يُعدّ احتراق الغابات، أو حرقها، مع ارتفاع درجات الحرارة، ملفًا دقيقًا للغاية، خاصة وأن بعض الأفراد يستحوذون على الملك العمومي الغابي بعد احتراق مساحات من الغابات، فيستغلون بعضها لإقامة مبانٍ أو لزراعة الأشجار المثمرة أو محاصيل أخرى مختلفة، دون أي احترام للقانون.
وفي هذا الصدد، صرّح مدير المحافظة على الغابات بالإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة، صحبي بن ضياف، بأن مجموع المساحات الغابية المتضررة من الحرائق خلال السنوات العشر الأخيرة بلغ نحو 70 ألف هكتار، أي بمعدل يقارب 7 آلاف هكتار سنويًا.
وأضاف أن الخطر الحقيقي يكمن في تكرار اندلاع الحرائق في المواقع نفسها، وهو ما يؤدي إلى خسائر جسيمة ويحدّ من قدرة الغابة على التجدد، فضلًا عن الأضرار التي تلحق بالثروة الحيوانية. وأشار إلى أن الحرائق قد تكون طبيعية، أو تنجم عن ممارسات بشرية، سواء كانت متعمدة أو غير متعمدة، لتخرج عن السيطرة في ظل ظروف مناخية معينة، مخلفةً تداعيات اقتصادية وبيئية كبيرة.
وفي ما يتعلق بالحرائق الأخيرة، أكد بن ضياف أن أسباب اندلاعها لم تُحدَّد بعد، وأن الأبحاث لا تزال جارية، لافتًا إلى وجود مؤشرات أولية تفيد بأن بعض هذه الحرائق قد تكون مرتبطة بأنشطة داخل الفضاءات الغابية، إلى جانب الظروف المناخية الملائمة لانتشار النيران، خاصة مع موجة الحر.
وقد سجلت تونس أكثر من 35 حريقًا للغابات خلال الفترة الممتدة من غرة جوان إلى 25 جويلية، وفق معطيات رسمية عرضتها وحدات الحماية المدنية.
وتتصدر ولاية الكاف قائمة الولايات الأكثر تضررًا، إذ أتت ستة حرائق على نحو 168.6 هكتارًا من الغطاء الغابي، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من إجمالي المساحات المحترقة، تلتها ولاية باجة بـ33.5 هكتارًا تضررت جراء ستة حرائق، ثم ولاية جندوبة، التي سجلت أكبر عدد من الحرائق بواقع ثمانية حرائق أتت على 13.25 هكتارًا. كما شهدت ولاية نابل خمسة حرائق أتلفت 9.75 هكتارات، فيما تسببت أربعة حرائق بولاية بنزرت في تضرر 5.55 هكتارات.
ولم تقتصر تداعيات حرائق الغابات على تدمير الغطاء النباتي الغابي فقط، بل شملت أيضًا تدمير الحياة البرية والتنوع البيولوجي.
وللإشارة، سجلت تونس منذ بداية موجة الحر ستة حرائق كبرى خلال فترة لم تتجاوز 15 يومًا، حيث أتت، وفق التقديرات الأولية، على أكثر من 4 آلاف هكتار من المساحات الغابية.
الاستحواذ على الملك العمومي الغابي!؟
إن تزايد احتراق الغابات، خاصة تلك المتاخمة للسواحل التونسية والأحياء الراقية الجديدة، جعل البعض يرجح فرضية أن تكون هذه الحرائق مفتعلة، خاصة مع تحويل العديد من المساحات المتضررة إلى مناطق سكنية ومنتجعات سياحية، وأحيانًا إلى مزارع، دون أي سند قانوني، لا سيما وأن الغابة تحتاج، في المعدل، إلى نحو 30 سنة حتى تستعيد توازنها وتتجدد، فيما قد تستغرق بعض الأنظمة الغابية ما بين 70 و80 سنة لاستعادة مكوناتها الطبيعية، وهو ما يشجع البعض على الاعتداء على الملك العمومي واستثماره لتحقيق مكاسب فردية.
