إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

التكنولوجيا تعيد رسم اتفاقيات التعاون الدولي..  تونس تعزز شراكاتها في الابتكار والرقمنة  

 

تونس – الصباح

الذكاء الاصطناعي، والابتكار، والتحول الرقمي، ونقل التكنولوجيا... مفاهيم باتت تتصدر اليوم أجندة عدد متزايد من اتفاقيات التعاون التي تبرمها تونس مع شركائها الأوروبيين والآسيويين، بعدما تحولت من محاور تكميلية إلى مجالات رئيسية تؤطر أعمال اللجان المشتركة، ومذكرات التفاهم، وبرامج التعاون القطاعي.

 

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متناميًا بأن الشراكات وبرامج التعاون الدولي قد تجاوزت أهميتها حجم المبادلات التجارية أو نسق الاستثمار المسجل، لتطال مدى قدرة هذه البرامج على النفاذ إلى التكنولوجيات الحديثة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وإرساء مشاريع مشتركة في القطاعات ذات المحتوى المعرفي والتقني المتطور، والمواكب خاصة للتحولات التكنولوجية السريعة.

ومن هذا المنطلق، تراهن الدولة اليوم على الدبلوماسية التكنولوجية باعتبارها أحد المسارات الحديثة للتعاون الثنائي في مجالات هامة تشمل الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والأمن السيبراني، والابتكار، والتكنولوجيات المتقدمة، بالنظر إلى أن هذا المجال، على أهميته، يتيح أيضًا بناء شراكات تقوم على تبادل المعرفة، ونقل التكنولوجيا، واستقطاب الخبرات، لا سيما مع تنامي الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق، تنسجم الشراكات التي نسجتها تونس خلال السنوات الأخيرة مع عدد من الدول الأوروبية والآسيوية مع هذا التوجه الدولي، إذ لم تعد الاتفاقيات الثنائية تقتصر على تعزيز المبادلات التجارية أو التعاون الاقتصادي، وإنما اتجهت نحو مجالات أكثر ارتباطًا باقتصاد المعرفة، من خلال دعم مختلف مجالات البحث العلمي، وتطوير الابتكار، وتكوين الكفاءات، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، بما يفضي إلى أن التكنولوجيا اتخذت اليوم منحى تصاعديًا في آليات العمل الدبلوماسي، باعتبارها بوابة هامة نحو التنافسية الاقتصادية، وتحديث المنظومة الوطنية، وإرساء شراكات تقوم على تبادل الخبرات وإنتاج المعرفة.

مراهنة على الذكاء الاصطناعي...

وتجسيدًا لهذا الطرح، شهدت الأشهر الماضية سلسلة من اللقاءات الثنائية التي جمعت عددًا من أعضاء الحكومة بنظرائهم من أوروبا وآسيا، وأسفرت عن إبرام اتفاقيات ومذكرات تفاهم جعلت من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتحول الرقمي محاور رئيسية للتعاون، من خلال ضبط برامج عملية تستهدف نقل الخبرات، وتطوير الكفاءات، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث، وتشجيع الابتكار، بما يعكس توجهًا نحو توظيف الشراكات الدولية في بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا، في ظل سياق دولي باتت فيه التكنولوجيا من أبرز آليات القوة والنفوذ.

وضمن هذه المقاربة، تدرك تونس جيدًا أن طبيعة التنافس بين الدول لم تعد تقتصر على جذب الاستثمارات أو توسيع الأسواق، بل أصبحت تمتد إلى امتلاك المعرفة، والتحكم في التقنيات الحديثة، وتطوير الكفاءات البشرية القادرة على مواكبة الثورة الرقمية. وهو ما يفسر الحرص على أن تجعل من علاقاتها الثنائية منصة لنقل الخبرات والتكنولوجيا، بما يساهم في تحديث الاقتصاد وتعزيز تنافسيته.

