إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ستينية أيام قرطاج السينمائية..  بين ثراء الذاكرة.. وسباق الزمن لصناعة حدث دولي

 

- ستينية المهرجان فرصة لإعادة التفكير في مفهوم "اقتصاد الذاكرة" الذي أصبح أحد أبرز مكونات الصناعات الثقافية الحديثة.

- إذا نجحت تونس في جعل الستينية مناسبة لإطلاق مشروع دائم لحفظ الذاكرة السينمائية واستثمارها، فإنها لن تحتفل فقط بماضي المهرجان، بل ستؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها أيام قرطاج السينمائية مؤسسة ثقافية تمتلك ذاكرة حية.

 

تونس - الصباح

لا تبدو الدورة السابعة والثلاثون لأيام قرطاج السينمائية، المبرمجة من 12 إلى 19 ديسمبر 2026، مجرد موعد جديد في الرزنامة الثقافية التونسية، وإنما تبدو أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة المهرجان على تحويل ستين عاما من تاريخه إلى مشروع للمستقبل. فالاجتماع الذي احتضنه مقر وزارة الشؤون الثقافية يوم 3 أوت الجاري بإشراف الوزيرة أمينة الصرارفي لم يقتصر على متابعة الجوانب التنظيمية واللوجستية للدورة المقبلة، بل كشف عن توجه واضح نحو إعداد نسخة استثنائية تحتفي بستينية المهرجان، مع تخصيص مساحة واسعة للتوثيق واستحضار أبرز محطات تطوره بالتعاون مع التلفزة الوطنية وعدد من المؤسسات، في خطوة تعكس وعيا متزايدا بأن تاريخ أيام قرطاج السينمائية لم يعد مجرد ذاكرة ثقافية، بل يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي وإعلامي وسياحي قادر على منح تونس إشعاعا دوليا جديدا.

فالمهرجان الذي تأسس سنة 1966 باعتباره أول تظاهرة سينمائية عربية وإفريقية مستقلة، من المفترض أن يمتلك اليوم رصيدا ضخما من الصور والأفلام والملصقات والشهادات واللقاءات النادرة التي توثق ليس فقط تاريخ السينما التونسية، وإنما أيضا تاريخ السينما العربية والإفريقية في لحظات مفصلية من تطورها، وهو ما سيجعل ستينيته فرصة لإعادة التفكير في مفهوم "اقتصاد الذاكرة" الذي أصبح أحد أبرز مكونات الصناعات الثقافية الحديثة.

لقد أثبتت تجارب عالمية عديدة أن الاحتفال بتاريخ المهرجانات لا يقتصر على تنظيم حفلات تكريم أو استعادة أسماء صنعت الأمجاد، بل يقوم على تحويل هذا التاريخ إلى منتج ثقافي متجدد. ففي مهرجان كان السينمائي، استثمرت فرنسا المناسبات التاريخية للمهرجان في تنظيم معارض ضخمة للصور والملصقات الأصلية، وإصدار كتب توثيقية، وإعادة ترميم أفلام كلاسيكية، وإطلاق عروض في الفضاءات العامة، لتتحول المدينة خلال الاحتفالات الكبرى إلى متحف سينمائي مفتوح يجذب آلاف الزوار والباحثين والإعلاميين. أما مهرجان البندقية، أقدم مهرجان سينمائي في العالم، فقد جعل من أرشيفه جزءا من التجربة السياحية للمدينة، حيث أصبحت الوثائق والصور التاريخية والمعارض المؤقتة عناصر تجذب الزائر مثلما تجذبه القنوات المائية والقصور التاريخية. وفي ألمانيا، عمل مهرجان برلين على رقمنة أرشيفه وإتاحته للجامعات والباحثين، بما جعل ذاكرة المهرجان موردا معرفيا دائما لا يرتبط بأيام انعقاده فقط.