وفي هذا الصدد، قال المهندس البيئي المختص في الشأن المناخي، حمدي حشاد: «ذات السيناريو يتكرر، خاصة فيما يتعلق بالغابات القريبة من البحر، والتي، إذا ما تابعنا تاريخها، نلاحظ أنها تحترق، وبعد سنوات قليلة يتغير المكان، فيتحول إلى مشاريع من فيلات ومنتجعات ومنازل، وإلى دور ضيافة للكراء».
وقدم، في هذا الصدد، بعض الأمثلة، على غرار غابة دار شيشو، وغابات بنزرت الساحلية المعزولة، والغابات القريبة من المدن، وغيرها من الأمثلة التي كانت مكسوة بالأشجار، واليوم أصبحت أحياءً وإقامات سكنية ومركبات رياضية.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال الأكثر طرحًا: كيف، ومن يقف خلف تغيير صبغة أراضي الملك العمومي الغابي لتتحول إلى ما هي عليه اليوم؟
سؤال يستدعي البحث والتقصي للكشف ليس عن الجناة فقط، بل أيضًا عمن يقف خلفهم، ومن غيّر صبغة هذه الأراضي، خاصة وأن مساحة الأراضي الغابية كانت، قبل الثورة، تمثل 11% من مساحة البلاد، في حين تراجعت اليوم، بفعل الحرائق، إلى 8.5% فقط من مساحة البلاد.
عقوبات الاعتداء على الملك العمومي الغابي
ونظرًا لأهمية الغابات، فقد تم تضمين مجلة الغابات نظامًا للمخالفات لردع أي اعتداء على ملك الدولة الغابي، من قبيل تقليع الأشجار الغابية أو التحوز بملك الدولة الغابي، حيث يتعرض كل من كسر أو أتلف أو حوّل أو أزال علامة تحديد الغابات أو الحدائق أو المحميات الطبيعية إلى خطية تتراوح بين 20 و100 دينار، مع إمكانية معاقبته بالسجن لمدة تتراوح بين 20 يومًا و3 أشهر، دون اعتبار الغرامات.
كما يمكن أن يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين 16 يومًا و3 أشهر كل من يوقد النار خارج المساكن وبناءات الاستغلال داخل الغابات أو بالأراضي المغطاة بالنباتات الغابية، وعلى بعد 200 متر منها، أو يقوم بإضرام النار، من أول ماي إلى 31 أكتوبر من كل سنة، على مسافة 500 متر من جميع الغابات، وعند العود يتحتم الحكم بالسجن.
ووفق ما يضبطه القانون، إذا ما تسرب حريق إلى الغابات جراء المخالفة، يعاقب الفاعل بالسجن لمدة تتراوح بين 3 أشهر وعامين. أما إذا تسرب الحريق إلى الأراضي المجاورة دون أن يكون هناك تهاون من الشخص الذي أضرم النار، فإن المتسبب في إضرام النار يبقى مسؤولًا عن جبر الضرر.
وفي ذات السياق، تُسلَّط عقوبة بالسجن مدتها 12 سنة على كل من تعمد، أو حاول، مباشرة أو بطرق غير مباشرة، إيقاد النار بالغابات أو المراعي أو كل الأراضي الخاضعة لنظام الغابات، حيث نص الفصل 307 من المجلة الجزائية، الفقرة الثانية، على أنه: «يعاقب بالسجن مدة اثني عشر عامًا من أوقد النار مباشرة أو تعريضًا، إما بزرع أو غراسات، أو بتبن أو متحصل صابة معرَّم أو مكوَّم، وإما بحطب معرَّم أو مرتب أمتارًا مكعبة...».
وتمثل الغابات رئة الأرض، لذلك وجب حمايتها ووقايتها من الحرائق، عبر إتباع الإجراءات التي يضبطها القانون، واحترام الاستراتيجية الوطنية الوقائية والاستباقية لحماية الثروة الغابية.
