مقترح التقاعد الاختياري للنساء في القطاع الخاص يثير الجدل.. النائب بوبكر يحيى لـ"الصباح": الأولوية اليوم لإصلاح الصناديق الاجتماعية لا لإضافة أعباء جديدة
ما يزال مقترح التقاعد الاختياري لفائدة النساء العاملات في القطاع الخاص، ابتداءً من سن الخمسين ودون اشتراط الإنجاب أو تربية ثلاثة أطفال، يثير الجدل حول مستقبل منظومة التقاعد في تونس، ومدى قدرتها على استيعاب إصلاحات جديدة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها الصناديق الاجتماعية منذ سنوات.
ويرى المدافعون عن المقترح أنه يمثل خطوة نحو تكريس حرية المرأة العاملة في اختيار موعد إنهاء مسارها المهني، خاصة بالنسبة إلى من قضين سنوات طويلة في سوق الشغل ويرغبن في التفرغ لحياتهن الأسرية أو أوضاعهن الصحية.
وفي المقابل، يحذر عدد من المختصين من أن أي توسيع لمنظومة التقاعد يجب أن يسبقه إصلاح مالي وهيكلي شامل، حتى لا يؤدي إلى مزيد من الضغط على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويشار إلى أن مقترح القانون عدد 104 لسنة 2025 ينص على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص، عند بلوغها سن 50 سنة على الأقل، من التمتع، بطلب منها، بجراية تقاعد، دون اشتراط أن تكون المرأة الأجيرة أمًّا لثلاثة أبناء.
وفي هذا الإطار، اعتبر النائب بمجلس نواب الشعب، والإطار بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بوبكر يحيى، في تصريح لـ"الصباح"، أن المقترح، بصيغته الحالية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترامه للتوازنات المالية لمنظومة الضمان الاجتماعي، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لإصلاح الصندوق وضمان ديمومته.
عجز مالي وديون...
وقال بوبكر يحيى:"يعاني اليوم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من عجز يتفاقم سنويًا، وقد بلغ خلال سنة 2025 أكثر من 1.4 مليار دينار، ناتجًا عن عدم القدرة على استخلاص الديون، وخاصة من المؤسسات العمومية، على غرار شركات النقل وغيرها، والتي تجاوزت 8 مليارات دينار، من بينها حوالي 3.5 مليارات دينار ديون متفحمة.
كما يعود هذا العجز إلى التزامات الصندوق بخلاص الجرايات الشهرية للمتقاعدين، والتي تجاوزت 530 مليون دينار شهريًا".
وأضاف أن هذه الأرقام تعكس الوضعية الدقيقة التي يعيشها الصندوق، وهو ما يفرض، وفق تقديره، إعطاء الأولوية لمعالجة مكامن الخلل المالي قبل التفكير في استحداث امتيازات جديدة قد تزيد من حجم الالتزامات.
وأوضح يحيى أن الصندوق يتضمن عدة أنظمة للجرايات لفائدة العملة الأجراء في القطاع غير الفلاحي، من بينها نظام جراية المرأة الأم لثلاثة أطفال، قائلًا: "للصندوق عدة أنظمة للجرايات لفائدة العملة الأجراء في القطاع غير الفلاحي، ومن بينها جراية المرأة الأم لثلاثة أطفال، والتي لها أسبابها، والمتمثلة أساسًا في فترات الحمل والرضاعة وتربية الأطفال، وما لذلك من تأثير على صحة المرأة وعلاقتها بأسرتها، وقد جعل الانتفاع بهذا النظام اختياريًا لها ولمشغلها بعد قضاء مدة عمل لا تقل عن 15 سنة".
واعتبر أن هذا النظام أُقر في سياق اجتماعي محدد، ويرتكز على اعتبارات مرتبطة بالأعباء الأسرية والصحية التي تتحملها المرأة، ولا يمكن فصله عن الأسس التي بُني عليها.