وفي العالم العربي، بدأت هذه الفكرة تجد طريقها تدريجيا إلى عدد من المهرجانات. فمهرجان القاهرة السينمائي الدولي استثمر محطاته التاريخية في إصدار موسوعات توثق مختلف دوراته، وتنظيم معارض للملصقات والصور النادرة، بينما عمل مهرجان مراكش الدولي على إنتاج محتوى بصري ورقمي يعيد قراءة أبرز لحظاته، مستثمرا في الصورة كوسيلة للترويج الثقافي والسياحي للمغرب.

لكن من بين التجارب الأكثر لفتا للانتباه في هذا المجال تبرز تجربة السينما الأرمينية، التي نجحت في تحويل ذاكرتها السينمائية إلى أحد عناصر الدبلوماسية الثقافية للدولة.

ولا تبدو هذه التجربة بعيدة عن أيام قرطاج السينمائية حتى تبدو مجرد مثال خارجي يمكن الاستئناس به، بل إن المهرجان عاشها بنفسه خلال دورته السادسة والثلاثين السنة الماضية.

فقد خصص آنذاك معرضا بعنوان "طبعا... أرمينيا" استعرض أكثر من قرن من تاريخ السينما الأرمينية من خلال مجموعة نادرة من ملصقات الأفلام والوثائق البصرية، في محاولة لإبراز كيف يمكن لذاكرة السينما أن تتحول إلى معرض حي يروي تاريخ بلد بأكمله عبر الصورة.

كما استضاف المهرجان برنامج "السينما الأرمينية تحت المجهر"، الذي تُوّج بتنظيم "ماستر كلاس" للمخرجة الأرمينية تمارا ستيبانيان، حيث قدمت تجربتها في الاشتغال على الذاكرة والهوية والوثائقي، وناقشت مع الجمهور والسينمائيين أهمية الأرشيف في بناء سرديات جديدة للمستقبل، بينما شهد افتتاح المعرض حضور المخرجة الأرمينية إينا مخيتاريان إلى جانب عدد من ضيوف المهرجان.

هذه التجربة لا تبدو اليوم مجرد محطة عابرة في برمجة الدورة الماضية، بل تتحول، مع اقتراب الاحتفال بستينية أيام قرطاج السينمائية، إلى نموذج عملي يمكن للمهرجان أن يستلهمه. فإذا كانت أرمينيا قد نجحت في تحويل أرشيفها السينمائي وملصقاته وتاريخه إلى أداة للدبلوماسية الثقافية والترويج السياحي، فإن تونس من المفترض أنها تمتلك بدورها ستين عاما من الذاكرة السينمائية العربية والإفريقية، بما تختزنه من صور ووثائق ولقاءات وشهادات نادرة، وهي ثروة لا تقل قيمة عن الأفلام نفسها.

فمن البديهي أن يمتلك المهرجان رصيدا هائلا من المواد التي يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي متكامل: صور نادرة، ملصقات أصلية، شهادات لكبار السينمائيين العرب والأفارقة، تسجيلات للندوات، وأرشيف يوثق لحظات مفصلية في تاريخ السينما. غير أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود هذا الرصيد (من عدمه)، وإنما بمدى القدرة على استثماره في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

ذلك أن إشكالية التوقيت تفرض نفسها بقوة الآن وتفتح الباب على عدة فرضيات. فبين الإعلان عن التوجه نحو تنظيم دورة استثنائية وبين موعد انعقادها في ديسمبر 2026، تبقى فترة زمنية محدودة نسبيا لإنجاز مشروع توثيقي كبير يليق بستينية مهرجان بهذا الحجم. فإعداد معارض تاريخية، ورقمنة أرشيف يمتد على ستة عقود أو جزء منه، وإنتاج أفلام وثائقية، واستقطاب مؤسسات إعلامية دولية، وبناء تصور سياحي وثقافي متكامل، كلها مشاريع تحتاج إلى وقت طويل من العمل والتنسيق والبحث، وأيضا إلى موارد مالية ضخمة أو إلى شَراكات استراتيجية. وبالتالي فإن الرهان لا يكمن فقط في توفر الإرادة، وإنما أيضا في القدرة على الانتقال بسرعة من مرحلة التصور إلى مرحلة التنفيذ.

