إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  عطيل معاوي في بوقرنين...  نجاح فني يؤكد نضج "صدى الأطلس" رغم غياب الجمهور

 

تونس - الصباح

ليست كل العروض الموسيقية التي تنجح فنيا تجد بالضرورة جمهورها، وهذه كانت المفارقة التي رافقت سهرة عازف الكمان والمؤلف الموسيقي التونسي عطيل معاوي على ركح مهرجان بوقرنين الدولي، مساء الإثنين 27 جويلية 2026. فالعرض نفسه الذي افتتح به صاحبه رحلته مع "صدى الأطلس" ضمن الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي أمام جمهور واسع، عاد في محطته الثانية ليقدم المستوى الفني ذاته، لكن أمام حضور جماهيري محدود لم يعكس قيمة المشروع ولا حجم الجهد المبذول فيه. وبين نجاح فني واضح وغياب الجمهور، واصل عطيل معاوي تقديم مشروعه بثقة، وكأن رهانه الأول لم يكن عدد الحاضرين بقدر ما كان الإيمان بأن الموسيقى الجادة قادرة على أن تفرض مكانها مهما اختلفت الظروف.

لم يأت "صدى الأطلس" بوصفه عرضا جديدا أضيف إلى رصيد صاحبه، بل باعتباره حلقة ثالثة في مشروع موسيقي انطلق منذ أكثر من عقد. فمنذ "لقاء" سنة 2014، ثم "ظلال الأطلس" سنة 2023، ظل عطيل معاوي يشتغل على الفكرة نفسها، وهي إعادة قراءة الذاكرة الموسيقية التونسية وإخراجها من دائرة الاستعادة إلى فضاء الإبداع. لذلك يحمل عنوان "صدى الأطلس" دلالة تتجاوز الجانب الشعري، إذ يحيل إلى ذلك الأثر الذي تتركه الموسيقى في الذاكرة بعد انتهاء العزف، وإلى الأصوات التي تعبر الأزمنة والأمكنة لتجد حياة جديدة داخل كتابة موسيقية معاصرة، تحافظ على روح التراث دون أن تكتفي بتكراره.

وهذا المشروع لا يمكن فصله عن شخصية صاحبه. فعطيل معاوي ينتمي إلى الجيل الذي جمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية، إذ تخرج من المعهد العالي للموسيقى بتونس، وبدأ منذ سنة 2001 مسيرة احترافية رافق خلالها عددا من أبرز الفرق الموسيقية التونسية، قبل أن يتجه إلى التدريس بالمعهد العالي للموسيقى ومعهد سيدي صابر، بالتوازي مع نشاطه داخل فرقة أوبرا تونس. كما توجت بداياته بجائزة في مهرجان الأغنية التونسية سنة 2008، غير أن ذلك لم يدفعه إلى البحث عن النجاح السريع، بل اختار طريقا أكثر صعوبة يقوم على بناء مشروع فني متكامل يحمل هويته الخاصة، وهو ما جعل اسمه يرتبط تدريجيا بتجارب موسيقية تقوم على التأليف والبحث أكثر من اعتمادها على إعادة إنتاج المألوف.

ومنذ المقطوعة الافتتاحية "كردي فانك"، بدا واضحا أن "صدى الأطلس" لا يقدم نفسه كحفل غنائي تقليدي، بل كتجربة موسيقية تتقدم فيها الفكرة على الاستعراض. فالموسيقى هي التي قادت السهرة، فيما جاء الغناء امتدادا لها لا بديلا عنها. وبعد الافتتاح، التحقت الفنانة روضة عبد الله بالركح لتؤدي "نخمم فيك" و"يا صغري" و"ليك"، في حضور انسجم مع روح المشروع، قبل أن يطل عازف الأكورديون حاتم اللجمي من خلال مقطوعتي "كردي" و"مجرد"، لتفتح بعدها مقطوعة "Ballade" المجال أمام الفنان محمد علي شبيل، الذي واصل قيادة الجزء الثاني من الحفل بأداء "تمنيت" و"أنا نموت عليك" و"وين نباتو"، ثم مرافقة عطيل في معزوفة "حلم"، في برنامج حافظ على تماسكه منذ البداية حتى النهاية، دون أن يفقد الخيط الذي أراد قائده أن يربط به مختلف محطات السهرة.

ولم يكن اختيار هذه الأعمال اعتباطيا، بل جاء منسجما مع الفلسفة التي يقوم عليها "صدى الأطلس". فالمشروع يستند إلى موروث موسيقي تونسي ظل سنوات طويلة بعيدا عن التداول الواسع، ويعيد تقديمه برؤية جديدة تحافظ على ملامحه الأساسية، لكنها تمنحه، في الوقت نفسه، قدرة على مخاطبة جمهور اليوم. لذلك لا تبدو الموسيقى في هذا العرض أسيرة الحنين إلى الماضي، بقدر ما تتحول إلى مساحة حوار بين الذاكرة والراهن، وبين الأصالة والكتابة الموسيقية الحديثة.

