة

يحمل اجتماع قرطاج أيضًا دلائل إدارية هامة، تتمثل في التأكيد على أن وجود المؤسسات التي تُعنى بحماية المحيط والبيئة لا يكفي وحده إذا لم يقترن هذا الحضور والتواجد بأداء فعلي على أرض الواقع.

فالانتقادات التي وجهت إلى وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي تعكس توجهًا نحو ربط المسؤولية بالنتائج، وهو ما ينسجم مع الخطاب الرسمي لرئيس الدولة قيس سعيّد، الذي يدعو باستمرار إلى تطوير أداء المرفق العمومي وتحسين جودة الخدمات التي يقدمها، حتى تكون في مستوى انتظارات وتطلعات المواطنين.

وهذا التوجه من شأنه أن يدفع مختلف المؤسسات التي لها علاقة مباشرة بالبيئة إلى مراجعة أولوياتها وتعزيز حضورها الميداني، خاصة في ظل تنامي المطالب المجتمعية المتعلقة بحماية المحيط وتحسين جودة الحياة.

حماية التراث... دفاع عن الذاكرة

إلى جانب الملف البيئي، خصص الاجتماع جانبًا مهمًا لحماية التراث الثقافي، وهو ما يعكس رؤية تعتبر أن الحفاظ على المواقع الأثرية لا يقل أهمية عن حماية الثروات الطبيعية.

فالتراث بالنسبة للدولة في أعلى هرمها ليس مجرد معالم تاريخية، وإنما أحد أبرز مكونات الهوية الوطنية وركيزة من ركائز القوة الناعمة التي تعزز حضور البلاد الثقافي والحضاري على المستوى الدولي.

ومن هذا المنطلق، فإن إثارة وضعية الآثار المكتشفة على ضفاف وادي مليان، والتي تحولت إلى مصب للنفايات، مثل في جوهره مؤشرًا على وجود إخلالات تستوجب حلولًا عاجلة.

وفي هذا السياق، كشف رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العديد من المواقع الأثرية لم تكتشف بعد، أو لم تحظ بالحماية اللازمة، أو تعرضت للنهب.

ويكشف هذا التشخيص أن المخاطر التي تهدد التراث لا تقف عند حدود شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار، لتشمل أيضًا الإهمال الإداري وضعف أداء الهياكل الرقابية.

بين حماية البيئة وصيانة التراث...

يلاحظ أن اجتماع قرطاج - من حيث تركيبته - جمع لأول مرة بين ملفين قد يبدوان مختلفين، لكنهما في الواقع يلتقيان عند نقطة أساسية وجوهرية، وهي حماية الفضاء والمجال العام، استنادًا إلى قناعة وإدراك بأن البيئة والتراث يمثلان ملكًا مشتركًا لجميع المواطنين، وأن أي اعتداء عليهما يعتبر اعتداءً يطال الدولة بأكملها.

ومن هنا تتجلى الجدلية التي تعرض إليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حين ربط بين نهب المواقع الأثرية ونهب أموال الشعب، باعتبار أن الاعتداء على الممتلكات العامة يتخذ أشكالًا وأبعادًا متعددة، سواء تعلق الأمر بالمال العام أو بالموارد الطبيعية أو بالموروث الحضاري والثقافي.

وهذا الربط يعكس اتجاهًا وطرحًا سياسيًا يقوم على اعتبار حماية الملك العمومي جزءًا من معركة شاملة لاستعادة هيبة الدولة وترسيخ احترام القانون.

من التشخيص إلى التنفيذ...

ورغم أهمية الرسائل السياسية التي حملها اجتماع قرطاج، فإن التحدي الرئيسي والأساسي يظل مرتبطًا بمدى ترجمة كل هذه التوجيهات والتوصيات إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.

ومن هذا المنطلق، ولمعالجة كل الظواهر السالفة الذكر، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد تنسيقًا فعليًا بين مختلف الوزارات والهياكل الرقابية والجماعات المحلية، إضافة إلى تحديث آليات ووسائل المراقبة وتطبيق العقوبات المنصوص عليها قانونًا، حتى يتسنى حماية حقوق الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن حماية التراث تستوجب وضع برامج وطنية لحصر المواقع الأثرية، وتعزيز وسائل حمايتها، وتثمينها ثقافيًا وسياحيًا، مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في عمليات الجرد والمتابعة.

