إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد الحرائق الأخيرة..  نواب وفنانون ونشطاء يطلقون حملة تشجير... وإدارة الغابات توضح  

 

تونس – الصباح

من وسط أشجار متفحمة ومساحات سوداء خلفتها حرائق الأيام الأخيرة في جبل الطويل ونبر بولاية الكاف، وجبل الناظور وسيدي علي المكي ببنزرت، وجبل الشحمة بزغوان، أطلق عدد من الفنانين التونسيين والنواب ونشطاء مؤثرين حملة إعادة تشجير واسعة لاستعادة المساحات الخضراء المحروقة، عبر فيديوهات وصور وتدوينات تدعو المواطنين إلى المشاركة في حملة التشجير. وتنطلق الحملة في أواخر شهر أكتوبر، وتستهدف زراعة 200 ألف شجرة، ويكون الهدف منها ليس غراسة الأشجار فقط، بل أيضًا ترسيخ ثقافة بيئية جديدة تقوم على التطوع والمسؤولية الجماعية.

 

حملة سرعان ما امتلأ بها الفضاء الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، وتباينت المواقف منها بين مؤيد ومرحب وداعم لها، وبين محذر منها، رغم أنها تعكس حسن النية، باعتبار أنها خطوة تستوجب الأخذ بالرأي العلمي وترك الطبيعة فترة لتتفاعل مع ما جرى، وهو الأسلم لإعادة تأهيل الغابات.

ويرى أصحاب المبادرة أن الحرائق لا يجب أن تنتهي بانتهاء ألسنة اللهب، بل ينبغي أن تكون بداية لتحرك مجتمعي واسع يعيد الحياة إلى الغابات التي فقدت جزءًا من غطائها النباتي. وقد لاقت المبادرة ترحيبًا من آلاف التونسيين الذين اعتبروا أن مساهمة الفنانين في القضايا البيئية تمثل تطورًا إيجابيًا، خاصة في ظل قدرتهم على التعبئة وجذب الشباب وتشجيعهم على العمل التطوعي.

في المقابل، جاءت ردود الفعل الرافضة من منطلق مختلف، إذ لم تستهدف فكرة التطوع في حد ذاتها، وإنما طريقة تنفيذها وتوقيتها.

ويؤكد مختصون في المجال الغابي أن إعادة تشجير الغابات المحروقة لا تتم مباشرة بعد الحريق، بل تسبقها مرحلة تقييم بيئي دقيقة لمعرفة قدرة الغابة على التجدد الطبيعي، ونوعية الأشجار التي يجب غراستها، والوقت الأنسب لذلك.

كما حذرت الإدارة العامة للغابات من القيام بمبادرات فردية غير منسقة، وأكدت أن إعادة تشجير المناطق المحروقة لا تتم مباشرة بعد إخماد الحرائق، بل تسبقها مرحلة مراقبة وتقييم ميداني تمتد من سنة إلى سنتين، لإتاحة المجال للتجدد الطبيعي، الذي يُعد، في كثير من الحالات، الخيار الأكثر نجاحًا لاستعادة الغطاء النباتي، مع تخصيص السنة الأولى لإزالة الأخشاب المحترقة، والحد من انجراف التربة، ومنع الرعي لحماية الشتلات الطبيعية.

وأوضحت إدارة الغابات أن اللجوء إلى التشجير الاصطناعي لا يكون إلا إذا أثبتت الدراسات الميدانية عدم كفاية التجدد الطبيعي، على أن تُنفذ عمليات الغراسة بين شهري نوفمبر ومارس، باستخدام أصناف محلية مقاومة للحرائق والجفاف، مثل الخروب والزيتون البري والصنوبر الثمري، محذرةً من أن التسرع في عمليات الغراسة قد يتسبب في إتلاف البذور الكامنة في التربة والإضرار بالتوازن البيئي للموقع.