حنان قيراط
تونس – الصباح
يُعدّ احتراق الغابات، أو حرقها، مع ارتفاع درجات الحرارة، ملفًا دقيقًا للغاية، خاصة وأن بعض الأفراد يستحوذون على الملك العمومي الغابي بعد احتراق مساحات من الغابات، فيستغلون بعضها لإقامة مبانٍ أو لزراعة الأشجار المثمرة أو محاصيل أخرى مختلفة، دون أي احترام للقانون.
وفي هذا الصدد، صرّح مدير المحافظة على الغابات بالإدارة العامة للغابات بوزارة الفلاحة، صحبي بن ضياف، بأن مجموع المساحات الغابية المتضررة من الحرائق خلال السنوات العشر الأخيرة بلغ نحو 70 ألف هكتار، أي بمعدل يقارب 7 آلاف هكتار سنويًا.
وأضاف أن الخطر الحقيقي يكمن في تكرار اندلاع الحرائق في المواقع نفسها، وهو ما يؤدي إلى خسائر جسيمة ويحدّ من قدرة الغابة على التجدد، فضلًا عن الأضرار التي تلحق بالثروة الحيوانية. وأشار إلى أن الحرائق قد تكون طبيعية، أو تنجم عن ممارسات بشرية، سواء كانت متعمدة أو غير متعمدة، لتخرج عن السيطرة في ظل ظروف مناخية معينة، مخلفةً تداعيات اقتصادية وبيئية كبيرة.
وفي ما يتعلق بالحرائق الأخيرة، أكد بن ضياف أن أسباب اندلاعها لم تُحدَّد بعد، وأن الأبحاث لا تزال جارية، لافتًا إلى وجود مؤشرات أولية تفيد بأن بعض هذه الحرائق قد تكون مرتبطة بأنشطة داخل الفضاءات الغابية، إلى جانب الظروف المناخية الملائمة لانتشار النيران، خاصة مع موجة الحر.
وقد سجلت تونس أكثر من 35 حريقًا للغابات خلال الفترة الممتدة من غرة جوان إلى 25 جويلية، وفق معطيات رسمية عرضتها وحدات الحماية المدنية.
وتتصدر ولاية الكاف قائمة الولايات الأكثر تضررًا، إذ أتت ستة حرائق على نحو 168.6 هكتارًا من الغطاء الغابي، وهو ما يمثل الجزء الأكبر من إجمالي المساحات المحترقة، تلتها ولاية باجة بـ33.5 هكتارًا تضررت جراء ستة حرائق، ثم ولاية جندوبة، التي سجلت أكبر عدد من الحرائق بواقع ثمانية حرائق أتت على 13.25 هكتارًا. كما شهدت ولاية نابل خمسة حرائق أتلفت 9.75 هكتارات، فيما تسببت أربعة حرائق بولاية بنزرت في تضرر 5.55 هكتارات.
ولم تقتصر تداعيات حرائق الغابات على تدمير الغطاء النباتي الغابي فقط، بل شملت أيضًا تدمير الحياة البرية والتنوع البيولوجي.
وللإشارة، سجلت تونس منذ بداية موجة الحر ستة حرائق كبرى خلال فترة لم تتجاوز 15 يومًا، حيث أتت، وفق التقديرات الأولية، على أكثر من 4 آلاف هكتار من المساحات الغابية.
الاستحواذ على الملك العمومي الغابي!؟
إن تزايد احتراق الغابات، خاصة تلك المتاخمة للسواحل التونسية والأحياء الراقية الجديدة، جعل البعض يرجح فرضية أن تكون هذه الحرائق مفتعلة، خاصة مع تحويل العديد من المساحات المتضررة إلى مناطق سكنية ومنتجعات سياحية، وأحيانًا إلى مزارع، دون أي سند قانوني، لا سيما وأن الغابة تحتاج، في المعدل، إلى نحو 30 سنة حتى تستعيد توازنها وتتجدد، فيما قد تستغرق بعض الأنظمة الغابية ما بين 70 و80 سنة لاستعادة مكوناتها الطبيعية، وهو ما يشجع البعض على الاعتداء على الملك العمومي واستثماره لتحقيق مكاسب فردية.