وفي هذا الخضم، يكشف اجتماع قرطاج عن توجه سياسي يعتبر أن استعادة فاعلية الدولة تمر أيضًا عبر حماية البيئة وصيانة التراث الوطني، باعتبارهما ركيزتين من ركائز الأمن الوطني بمفهومه الشامل.

فالخوض في معضلة التلوث تجاوز تداعياته الصحية أو البيئية، ليصبح اليوم مرتبطًا بجودة التنمية، وجاذبية الاستثمار، ونجاعة الإدارة، فيما بات الحفاظ على التراث جزءًا من معركة صون الهوية الوطنية وحماية الذاكرة الجماعية.

ومن خلال التشديد على مبدأ "الملوّث يدفع"، وتقييم أداء المؤسسات المكلفة بحماية الشريط الساحلي، والتنبيه إلى ما يتهدد المواقع الأثرية من إهمال ونهب، تبدو الرسالة الأساسية للاجتماع واضحة: لم تعد المرحلة تستوعب أو تحتمل مجرد الاكتفاء بالتشخيص أو تسليط الضوء على الهنات أو تبرير التقصير، بل تتطلب مؤسسات أكثر فاعلية وحضورًا ميدانيًا، إلى جانب آليات رقابة أكثر صرامة، ومحاسبة فعلية لكل من يعتدي على البيئة أو يفرّط في المخزون التراثي والثقافي.

منال حرزي

 

.

لا تهاون مع التلوث ولا تفريط في التراث..    مرحلة جديدة في حماية البيئة والذاكرة الوطنية 

تونس-الصباح

حين تتحول قضايا البيئة والتراث إلى محور اجتماع رفيع المستوى للدولة في أعلى هرمها، فإن ذلك يؤشر إلى أن هذه الملفات قد ارتقت إلى مصاف الأولويات الوطنية، وباتت جزءًا لا يتجزأ من منظومة فرض القانون على الجميع دون استثناء، وحسن التصرف في إدارة الفضاء العام.

 

فالتحديات المطروحة تجاوزت معضلة الحد من التلوث أو المحافظة على المواقع الأثرية، لترتبط بمدى قدرة الدولة على فرض احترام القانون وتعزيز نجاعة وهيبة مؤسساتها، إلى جانب حماية وصون الثروات الطبيعية والإرث الحضاري، باعتبارهما ركيزتين من ركائز دعم التنمية المستدامة وترسيخ الهوية الوطنية.

وفي هذا السياق، يندرج الاجتماع الذي أشرف عليه مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقصر قرطاج، بحضور رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزراء البيئة والثقافة، إلى جانب المسؤولين في الخطوط الأولى عن حماية التراث والبيئة، ضمن توجه سياسي يرسخ رؤية تقوم على أن حماية البيئة والتراث باتت استحقاقًا يفرض تعبئة مختلف مؤسسات الدولة وتحميل المسؤوليات لكل من يعتدي على مقدرات البلاد - سهوًا أو قصدًا - أو يفرّط فيها.

فمنع التلوث وصون الشريط الساحلي وحماية المواقع الأثرية لم تعد اليوم مجرد ملفات منفصلة، بل أضحت تمثل عناوين لمعركة شاملة تخوضها الدولة من أجل فرض علوية القانون، واستعادة المؤسسات لفاعليتها ونجاعتها وهيبتها، بالتوازي مع المحافظة على الثروات الطبيعية والرصيد الحضاري باعتبارهما ملكًا مشتركًا للأجيال.

وفي هذا السياق، جاء اجتماع قرطاج ليؤكد أن المرحلة القادمة لن تكتفي فقط بسنّ القوانين أو إعداد البرامج وضبط الاستراتيجيات، وإنما ستكون بوصلتها مدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية البيئة وصيانة التراث، ومحاسبة كل من يعتدي على الثروات الطبيعية للبلاد أو يفرّط فيها.