ويرى حسام حمدي، الناشط في المجال البيئي، أن المبادرة، رغم أهميتها وما كشفت عنه من تطور مهم في وعي التونسيين بالقضايا البيئية، إلا أنها خاطئة من الناحية البيئية، فالغابة بعد الحريق لا تحتاج إلى تشجير فوري، بل تكون الأولوية للتقييم العلمي والمتابعة، فضلًا عن إعطاء الطبيعة الوقت الكافي لتسترجع توازنها. وبين أن العديد من الأشجار المتوسطية قادرة على استعادة عافيتها وأن تنبت من جديد تلقائيًا إذا توفرت لها الظروف الملائمة. ونبه إلى أن أي تدخل غير مدروس يمكن أن يضر بالغابات أكثر مما ينفع. ويقول إن نجاح أي حملة تشجير لا يقاس بعدد الشتلات التي تُغرس في يوم واحد، وإنما بنسبة بقائها بعد سنوات، وهو ما يقتضي اختيار الأصناف المحلية الملائمة، واحترام الموسم المناسب للغراسة، وضمان المتابعة والري والصيانة.

ويشدد المختصون على أن حماية الغابات تبدأ قبل اندلاع الحرائق، عبر الوقاية، وتنظيف المسالك الغابية، وتعزيز وسائل المراقبة والتدخل السريع، إلى جانب إشراك السكان المحليين في حماية الثروة الغابية.

وللإشارة، أتت الحرائق الأخيرة على نحو 12 ألف هكتار من الغطاء الغابي، كما أتلفت الحرائق، منذ بداية شهر ماي، نحو 4400 هكتار من الغابات التونسية. وفي العموم، عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في نسق حرائق الغابات نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع موجات الحرارة المسجلة. وتقول التقديرات إن الحرائق، منذ سنة 2011 إلى غاية الآن، قد أتت على نحو 70 ألف هكتار من الغطاء الغابي، هذا بالإضافة إلى المساحات الخاصة بالحبوب.

ريم سوودي

 

 

بعد الحرائق الأخيرة..   نواب وفنانون ونشطاء يطلقون حملة تشجير... وإدارة الغابات توضح   

 

تونس – الصباح

من وسط أشجار متفحمة ومساحات سوداء خلفتها حرائق الأيام الأخيرة في جبل الطويل ونبر بولاية الكاف، وجبل الناظور وسيدي علي المكي ببنزرت، وجبل الشحمة بزغوان، أطلق عدد من الفنانين التونسيين والنواب ونشطاء مؤثرين حملة إعادة تشجير واسعة لاستعادة المساحات الخضراء المحروقة، عبر فيديوهات وصور وتدوينات تدعو المواطنين إلى المشاركة في حملة التشجير. وتنطلق الحملة في أواخر شهر أكتوبر، وتستهدف زراعة 200 ألف شجرة، ويكون الهدف منها ليس غراسة الأشجار فقط، بل أيضًا ترسيخ ثقافة بيئية جديدة تقوم على التطوع والمسؤولية الجماعية.

 

حملة سرعان ما امتلأ بها الفضاء الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، وتباينت المواقف منها بين مؤيد ومرحب وداعم لها، وبين محذر منها، رغم أنها تعكس حسن النية، باعتبار أنها خطوة تستوجب الأخذ بالرأي العلمي وترك الطبيعة فترة لتتفاعل مع ما جرى، وهو الأسلم لإعادة تأهيل الغابات.

ويرى أصحاب المبادرة أن الحرائق لا يجب أن تنتهي بانتهاء ألسنة اللهب، بل ينبغي أن تكون بداية لتحرك مجتمعي واسع يعيد الحياة إلى الغابات التي فقدت جزءًا من غطائها النباتي. وقد لاقت المبادرة ترحيبًا من آلاف التونسيين الذين اعتبروا أن مساهمة الفنانين في القضايا البيئية تمثل تطورًا إيجابيًا، خاصة في ظل قدرتهم على التعبئة وجذب الشباب وتشجيعهم على العمل التطوعي.

