إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  من تثبيت الهضبة إلى إعادة رسم مستقبل القرية..  هذه خطوات إنقاذ سيدي بوسعيد بعد التصنيف العالمي لـ"اليونسكو"  

تونس - الصباح

لم يكن إعلان لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، خلال دورتها الثامنة والأربعين المنعقدة بمدينة بوسان الكورية الجنوبية، إدراج سيدي بوسعيد ضمن قائمة التراث العالمي سوى بداية فصل جديد في تاريخ القرية التي تحولت منذ عقود إلى واحدة من أشهر الصور الثقافية والسياحية لتونس في العالم. فبعد لحظة الفرح التي رافقت دخول "القرية الزرقاء والبيضاء" إلى القائمة الدولية باعتبارها العنصر العاشر لتونس في هذا السجل، بدأت مرحلة أكثر تعقيدا عنوانها الأساسي: كيف ستنجح الدولة التونسية في حماية هذا الاعتراف العالمي على أرض الواقع؟

فالتراث العالمي لا يُحمى بالاحتفال، وإنما بخطط عمل وإجراءات دقيقة وميزانيات وبرامج تدخل مستمرة. وإدراج سيدي بوسعيد ضمن قائمة اليونسكو لم يمنحها تمويلا جاهزا لترميمها أو إنقاذها، وإنما وضعها ضمن منظومة من الالتزامات الدولية التي تفرض على الدولة المحافظة على القيمة العالمية الاستثنائية للموقع.

فدور اليونسكو يتمثل أساسا في المتابعة العلمية والتأطير الفني وتقديم الخبرة، بينما تبقى مسؤولية تنفيذ مشاريع الحماية والتهيئة والتمويل على عاتق الدولة التونسية. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة حماية هضبة مهددة بالانزلاق، ومشهد عمراني مهدد بالتغير، وقرية تستقبل ملايين الزوار سنويا وتحتاج إلى توازن جديد بين الحماية والاستغلال.

أول خطوات الإنقاذ ستكون ميدانية، إذ أعدت وزارة التجهيز والإسكان برنامجا عاجلا للتدخل في هضبة سيدي بوسعيد بكلفة أولية تناهز 15 مليون دينار، على أن تنطلق الأشغال خلال شهر أوت 2026 بعد استكمال الدراسات الجيوتقنية وتحديد المقاولات المكلفة بالإنجاز. وتأتي هذه الخطوة بعد تنامي المخاوف من تأثير العوامل الطبيعية على استقرار الهضبة، خاصة بعد أن كشفت الأمطار الأخيرة عن تصدعات ومؤشرات على هشاشة بعض المناطق، إضافة إلى استمرار تأثير التآكل البحري على الواجهة المطلة على المتوسط.

ولا يتعلق الأمر بأشغال صيانة تقليدية، بل بمشروع إنقاذ هندسي يستهدف معالجة جذور المشكلة. فالمحور الأول من التدخل يقوم على تثبيت المنحدرات الأكثر عرضة للانزلاق عبر إقامة جدران دعم خرسانية وتركيز أوتاد عميقة تساعد على إعادة تثبيت التربة وحماية المباني المقامة فوق الهضبة. وتكتسي هذه الأشغال أهمية خاصة لأن الخطر لا يهدد فقط المعلم التراثي في حد ذاته، وإنما أيضا مساكن ومحلات وأنشطة اقتصادية قائمة فوق هذه المنطقة الحساسة.

أما المحور الثاني فيتعلق بمشكلة المياه، إذ أثبتت الدراسات أن تسرب مياه الأمطار إلى الطبقات الداخلية للتربة يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في إضعاف تماسك الهضبة. ولذلك ستشمل خطة التدخل تحديث وتوسيع شبكات تصريف مياه الأمطار، بما يسمح بتوجيه المياه بعيدا عن المناطق الهشة ومنع تراكمها داخل التربة. وسيكون هذا الجانب من المشروع أساسيا، لأن معالجة الانزلاقات لا يمكن أن تقوم فقط على تدعيم السطح، وإنما تتطلب التحكم في الأسباب الطبيعية التي تؤثر في استقرار الأرض.