وفي هذا الاتجاه، يتجاوز اجتماع قرطاج بعده التقني والإداري ليجسّم توجهًا سياسيًا لطالما شدد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وهو أن قضايا البيئة والتراث أصبحت اليوم جزءًا من مفهوم السيادة الوطنية، وأن حماية الفضاء العام تشمل أيضًا حماية البيئة والطبيعة والذاكرة الوطنية من كل أشكال الاعتداء والإهمال والتقصير.

فالرسائل التي حملها الاجتماع تجاوزت حدود متابعة أداء وزارتين أو وكالتين عموميتين (وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ووكالة تهيئة الشريط الساحلي)، لتضع الجميع أمام مسؤولية قوامها المحاسبة والنجاعة الميدانية.

ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الاجتماع مباشرة بعد الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الدولة قيس سعيّد إلى مدينة رادس، وهي زيارة أعادت ملف التلوث البيئي إلى واجهة ودائرة الاهتمام الوطني، بما يؤكد مرة أخرى أن المعاينات والزيارات الميدانية أصبحت تمثل منطلقًا لاتخاذ القرارات السياسية والإدارية، وأن الدولة تسعى جاهدة إلى فرض حلول عملية قائمة على المساءلة وتحميل المسؤوليات.

التلوث البيئي... مسألة أمن وطني

اختار رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن يستهل الاجتماع بالتعرض إلى الوضع البيئي، بما يعكس حجم التحديات التي تواجهها تونس في هذا المجال، لا سيما وأن هذه المعضلة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز التحديات التي تمسّ وتعيق مسار التنمية الشاملة.

فالعديد من المناطق الساحلية والصناعية تشهد تراكمًا للفضلات نتيجة غياب المتابعة الصارمة، وضعف تطبيق القوانين البيئية، وتداخل المسؤوليات وتشعبها بين مختلف الهياكل والأطراف المتداخلة. وهو ما جعل عددًا من الملفات أو الإشكاليات البيئية الدقيقة تتراكم دون حلول جذرية، رغم وجود ترسانة قانونية تؤطر هذا المجال.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة طرح الدولة، في أعلى هرمها، للملف يعكس إرادة سياسية لإعادة ترتيب الأولويات، خاصة وأن البيئة أصبحت اليوم إحدى القضايا الأساسية التي تُقاس بها جودة السياسات العمومية ومدى قدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها في بيئة آمنة وسليمة.

 "الملوّث يدفع"...

وفي هذا الاتجاه، فإن من أبرز الرسائل التي حملها الاجتماع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن كل من تسبب في التلوث يجب أن يتحمل كامل مسؤوليته، في انسجام مع مبدأ "الملوّث يدفع" المعتمد في القانون الدولي منذ قمة ريو دي جانيرو سنة 1992.

ولم يكن استحضار هذا المبدأ مجرد إحالة قانونية، بقدر ما مثّل إرادة فعلية في القطع مع مرحلة ظلت فيها كلفة التلوث تتحمل تبعاتها الدولة والمجتمع، بينما يبقى المساهمون فيها خارج دائرة المحاسبة.

ويقوم هذا المبدأ على تحميل الجهة أو المؤسسة أو الشخص الذي يتسبب في الإضرار بالبيئة مسؤولية إصلاح الضرر أو تحمل تكلفته، وهو ما يشكل أحد أهم أسس العدالة البيئية الحديثة.

وقد يُستشف من هذا الطرح أن المرحلة القادمة قد تشهد تشديدًا في تطبيق التشريعات البيئية، ومراجعة لأساليب الرقابة، مع تحميل المسؤولية لكل من ثبت تقصيره.

ومن جانب آخر، لم يكتف رئيس الدولة قيس سعيّد بالإشارة إلى القانون الدولي، وإنما استند أيضًا إلى الفصل 47 من الدستور الذي ينص على حق كل مواطن في بيئة سليمة ومتوازنة.

