رقم آخر جديد ينضاف إلى سجلّ تونس في منظمة «اليونسكو»، لكنه في الواقع يمثّل حلقة جديدة تعزّز من حضورها الدولي، وتكرّس مكانتها كدولة استطاعت أن تجعل من موروثها الحضاري والتاريخي أحد أبرز عناوين حضورها المشع في المحافل الأممية. فمن خلال إدراج منطقة سيدي بوسعيد رسميًا على قائمة التراث العالمي، يرتفع عدد المواقع التونسية المصنفة إلى 10، لتصبح بذلك تونس الأولى عربيًا من حيث عدد المواقع المدرجة، معززةً مكانتها ضمن أكثر الدول الإفريقية والمتوسطية حضورًا في هذا التصنيف الأممي.
هذا الإنجاز، على أهميته، يتجاوز كونه مجرد نجاح ثقافي أو سياحي، ليكون تجسيمًا لمدى قدرة تونس على توظيف رصيدها الحضاري لتعزيز مكانتها الدولية، في سياق وطني تتجه فيه الدولة، في أعلى هرمها، إلى جعل الإشعاع الثقافي أحد أبرز روافد السياسة الخارجية. فحين تنتزع دولة اعترافًا جديدًا من منظمة بحجم اليونسكو، فإنها لا تضيف موقعًا أثريًا أو معماريًا إلى قوائم التراث العالمي، وإنما تعزّز أيضًا رصيدها الدبلوماسي وصورتها المشعة داخل المنظومة الدولية.
وضمن هذه المقاربة، يأتي هذا التتويج منسجمًا مع التوجه الذي ما فتئ يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والقائم على ضرورة استعادة تونس لمكانتها الهامة في المحافل الدولية عبر مقوماتها الذاتية، وفي مقدمتها تاريخها العريق، وإرثها الحضاري، وكفاءاتها الوطنية، باعتبارها عناصر وآليات قوة تمنح البلاد حضورًا وإشعاعًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
ومن هذا المنطلق، فإن إدراج منطقة سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ»اليونسكو» يمثل، في جوهره، حلقة ضمن مسار شامل تسعى من خلاله تونس إلى تثبيت حضورها داخل المؤسسات الأممية، ليس فقط عبر مواقعها التراثية، وإنما أيضًا عبر كفاءاتها وترشحاتها للمناصب الدولية الهامة، ومشاركتها في صياغة القرار داخل منظومة العمل متعدد الأطراف.
اعتراف دولي
خلال دورة لجنة التراث العالمي المنعقدة بمدينة بوسان الكورية، نجحت الدبلوماسية التونسية، بالتنسيق مع مختلف الهياكل الوطنية، في انتزاع اعتراف دولي جديد تمثل في إدراج منطقة سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ»اليونسكو»، بما يؤشر إلى أن تونس ما تزال قادرة على تعزيز حضورها داخل المؤسسات الدولية عبر آليات القوة الناعمة، وهو نجاح يتجاوز بعده الثقافي ليعكس مسارًا سياسيًا تتبناه الدولة، في أعلى هرمها، يقوم على إعادة تثبيت حضور تونس داخل المنظومة الدولية من بوابة الكفاءة والإرث الحضاري والتاريخي.
وهذا التتويج يرفع عدد المواقع التونسية المدرجة على قائمة التراث العالمي إلى عشرة مواقع، تضم كلًّا من المدينة العتيقة بتونس، وقرطاج، والجم، وإشكل، وكركوان، وسوسة العتيقة، والقيروان، ودقة، وجزيرة جربة، وصولًا اليوم إلى سيدي بوسعيد. وهي قائمة تعكس ثراءً استثنائيًا لدولة تعتبر صغيرة من حيث المساحة الجغرافية، لكنها تظل كبيرة وعريقة بموروثها التاريخي، وبما راكمته عبر آلاف السنين من تعاقب الحضارات والثقافات.
لكن أهمية هذا الحدث البارز تتجاوز الموروث التاريخي والحضاري لتطال البعد السياسي الذي يحمله، فالاعتراف الذي تمنحه منظمة أممية بحجم «اليونسكو» لا يقوم على الاعتبارات الرمزية وحدها، بل هو نتيجة تقييم علمي وتقني دقيق، بما يؤشر إلى أن الدولة نجحت في إقناع المنظمة الدولية بتميز موقعها، وبقدرتها على حمايته وإدارته وفق المعايير الدولية. وبالتالي، يصبح التصنيف جزءًا من رصيد الدولة في علاقاتها الخارجية، وعنصرًا يعزز صورتها ومصداقيتها داخل المنظمات الدولية.
وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن السياسة الخارجية التونسية ارتكزت، على مدار السنوات الماضية، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على تنويع آليات حضورها الخارجي، بحيث يمتد هذا الحضور إلى الثقافة والتعليم والبحث العلمي والتراث، باعتبارها مجالات تمنح الدول نفوذًا مختلفًا وأكثر استدامة. وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام الذي توليه الدولة لضرورة تدعيم مكانتها وإشعاعها الدولي، لا سيما وأن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد تقوم، في أكثر من مناسبة، على التأكيد بأن تونس دولة ذات سيادة وتاريخ، وأن حضورها الخارجي يجب أن يكون متناغمًا مع هذا الرصيد الحضاري. ولهذا، فإن كل نجاح تحققه تونس داخل منظمة دولية أو هيئة أممية يعتبر مؤشرًا على مدى قدرة الدولة على استعادة إشعاعها وريادتها الدولية.
فاعلية متعددة الأطراف
من جانب آخر، فإنه لا يمكن فصل النجاح الذي حصدته تونس عبر سيدي بوسعيد عن التحركات والمساعي الحثيثة والمتواصلة لتونس داخل المنظمات الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت الدبلوماسية التونسية حضورًا لافتًا في عدد من الهياكل الأممية والإقليمية، سواء عبر الفوز بمناصب قيادية، على غرار انتخاب سليم اللغماني قاضيًا بالمحكمة الدولية لقانون البحار، أو عبر تقديم ترشحات لمواقع هامة، أو من خلال احتضان مؤتمرات دولية كبرى، بما يعكس توجهًا يقوم على أن تكون تونس فاعلًا داخل المؤسسات متعددة الأطراف. وهو طرح يتبناه رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي أقر سنة 2025 سنةً للعمل متعدد الأطراف، في إطار رؤية تقوم على استعادة المكانة التي تستحقها تونس داخل المنظومة الدولية، من خلال تعزيز حضورها في المنظمات الأممية، ودعم ترشح الكفاءات التونسية للمناصب الدولية الهامة، وتثمين رصيدها الحضاري والثقافي باعتباره أحد أهم روافد القوة الناعمة للدولة، وآلية لترسيخ إشعاعها على الساحة الدولية.
وضمن هذا التمشي، تبدو النجاحات الثقافية، مثل إدراج سيدي بوسعيد، أو النجاحات الدبلوماسية من قبيل تقلد المناصب الأممية أو التقدم بترشحات جديدة، حلقات مترابطة ضمن سلسلة واحدة عنوانها تعزيز آليات القوة الناعمة، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد اعتبر، في مناسبات عديدة، أن الدبلوماسية الحديثة قد تجاوزت أطرها التقليدية لتعتمد على آليات متعددة تشمل الثقافة، والجامعات، والبحث العلمي، والتراث، والرياضة، والسياحة، والابتكار، وجميعها مجالات تمتلك فيها تونس رصيدًا ومقومات هامة.
فإدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو» يحمل بعدًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن بعده الثقافي. فالاعتراف الأممي يفضي إلى الرفع من جاذبية الوجهة التونسية، ويضخ دماءً جديدة في مجال السياحة الثقافية، كما من شأنه أن يشجع على الاستثمار. وهنا يتحول القرار الصادر عن «اليونسكو» إلى عنصر من عناصر التنمية.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه رئيس الجمهورية قيس سعيّد الداعي إلى أهمية تثمين الثروات الوطنية بمختلف أشكالها، سواء كانت موارد طبيعية، أو رصيدًا بشريًا، أو تراثًا حضاريًا، لا سيما أن هذه الثروات تستمد أهميتها وقيمتها المضافة عندما تتحول إلى آليات إنتاج وإشعاع وتأثير في الخارج.