كل تعديل يجب أن يحترم التوازنات المالية
وشدد النائب على أن أي مراجعة لأنظمة التقاعد لا بد أن تنطلق من دراسة دقيقة لقدرة الصندوق على تحمل الأعباء الجديدة، قائلًا:"جميع أنظمة الجرايات تخضع لتوازنين أساسيين: الأول هو التوازن الخاص بكل نظام، والثاني هو التوازن المالي للصندوق بصفة عامة. وبالتالي، فإن أي إضافة أو تغيير يجب أن يمر عبر الإصلاحات الهيكلية الكبرى للصندوق، وأن يستند إلى توازنات مالية تحترم ديمومة المؤسسة وتضمن استمرارها، التزامًا بمبدأ النظام التوزيعي".
وأضاف أن استدامة الصندوق تمثل أولوية وطنية، باعتباره المؤسسة المكلفة بضمان حقوق مئات الآلاف من المتقاعدين والمضمونين الاجتماعيين.
التقاعد المبكر لن يخلق مواطن شغل
وفي تقييمه لتأثير المقترح على سوق الشغل، اعتبر يحيى أن التقاعد الاختياري في سن الخمسين لن يحقق الهدف المعلن، المتمثل في توفير فرص عمل جديدة للشباب، موضحًا:"لذلك، فإن إقرار نظام جرايات لفائدة المرأة العاملة دون شرط الأطفال، وفي سن الخمسين، ستكون له تداعيات سلبية على التوازنات المالية للنظام وللصندوق. وفي الحقيقة، فإنه لن يساهم أيضًا في إحداث مواطن شغل، باعتبار أن من يغادر اليوم بسبب التقاعد المبكر يعود، في كثير من الحالات، إلى نفس العمل بطرق أخرى، سواء باستعمال معرف جبائي، أو في إطار عقود إسداء خدمات، أو العمل عند الطلب، ودون أي علاقة شغلية واضحة، وهو ما يحرم المعطلين عن العمل من فرص التشغيل، ويحرم الصندوق أيضًا من موارد كانت ستدعم النظام المعني".
وأضاف أن هذه الوضعية تفرز، في المقابل، أشكالًا جديدة من التشغيل غير المهيكل، بما ينعكس سلبًا على موارد الصندوق وعلى شفافية العلاقة الشغلية.
الأولوية للإصلاح وليس للتوسع في الامتيازات
وختم بوبكر يحيى تصريحه بالتأكيد على أن الظرف الحالي لا يجعل هذا المقترح ضمن الأولويات، قائلًا:"لذلك، فإن مثل هذه المقترحات لا تمثل أولوية في الظرف الحالي، سواء بالنسبة إلى الواقع الاقتصادي أو حتى بالنسبة إلى المرأة، خاصة وأنها تهم فقط العاملات في القطاع الخاص".
وأكد بوبكر يحيى أنه سيعارض هذا المقترح داخل اللجنة، معتبرًا أن الظرف الحالي لا يسمح بإقرار نظام جديد للتقاعد في ظل الوضعية المالية الدقيقة التي تمر بها الصناديق الاجتماعية.
وقال، في هذا الإطار، إن "هذا المقترح ليس في وقته"، باعتبار أن الأولوية اليوم يجب أن تتجه نحو إصلاح الاختلالات الهيكلية والمالية التي تواجه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضمان ديمومة منظومة التقاعد قبل التفكير في إضافة أنظمة جديدة قد تزيد من حجم الالتزامات المالية.
وشدد على أن الدفاع عن حقوق المرأة العاملة لا يكون فقط عبر إقرار أنظمة جديدة للتقاعد، وإنما أيضًا عبر المحافظة على مؤسسة قادرة على ضمان حقوق المضمونين الاجتماعيين والمتقاعدين على المدى الطويل.
وعمومًا، فإن المطلوب اليوم هو إعادة هيكلة الصناديق الاجتماعية من أجل المحافظة على ديمومتها، وتمكينها من القيام بمهامها على أحسن وجه، اعتمادًا على مختلف الخبرات.
ويظل ملف إصلاح الصناديق الاجتماعية من أبرز الملفات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة في تونس، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحقوق الأجراء والمتقاعدين، وباستدامة منظومة الحماية الاجتماعية.
