وضعت الدولة، في أعلى هرمها، مجددا مسألة الاستثمار في الأزمات في صدارة أولوياتها، انطلاقا من قناعة مفادها أن الأزمات، مهما بلغت دقتها أو تعقّدت تداعياتها، فإن خطورتها تكمن في محاولات توظيفها لتأجيج الأوضاع، وبث الفتنة، وزعزعة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وهياكلها.
ومن هذا المنطلق، جاء الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقصر قرطاج، بحضور وزراء الداخلية والتجهيز والفلاحة، فضلا عن الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، والرئيس المدير العام للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، علاوة على المدير العام للديوان الوطني للحماية المدنية، ليؤكد أن ما تشهده بعض المناطق من انقطاعات للماء والكهرباء وحرائق يستوجب جاهزية ويقظة الدولة بجميع مؤسساتها، خاصة عندما تتحول معاناة المواطنين إلى مجال للاستثمار وتأجيج الاحتقان.
وبهذا الاجتماع، وجّهت الدولة رسائل عديدة، أهمها أن حماية المرافق الحيوية وحماية السلم الاجتماعي خياران لا تسامح ولا تراجع فيهما، وأن أي محاولات لتوظيف الأزمات أو لتقويض الثقة في أجهزة الدولة ومؤسساتها أو إرباك الأوضاع ستواجه بمقاربة تجمع بين سرعة التدخل، والتنسيق الميداني، والمساءلة.
وضمن هذا التوجه، كشف اجتماع قرطاج أن الأزمات، مهما كانت حدتها أو درجة خطورتها، فإنه يمكن احتواؤها وإدارتها، غير أن الخطر الفعلي يكمن في تحولها إلى آليات للاستثمار والتوظيف، وهو ما تعكسه تصريحات رئيس الدولة قيس سعيد، من قبيل "التنكيل بالمواطنين" و"تأجيج الأوضاع"، بما يكشف أن الدولة تعتبر أن هناك من يحاول استغلال أزمة الكهرباء الراهنة لتحويلها إلى ورقة ضغط لتعميق حالة الاحتقان، وإرباك ثقة المواطنين في مؤسساتهم، على أن الأهم أنها لن تكتفي بدور المتفرج إزاء هذه المحاولات.
الاستثمار في الأزمات
فاللافت في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد أنه لم يشدد فقط على ضرورة معالجة الانقطاعات أو الحرائق، وإنما وجّه اهتمامه إلى من يقف وراء استثمار هذه الأحداث.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرسالة الأساسية للاجتماع مفادها أن الدولة لن تكتفي بتجاوز الإشكال، وإنما ستعمل أيضا على كشف كل من يستغل الظرف الراهن، أو يساهم في تعميقه، أو تحويله إلى وسيلة لاستهداف الاستقرار الوطني، بما يؤشر إلى أن المعركة تجاوزت حدود الإشكال الراهن لتصبح معركة ضد كل أشكال العبث بالمرافق العمومية أو توظيف معاناة المواطنين لتصفية حسابات ضيقة.
الماء والكهرباء.. ملفات سيادية
يحمل الاجتماع دلالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الدولة أعادت وضع ملفي الماء والكهرباء ضمن الأولويات الوطنية، خاصة وأنه في ظل التحديات المناخية الراهنة تدرك بلادنا أنها تواجه ضغطا متزايدا على مواردها المائية، وارتفاعا في الطلب على الطاقة، كما تدرك أيضا أن ضمان استمرارية هذه الخدمات يمثل شرطا أساسيا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
لذلك جاء حضور الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، والرئيس المدير العام للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، إلى جانب وزراء السيادة في هذا الاجتماع، ليؤكد أن إدارة هذه الملفات لم تعد تنحصر في بعدها التقني فقط، وإنما أصبحت جزءا من رؤية سياسية كاملة تطال حماية الدولة وتعزيز قدرتها على ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين.
لا مبرر للانقطاع طويل المدى
من بين أبرز الرسائل التي حملها الاجتماع أيضا تأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على أن استمرار انقطاع الماء أو الكهرباء لأكثر من أربع وعشرين ساعة يعتبر أمرا غير مقبول، ولا بد من وضع حد له.
وهنا طالب رئيس الدولة بتجاوز الإشكال، مشددا على ضرورة احترام حق المواطن في الإعلام المسبق عند الاضطرار إلى قطع الخدمات العمومية، مع اختيار التوقيت المناسب بما يحد من جسامة الأضرار.
