تونس - الصباح
لم يكن افتتاح الدورة التأسيسية لمهرجان "الملاسين جو"، مساء الأحد 2 أوت، مجرد حدث فني جديد يضاف إلى روزنامة الصيف، بل بدا تجربة تحمل رهانا ثقافيا وسياسيا يتجاوز حدود السهرات الموسيقية. فاختيار الملعب البلدي بالملاسين، أحد أكبر الأحياء الشعبية بالعاصمة، لاحتضان مهرجان يمتد خمسة أيام، أي إلى غاية 6 أوت، ويستضيف أسماء تونسية وعربية معروفة، لا يمثل فقط تغييرا في مكان إقامة العروض، بل يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الثقافة ومحيطها الاجتماعي.
فمنذ سنوات، ظل المشهد الثقافي التونسي يتمركز في فضاءات بعينها، مثل قرطاج والحمامات ودار الأوبرا والمسارح الكبرى، حيث ينتقل الجمهور إلى الثقافة، بينما يقترح "الملاسين جو" معادلة معاكسة تقوم على انتقال الثقافة إلى الجمهور، وهو ما يعيد إلى الواجهة مفهوم "العدالة الثقافية"، الذي أصبح من أبرز شعارات وزارة الشؤون الثقافية خلال السنوات الأخيرة.
إيمان عبد اللطيف
غير أن هذا الشعار لا يكتسب معناه الحقيقي إلا عندما يتحول إلى ممارسة ميدانية قادرة على تغيير خريطة الفعل الثقافي، ولذلك تبدو الدورة الأولى للمهرجان مناسبة لطرح سؤال أساسي: هل يكفي تنظيم مهرجان داخل حي شعبي للحديث عن لامركزية ثقافية حقيقية، أم أن الأمر يحتاج إلى مشروع يتجاوز الطابع الموسمي؟
اختارت الوزارة شعار "الملاسين... حومتنا تحكي فن"، وهو شعار يراهن على تغيير الصورة التقليدية للحي الشعبي. فهذه الأحياء غالبا ما ارتبطت، في الخطاب العام، بإشكالات اجتماعية أو أمنية، بينما يحاول المهرجان تقديمها باعتبارها فضاءات للإبداع واللقاء. ومن هذه الزاوية، يصبح الحدث الثقافي وسيلة لإعادة الاعتبار للمكان وسكانه، ويؤكد أن الحق في الثقافة لا ينبغي أن يبقى مرتبطا بالمراكز الحضرية الكبرى أو بالفضاءات المغلقة، بل يجب أن يصل إلى الأحياء التي ظلت، لعقود، بعيدة عن خارطة التظاهرات الكبرى.
كما أن الحضور الجماهيري اللافت، الذي سجلته سهرة الافتتاح، بمشاركة مختلف الفئات العمرية، يطرح بدوره قراءة مختلفة لمسألة الإقبال على الثقافة. فقد أثبتت التجربة أن الجمهور موجود، وأن الحديث عن عزوفه يحتاج إلى مراجعة، لأن المشكلة لا تكمن دائما في غياب الرغبة، بل في طبيعة العرض ومكانه. وعندما تنتقل التظاهرة إلى قلب الحي، وتصبح قريبة من الناس، يتحول الفضاء العمومي إلى نقطة جذب ثقافي واجتماعي، ويستعيد الفن إحدى وظائفه الأساسية باعتباره مساحة للتلاقي.
لكن نجاح ليلة افتتاحية لا يكفي للحكم على نجاح المشروع. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار على الدورة الأولى. فهل سيكون "الملاسين جو" مجرد مهرجان صيفي يضاف إلى قائمة التظاهرات الموسمية، أم سيكون بداية لبناء حياة ثقافية دائمة داخل الحي؟ فالعدالة الثقافية لا تتحقق بتنظيم حفلات فقط، وإنما بإيجاد فضاءات مستمرة للتكوين والإبداع والعروض المسرحية والسينمائية والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب. لذلك فإن نجاح التجربة لن يقاس بعدد الحضور أو قيمة الفنانين المشاركين فحسب، بل أيضا بقدرتها على خلق ديناميكية ثقافية تتواصل طوال السنة.