ويشمل البرنامج كذلك تدعيم أسفل الهضبة والواجهة البحرية لمواجهة ظاهرة التآكل التي تتسبب فيها الأمواج، باعتبار أن الموقع يعيش منذ سنوات تحت تأثير عاملين متوازيين: مياه الأمطار من جهة، ونشاط البحر من جهة أخرى. وهو ما يجعل عملية الإنقاذ أشبه بمعركة هندسية مفتوحة ضد الطبيعة، تحتاج إلى تدخلات دقيقة تحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الموقع.

لكن التحدي الأكبر أمام المهندسين والسلطات سيكون في كيفية تنفيذ هذه الأشغال دون الإخلال بالطابع التاريخي للقرية. فسيدي بوسعيد ليست مجرد مساحة جغرافية تحتاج إلى تدعيم، وإنما هي منظومة بصرية ومعمارية متكاملة تقوم قيمتها على العلاقة بين البيوت البيضاء ذات الأبواب والنوافذ الزرقاء، والهضبة، والبحر، والمشهد العام الذي حافظ على خصوصيته عبر الزمن. لذلك فإن أي تدخل هندسي سيكون مطالبا بتحقيق معادلة صعبة: حماية الأرض دون تشويه المكان.

وبالتوازي مع التدخلات الهندسية، وضعت الدولة سلسلة من الإجراءات الوقائية للحد من المخاطر الحالية. ومن بين هذه الإجراءات تنفيذ قرارات إخلاء لبعض المساكن المهجورة والآيلة للسقوط الموجودة في أعلى الهضبة، باعتبار أن هذه البنايات تمثل خطرا على سلامة السكان والزوار، كما تشكل أحمالا إضافية على منطقة تعاني أصلا من هشاشة جيولوجية. كما تم توجيه تنبيهات قانونية إلى أصحاب العقارات القريبة من المنحدرات لمنع أي أشغال حفر أو تعلية أو تدخلات غير مرخصة قد تزيد من عدم استقرار التربة.

أما الخطوة الثانية في خطة الإنقاذ فتتعلق بإعادة تنظيم المجال العمراني، وهي خطوة ستكون الأكثر حساسية لأنها ستغير طريقة التصرف داخل القرية. فالحصول على التصنيف العالمي يعني أن كل تغيير داخل الموقع أصبح مرتبطا بشروط دقيقة تضمن الحفاظ على قيمته التراثية. ولذلك سيتم فرض رقابة أكبر على عمليات الترميم والصيانة، حيث لن يكون من الممكن تغيير الواجهات الخارجية أو القيام بتحويرات معمارية دون الحصول على موافقات مسبقة من لجان مختصة تضم المعهد الوطني للتراث وبلدية سيدي بوسعيد.

وسيشمل هذا المخطط أيضا فرض معايير دقيقة على عمليات الطلاء والتسييج واستعمال مواد البناء، باعتبار أن التفاصيل الصغيرة أصبحت جزءا من الهوية البصرية للموقع. كما سيتم تطبيق إجراءات إدارية ومالية ضد المخالفين، بهدف الحد من التغييرات العشوائية التي قد تؤثر تدريجيا على الصورة الأصلية للقرية.

وفي إطار الحد من التوسع العمراني غير المنظم، ستعمل السلطات على تجميد رخص البناء الجديدة ورخص التعلية في المناطق الأكثر حساسية، خاصة القريبة من المنحدرات والواجهة البحرية. فالهدف ليس فقط حماية المشهد العمراني، وإنما أيضا منع إضافة أحمال جديدة على تربة هشة قد لا تتحمل مزيدا من الضغط.

غير أن حماية سيدي بوسعيد لا يمكن أن تنجح فقط بالقرارات الإدارية، لأن القرية فضاء حي يسكنه مواطنون ويعتمد جزء من سكانه على النشاط السياحي والتجاري. وهنا تظهر أصعب معادلات المرحلة المقبلة: كيف يمكن فرض قواعد الحماية دون خلق صدام مع السكان وأصحاب الأنشطة الاقتصادية؟

فالقرية تستقبل سنويا حوالي 4.5 مليون زائر، وهو رقم يعكس مكانتها السياحية، لكنه يمثل في الوقت نفسه ضغطا هائلا على الأزقة والبنية التحتية. ولذلك ستشمل خطة التصرف الجديدة تنظيم حركة الزوار، بداية بمنع دخول الحافلات السياحية الكبيرة والشاحنات الثقيلة إلى أعلى الهضبة، والاكتفاء بمواقف مخصصة أسفل القرية، بهدف تخفيف الضغط على الطرقات وعلى التربة.