ولعل المتابع لمسار العلاقات الخارجية التونسية خلال السنتين الأخيرتين يلاحظ أن محور التكنولوجيا أصبح حاضرًا بقوة في عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المبرمة مع شركاء من أوروبا وآسيا. وقد تُرجم هذا التوجه في التعاون مع اليابان، التي عززت شراكتها مع تونس في مجالات الابتكار، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، إلى جانب دعم مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية الذكية والتكنولوجيات الحديثة. كما شكلت التحضيرات للاستحقاقات الثنائية المقبلة، وفي مقدمتها مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (TICAD)، مناسبة لتأكيد الرغبة المشتركة في توسيع التعاون نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

وفي السياق ذاته، شهد التعاون مع كوريا الجنوبية زخمًا متواصلًا في مجالات الرقمنة وتطوير الخدمات العمومية، إلى جانب برامج تكوين الكفاءات ونقل الخبرات التقنية، لا سيما أن كوريا الجنوبية تعتبر من أبرز النماذج العالمية في التحول الرقمي، وهو ما يجعل تجربتها محل اهتمام بالنسبة إلى تونس، التي تعمل على تحديث إدارتها وتعزيز الاقتصاد الرقمي.

أما الصين، فقد تجاوز التعاون معها نطاق مشاريع البنية التحتية والصناعة ليشمل قطاعات التكنولوجيا والابتكار، خاصة مع تنامي اهتمام الشركات الصينية بالاستثمار في الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي، إضافة إلى تعدد آفاق التعاون في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.

وفي المقابل، تواصل دول أوروبية إعادة صياغة شراكاتها مع تونس وفق أولويات جديدة. فقد أدرجت إيطاليا التكنولوجيا والابتكار ضمن محاور التعاون في قطاعات النقل، والبنية التحتية، والطاقات المتجددة، بينما أولت ألمانيا أهمية خاصة للتكوين المهني، والصناعة الذكية، والتحول الطاقي، باعتبارها مجالات تقوم أساسًا على نقل المعرفة وتطوير المهارات. هذا دون التغافل عن بولونيا، التي برزت كشريك ريادي في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي، حيث يشكل التعاون الجامعي أحد أهم القنوات لنقل التكنولوجيا عبر المشاريع البحثية المشتركة، وتبادل الطلبة والباحثين، وتطوير الابتكار.

ولا يمكن قراءة هذا التوجه بمعزل عن التحول الذي تعيشه الدبلوماسية الاقتصادية نفسها، حيث لم تعد تقتصر على الترويج للمنتجات الوطنية أو استقطاب المستثمرين، وإنما أصبحت مطالبة أيضًا باستقطاب التكنولوجيا، وربط الجامعات بمراكز البحث الدولية، وتشجيع الشركات الناشئة على الاندماج في منظومات الابتكار العالمية. وضمن هذا التمشي، أصبحت الاتفاقيات التي تتناول مجالات الذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، أكثر من مجرد بنود اتفاق، وإنما آليات استراتيجية لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، بما يؤشر إلى أن نقل التكنولوجيا بات هدفًا قائمًا بذاته في السياسة الخارجية التونسية.

وهذه المقاربة تجد صداها وأهميتها البالغة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة واستيعاب التكنولوجيا إحدى أهم آليات القوة الاقتصادية. فالدول التي تنجح في استقطاب التكنولوجيات الحديثة واستيعابها بإمكانها أن تصوغ منظومات إنتاج جديدة، وتطور صناعاتها، وتوفر مواطن شغل ذات قيمة مضافة، كما من شأنها أن تدعم تنافسية مؤسساتها.

ومن جهة أخرى، جدير بالذكر أن نجاح هذا التوجه التكنولوجي رهين منظومة وطنية قادرة على استيعابه، تشمل جامعات قوية، ومراكز بحث فعالة، وتشريعات محفزة للابتكار، وقطاعًا خاصًا قادرًا على الاستثمار في الاقتصاد الرقمي. كما أن تطوير الكفاءات البشرية يبقى الحلقة الأساسية في أي استراتيجية لنقل التكنولوجيا، لا سيما أن اقتصاد المعرفة يقوم على التدريب والتكوين والبحث المستمر.