فهل تكفي الأشهر المتبقية قبل ديسمبر لتحقيق هذا التحول؟ أم أن خطر الاكتفاء ببرمجة احتفالية محدودة يظل قائما إذا لم يتم التعامل مع الستينية باعتبارها مشروعا طويل المدى وليس مناسبة ظرفية؟ هذا السؤال لا يقل أهمية عن سؤال البرمجة الفنية نفسها، لأن قيمة الستينية لن تقاس فقط بما سيعرض خلالها، وإنما بما ستتركه بعدها.

فالاحتفال الحقيقي بالتاريخ لا يكون بإعادة إنتاجه فقط، بل بتحويله إلى طاقة للمستقبل. وإذا كان الأرشيف سيقتصر على صور قديمة وتكريمات رمزية، فإن المناسبة قد تنتهي بانتهاء الدورة. أما إذا تحول إلى منصة رقمية، ومعارض متنقلة، ومراجع بحثية، ومادة تكوينية للأجيال الجديدة، وحلقات نقاش لنبش التاريخ، فإن الستينية ستصبح نقطة انطلاق جديدة في علاقة تونس بسينماها.

ومن هنا يبرز البعد الثاني للرهان، وهو علاقة التوثيق بمستقبل السينما التونسية نفسها. فستينية أيام قرطاج السينمائية ليست فقط مناسبة للعودة إلى تاريخ المهرجان، وإنما فرصة لإعادة قراءة مسار السينما الوطنية. فالسينما التي لا تنظر في مرآة تاريخها تفقد القدرة على فهم تحولات حاضرها. ولذلك فإن الأرشيف يجب ألا يقدم باعتباره مادة للحنين فقط، بل باعتباره أداة للنقد والمراجعة، ومن هنا يبرز المفهوم الحقيقي والاستراتيجي والتأملي لمصطلح التوثيق.

فالمخرجون الشباب يحتاجون إلى أكثر من مشاهدة أفلام الماضي، يحتاجون إلى فهم السياقات التي أنتجتها، والأسئلة التي حملتها، والتحولات التي مرت بها السينما التونسية منذ الاستقلال إلى اليوم. فكيف تغيرت علاقة السينما بالمجتمع؟ وكيف انتقلت الأفلام من أسئلة الهوية وبناء الدولة إلى أسئلة الحرية والتحولات الاجتماعية؟ وما الذي يمكن للجيل الجديد أن يستفيد منه من تجارب الرواد؟

لقد أثبتت مهرجانات عالمية مثل لوكارنو وروتردام أن الأرشيف يمكن أن يكون فضاء للحوار والنقد، لا مجرد مكان لحفظ الوثائق. كما أن التجربة الأرمينية التي حضرت في الدورة السابقة لأيام قرطاج السينمائية قدمت بدورها دليلا على أن الذاكرة يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي حي عندما يتم التعامل معها برؤية استراتيجية.

لذلك فإن التحدي أمام الدورة السابعة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية لا يتعلق فقط بحجم الاحتفالات أو عدد الضيوف أو طبيعة التكريمات، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل ستين سنة من التاريخ إلى مستقبل؟ فإذا نجحت تونس في جعل الستينية مناسبة لإطلاق مشروع دائم لحفظ الذاكرة السينمائية واستثمارها، فإنها لن تحتفل فقط بماضي المهرجان، بل ستؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها أيام قرطاج السينمائية مؤسسة ثقافية تمتلك ذاكرة حية، وصورة عالمية، ودورا في صناعة مستقبل السينما التونسية والعربية والإفريقية.