كما ستتم دراسة آليات للتحكم في تدفق المجموعات السياحية خلال فترات الذروة، خاصة مع ارتفاع أعداد الزوار القادمين عبر الرحلات البحرية، وذلك بهدف الوصول إلى توازن بين الاستفادة الاقتصادية من السياحة والحفاظ على قدرة الموقع على التحمل.

هذه الإجراءات قد تثير تحفظات لدى بعض التجار والحرفيين وأصحاب المقاهي الذين يخشون أن تؤثر القيود الجديدة على نشاطهم، خاصة أن جزءا مهما من اقتصاد القرية يقوم على الحركة السياحية. لذلك فإن نجاح خطة الإنقاذ سيكون مرتبطا أيضا بقدرة السلطات على إشراك السكان في عملية الحماية، وتقديم حلول تضمن استمرار النشاط الاقتصادي في إطار يحترم خصوصية الموقع.

وبالتالي، يضع تصنيف سيدي بوسعيد ضمن قائمة التراث العالمي الدولة التونسية أمام التزام عملي يتجاوز رمزية الاعتراف الدولي. فالمحافظة على الموقع ستقاس بمدى تنفيذ برنامج التدخلات المعلن عنه، وبقدرة الهياكل المعنية على فرض قواعد عمرانية جديدة، وإيجاد توازن بين متطلبات الحماية ومصالح السكان والأنشطة الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة تسجيل إنجاز جديد، بل مرحلة تقييم لنجاعة السياسات العمومية في إدارة موقع مصنف عالميا، من خلال مؤشرات واضحة تبدأ باستقرار الهضبة، وتمر بمدى احترام المخطط العمراني، وتنتهي بقدرة القرية على استيعاب نشاطها السياحي دون أن يتحول هذا النشاط إلى عامل ضغط يهدد مقوماتها التراثية.

إيمان عبد اللطيف

 

   من تثبيت الهضبة إلى إعادة رسم مستقبل القرية..   هذه خطوات إنقاذ سيدي بوسعيد بعد التصنيف العالمي لـ"اليونسكو"   

تونس - الصباح

لم يكن إعلان لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، خلال دورتها الثامنة والأربعين المنعقدة بمدينة بوسان الكورية الجنوبية، إدراج سيدي بوسعيد ضمن قائمة التراث العالمي سوى بداية فصل جديد في تاريخ القرية التي تحولت منذ عقود إلى واحدة من أشهر الصور الثقافية والسياحية لتونس في العالم. فبعد لحظة الفرح التي رافقت دخول "القرية الزرقاء والبيضاء" إلى القائمة الدولية باعتبارها العنصر العاشر لتونس في هذا السجل، بدأت مرحلة أكثر تعقيدا عنوانها الأساسي: كيف ستنجح الدولة التونسية في حماية هذا الاعتراف العالمي على أرض الواقع؟

فالتراث العالمي لا يُحمى بالاحتفال، وإنما بخطط عمل وإجراءات دقيقة وميزانيات وبرامج تدخل مستمرة. وإدراج سيدي بوسعيد ضمن قائمة اليونسكو لم يمنحها تمويلا جاهزا لترميمها أو إنقاذها، وإنما وضعها ضمن منظومة من الالتزامات الدولية التي تفرض على الدولة المحافظة على القيمة العالمية الاستثنائية للموقع.

فدور اليونسكو يتمثل أساسا في المتابعة العلمية والتأطير الفني وتقديم الخبرة، بينما تبقى مسؤولية تنفيذ مشاريع الحماية والتهيئة والتمويل على عاتق الدولة التونسية. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة حماية هضبة مهددة بالانزلاق، ومشهد عمراني مهدد بالتغير، وقرية تستقبل ملايين الزوار سنويا وتحتاج إلى توازن جديد بين الحماية والاستغلال.