ولهذا، تبدو العلاقة وثيقة بين مختلف النجاحات التي تحققها تونس دوليًا، سواء تعلق الأمر بتصنيف موقع تراثي جديد، أو بفوز شخصية تونسية بمنصب أممي، أو بتقديم ترشح يحظى بدعم دولي، أو باستضافة مؤتمر عالمي. فهذه المجالات، على تنوعها، تشارك في خدمة هدف واحد، وهو تكريس صورة تونس كدولة تمتلك رصيدًا حضاريًا، وكفاءات بشرية، ومؤسسات قادرة على المساهمة الفاعلة في صياغة الحلول دوليًا.
وبالعودة إلى إدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ»اليونسكو»، جدير بالذكر أنه ليس بمعزل عن بقية التحركات التي تشهدها الدبلوماسية التونسية. فالسياسة الخارجية، كما يرسمها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تسعى إلى بناء حضور متوازن يجمع بين الدفاع عن السيادة الوطنية، والانفتاح على التعاون متعدد الأطراف، والاستثمار في آليات القوة الناعمة، دون التغافل عن تعزيز تموقع الكفاءات التونسية داخل المنظمات الدولية، بما يجعل الإشعاع الثقافي والنجاح الدبلوماسي وجهين لمشروع واحد.
وهذا الاعتراف الأممي بسيدي بوسعيد لا يضيف فقط موقعًا جديدًا إلى قائمة التراث العالمي، وإنما يضيف أيضًا لبنة جديدة إلى صورة تونس في الخارج. وهي صورة تتشكل عبر تراكم النجاحات في الثقافة، والدبلوماسية، والتعليم، والسياحة، وغيرها من المجالات الحيوية. وكلما تمكنت تونس من استثمار هذه النجاحات وتحويلها إلى حضور مؤثر داخل المنظومة الدولية، كلما اقتربت أكثر من ترسيخ المكانة التي تسعى إليها الدولة، في أعلى هرمها: دولة تستند إلى رصيدها الحضاري والتاريخي العريق لتصنع مكانتها في الحاضر، وتراهن على قوتها الناعمة، إلى جانب دبلوماسيتها وكفاءاتها، لتعزيز إشعاعها الدولي وتوسيع دائرة حضورها في مواقع التأثير وصناعة القرار الأممي.
منال حرزي
رقم آخر جديد ينضاف إلى سجلّ تونس في منظمة «اليونسكو»، لكنه في الواقع يمثّل حلقة جديدة تعزّز من حضورها الدولي، وتكرّس مكانتها كدولة استطاعت أن تجعل من موروثها الحضاري والتاريخي أحد أبرز عناوين حضورها المشع في المحافل الأممية. فمن خلال إدراج منطقة سيدي بوسعيد رسميًا على قائمة التراث العالمي، يرتفع عدد المواقع التونسية المصنفة إلى 10، لتصبح بذلك تونس الأولى عربيًا من حيث عدد المواقع المدرجة، معززةً مكانتها ضمن أكثر الدول الإفريقية والمتوسطية حضورًا في هذا التصنيف الأممي.
هذا الإنجاز، على أهميته، يتجاوز كونه مجرد نجاح ثقافي أو سياحي، ليكون تجسيمًا لمدى قدرة تونس على توظيف رصيدها الحضاري لتعزيز مكانتها الدولية، في سياق وطني تتجه فيه الدولة، في أعلى هرمها، إلى جعل الإشعاع الثقافي أحد أبرز روافد السياسة الخارجية. فحين تنتزع دولة اعترافًا جديدًا من منظمة بحجم اليونسكو، فإنها لا تضيف موقعًا أثريًا أو معماريًا إلى قوائم التراث العالمي، وإنما تعزّز أيضًا رصيدها الدبلوماسي وصورتها المشعة داخل المنظومة الدولية.
وضمن هذه المقاربة، يأتي هذا التتويج منسجمًا مع التوجه الذي ما فتئ يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والقائم على ضرورة استعادة تونس لمكانتها الهامة في المحافل الدولية عبر مقوماتها الذاتية، وفي مقدمتها تاريخها العريق، وإرثها الحضاري، وكفاءاتها الوطنية، باعتبارها عناصر وآليات قوة تمنح البلاد حضورًا وإشعاعًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
ومن هذا المنطلق، فإن إدراج منطقة سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ»اليونسكو» يمثل، في جوهره، حلقة ضمن مسار شامل تسعى من خلاله تونس إلى تثبيت حضورها داخل المؤسسات الأممية، ليس فقط عبر مواقعها التراثية، وإنما أيضًا عبر كفاءاتها وترشحاتها للمناصب الدولية الهامة، ومشاركتها في صياغة القرار داخل منظومة العمل متعدد الأطراف.