وفي الجانب الفني، تكشف برمجة الدورة الأولى عن مقاربة تراهن على مخاطبة الجمهور بلغته وذائقته. فالاختيارات لم تتجه نحو العروض النخبوية، وإنما اعتمدت على أسماء تمتلك حضورا جماهيريا واسعا. فإيهاب توفيق، الذي افتتح المهرجان، لا يمثل فقط نجما عربيا معروفا، بل يحمل أيضا رصيدا فنيا يرتبط بذاكرة جيل كامل. أما بلطي، الذي يختتم التظاهرة، فيمثل أحد أبرز الأسماء القادرة على استقطاب الشباب وجمهور الأحياء الشعبية، بفضل أسلوبه الموسيقي القريب من التحولات التي عرفتها الأغنية التونسية خلال السنوات الأخيرة.
وبين هذين الاسمين، تأتي مشاركة جنجون ووليد التونسي لتؤكد تنوع البرمجة، في حين يعكس إدراج عرض للأطفال، من تقديم سامي دربز، توجها نحو جعل المهرجان موعدا عائليا لا يقتصر على السهرات الغنائية. وهنا تتجلى فلسفة البرمجة التي تحاول مخاطبة مختلف الأذواق والفئات العمرية، انطلاقا من فكرة مفادها أن تقريب الثقافة من المواطن يقتضي أيضا احترام ذائقته وعدم فرض نموذج ثقافي واحد عليه.
وتفتح هذه الاختيارات نقاشا أوسع حول مفهوم الذوق العام. فقد ظل الجدل قائما بين من يعتبر أن وظيفة المهرجانات هي الارتقاء بالذائقة عبر تقديم عروض نخبوية، وبين من يرى أن احترام الجمهور يبدأ بالاعتراف بما يفضله. ويبدو أن "الملاسين جو" اختار المقاربة الثانية، دون أن يتخلى عن البعد الثقافي، إذ جعل من النجومية وسيلة لجذب جمهور جديد إلى الفعل الثقافي، لا غاية في حد ذاتها. فالنجوم هنا يؤدون وظيفة تتجاوز العرض الفني، إذ يساهمون في إعادة ربط جمهور الأحياء بالتظاهرات الثقافية، وهو ما يمنح المهرجان بعدا اجتماعيا إلى جانب بعده الفني.
كما يعكس اختيار الملعب البلدي فضاء للعروض تحولا في النظرة إلى الفضاء العمومي، الذي لم يعد مقتصرا على الوظيفة الرياضية أو الخدماتية، بل أصبح قادرا على احتضان الثقافة أيضا. وهذا التوجه ينسجم مع تجارب عديدة اعتمدت الساحات والملاعب والحدائق فضاءات للعروض، بهدف توسيع دائرة المشاركة الثقافية والوصول إلى جمهور لا يرتاد عادة المسارح المغلقة.
ورغم المؤشرات الإيجابية التي رافقت انطلاق الدورة الأولى، فإن التحدي الأكبر يبقى رهين الاستمرارية. فنجاح أي مشروع ثقافي لا يقاس فقط بحجم الافتتاح أو عدد النجوم، وإنما بقدرته على التحول إلى تقليد سنوي يساهم في تنشيط الحياة الثقافية داخل المنطقة، مع إشراك الجمعيات المحلية والمبدعين الشباب والمؤسسات التربوية في صناعة محتواه. فالثقافة لا تبنى بالعروض الكبرى وحدها، وإنما أيضا بالعمل اليومي الذي يخلق علاقة دائمة بين المواطن والفضاء الثقافي.
لذلك يضع "الملاسين جو" وزارة الشؤون الثقافية أمام اختبار عملي لشعار العدالة الثقافية.
فالمبادرة تمثل خطوة مهمة ورائدة نحو كسر مركزية الفعل الثقافي ونقله إلى الأحياء، لكنها ستظل في حاجة إلى سياسات مرافقة تضمن استمراريتها وتوسعها نحو أحياء وجهات أخرى. وفي الوقت نفسه، قدمت الدورة الأولى نموذجا لبرمجة تنطلق من الجمهور لا من الوصاية عليه، وتوظف النجومية بوصفها جسرا لتوسيع المشاركة الثقافية. وبين هذين البعدين، السياسي والثقافي من جهة، والفني والاجتماعي من جهة أخرى، يطرح "الملاسين جو" سؤالا أكبر من مهرجان صيفي: هل تستطيع تونس أن تجعل الثقافة خدمة عمومية يومية تصل إلى المواطن أينما كان، أم سيظل الأمر مرتبطا بمبادرات موسمية تحتاج، في كل مرة، إلى اختبار جديد؟ تابع حفلا استعاد من خلاله أبرز محطات مسيرة بيوندي الممتدة على أكثر من عقدين.