نحو تعزيز بيئة تنافسية

وفي هذا الصدد، فإن الدولة، في أعلى هرمها، تسعى اليوم إلى توفير بيئة اقتصادية تنافسية قادرة على استيعاب التطور التكنولوجي الراهن، عبر تعزيز الرقمنة، ودعم مسار التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، وتطوير البحث العلمي، والاستثمار في الكفاءات الوطنية. ويترجم هذا التوجه حرصًا على إرساء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية، واستقطاب الاستثمارات ذات البعد التكنولوجي المتطور، بما يؤشر إلى تعزيز اندماج تونس في الاقتصاد الرقمي العالمي.

وضمن هذا التمشي، يبدو أن التعليم العالي والبحث العلمي أصبحا اليوم أحد أهم أذرع الدبلوماسية التونسية، فالتعاون الجامعي مع عدد من البلدان، على غرار كوريا الجنوبية، والصين، وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، لا يقتصر على تبادل الطلبة والأساتذة فقط، وإنما يهدف إلى بناء شبكات بحث مشتركة، وتطوير برامج أكاديمية تستجيب للتحولات التكنولوجية العالمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والهندسة الرقمية.

كما يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم مجالات التنافس الدولي في السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حرص عدد من الشركاء على إدراج هذا المجال ضمن برامج التعاون مع تونس، من خلال العمل على تكوين مختصين، وإرساء أطر تشريعية وتنظيمية، وتشجيع البحث العلمي، وربط الجامعات بالمؤسسات الاقتصادية، بما يضمن الاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية في مختلف القطاعات.

وفي المقابل، تمنح هذه الشراكات تونس فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي باعتبارها منصة للكفاءات البشرية في شمال إفريقيا، خاصة مع ما تزخر به من موارد بشرية مؤهلة في الهندسة والإعلامية والبحث العلمي. وهذه المميزات من شأنها أن تكون عنصر جذب إضافي للاستثمارات التكنولوجية، ورافعة لتعزيز حضور البلاد في سلاسل القيمة العالمية.

دبلوماسية المعرفة

وفي هذا الاتجاه، وبالنظر إلى الاتفاقيات الموقعة مؤخرًا في إطار التعاون الثنائي ومختلف آليات التشاور، فإن السياسة الخارجية التونسية بدأت تتجه تدريجيًا نحو إيلاء أهمية أكبر لما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية المعرفة"، تلك الآلية التي تجعل من نقل التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار، محورًا رئيسيًا للعلاقات الثنائية.

وفي هذا الخضم، ومن خلال كل ما تقدم، فإن تونس أمام فرصة فعلية لتحويل شراكاتها الدولية إلى رافعة لاقتصاد متطور قادر على منافسة كبرى اقتصاديات العالم. وهذه الرؤية تستمد شرعيتها بالنظر إلى أن كل اتفاقية تعاون ممضاة في مجال الذكاء الاصطناعي، أو البحث العلمي، أو التحول الرقمي، تشكل في جوهرها لبنة في بناء اقتصاد المعرفة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وترسيخ مكانة تونس كشريك يراهن على الكفاءة والابتكار في مختلف علاقاته الدولية، خاصة أن طبيعة التنافس بين الدول تجاوزت منذ سنوات حجم الاستثمارات أو المبادلات التجارية المسجلة، لتطال مدى القدرة على إنتاج المعرفة، واستقطاب التكنولوجيا، وتحويلها إلى قيمة مضافة. وهذا التحدي، على أهميته، يبدو أنه بات يحتل موقعًا متقدمًا في أجندة الدبلوماسية التونسية خلال المرحلة المقبلة.