ويعكس هذا التوجه إدراكا بأن إدارة الأزمات لا بد أن ترتكز على حسن التنسيق والتواصل مع المواطنين، لاسيما وأن غياب المعلومة الدقيقة غالبا ما يكون سببا في تضاعف حالة الاحتقان، بينما يساهم الإعلام المسبق والشفافية في التخفيف من حالة الاحتقان وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.
كما أن هذا التوجه يحمل في طياته رسالة واضحة إلى مختلف المؤسسات العمومية بضرورة تطوير أساليب إدارة الأزمات والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة، من خلال التأكيد على أهمية احترام حق المواطن في معلومة واضحة ودقيقة.
ومن جانب آخر، لم تغب الحرائق التي شهدتها عديد المناطق في الجمهورية عن هذا الاجتماع، حيث خصّ رئيس الجمهورية قيس سعيد وحدات الحماية المدنية بإشادة خاصة، مثمنا سرعة تدخلها وتنسيقها مع مختلف الهياكل العسكرية والأمنية والإدارية.
وهذه الإشادة يقابلها تأكيد ضمني على ضرورة اليقظة الدائمة، وعدم التعامل مع هذه الأحداث بمنطق الكوارث الطبيعية فقط، وإنما أيضا بمنطق الوقاية والاستباق والتنسيق بين مختلف أجهزة الدولة.
الدولة في حالة تعبئة
يعكس الاجتماع أيضا توجها يقوم على تعبئة مختلف أجهزة الدولة في مواجهة الظرف الراهن.
فتركيبة الحضور في الاجتماع لم تقتصر على الوزراء المعنيين، بل شملت أيضا المسؤولين المباشرين عن المؤسسات الوطنية المكلفة بالماء والكهرباء، إضافة إلى هيكل الحماية المدنية.
ويُستشف من ذلك أن الدولة، في أعلى هرمها، اختارت اعتماد مقاربة تقوم على توحيد القرار والتسريع في وتيرة التنسيق بين مختلف المتدخلين، باعتبار أن معالجة الأزمات المركبة لا يمكن أن تتم في إطار عمل قطاعي منفصل أو متشتت.
كما أن التأكيد على المتابعة اليومية والمستمرة يعكس إرادة لإرساء نمط جديد في إدارة الملفات المعقدة يقوم على المراقبة المباشرة وتحميل كل جهة مسؤولياتها.
وضمن هذا التمشي، فإن الرسالة التي أراد رئيس الجمهورية قيس سعيد إيصالها هي أن الدولة لن تسمح مطلقا بأن تتحول لحظات الضعف إلى وسائل للضغط عليها أو على مواطنيها، وأن الحفاظ على المرافق العمومية يمثل جزءا من معركة حماية الدولة نفسها، على اعتبار أن استمرارية خدمات الماء والكهرباء وسائر المرافق الحيوية أصبحت عنوانا لهيبة الدولة، ومدى قدرتها على ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين وحفظ الاستقرار العام.
الرهان على وعي المجتمع
في ختام اللقاء، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أهمية "الوعي العميق للشعب التونسي"، معتبرا أنه سيحبط كل محاولات التنكيل مهما كان مصدرها.
وهو طرح يفضي إلى أن مواجهة من يستثمر في الأزمات لا تعتمد فقط على أجهزة الدولة، وإنما أيضا على وعي المواطنين، ومدى قدرتهم على التمييز بين حقيقة الأزمة وبين محاولات توظيفها لبث الفوضى، وتقويض الاستقرار، وإرباك الثقة في سير مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار يتجلى رهان أساسي يتمثل في بناء جبهة داخلية متماسكة، لا تنكر وجود صعوبات وتحديات وبيروقراطية مقيتة في إدارة الأزمات لكنها ترفض في الوقت ذاته تحويلها إلى وسيلة للمساس باستقرار البلاد أو الدفع نحو مزيد من الاحتقان..
ليكشف اجتماع قرطاج عن الانتقال من منطق التفاعل مع الأحداث بعد وقوعها إلى منطق استباقها وإدارتها ضمن رؤية متكاملة تجمع كافة الأطراف المعنية فالاجتماع حمل توجيهات تتعلق بالتدخل سريعا والتنسيق بين مختلف المؤسسات مع التنصيص على واجب الإعلام المسبق للمواطنين، وجميعها عناصر تعكس توجها نحو ترسيخ الحوكمة في إدارة الأزمات.
وفي المقابل، فإن تحميل من وصفهم رئيس الجمهورية قيس سعيد بمن يسعون إلى "التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع" المسؤولية السياسية عن استثمار هذه الاضطرابات، يفتح الباب أمام مرحلة قد تتسم بمزيد من التشدد في حماية المرافق الحيوية وملاحقة كل من يثبت تورطه في تعطيلها أو استغلالها للإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.