اعتراف دولي
خلال دورة لجنة التراث العالمي المنعقدة بمدينة بوسان الكورية، نجحت الدبلوماسية التونسية، بالتنسيق مع مختلف الهياكل الوطنية، في انتزاع اعتراف دولي جديد تمثل في إدراج منطقة سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ»اليونسكو»، بما يؤشر إلى أن تونس ما تزال قادرة على تعزيز حضورها داخل المؤسسات الدولية عبر آليات القوة الناعمة، وهو نجاح يتجاوز بعده الثقافي ليعكس مسارًا سياسيًا تتبناه الدولة، في أعلى هرمها، يقوم على إعادة تثبيت حضور تونس داخل المنظومة الدولية من بوابة الكفاءة والإرث الحضاري والتاريخي.
وهذا التتويج يرفع عدد المواقع التونسية المدرجة على قائمة التراث العالمي إلى عشرة مواقع، تضم كلًّا من المدينة العتيقة بتونس، وقرطاج، والجم، وإشكل، وكركوان، وسوسة العتيقة، والقيروان، ودقة، وجزيرة جربة، وصولًا اليوم إلى سيدي بوسعيد. وهي قائمة تعكس ثراءً استثنائيًا لدولة تعتبر صغيرة من حيث المساحة الجغرافية، لكنها تظل كبيرة وعريقة بموروثها التاريخي، وبما راكمته عبر آلاف السنين من تعاقب الحضارات والثقافات.
لكن أهمية هذا الحدث البارز تتجاوز الموروث التاريخي والحضاري لتطال البعد السياسي الذي يحمله، فالاعتراف الذي تمنحه منظمة أممية بحجم «اليونسكو» لا يقوم على الاعتبارات الرمزية وحدها، بل هو نتيجة تقييم علمي وتقني دقيق، بما يؤشر إلى أن الدولة نجحت في إقناع المنظمة الدولية بتميز موقعها، وبقدرتها على حمايته وإدارته وفق المعايير الدولية. وبالتالي، يصبح التصنيف جزءًا من رصيد الدولة في علاقاتها الخارجية، وعنصرًا يعزز صورتها ومصداقيتها داخل المنظمات الدولية.
وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن السياسة الخارجية التونسية ارتكزت، على مدار السنوات الماضية، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على تنويع آليات حضورها الخارجي، بحيث يمتد هذا الحضور إلى الثقافة والتعليم والبحث العلمي والتراث، باعتبارها مجالات تمنح الدول نفوذًا مختلفًا وأكثر استدامة. وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام الذي توليه الدولة لضرورة تدعيم مكانتها وإشعاعها الدولي، لا سيما وأن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد تقوم، في أكثر من مناسبة، على التأكيد بأن تونس دولة ذات سيادة وتاريخ، وأن حضورها الخارجي يجب أن يكون متناغمًا مع هذا الرصيد الحضاري. ولهذا، فإن كل نجاح تحققه تونس داخل منظمة دولية أو هيئة أممية يعتبر مؤشرًا على مدى قدرة الدولة على استعادة إشعاعها وريادتها الدولية.
فاعلية متعددة الأطراف
من جانب آخر، فإنه لا يمكن فصل النجاح الذي حصدته تونس عبر سيدي بوسعيد عن التحركات والمساعي الحثيثة والمتواصلة لتونس داخل المنظمات الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت الدبلوماسية التونسية حضورًا لافتًا في عدد من الهياكل الأممية والإقليمية، سواء عبر الفوز بمناصب قيادية، على غرار انتخاب سليم اللغماني قاضيًا بالمحكمة الدولية لقانون البحار، أو عبر تقديم ترشحات لمواقع هامة، أو من خلال احتضان مؤتمرات دولية كبرى، بما يعكس توجهًا يقوم على أن تكون تونس فاعلًا داخل المؤسسات متعددة الأطراف. وهو طرح يتبناه رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي أقر سنة 2025 سنةً للعمل متعدد الأطراف، في إطار رؤية تقوم على استعادة المكانة التي تستحقها تونس داخل المنظومة الدولية، من خلال تعزيز حضورها في المنظمات الأممية، ودعم ترشح الكفاءات التونسية للمناصب الدولية الهامة، وتثمين رصيدها الحضاري والثقافي باعتباره أحد أهم روافد القوة الناعمة للدولة، وآلية لترسيخ إشعاعها على الساحة الدولية.