في المقابل، جاءت ردود الفعل الرافضة من منطلق مختلف، إذ لم تستهدف فكرة التطوع في حد ذاتها، وإنما طريقة تنفيذها وتوقيتها.

ويؤكد مختصون في المجال الغابي أن إعادة تشجير الغابات المحروقة لا تتم مباشرة بعد الحريق، بل تسبقها مرحلة تقييم بيئي دقيقة لمعرفة قدرة الغابة على التجدد الطبيعي، ونوعية الأشجار التي يجب غراستها، والوقت الأنسب لذلك.

كما حذرت الإدارة العامة للغابات من القيام بمبادرات فردية غير منسقة، وأكدت أن إعادة تشجير المناطق المحروقة لا تتم مباشرة بعد إخماد الحرائق، بل تسبقها مرحلة مراقبة وتقييم ميداني تمتد من سنة إلى سنتين، لإتاحة المجال للتجدد الطبيعي، الذي يُعد، في كثير من الحالات، الخيار الأكثر نجاحًا لاستعادة الغطاء النباتي، مع تخصيص السنة الأولى لإزالة الأخشاب المحترقة، والحد من انجراف التربة، ومنع الرعي لحماية الشتلات الطبيعية.

وأوضحت إدارة الغابات أن اللجوء إلى التشجير الاصطناعي لا يكون إلا إذا أثبتت الدراسات الميدانية عدم كفاية التجدد الطبيعي، على أن تُنفذ عمليات الغراسة بين شهري نوفمبر ومارس، باستخدام أصناف محلية مقاومة للحرائق والجفاف، مثل الخروب والزيتون البري والصنوبر الثمري، محذرةً من أن التسرع في عمليات الغراسة قد يتسبب في إتلاف البذور الكامنة في التربة والإضرار بالتوازن البيئي للموقع.

ويرى حسام حمدي، الناشط في المجال البيئي، أن المبادرة، رغم أهميتها وما كشفت عنه من تطور مهم في وعي التونسيين بالقضايا البيئية، إلا أنها خاطئة من الناحية البيئية، فالغابة بعد الحريق لا تحتاج إلى تشجير فوري، بل تكون الأولوية للتقييم العلمي والمتابعة، فضلًا عن إعطاء الطبيعة الوقت الكافي لتسترجع توازنها. وبين أن العديد من الأشجار المتوسطية قادرة على استعادة عافيتها وأن تنبت من جديد تلقائيًا إذا توفرت لها الظروف الملائمة. ونبه إلى أن أي تدخل غير مدروس يمكن أن يضر بالغابات أكثر مما ينفع. ويقول إن نجاح أي حملة تشجير لا يقاس بعدد الشتلات التي تُغرس في يوم واحد، وإنما بنسبة بقائها بعد سنوات، وهو ما يقتضي اختيار الأصناف المحلية الملائمة، واحترام الموسم المناسب للغراسة، وضمان المتابعة والري والصيانة.

ويشدد المختصون على أن حماية الغابات تبدأ قبل اندلاع الحرائق، عبر الوقاية، وتنظيف المسالك الغابية، وتعزيز وسائل المراقبة والتدخل السريع، إلى جانب إشراك السكان المحليين في حماية الثروة الغابية.

وللإشارة، أتت الحرائق الأخيرة على نحو 12 ألف هكتار من الغطاء الغابي، كما أتلفت الحرائق، منذ بداية شهر ماي، نحو 4400 هكتار من الغابات التونسية. وفي العموم، عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في نسق حرائق الغابات نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع موجات الحرارة المسجلة. وتقول التقديرات إن الحرائق، منذ سنة 2011 إلى غاية الآن، قد أتت على نحو 70 ألف هكتار من الغطاء الغابي، هذا بالإضافة إلى المساحات الخاصة بالحبوب.

ريم سوودي