في هذا الخضم، لا يختزل اجتماع رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزراء الداخلية والتجهيز والفلاحة وبقية إطارات الدولة في كونه متابعة لملف ظرفي فرضتها الأزمة الراهنة ليطال قاعدة رئيسية تعتبر خطا أحمر بالنسبة للدولة في أعلى هرمها وهي أن معاناة المواطنين ليست مجالا للمضاربة السياسية ولا منصة لتصفية الحسابات أو تأجيج الأوضاع. وفي هذا السياق، يبدو أن الدولة تتجه إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن مواجهة الأزمات لا تقتصر على إصلاح الخلل أو تجاوز الإشكال الظرفي، بل تشمل أيضا حماية الثقة العامة، والتصدي لكل من يحاول تحويل الصعوبات اليومية إلى آليات لإضعاف مؤسسات الدولة. وهي معادلة تجعل من صيانة المرفق العمومي، والجاهزية الميدانية، ووعي المواطنين، ركائز هامة وأساسية لحماية الاستقرار الوطني في مرحلة تتزايد فيها التحديات والمسؤوليات.
منال حرزي
تونس - الصباح
وضعت الدولة، في أعلى هرمها، مجددا مسألة الاستثمار في الأزمات في صدارة أولوياتها، انطلاقا من قناعة مفادها أن الأزمات، مهما بلغت دقتها أو تعقّدت تداعياتها، فإن خطورتها تكمن في محاولات توظيفها لتأجيج الأوضاع، وبث الفتنة، وزعزعة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وهياكلها.
ومن هذا المنطلق، جاء الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقصر قرطاج، بحضور وزراء الداخلية والتجهيز والفلاحة، فضلا عن الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، والرئيس المدير العام للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، علاوة على المدير العام للديوان الوطني للحماية المدنية، ليؤكد أن ما تشهده بعض المناطق من انقطاعات للماء والكهرباء وحرائق يستوجب جاهزية ويقظة الدولة بجميع مؤسساتها، خاصة عندما تتحول معاناة المواطنين إلى مجال للاستثمار وتأجيج الاحتقان.
وبهذا الاجتماع، وجّهت الدولة رسائل عديدة، أهمها أن حماية المرافق الحيوية وحماية السلم الاجتماعي خياران لا تسامح ولا تراجع فيهما، وأن أي محاولات لتوظيف الأزمات أو لتقويض الثقة في أجهزة الدولة ومؤسساتها أو إرباك الأوضاع ستواجه بمقاربة تجمع بين سرعة التدخل، والتنسيق الميداني، والمساءلة.
وضمن هذا التوجه، كشف اجتماع قرطاج أن الأزمات، مهما كانت حدتها أو درجة خطورتها، فإنه يمكن احتواؤها وإدارتها، غير أن الخطر الفعلي يكمن في تحولها إلى آليات للاستثمار والتوظيف، وهو ما تعكسه تصريحات رئيس الدولة قيس سعيد، من قبيل "التنكيل بالمواطنين" و"تأجيج الأوضاع"، بما يكشف أن الدولة تعتبر أن هناك من يحاول استغلال أزمة الكهرباء الراهنة لتحويلها إلى ورقة ضغط لتعميق حالة الاحتقان، وإرباك ثقة المواطنين في مؤسساتهم، على أن الأهم أنها لن تكتفي بدور المتفرج إزاء هذه المحاولات.
الاستثمار في الأزمات
فاللافت في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد أنه لم يشدد فقط على ضرورة معالجة الانقطاعات أو الحرائق، وإنما وجّه اهتمامه إلى من يقف وراء استثمار هذه الأحداث.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرسالة الأساسية للاجتماع مفادها أن الدولة لن تكتفي بتجاوز الإشكال، وإنما ستعمل أيضا على كشف كل من يستغل الظرف الراهن، أو يساهم في تعميقه، أو تحويله إلى وسيلة لاستهداف الاستقرار الوطني، بما يؤشر إلى أن المعركة تجاوزت حدود الإشكال الراهن لتصبح معركة ضد كل أشكال العبث بالمرافق العمومية أو توظيف معاناة المواطنين لتصفية حسابات ضيقة.