أول خطوات الإنقاذ ستكون ميدانية، إذ أعدت وزارة التجهيز والإسكان برنامجا عاجلا للتدخل في هضبة سيدي بوسعيد بكلفة أولية تناهز 15 مليون دينار، على أن تنطلق الأشغال خلال شهر أوت 2026 بعد استكمال الدراسات الجيوتقنية وتحديد المقاولات المكلفة بالإنجاز. وتأتي هذه الخطوة بعد تنامي المخاوف من تأثير العوامل الطبيعية على استقرار الهضبة، خاصة بعد أن كشفت الأمطار الأخيرة عن تصدعات ومؤشرات على هشاشة بعض المناطق، إضافة إلى استمرار تأثير التآكل البحري على الواجهة المطلة على المتوسط.

ولا يتعلق الأمر بأشغال صيانة تقليدية، بل بمشروع إنقاذ هندسي يستهدف معالجة جذور المشكلة. فالمحور الأول من التدخل يقوم على تثبيت المنحدرات الأكثر عرضة للانزلاق عبر إقامة جدران دعم خرسانية وتركيز أوتاد عميقة تساعد على إعادة تثبيت التربة وحماية المباني المقامة فوق الهضبة. وتكتسي هذه الأشغال أهمية خاصة لأن الخطر لا يهدد فقط المعلم التراثي في حد ذاته، وإنما أيضا مساكن ومحلات وأنشطة اقتصادية قائمة فوق هذه المنطقة الحساسة.

أما المحور الثاني فيتعلق بمشكلة المياه، إذ أثبتت الدراسات أن تسرب مياه الأمطار إلى الطبقات الداخلية للتربة يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في إضعاف تماسك الهضبة. ولذلك ستشمل خطة التدخل تحديث وتوسيع شبكات تصريف مياه الأمطار، بما يسمح بتوجيه المياه بعيدا عن المناطق الهشة ومنع تراكمها داخل التربة. وسيكون هذا الجانب من المشروع أساسيا، لأن معالجة الانزلاقات لا يمكن أن تقوم فقط على تدعيم السطح، وإنما تتطلب التحكم في الأسباب الطبيعية التي تؤثر في استقرار الأرض.

ويشمل البرنامج كذلك تدعيم أسفل الهضبة والواجهة البحرية لمواجهة ظاهرة التآكل التي تتسبب فيها الأمواج، باعتبار أن الموقع يعيش منذ سنوات تحت تأثير عاملين متوازيين: مياه الأمطار من جهة، ونشاط البحر من جهة أخرى. وهو ما يجعل عملية الإنقاذ أشبه بمعركة هندسية مفتوحة ضد الطبيعة، تحتاج إلى تدخلات دقيقة تحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الموقع.

لكن التحدي الأكبر أمام المهندسين والسلطات سيكون في كيفية تنفيذ هذه الأشغال دون الإخلال بالطابع التاريخي للقرية. فسيدي بوسعيد ليست مجرد مساحة جغرافية تحتاج إلى تدعيم، وإنما هي منظومة بصرية ومعمارية متكاملة تقوم قيمتها على العلاقة بين البيوت البيضاء ذات الأبواب والنوافذ الزرقاء، والهضبة، والبحر، والمشهد العام الذي حافظ على خصوصيته عبر الزمن. لذلك فإن أي تدخل هندسي سيكون مطالبا بتحقيق معادلة صعبة: حماية الأرض دون تشويه المكان.

وبالتوازي مع التدخلات الهندسية، وضعت الدولة سلسلة من الإجراءات الوقائية للحد من المخاطر الحالية. ومن بين هذه الإجراءات تنفيذ قرارات إخلاء لبعض المساكن المهجورة والآيلة للسقوط الموجودة في أعلى الهضبة، باعتبار أن هذه البنايات تمثل خطرا على سلامة السكان والزوار، كما تشكل أحمالا إضافية على منطقة تعاني أصلا من هشاشة جيولوجية. كما تم توجيه تنبيهات قانونية إلى أصحاب العقارات القريبة من المنحدرات لمنع أي أشغال حفر أو تعلية أو تدخلات غير مرخصة قد تزيد من عدم استقرار التربة.