منال حرزي

 

التكنولوجيا تعيد رسم اتفاقيات التعاون الدولي..   تونس تعزز شراكاتها في الابتكار والرقمنة   

 

تونس – الصباح

الذكاء الاصطناعي، والابتكار، والتحول الرقمي، ونقل التكنولوجيا... مفاهيم باتت تتصدر اليوم أجندة عدد متزايد من اتفاقيات التعاون التي تبرمها تونس مع شركائها الأوروبيين والآسيويين، بعدما تحولت من محاور تكميلية إلى مجالات رئيسية تؤطر أعمال اللجان المشتركة، ومذكرات التفاهم، وبرامج التعاون القطاعي.

 

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متناميًا بأن الشراكات وبرامج التعاون الدولي قد تجاوزت أهميتها حجم المبادلات التجارية أو نسق الاستثمار المسجل، لتطال مدى قدرة هذه البرامج على النفاذ إلى التكنولوجيات الحديثة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وإرساء مشاريع مشتركة في القطاعات ذات المحتوى المعرفي والتقني المتطور، والمواكب خاصة للتحولات التكنولوجية السريعة.

ومن هذا المنطلق، تراهن الدولة اليوم على الدبلوماسية التكنولوجية باعتبارها أحد المسارات الحديثة للتعاون الثنائي في مجالات هامة تشمل الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والأمن السيبراني، والابتكار، والتكنولوجيات المتقدمة، بالنظر إلى أن هذا المجال، على أهميته، يتيح أيضًا بناء شراكات تقوم على تبادل المعرفة، ونقل التكنولوجيا، واستقطاب الخبرات، لا سيما مع تنامي الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق، تنسجم الشراكات التي نسجتها تونس خلال السنوات الأخيرة مع عدد من الدول الأوروبية والآسيوية مع هذا التوجه الدولي، إذ لم تعد الاتفاقيات الثنائية تقتصر على تعزيز المبادلات التجارية أو التعاون الاقتصادي، وإنما اتجهت نحو مجالات أكثر ارتباطًا باقتصاد المعرفة، من خلال دعم مختلف مجالات البحث العلمي، وتطوير الابتكار، وتكوين الكفاءات، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، بما يفضي إلى أن التكنولوجيا اتخذت اليوم منحى تصاعديًا في آليات العمل الدبلوماسي، باعتبارها بوابة هامة نحو التنافسية الاقتصادية، وتحديث المنظومة الوطنية، وإرساء شراكات تقوم على تبادل الخبرات وإنتاج المعرفة.

مراهنة على الذكاء الاصطناعي...

وتجسيدًا لهذا الطرح، شهدت الأشهر الماضية سلسلة من اللقاءات الثنائية التي جمعت عددًا من أعضاء الحكومة بنظرائهم من أوروبا وآسيا، وأسفرت عن إبرام اتفاقيات ومذكرات تفاهم جعلت من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتحول الرقمي محاور رئيسية للتعاون، من خلال ضبط برامج عملية تستهدف نقل الخبرات، وتطوير الكفاءات، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث، وتشجيع الابتكار، بما يعكس توجهًا نحو توظيف الشراكات الدولية في بناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا، في ظل سياق دولي باتت فيه التكنولوجيا من أبرز آليات القوة والنفوذ.

وضمن هذه المقاربة، تدرك تونس جيدًا أن طبيعة التنافس بين الدول لم تعد تقتصر على جذب الاستثمارات أو توسيع الأسواق، بل أصبحت تمتد إلى امتلاك المعرفة، والتحكم في التقنيات الحديثة، وتطوير الكفاءات البشرية القادرة على مواكبة الثورة الرقمية. وهو ما يفسر الحرص على أن تجعل من علاقاتها الثنائية منصة لنقل الخبرات والتكنولوجيا، بما يساهم في تحديث الاقتصاد وتعزيز تنافسيته.