هذه المقاربة هي التي تميز عطيل معاوي عن عدد من أبناء جيله. فهو لا يقدم التراث باعتباره مادة للزينة أو مناسبة لاستثارة النوستالجيا، بل ينطلق منه لبناء خطاب موسيقي جديد، يراهن على التأليف والبحث والاشتغال الطويل. ومن يتابع مسيرته يدرك أن مشروعه لم يتشكل دفعة واحدة، بل نما تدريجيا عبر سنوات من التجريب والتطوير، وهو ما يفسر الترابط الواضح بين أعماله الثلاثة، التي تبدو وكأنها فصول متتالية في رحلة موسيقية واحدة.

ورغم أن العرض أكد مرة أخرى تماسك هذا المشروع وقدرته على الحفاظ على مستواه الفني، فإن الحضور الجماهيري المحدود في بوقرنين ظل أحد أبرز رهانات السهرة. فبعد النجاح الجماهيري اللافت الذي حققه "صدى الأطلس" في عرضه الأول بمهرجان الحمامات الدولي، كان من المنتظر أن يواصل العمل الزخم نفسه، غير أن مدارج بوقرنين لم تعكس القيمة الفنية للعرض، وهو ما يطرح تساؤلات تتجاوز تجربة عطيل معاوي لتشمل واقع المهرجانات الصيفية في تونس، حيث لا تنجح دائما الأعمال الأكثر اجتهادا في استقطاب الجمهور الذي تستحقه، رغم ما تحمله من رؤية فنية ومن اشتغال موسيقي عميق.

ومع ذلك، لم يكن عدد الحاضرين عقبة أمام نجاح السهرة. فقد خرج "صدى الأطلس" من محطته الثانية أكثر رسوخا باعتباره مشروعا موسيقيا يواصل التشكل، خاصة أن تسجيل الألبوم لا يزال متواصلا مع إمكانية إضافة أعمال وضيوف جدد. وبين النجاح الجماهيري الذي حققه في الحمامات، والحضور الخجول الذي رافقه في بوقرنين، بقي الثابت الوحيد هو أن عطيل معاوي يواصل بناء تجربة موسيقية خاصة به، تجربة تؤمن بأن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل لغة تحفظ الذاكرة وتعيد كتابتها، وتثبت في كل مرة أن المشاريع الفنية الحقيقية لا تقاس بعدد المقاعد الممتلئة فقط، وإنما أيضا بقدرتها على أن تترك صداها في ذاكرة من استمع إليها.

إيمان عبد اللطيف

 

 

   عطيل معاوي في بوقرنين...   نجاح فني يؤكد نضج "صدى الأطلس" رغم غياب الجمهور

 

تونس - الصباح

ليست كل العروض الموسيقية التي تنجح فنيا تجد بالضرورة جمهورها، وهذه كانت المفارقة التي رافقت سهرة عازف الكمان والمؤلف الموسيقي التونسي عطيل معاوي على ركح مهرجان بوقرنين الدولي، مساء الإثنين 27 جويلية 2026. فالعرض نفسه الذي افتتح به صاحبه رحلته مع "صدى الأطلس" ضمن الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي أمام جمهور واسع، عاد في محطته الثانية ليقدم المستوى الفني ذاته، لكن أمام حضور جماهيري محدود لم يعكس قيمة المشروع ولا حجم الجهد المبذول فيه. وبين نجاح فني واضح وغياب الجمهور، واصل عطيل معاوي تقديم مشروعه بثقة، وكأن رهانه الأول لم يكن عدد الحاضرين بقدر ما كان الإيمان بأن الموسيقى الجادة قادرة على أن تفرض مكانها مهما اختلفت الظروف.

لم يأت "صدى الأطلس" بوصفه عرضا جديدا أضيف إلى رصيد صاحبه، بل باعتباره حلقة ثالثة في مشروع موسيقي انطلق منذ أكثر من عقد. فمنذ "لقاء" سنة 2014، ثم "ظلال الأطلس" سنة 2023، ظل عطيل معاوي يشتغل على الفكرة نفسها، وهي إعادة قراءة الذاكرة الموسيقية التونسية وإخراجها من دائرة الاستعادة إلى فضاء الإبداع. لذلك يحمل عنوان "صدى الأطلس" دلالة تتجاوز الجانب الشعري، إذ يحيل إلى ذلك الأثر الذي تتركه الموسيقى في الذاكرة بعد انتهاء العزف، وإلى الأصوات التي تعبر الأزمنة والأمكنة لتجد حياة جديدة داخل كتابة موسيقية معاصرة، تحافظ على روح التراث دون أن تكتفي بتكراره.