أميرة الدريدي
تونس – الصباح
ما يزال مقترح التقاعد الاختياري لفائدة النساء العاملات في القطاع الخاص، ابتداءً من سن الخمسين ودون اشتراط الإنجاب أو تربية ثلاثة أطفال، يثير الجدل حول مستقبل منظومة التقاعد في تونس، ومدى قدرتها على استيعاب إصلاحات جديدة في ظل الأزمة المالية التي تعيشها الصناديق الاجتماعية منذ سنوات.
ويرى المدافعون عن المقترح أنه يمثل خطوة نحو تكريس حرية المرأة العاملة في اختيار موعد إنهاء مسارها المهني، خاصة بالنسبة إلى من قضين سنوات طويلة في سوق الشغل ويرغبن في التفرغ لحياتهن الأسرية أو أوضاعهن الصحية.
وفي المقابل، يحذر عدد من المختصين من أن أي توسيع لمنظومة التقاعد يجب أن يسبقه إصلاح مالي وهيكلي شامل، حتى لا يؤدي إلى مزيد من الضغط على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويشار إلى أن مقترح القانون عدد 104 لسنة 2025 ينص على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص، عند بلوغها سن 50 سنة على الأقل، من التمتع، بطلب منها، بجراية تقاعد، دون اشتراط أن تكون المرأة الأجيرة أمًّا لثلاثة أبناء.
وفي هذا الإطار، اعتبر النائب بمجلس نواب الشعب، والإطار بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بوبكر يحيى، في تصريح لـ"الصباح"، أن المقترح، بصيغته الحالية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترامه للتوازنات المالية لمنظومة الضمان الاجتماعي، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لإصلاح الصندوق وضمان ديمومته.
عجز مالي وديون...
وقال بوبكر يحيى:"يعاني اليوم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من عجز يتفاقم سنويًا، وقد بلغ خلال سنة 2025 أكثر من 1.4 مليار دينار، ناتجًا عن عدم القدرة على استخلاص الديون، وخاصة من المؤسسات العمومية، على غرار شركات النقل وغيرها، والتي تجاوزت 8 مليارات دينار، من بينها حوالي 3.5 مليارات دينار ديون متفحمة.
كما يعود هذا العجز إلى التزامات الصندوق بخلاص الجرايات الشهرية للمتقاعدين، والتي تجاوزت 530 مليون دينار شهريًا".
وأضاف أن هذه الأرقام تعكس الوضعية الدقيقة التي يعيشها الصندوق، وهو ما يفرض، وفق تقديره، إعطاء الأولوية لمعالجة مكامن الخلل المالي قبل التفكير في استحداث امتيازات جديدة قد تزيد من حجم الالتزامات.
وأوضح يحيى أن الصندوق يتضمن عدة أنظمة للجرايات لفائدة العملة الأجراء في القطاع غير الفلاحي، من بينها نظام جراية المرأة الأم لثلاثة أطفال، قائلًا: "للصندوق عدة أنظمة للجرايات لفائدة العملة الأجراء في القطاع غير الفلاحي، ومن بينها جراية المرأة الأم لثلاثة أطفال، والتي لها أسبابها، والمتمثلة أساسًا في فترات الحمل والرضاعة وتربية الأطفال، وما لذلك من تأثير على صحة المرأة وعلاقتها بأسرتها، وقد جعل الانتفاع بهذا النظام اختياريًا لها ولمشغلها بعد قضاء مدة عمل لا تقل عن 15 سنة".
واعتبر أن هذا النظام أُقر في سياق اجتماعي محدد، ويرتكز على اعتبارات مرتبطة بالأعباء الأسرية والصحية التي تتحملها المرأة، ولا يمكن فصله عن الأسس التي بُني عليها.