وفي هذا الصدد، قال المهندس البيئي المختص في الشأن المناخي، حمدي حشاد: «ذات السيناريو يتكرر، خاصة فيما يتعلق بالغابات القريبة من البحر، والتي، إذا ما تابعنا تاريخها، نلاحظ أنها تحترق، وبعد سنوات قليلة يتغير المكان، فيتحول إلى مشاريع من فيلات ومنتجعات ومنازل، وإلى دور ضيافة للكراء».
وقدم، في هذا الصدد، بعض الأمثلة، على غرار غابة دار شيشو، وغابات بنزرت الساحلية المعزولة، والغابات القريبة من المدن، وغيرها من الأمثلة التي كانت مكسوة بالأشجار، واليوم أصبحت أحياءً وإقامات سكنية ومركبات رياضية.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال الأكثر طرحًا: كيف، ومن يقف خلف تغيير صبغة أراضي الملك العمومي الغابي لتتحول إلى ما هي عليه اليوم؟
سؤال يستدعي البحث والتقصي للكشف ليس عن الجناة فقط، بل أيضًا عمن يقف خلفهم، ومن غيّر صبغة هذه الأراضي، خاصة وأن مساحة الأراضي الغابية كانت، قبل الثورة، تمثل 11% من مساحة البلاد، في حين تراجعت اليوم، بفعل الحرائق، إلى 8.5% فقط من مساحة البلاد.
عقوبات الاعتداء على الملك العمومي الغابي
ونظرًا لأهمية الغابات، فقد تم تضمين مجلة الغابات نظامًا للمخالفات لردع أي اعتداء على ملك الدولة الغابي، من قبيل تقليع الأشجار الغابية أو التحوز بملك الدولة الغابي، حيث يتعرض كل من كسر أو أتلف أو حوّل أو أزال علامة تحديد الغابات أو الحدائق أو المحميات الطبيعية إلى خطية تتراوح بين 20 و100 دينار، مع إمكانية معاقبته بالسجن لمدة تتراوح بين 20 يومًا و3 أشهر، دون اعتبار الغرامات.
كما يمكن أن يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين 16 يومًا و3 أشهر كل من يوقد النار خارج المساكن وبناءات الاستغلال داخل الغابات أو بالأراضي المغطاة بالنباتات الغابية، وعلى بعد 200 متر منها، أو يقوم بإضرام النار، من أول ماي إلى 31 أكتوبر من كل سنة، على مسافة 500 متر من جميع الغابات، وعند العود يتحتم الحكم بالسجن.
ووفق ما يضبطه القانون، إذا ما تسرب حريق إلى الغابات جراء المخالفة، يعاقب الفاعل بالسجن لمدة تتراوح بين 3 أشهر وعامين. أما إذا تسرب الحريق إلى الأراضي المجاورة دون أن يكون هناك تهاون من الشخص الذي أضرم النار، فإن المتسبب في إضرام النار يبقى مسؤولًا عن جبر الضرر.
وفي ذات السياق، تُسلَّط عقوبة بالسجن مدتها 12 سنة على كل من تعمد، أو حاول، مباشرة أو بطرق غير مباشرة، إيقاد النار بالغابات أو المراعي أو كل الأراضي الخاضعة لنظام الغابات، حيث نص الفصل 307 من المجلة الجزائية، الفقرة الثانية، على أنه: «يعاقب بالسجن مدة اثني عشر عامًا من أوقد النار مباشرة أو تعريضًا، إما بزرع أو غراسات، أو بتبن أو متحصل صابة معرَّم أو مكوَّم، وإما بحطب معرَّم أو مرتب أمتارًا مكعبة...».
وتمثل الغابات رئة الأرض، لذلك وجب حمايتها ووقايتها من الحرائق، عبر إتباع الإجراءات التي يضبطها القانون، واحترام الاستراتيجية الوطنية الوقائية والاستباقية لحماية الثروة الغابية.