ولعل المتابع لمسار العلاقات الخارجية التونسية خلال السنتين الأخيرتين يلاحظ أن محور التكنولوجيا أصبح حاضرًا بقوة في عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المبرمة مع شركاء من أوروبا وآسيا. وقد تُرجم هذا التوجه في التعاون مع اليابان، التي عززت شراكتها مع تونس في مجالات الابتكار، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، إلى جانب دعم مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية الذكية والتكنولوجيات الحديثة. كما شكلت التحضيرات للاستحقاقات الثنائية المقبلة، وفي مقدمتها مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (TICAD)، مناسبة لتأكيد الرغبة المشتركة في توسيع التعاون نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

وفي السياق ذاته، شهد التعاون مع كوريا الجنوبية زخمًا متواصلًا في مجالات الرقمنة وتطوير الخدمات العمومية، إلى جانب برامج تكوين الكفاءات ونقل الخبرات التقنية، لا سيما أن كوريا الجنوبية تعتبر من أبرز النماذج العالمية في التحول الرقمي، وهو ما يجعل تجربتها محل اهتمام بالنسبة إلى تونس، التي تعمل على تحديث إدارتها وتعزيز الاقتصاد الرقمي.

أما الصين، فقد تجاوز التعاون معها نطاق مشاريع البنية التحتية والصناعة ليشمل قطاعات التكنولوجيا والابتكار، خاصة مع تنامي اهتمام الشركات الصينية بالاستثمار في الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي، إضافة إلى تعدد آفاق التعاون في الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.

وفي المقابل، تواصل دول أوروبية إعادة صياغة شراكاتها مع تونس وفق أولويات جديدة. فقد أدرجت إيطاليا التكنولوجيا والابتكار ضمن محاور التعاون في قطاعات النقل، والبنية التحتية، والطاقات المتجددة، بينما أولت ألمانيا أهمية خاصة للتكوين المهني، والصناعة الذكية، والتحول الطاقي، باعتبارها مجالات تقوم أساسًا على نقل المعرفة وتطوير المهارات. هذا دون التغافل عن بولونيا، التي برزت كشريك ريادي في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي، حيث يشكل التعاون الجامعي أحد أهم القنوات لنقل التكنولوجيا عبر المشاريع البحثية المشتركة، وتبادل الطلبة والباحثين، وتطوير الابتكار.

ولا يمكن قراءة هذا التوجه بمعزل عن التحول الذي تعيشه الدبلوماسية الاقتصادية نفسها، حيث لم تعد تقتصر على الترويج للمنتجات الوطنية أو استقطاب المستثمرين، وإنما أصبحت مطالبة أيضًا باستقطاب التكنولوجيا، وربط الجامعات بمراكز البحث الدولية، وتشجيع الشركات الناشئة على الاندماج في منظومات الابتكار العالمية. وضمن هذا التمشي، أصبحت الاتفاقيات التي تتناول مجالات الذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، أكثر من مجرد بنود اتفاق، وإنما آليات استراتيجية لبناء اقتصاد أكثر تنافسية، بما يؤشر إلى أن نقل التكنولوجيا بات هدفًا قائمًا بذاته في السياسة الخارجية التونسية.

وهذه المقاربة تجد صداها وأهميتها البالغة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت القدرة على إنتاج المعرفة واستيعاب التكنولوجيا إحدى أهم آليات القوة الاقتصادية. فالدول التي تنجح في استقطاب التكنولوجيات الحديثة واستيعابها بإمكانها أن تصوغ منظومات إنتاج جديدة، وتطور صناعاتها، وتوفر مواطن شغل ذات قيمة مضافة، كما من شأنها أن تدعم تنافسية مؤسساتها.

ومن جهة أخرى، جدير بالذكر أن نجاح هذا التوجه التكنولوجي رهين منظومة وطنية قادرة على استيعابه، تشمل جامعات قوية، ومراكز بحث فعالة، وتشريعات محفزة للابتكار، وقطاعًا خاصًا قادرًا على الاستثمار في الاقتصاد الرقمي. كما أن تطوير الكفاءات البشرية يبقى الحلقة الأساسية في أي استراتيجية لنقل التكنولوجيا، لا سيما أن اقتصاد المعرفة يقوم على التدريب والتكوين والبحث المستمر.