كل تعديل يجب أن يحترم التوازنات المالية
وشدد النائب على أن أي مراجعة لأنظمة التقاعد لا بد أن تنطلق من دراسة دقيقة لقدرة الصندوق على تحمل الأعباء الجديدة، قائلًا:"جميع أنظمة الجرايات تخضع لتوازنين أساسيين: الأول هو التوازن الخاص بكل نظام، والثاني هو التوازن المالي للصندوق بصفة عامة. وبالتالي، فإن أي إضافة أو تغيير يجب أن يمر عبر الإصلاحات الهيكلية الكبرى للصندوق، وأن يستند إلى توازنات مالية تحترم ديمومة المؤسسة وتضمن استمرارها، التزامًا بمبدأ النظام التوزيعي".
وأضاف أن استدامة الصندوق تمثل أولوية وطنية، باعتباره المؤسسة المكلفة بضمان حقوق مئات الآلاف من المتقاعدين والمضمونين الاجتماعيين.
التقاعد المبكر لن يخلق مواطن شغل
وفي تقييمه لتأثير المقترح على سوق الشغل، اعتبر يحيى أن التقاعد الاختياري في سن الخمسين لن يحقق الهدف المعلن، المتمثل في توفير فرص عمل جديدة للشباب، موضحًا:"لذلك، فإن إقرار نظام جرايات لفائدة المرأة العاملة دون شرط الأطفال، وفي سن الخمسين، ستكون له تداعيات سلبية على التوازنات المالية للنظام وللصندوق. وفي الحقيقة، فإنه لن يساهم أيضًا في إحداث مواطن شغل، باعتبار أن من يغادر اليوم بسبب التقاعد المبكر يعود، في كثير من الحالات، إلى نفس العمل بطرق أخرى، سواء باستعمال معرف جبائي، أو في إطار عقود إسداء خدمات، أو العمل عند الطلب، ودون أي علاقة شغلية واضحة، وهو ما يحرم المعطلين عن العمل من فرص التشغيل، ويحرم الصندوق أيضًا من موارد كانت ستدعم النظام المعني".
وأضاف أن هذه الوضعية تفرز، في المقابل، أشكالًا جديدة من التشغيل غير المهيكل، بما ينعكس سلبًا على موارد الصندوق وعلى شفافية العلاقة الشغلية.
الأولوية للإصلاح وليس للتوسع في الامتيازات
وختم بوبكر يحيى تصريحه بالتأكيد على أن الظرف الحالي لا يجعل هذا المقترح ضمن الأولويات، قائلًا:"لذلك، فإن مثل هذه المقترحات لا تمثل أولوية في الظرف الحالي، سواء بالنسبة إلى الواقع الاقتصادي أو حتى بالنسبة إلى المرأة، خاصة وأنها تهم فقط العاملات في القطاع الخاص".
وأكد بوبكر يحيى أنه سيعارض هذا المقترح داخل اللجنة، معتبرًا أن الظرف الحالي لا يسمح بإقرار نظام جديد للتقاعد في ظل الوضعية المالية الدقيقة التي تمر بها الصناديق الاجتماعية.
وقال، في هذا الإطار، إن "هذا المقترح ليس في وقته"، باعتبار أن الأولوية اليوم يجب أن تتجه نحو إصلاح الاختلالات الهيكلية والمالية التي تواجه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضمان ديمومة منظومة التقاعد قبل التفكير في إضافة أنظمة جديدة قد تزيد من حجم الالتزامات المالية.
وشدد على أن الدفاع عن حقوق المرأة العاملة لا يكون فقط عبر إقرار أنظمة جديدة للتقاعد، وإنما أيضًا عبر المحافظة على مؤسسة قادرة على ضمان حقوق المضمونين الاجتماعيين والمتقاعدين على المدى الطويل.
وعمومًا، فإن المطلوب اليوم هو إعادة هيكلة الصناديق الاجتماعية من أجل المحافظة على ديمومتها، وتمكينها من القيام بمهامها على أحسن وجه، اعتمادًا على مختلف الخبرات.
ويظل ملف إصلاح الصناديق الاجتماعية من أبرز الملفات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة في تونس، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحقوق الأجراء والمتقاعدين، وباستدامة منظومة الحماية الاجتماعية.