إيمان عبد اللطيف

 

ستينية أيام قرطاج السينمائية..   بين ثراء الذاكرة.. وسباق الزمن لصناعة حدث دولي

 

- ستينية المهرجان فرصة لإعادة التفكير في مفهوم "اقتصاد الذاكرة" الذي أصبح أحد أبرز مكونات الصناعات الثقافية الحديثة.

- إذا نجحت تونس في جعل الستينية مناسبة لإطلاق مشروع دائم لحفظ الذاكرة السينمائية واستثمارها، فإنها لن تحتفل فقط بماضي المهرجان، بل ستؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها أيام قرطاج السينمائية مؤسسة ثقافية تمتلك ذاكرة حية.

 

تونس - الصباح

لا تبدو الدورة السابعة والثلاثون لأيام قرطاج السينمائية، المبرمجة من 12 إلى 19 ديسمبر 2026، مجرد موعد جديد في الرزنامة الثقافية التونسية، وإنما تبدو أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة المهرجان على تحويل ستين عاما من تاريخه إلى مشروع للمستقبل. فالاجتماع الذي احتضنه مقر وزارة الشؤون الثقافية يوم 3 أوت الجاري بإشراف الوزيرة أمينة الصرارفي لم يقتصر على متابعة الجوانب التنظيمية واللوجستية للدورة المقبلة، بل كشف عن توجه واضح نحو إعداد نسخة استثنائية تحتفي بستينية المهرجان، مع تخصيص مساحة واسعة للتوثيق واستحضار أبرز محطات تطوره بالتعاون مع التلفزة الوطنية وعدد من المؤسسات، في خطوة تعكس وعيا متزايدا بأن تاريخ أيام قرطاج السينمائية لم يعد مجرد ذاكرة ثقافية، بل يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي وإعلامي وسياحي قادر على منح تونس إشعاعا دوليا جديدا.

فالمهرجان الذي تأسس سنة 1966 باعتباره أول تظاهرة سينمائية عربية وإفريقية مستقلة، من المفترض أن يمتلك اليوم رصيدا ضخما من الصور والأفلام والملصقات والشهادات واللقاءات النادرة التي توثق ليس فقط تاريخ السينما التونسية، وإنما أيضا تاريخ السينما العربية والإفريقية في لحظات مفصلية من تطورها، وهو ما سيجعل ستينيته فرصة لإعادة التفكير في مفهوم "اقتصاد الذاكرة" الذي أصبح أحد أبرز مكونات الصناعات الثقافية الحديثة.

لقد أثبتت تجارب عالمية عديدة أن الاحتفال بتاريخ المهرجانات لا يقتصر على تنظيم حفلات تكريم أو استعادة أسماء صنعت الأمجاد، بل يقوم على تحويل هذا التاريخ إلى منتج ثقافي متجدد. ففي مهرجان كان السينمائي، استثمرت فرنسا المناسبات التاريخية للمهرجان في تنظيم معارض ضخمة للصور والملصقات الأصلية، وإصدار كتب توثيقية، وإعادة ترميم أفلام كلاسيكية، وإطلاق عروض في الفضاءات العامة، لتتحول المدينة خلال الاحتفالات الكبرى إلى متحف سينمائي مفتوح يجذب آلاف الزوار والباحثين والإعلاميين. أما مهرجان البندقية، أقدم مهرجان سينمائي في العالم، فقد جعل من أرشيفه جزءا من التجربة السياحية للمدينة، حيث أصبحت الوثائق والصور التاريخية والمعارض المؤقتة عناصر تجذب الزائر مثلما تجذبه القنوات المائية والقصور التاريخية. وفي ألمانيا، عمل مهرجان برلين على رقمنة أرشيفه وإتاحته للجامعات والباحثين، بما جعل ذاكرة المهرجان موردا معرفيا دائما لا يرتبط بأيام انعقاده فقط.