أما الخطوة الثانية في خطة الإنقاذ فتتعلق بإعادة تنظيم المجال العمراني، وهي خطوة ستكون الأكثر حساسية لأنها ستغير طريقة التصرف داخل القرية. فالحصول على التصنيف العالمي يعني أن كل تغيير داخل الموقع أصبح مرتبطا بشروط دقيقة تضمن الحفاظ على قيمته التراثية. ولذلك سيتم فرض رقابة أكبر على عمليات الترميم والصيانة، حيث لن يكون من الممكن تغيير الواجهات الخارجية أو القيام بتحويرات معمارية دون الحصول على موافقات مسبقة من لجان مختصة تضم المعهد الوطني للتراث وبلدية سيدي بوسعيد.

وسيشمل هذا المخطط أيضا فرض معايير دقيقة على عمليات الطلاء والتسييج واستعمال مواد البناء، باعتبار أن التفاصيل الصغيرة أصبحت جزءا من الهوية البصرية للموقع. كما سيتم تطبيق إجراءات إدارية ومالية ضد المخالفين، بهدف الحد من التغييرات العشوائية التي قد تؤثر تدريجيا على الصورة الأصلية للقرية.

وفي إطار الحد من التوسع العمراني غير المنظم، ستعمل السلطات على تجميد رخص البناء الجديدة ورخص التعلية في المناطق الأكثر حساسية، خاصة القريبة من المنحدرات والواجهة البحرية. فالهدف ليس فقط حماية المشهد العمراني، وإنما أيضا منع إضافة أحمال جديدة على تربة هشة قد لا تتحمل مزيدا من الضغط.

غير أن حماية سيدي بوسعيد لا يمكن أن تنجح فقط بالقرارات الإدارية، لأن القرية فضاء حي يسكنه مواطنون ويعتمد جزء من سكانه على النشاط السياحي والتجاري. وهنا تظهر أصعب معادلات المرحلة المقبلة: كيف يمكن فرض قواعد الحماية دون خلق صدام مع السكان وأصحاب الأنشطة الاقتصادية؟

فالقرية تستقبل سنويا حوالي 4.5 مليون زائر، وهو رقم يعكس مكانتها السياحية، لكنه يمثل في الوقت نفسه ضغطا هائلا على الأزقة والبنية التحتية. ولذلك ستشمل خطة التصرف الجديدة تنظيم حركة الزوار، بداية بمنع دخول الحافلات السياحية الكبيرة والشاحنات الثقيلة إلى أعلى الهضبة، والاكتفاء بمواقف مخصصة أسفل القرية، بهدف تخفيف الضغط على الطرقات وعلى التربة.

كما ستتم دراسة آليات للتحكم في تدفق المجموعات السياحية خلال فترات الذروة، خاصة مع ارتفاع أعداد الزوار القادمين عبر الرحلات البحرية، وذلك بهدف الوصول إلى توازن بين الاستفادة الاقتصادية من السياحة والحفاظ على قدرة الموقع على التحمل.

هذه الإجراءات قد تثير تحفظات لدى بعض التجار والحرفيين وأصحاب المقاهي الذين يخشون أن تؤثر القيود الجديدة على نشاطهم، خاصة أن جزءا مهما من اقتصاد القرية يقوم على الحركة السياحية. لذلك فإن نجاح خطة الإنقاذ سيكون مرتبطا أيضا بقدرة السلطات على إشراك السكان في عملية الحماية، وتقديم حلول تضمن استمرار النشاط الاقتصادي في إطار يحترم خصوصية الموقع.

وبالتالي، يضع تصنيف سيدي بوسعيد ضمن قائمة التراث العالمي الدولة التونسية أمام التزام عملي يتجاوز رمزية الاعتراف الدولي. فالمحافظة على الموقع ستقاس بمدى تنفيذ برنامج التدخلات المعلن عنه، وبقدرة الهياكل المعنية على فرض قواعد عمرانية جديدة، وإيجاد توازن بين متطلبات الحماية ومصالح السكان والأنشطة الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة تسجيل إنجاز جديد، بل مرحلة تقييم لنجاعة السياسات العمومية في إدارة موقع مصنف عالميا، من خلال مؤشرات واضحة تبدأ باستقرار الهضبة، وتمر بمدى احترام المخطط العمراني، وتنتهي بقدرة القرية على استيعاب نشاطها السياحي دون أن يتحول هذا النشاط إلى عامل ضغط يهدد مقوماتها التراثية.

إيمان عبد اللطيف