وهنا يكتسب الخطاب بعدًا سياسيًا هامًا، إذ يعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أن حماية البيئة تمثل التزامًا دستوريًا تتحمل الدولة مسؤولية تنفيذه.

وبالتالي، فحين يصبح الحق في البيئة السليمة حقًا دستوريًا، فإن مختلف المؤسسات تصبح مطالبة ليس فقط بوضع البرامج وضبط الخطط والاستراتيجيات، وإنما بتحقيق نتائج ملموسة يلمسها المواطن في تفاصيله اليومية، سواء تعلق الأمر بجودة الهواء أو حماية السواحل أو التصدي للمصبات العشوائية أو مقاومة التلوث الصناعي.

كما أن هذا التوجه يعزز فكرة أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتم على حساب البيئة، وأن الاستثمار الفعلي هو الذي يحترم المعايير البيئية ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

الشريط الساحلي... ثروة تستوجب الحماية

خصص اجتماع قرطاج حيزًا هامًا لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، وهنا جاء تقييم أدائها واضحًا وصريحًا، إذ اعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن الوكالة لم تقم بدورها على الوجه المطلوب في عدد من المناطق.

ويمثل هذا التقييم رسالة مباشرة إلى مختلف المؤسسات العمومية بأن المرحلة الراهنة ترتكز إلى تقييم الأداء والنتائج، بعيدًا عن سياسة الخطط والبرامج بعيدة المدى.

ولأن الشريط الساحلي يعتبر من أهم الثروات الاستراتيجية التي تمتلكها تونس، بوصفه يمثل ركيزة أساسية للسياحة والاستثمار والاقتصاد الأزرق، ويشكل فضاءً بيئيًا يحتاج إلى حماية دائمة من التوسع العمراني العشوائي والاعتداءات البيئية والاستغلال غير القانوني، جاءت دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى مضاعفة الجهود والإسراع في تنفيذ برامج التهيئة والصيانة، بما يعكس إدراكًا بأن حماية الساحل لم تعد مجرد قضية بيئية أو جمالية أو سياحية فقط، وإنما أصبحت جزءًا من الأمن البيئي للدولة.

ذلك أن المحافظة على السواحل النظيفة تعزز من جاذبية وتنافسية الوجهة السياحية، وترفع من جاذبية البلاد للاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد البحري والطاقات المتجددة والأنشطة البيئية المستدامة.

اختبار النجاعة

يحمل اجتماع قرطاج أيضًا دلائل إدارية هامة، تتمثل في التأكيد على أن وجود المؤسسات التي تُعنى بحماية المحيط والبيئة لا يكفي وحده إذا لم يقترن هذا الحضور والتواجد بأداء فعلي على أرض الواقع.

فالانتقادات التي وجهت إلى وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي تعكس توجهًا نحو ربط المسؤولية بالنتائج، وهو ما ينسجم مع الخطاب الرسمي لرئيس الدولة قيس سعيّد، الذي يدعو باستمرار إلى تطوير أداء المرفق العمومي وتحسين جودة الخدمات التي يقدمها، حتى تكون في مستوى انتظارات وتطلعات المواطنين.

وهذا التوجه من شأنه أن يدفع مختلف المؤسسات التي لها علاقة مباشرة بالبيئة إلى مراجعة أولوياتها وتعزيز حضورها الميداني، خاصة في ظل تنامي المطالب المجتمعية المتعلقة بحماية المحيط وتحسين جودة الحياة.

حماية التراث... دفاع عن الذاكرة

إلى جانب الملف البيئي، خصص الاجتماع جانبًا مهمًا لحماية التراث الثقافي، وهو ما يعكس رؤية تعتبر أن الحفاظ على المواقع الأثرية لا يقل أهمية عن حماية الثروات الطبيعية.

فالتراث بالنسبة للدولة في أعلى هرمها ليس مجرد معالم تاريخية، وإنما أحد أبرز مكونات الهوية الوطنية وركيزة من ركائز القوة الناعمة التي تعزز حضور البلاد الثقافي والحضاري على المستوى الدولي.