وفي العالم العربي، بدأت هذه الفكرة تجد طريقها تدريجيا إلى عدد من المهرجانات. فمهرجان القاهرة السينمائي الدولي استثمر محطاته التاريخية في إصدار موسوعات توثق مختلف دوراته، وتنظيم معارض للملصقات والصور النادرة، بينما عمل مهرجان مراكش الدولي على إنتاج محتوى بصري ورقمي يعيد قراءة أبرز لحظاته، مستثمرا في الصورة كوسيلة للترويج الثقافي والسياحي للمغرب.

لكن من بين التجارب الأكثر لفتا للانتباه في هذا المجال تبرز تجربة السينما الأرمينية، التي نجحت في تحويل ذاكرتها السينمائية إلى أحد عناصر الدبلوماسية الثقافية للدولة.

ولا تبدو هذه التجربة بعيدة عن أيام قرطاج السينمائية حتى تبدو مجرد مثال خارجي يمكن الاستئناس به، بل إن المهرجان عاشها بنفسه خلال دورته السادسة والثلاثين السنة الماضية.

فقد خصص آنذاك معرضا بعنوان "طبعا... أرمينيا" استعرض أكثر من قرن من تاريخ السينما الأرمينية من خلال مجموعة نادرة من ملصقات الأفلام والوثائق البصرية، في محاولة لإبراز كيف يمكن لذاكرة السينما أن تتحول إلى معرض حي يروي تاريخ بلد بأكمله عبر الصورة.

كما استضاف المهرجان برنامج "السينما الأرمينية تحت المجهر"، الذي تُوّج بتنظيم "ماستر كلاس" للمخرجة الأرمينية تمارا ستيبانيان، حيث قدمت تجربتها في الاشتغال على الذاكرة والهوية والوثائقي، وناقشت مع الجمهور والسينمائيين أهمية الأرشيف في بناء سرديات جديدة للمستقبل، بينما شهد افتتاح المعرض حضور المخرجة الأرمينية إينا مخيتاريان إلى جانب عدد من ضيوف المهرجان.

هذه التجربة لا تبدو اليوم مجرد محطة عابرة في برمجة الدورة الماضية، بل تتحول، مع اقتراب الاحتفال بستينية أيام قرطاج السينمائية، إلى نموذج عملي يمكن للمهرجان أن يستلهمه. فإذا كانت أرمينيا قد نجحت في تحويل أرشيفها السينمائي وملصقاته وتاريخه إلى أداة للدبلوماسية الثقافية والترويج السياحي، فإن تونس من المفترض أنها تمتلك بدورها ستين عاما من الذاكرة السينمائية العربية والإفريقية، بما تختزنه من صور ووثائق ولقاءات وشهادات نادرة، وهي ثروة لا تقل قيمة عن الأفلام نفسها.

فمن البديهي أن يمتلك المهرجان رصيدا هائلا من المواد التي يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي متكامل: صور نادرة، ملصقات أصلية، شهادات لكبار السينمائيين العرب والأفارقة، تسجيلات للندوات، وأرشيف يوثق لحظات مفصلية في تاريخ السينما. غير أن السؤال لا يتعلق فقط بوجود هذا الرصيد (من عدمه)، وإنما بمدى القدرة على استثماره في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

ذلك أن إشكالية التوقيت تفرض نفسها بقوة الآن وتفتح الباب على عدة فرضيات. فبين الإعلان عن التوجه نحو تنظيم دورة استثنائية وبين موعد انعقادها في ديسمبر 2026، تبقى فترة زمنية محدودة نسبيا لإنجاز مشروع توثيقي كبير يليق بستينية مهرجان بهذا الحجم. فإعداد معارض تاريخية، ورقمنة أرشيف يمتد على ستة عقود أو جزء منه، وإنتاج أفلام وثائقية، واستقطاب مؤسسات إعلامية دولية، وبناء تصور سياحي وثقافي متكامل، كلها مشاريع تحتاج إلى وقت طويل من العمل والتنسيق والبحث، وأيضا إلى موارد مالية ضخمة أو إلى شَراكات استراتيجية. وبالتالي فإن الرهان لا يكمن فقط في توفر الإرادة، وإنما أيضا في القدرة على الانتقال بسرعة من مرحلة التصور إلى مرحلة التنفيذ.