وضمن هذا التمشي، تبدو النجاحات الثقافية، مثل إدراج سيدي بوسعيد، أو النجاحات الدبلوماسية من قبيل تقلد المناصب الأممية أو التقدم بترشحات جديدة، حلقات مترابطة ضمن سلسلة واحدة عنوانها تعزيز آليات القوة الناعمة، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد اعتبر، في مناسبات عديدة، أن الدبلوماسية الحديثة قد تجاوزت أطرها التقليدية لتعتمد على آليات متعددة تشمل الثقافة، والجامعات، والبحث العلمي، والتراث، والرياضة، والسياحة، والابتكار، وجميعها مجالات تمتلك فيها تونس رصيدًا ومقومات هامة.
فإدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو» يحمل بعدًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن بعده الثقافي. فالاعتراف الأممي يفضي إلى الرفع من جاذبية الوجهة التونسية، ويضخ دماءً جديدة في مجال السياحة الثقافية، كما من شأنه أن يشجع على الاستثمار. وهنا يتحول القرار الصادر عن «اليونسكو» إلى عنصر من عناصر التنمية.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه رئيس الجمهورية قيس سعيّد الداعي إلى أهمية تثمين الثروات الوطنية بمختلف أشكالها، سواء كانت موارد طبيعية، أو رصيدًا بشريًا، أو تراثًا حضاريًا، لا سيما أن هذه الثروات تستمد أهميتها وقيمتها المضافة عندما تتحول إلى آليات إنتاج وإشعاع وتأثير في الخارج.
ولهذا، تبدو العلاقة وثيقة بين مختلف النجاحات التي تحققها تونس دوليًا، سواء تعلق الأمر بتصنيف موقع تراثي جديد، أو بفوز شخصية تونسية بمنصب أممي، أو بتقديم ترشح يحظى بدعم دولي، أو باستضافة مؤتمر عالمي. فهذه المجالات، على تنوعها، تشارك في خدمة هدف واحد، وهو تكريس صورة تونس كدولة تمتلك رصيدًا حضاريًا، وكفاءات بشرية، ومؤسسات قادرة على المساهمة الفاعلة في صياغة الحلول دوليًا.
وبالعودة إلى إدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لـ»اليونسكو»، جدير بالذكر أنه ليس بمعزل عن بقية التحركات التي تشهدها الدبلوماسية التونسية. فالسياسة الخارجية، كما يرسمها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تسعى إلى بناء حضور متوازن يجمع بين الدفاع عن السيادة الوطنية، والانفتاح على التعاون متعدد الأطراف، والاستثمار في آليات القوة الناعمة، دون التغافل عن تعزيز تموقع الكفاءات التونسية داخل المنظمات الدولية، بما يجعل الإشعاع الثقافي والنجاح الدبلوماسي وجهين لمشروع واحد.
وهذا الاعتراف الأممي بسيدي بوسعيد لا يضيف فقط موقعًا جديدًا إلى قائمة التراث العالمي، وإنما يضيف أيضًا لبنة جديدة إلى صورة تونس في الخارج. وهي صورة تتشكل عبر تراكم النجاحات في الثقافة، والدبلوماسية، والتعليم، والسياحة، وغيرها من المجالات الحيوية. وكلما تمكنت تونس من استثمار هذه النجاحات وتحويلها إلى حضور مؤثر داخل المنظومة الدولية، كلما اقتربت أكثر من ترسيخ المكانة التي تسعى إليها الدولة، في أعلى هرمها: دولة تستند إلى رصيدها الحضاري والتاريخي العريق لتصنع مكانتها في الحاضر، وتراهن على قوتها الناعمة، إلى جانب دبلوماسيتها وكفاءاتها، لتعزيز إشعاعها الدولي وتوسيع دائرة حضورها في مواقع التأثير وصناعة القرار الأممي.