نحو تعزيز بيئة تنافسية

وفي هذا الصدد، فإن الدولة، في أعلى هرمها، تسعى اليوم إلى توفير بيئة اقتصادية تنافسية قادرة على استيعاب التطور التكنولوجي الراهن، عبر تعزيز الرقمنة، ودعم مسار التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، وتطوير البحث العلمي، والاستثمار في الكفاءات الوطنية. ويترجم هذا التوجه حرصًا على إرساء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية، واستقطاب الاستثمارات ذات البعد التكنولوجي المتطور، بما يؤشر إلى تعزيز اندماج تونس في الاقتصاد الرقمي العالمي.

وضمن هذا التمشي، يبدو أن التعليم العالي والبحث العلمي أصبحا اليوم أحد أهم أذرع الدبلوماسية التونسية، فالتعاون الجامعي مع عدد من البلدان، على غرار كوريا الجنوبية، والصين، وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، لا يقتصر على تبادل الطلبة والأساتذة فقط، وإنما يهدف إلى بناء شبكات بحث مشتركة، وتطوير برامج أكاديمية تستجيب للتحولات التكنولوجية العالمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والهندسة الرقمية.

كما يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم مجالات التنافس الدولي في السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حرص عدد من الشركاء على إدراج هذا المجال ضمن برامج التعاون مع تونس، من خلال العمل على تكوين مختصين، وإرساء أطر تشريعية وتنظيمية، وتشجيع البحث العلمي، وربط الجامعات بالمؤسسات الاقتصادية، بما يضمن الاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية في مختلف القطاعات.

وفي المقابل، تمنح هذه الشراكات تونس فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي باعتبارها منصة للكفاءات البشرية في شمال إفريقيا، خاصة مع ما تزخر به من موارد بشرية مؤهلة في الهندسة والإعلامية والبحث العلمي. وهذه المميزات من شأنها أن تكون عنصر جذب إضافي للاستثمارات التكنولوجية، ورافعة لتعزيز حضور البلاد في سلاسل القيمة العالمية.

دبلوماسية المعرفة

وفي هذا الاتجاه، وبالنظر إلى الاتفاقيات الموقعة مؤخرًا في إطار التعاون الثنائي ومختلف آليات التشاور، فإن السياسة الخارجية التونسية بدأت تتجه تدريجيًا نحو إيلاء أهمية أكبر لما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية المعرفة"، تلك الآلية التي تجعل من نقل التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار، محورًا رئيسيًا للعلاقات الثنائية.

وفي هذا الخضم، ومن خلال كل ما تقدم، فإن تونس أمام فرصة فعلية لتحويل شراكاتها الدولية إلى رافعة لاقتصاد متطور قادر على منافسة كبرى اقتصاديات العالم. وهذه الرؤية تستمد شرعيتها بالنظر إلى أن كل اتفاقية تعاون ممضاة في مجال الذكاء الاصطناعي، أو البحث العلمي، أو التحول الرقمي، تشكل في جوهرها لبنة في بناء اقتصاد المعرفة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وترسيخ مكانة تونس كشريك يراهن على الكفاءة والابتكار في مختلف علاقاته الدولية، خاصة أن طبيعة التنافس بين الدول تجاوزت منذ سنوات حجم الاستثمارات أو المبادلات التجارية المسجلة، لتطال مدى القدرة على إنتاج المعرفة، واستقطاب التكنولوجيا، وتحويلها إلى قيمة مضافة. وهذا التحدي، على أهميته، يبدو أنه بات يحتل موقعًا متقدمًا في أجندة الدبلوماسية التونسية خلال المرحلة المقبلة.

منال حرزي