ومن هذا المنطلق، فإن إثارة وضعية الآثار المكتشفة على ضفاف وادي مليان، والتي تحولت إلى مصب للنفايات، مثل في جوهره مؤشرًا على وجود إخلالات تستوجب حلولًا عاجلة.

وفي هذا السياق، كشف رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العديد من المواقع الأثرية لم تكتشف بعد، أو لم تحظ بالحماية اللازمة، أو تعرضت للنهب.

ويكشف هذا التشخيص أن المخاطر التي تهدد التراث لا تقف عند حدود شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار، لتشمل أيضًا الإهمال الإداري وضعف أداء الهياكل الرقابية.

بين حماية البيئة وصيانة التراث...

يلاحظ أن اجتماع قرطاج - من حيث تركيبته - جمع لأول مرة بين ملفين قد يبدوان مختلفين، لكنهما في الواقع يلتقيان عند نقطة أساسية وجوهرية، وهي حماية الفضاء والمجال العام، استنادًا إلى قناعة وإدراك بأن البيئة والتراث يمثلان ملكًا مشتركًا لجميع المواطنين، وأن أي اعتداء عليهما يعتبر اعتداءً يطال الدولة بأكملها.

ومن هنا تتجلى الجدلية التي تعرض إليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حين ربط بين نهب المواقع الأثرية ونهب أموال الشعب، باعتبار أن الاعتداء على الممتلكات العامة يتخذ أشكالًا وأبعادًا متعددة، سواء تعلق الأمر بالمال العام أو بالموارد الطبيعية أو بالموروث الحضاري والثقافي.

وهذا الربط يعكس اتجاهًا وطرحًا سياسيًا يقوم على اعتبار حماية الملك العمومي جزءًا من معركة شاملة لاستعادة هيبة الدولة وترسيخ احترام القانون.

من التشخيص إلى التنفيذ...

ورغم أهمية الرسائل السياسية التي حملها اجتماع قرطاج، فإن التحدي الرئيسي والأساسي يظل مرتبطًا بمدى ترجمة كل هذه التوجيهات والتوصيات إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.

ومن هذا المنطلق، ولمعالجة كل الظواهر السالفة الذكر، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد تنسيقًا فعليًا بين مختلف الوزارات والهياكل الرقابية والجماعات المحلية، إضافة إلى تحديث آليات ووسائل المراقبة وتطبيق العقوبات المنصوص عليها قانونًا، حتى يتسنى حماية حقوق الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن حماية التراث تستوجب وضع برامج وطنية لحصر المواقع الأثرية، وتعزيز وسائل حمايتها، وتثمينها ثقافيًا وسياحيًا، مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في عمليات الجرد والمتابعة.

وفي هذا الخضم، يكشف اجتماع قرطاج عن توجه سياسي يعتبر أن استعادة فاعلية الدولة تمر أيضًا عبر حماية البيئة وصيانة التراث الوطني، باعتبارهما ركيزتين من ركائز الأمن الوطني بمفهومه الشامل.

فالخوض في معضلة التلوث تجاوز تداعياته الصحية أو البيئية، ليصبح اليوم مرتبطًا بجودة التنمية، وجاذبية الاستثمار، ونجاعة الإدارة، فيما بات الحفاظ على التراث جزءًا من معركة صون الهوية الوطنية وحماية الذاكرة الجماعية.

ومن خلال التشديد على مبدأ "الملوّث يدفع"، وتقييم أداء المؤسسات المكلفة بحماية الشريط الساحلي، والتنبيه إلى ما يتهدد المواقع الأثرية من إهمال ونهب، تبدو الرسالة الأساسية للاجتماع واضحة: لم تعد المرحلة تستوعب أو تحتمل مجرد الاكتفاء بالتشخيص أو تسليط الضوء على الهنات أو تبرير التقصير، بل تتطلب مؤسسات أكثر فاعلية وحضورًا ميدانيًا، إلى جانب آليات رقابة أكثر صرامة، ومحاسبة فعلية لكل من يعتدي على البيئة أو يفرّط في المخزون التراثي والثقافي.

منال حرزي

 

.