فهل تكفي الأشهر المتبقية قبل ديسمبر لتحقيق هذا التحول؟ أم أن خطر الاكتفاء ببرمجة احتفالية محدودة يظل قائما إذا لم يتم التعامل مع الستينية باعتبارها مشروعا طويل المدى وليس مناسبة ظرفية؟ هذا السؤال لا يقل أهمية عن سؤال البرمجة الفنية نفسها، لأن قيمة الستينية لن تقاس فقط بما سيعرض خلالها، وإنما بما ستتركه بعدها.

فالاحتفال الحقيقي بالتاريخ لا يكون بإعادة إنتاجه فقط، بل بتحويله إلى طاقة للمستقبل. وإذا كان الأرشيف سيقتصر على صور قديمة وتكريمات رمزية، فإن المناسبة قد تنتهي بانتهاء الدورة. أما إذا تحول إلى منصة رقمية، ومعارض متنقلة، ومراجع بحثية، ومادة تكوينية للأجيال الجديدة، وحلقات نقاش لنبش التاريخ، فإن الستينية ستصبح نقطة انطلاق جديدة في علاقة تونس بسينماها.

ومن هنا يبرز البعد الثاني للرهان، وهو علاقة التوثيق بمستقبل السينما التونسية نفسها. فستينية أيام قرطاج السينمائية ليست فقط مناسبة للعودة إلى تاريخ المهرجان، وإنما فرصة لإعادة قراءة مسار السينما الوطنية. فالسينما التي لا تنظر في مرآة تاريخها تفقد القدرة على فهم تحولات حاضرها. ولذلك فإن الأرشيف يجب ألا يقدم باعتباره مادة للحنين فقط، بل باعتباره أداة للنقد والمراجعة، ومن هنا يبرز المفهوم الحقيقي والاستراتيجي والتأملي لمصطلح التوثيق.

فالمخرجون الشباب يحتاجون إلى أكثر من مشاهدة أفلام الماضي، يحتاجون إلى فهم السياقات التي أنتجتها، والأسئلة التي حملتها، والتحولات التي مرت بها السينما التونسية منذ الاستقلال إلى اليوم. فكيف تغيرت علاقة السينما بالمجتمع؟ وكيف انتقلت الأفلام من أسئلة الهوية وبناء الدولة إلى أسئلة الحرية والتحولات الاجتماعية؟ وما الذي يمكن للجيل الجديد أن يستفيد منه من تجارب الرواد؟

لقد أثبتت مهرجانات عالمية مثل لوكارنو وروتردام أن الأرشيف يمكن أن يكون فضاء للحوار والنقد، لا مجرد مكان لحفظ الوثائق. كما أن التجربة الأرمينية التي حضرت في الدورة السابقة لأيام قرطاج السينمائية قدمت بدورها دليلا على أن الذاكرة يمكن أن تتحول إلى مشروع ثقافي حي عندما يتم التعامل معها برؤية استراتيجية.

لذلك فإن التحدي أمام الدورة السابعة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية لا يتعلق فقط بحجم الاحتفالات أو عدد الضيوف أو طبيعة التكريمات، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل ستين سنة من التاريخ إلى مستقبل؟ فإذا نجحت تونس في جعل الستينية مناسبة لإطلاق مشروع دائم لحفظ الذاكرة السينمائية واستثمارها، فإنها لن تحتفل فقط بماضي المهرجان، بل ستؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها أيام قرطاج السينمائية مؤسسة ثقافية تمتلك ذاكرة حية، وصورة عالمية، ودورا في صناعة مستقبل السينما التونسية والعربية والإفريقية.

إيمان عبد اللطيف