وهذا المشروع لا يمكن فصله عن شخصية صاحبه. فعطيل معاوي ينتمي إلى الجيل الذي جمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية، إذ تخرج من المعهد العالي للموسيقى بتونس، وبدأ منذ سنة 2001 مسيرة احترافية رافق خلالها عددا من أبرز الفرق الموسيقية التونسية، قبل أن يتجه إلى التدريس بالمعهد العالي للموسيقى ومعهد سيدي صابر، بالتوازي مع نشاطه داخل فرقة أوبرا تونس. كما توجت بداياته بجائزة في مهرجان الأغنية التونسية سنة 2008، غير أن ذلك لم يدفعه إلى البحث عن النجاح السريع، بل اختار طريقا أكثر صعوبة يقوم على بناء مشروع فني متكامل يحمل هويته الخاصة، وهو ما جعل اسمه يرتبط تدريجيا بتجارب موسيقية تقوم على التأليف والبحث أكثر من اعتمادها على إعادة إنتاج المألوف.

ومنذ المقطوعة الافتتاحية "كردي فانك"، بدا واضحا أن "صدى الأطلس" لا يقدم نفسه كحفل غنائي تقليدي، بل كتجربة موسيقية تتقدم فيها الفكرة على الاستعراض. فالموسيقى هي التي قادت السهرة، فيما جاء الغناء امتدادا لها لا بديلا عنها. وبعد الافتتاح، التحقت الفنانة روضة عبد الله بالركح لتؤدي "نخمم فيك" و"يا صغري" و"ليك"، في حضور انسجم مع روح المشروع، قبل أن يطل عازف الأكورديون حاتم اللجمي من خلال مقطوعتي "كردي" و"مجرد"، لتفتح بعدها مقطوعة "Ballade" المجال أمام الفنان محمد علي شبيل، الذي واصل قيادة الجزء الثاني من الحفل بأداء "تمنيت" و"أنا نموت عليك" و"وين نباتو"، ثم مرافقة عطيل في معزوفة "حلم"، في برنامج حافظ على تماسكه منذ البداية حتى النهاية، دون أن يفقد الخيط الذي أراد قائده أن يربط به مختلف محطات السهرة.

ولم يكن اختيار هذه الأعمال اعتباطيا، بل جاء منسجما مع الفلسفة التي يقوم عليها "صدى الأطلس". فالمشروع يستند إلى موروث موسيقي تونسي ظل سنوات طويلة بعيدا عن التداول الواسع، ويعيد تقديمه برؤية جديدة تحافظ على ملامحه الأساسية، لكنها تمنحه، في الوقت نفسه، قدرة على مخاطبة جمهور اليوم. لذلك لا تبدو الموسيقى في هذا العرض أسيرة الحنين إلى الماضي، بقدر ما تتحول إلى مساحة حوار بين الذاكرة والراهن، وبين الأصالة والكتابة الموسيقية الحديثة.

هذه المقاربة هي التي تميز عطيل معاوي عن عدد من أبناء جيله. فهو لا يقدم التراث باعتباره مادة للزينة أو مناسبة لاستثارة النوستالجيا، بل ينطلق منه لبناء خطاب موسيقي جديد، يراهن على التأليف والبحث والاشتغال الطويل. ومن يتابع مسيرته يدرك أن مشروعه لم يتشكل دفعة واحدة، بل نما تدريجيا عبر سنوات من التجريب والتطوير، وهو ما يفسر الترابط الواضح بين أعماله الثلاثة، التي تبدو وكأنها فصول متتالية في رحلة موسيقية واحدة.

ورغم أن العرض أكد مرة أخرى تماسك هذا المشروع وقدرته على الحفاظ على مستواه الفني، فإن الحضور الجماهيري المحدود في بوقرنين ظل أحد أبرز رهانات السهرة. فبعد النجاح الجماهيري اللافت الذي حققه "صدى الأطلس" في عرضه الأول بمهرجان الحمامات الدولي، كان من المنتظر أن يواصل العمل الزخم نفسه، غير أن مدارج بوقرنين لم تعكس القيمة الفنية للعرض، وهو ما يطرح تساؤلات تتجاوز تجربة عطيل معاوي لتشمل واقع المهرجانات الصيفية في تونس، حيث لا تنجح دائما الأعمال الأكثر اجتهادا في استقطاب الجمهور الذي تستحقه، رغم ما تحمله من رؤية فنية ومن اشتغال موسيقي عميق.

ومع ذلك، لم يكن عدد الحاضرين عقبة أمام نجاح السهرة. فقد خرج "صدى الأطلس" من محطته الثانية أكثر رسوخا باعتباره مشروعا موسيقيا يواصل التشكل، خاصة أن تسجيل الألبوم لا يزال متواصلا مع إمكانية إضافة أعمال وضيوف جدد. وبين النجاح الجماهيري الذي حققه في الحمامات، والحضور الخجول الذي رافقه في بوقرنين، بقي الثابت الوحيد هو أن عطيل معاوي يواصل بناء تجربة موسيقية خاصة به، تجربة تؤمن بأن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل لغة تحفظ الذاكرة وتعيد كتابتها، وتثبت في كل مرة أن المشاريع الفنية الحقيقية لا تقاس بعدد المقاعد الممتلئة فقط، وإنما أيضا بقدرتها على أن تترك صداها في ذاكرة من استمع إليها.

إيمان عبد اللطيف