الماء والكهرباء.. ملفات سيادية
يحمل الاجتماع دلالة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الدولة أعادت وضع ملفي الماء والكهرباء ضمن الأولويات الوطنية، خاصة وأنه في ظل التحديات المناخية الراهنة تدرك بلادنا أنها تواجه ضغطا متزايدا على مواردها المائية، وارتفاعا في الطلب على الطاقة، كما تدرك أيضا أن ضمان استمرارية هذه الخدمات يمثل شرطا أساسيا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
لذلك جاء حضور الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، والرئيس المدير العام للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، إلى جانب وزراء السيادة في هذا الاجتماع، ليؤكد أن إدارة هذه الملفات لم تعد تنحصر في بعدها التقني فقط، وإنما أصبحت جزءا من رؤية سياسية كاملة تطال حماية الدولة وتعزيز قدرتها على ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين.
لا مبرر للانقطاع طويل المدى
من بين أبرز الرسائل التي حملها الاجتماع أيضا تأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على أن استمرار انقطاع الماء أو الكهرباء لأكثر من أربع وعشرين ساعة يعتبر أمرا غير مقبول، ولا بد من وضع حد له.
وهنا طالب رئيس الدولة بتجاوز الإشكال، مشددا على ضرورة احترام حق المواطن في الإعلام المسبق عند الاضطرار إلى قطع الخدمات العمومية، مع اختيار التوقيت المناسب بما يحد من جسامة الأضرار.
ويعكس هذا التوجه إدراكا بأن إدارة الأزمات لا بد أن ترتكز على حسن التنسيق والتواصل مع المواطنين، لاسيما وأن غياب المعلومة الدقيقة غالبا ما يكون سببا في تضاعف حالة الاحتقان، بينما يساهم الإعلام المسبق والشفافية في التخفيف من حالة الاحتقان وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.
كما أن هذا التوجه يحمل في طياته رسالة واضحة إلى مختلف المؤسسات العمومية بضرورة تطوير أساليب إدارة الأزمات والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة، من خلال التأكيد على أهمية احترام حق المواطن في معلومة واضحة ودقيقة.
ومن جانب آخر، لم تغب الحرائق التي شهدتها عديد المناطق في الجمهورية عن هذا الاجتماع، حيث خصّ رئيس الجمهورية قيس سعيد وحدات الحماية المدنية بإشادة خاصة، مثمنا سرعة تدخلها وتنسيقها مع مختلف الهياكل العسكرية والأمنية والإدارية.
وهذه الإشادة يقابلها تأكيد ضمني على ضرورة اليقظة الدائمة، وعدم التعامل مع هذه الأحداث بمنطق الكوارث الطبيعية فقط، وإنما أيضا بمنطق الوقاية والاستباق والتنسيق بين مختلف أجهزة الدولة.
الدولة في حالة تعبئة
يعكس الاجتماع أيضا توجها يقوم على تعبئة مختلف أجهزة الدولة في مواجهة الظرف الراهن.
فتركيبة الحضور في الاجتماع لم تقتصر على الوزراء المعنيين، بل شملت أيضا المسؤولين المباشرين عن المؤسسات الوطنية المكلفة بالماء والكهرباء، إضافة إلى هيكل الحماية المدنية.
ويُستشف من ذلك أن الدولة، في أعلى هرمها، اختارت اعتماد مقاربة تقوم على توحيد القرار والتسريع في وتيرة التنسيق بين مختلف المتدخلين، باعتبار أن معالجة الأزمات المركبة لا يمكن أن تتم في إطار عمل قطاعي منفصل أو متشتت.
كما أن التأكيد على المتابعة اليومية والمستمرة يعكس إرادة لإرساء نمط جديد في إدارة الملفات المعقدة يقوم على المراقبة المباشرة وتحميل كل جهة مسؤولياتها.
وضمن هذا التمشي، فإن الرسالة التي أراد رئيس الجمهورية قيس سعيد إيصالها هي أن الدولة لن تسمح مطلقا بأن تتحول لحظات الضعف إلى وسائل للضغط عليها أو على مواطنيها، وأن الحفاظ على المرافق العمومية يمثل جزءا من معركة حماية الدولة نفسها، على اعتبار أن استمرارية خدمات الماء والكهرباء وسائر المرافق الحيوية أصبحت عنوانا لهيبة الدولة، ومدى قدرتها على ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين وحفظ الاستقرار العام.
الرهان على وعي المجتمع
في ختام اللقاء، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أهمية "الوعي العميق للشعب التونسي"، معتبرا أنه سيحبط كل محاولات التنكيل مهما كان مصدرها.
وهو طرح يفضي إلى أن مواجهة من يستثمر في الأزمات لا تعتمد فقط على أجهزة الدولة، وإنما أيضا على وعي المواطنين، ومدى قدرتهم على التمييز بين حقيقة الأزمة وبين محاولات توظيفها لبث الفوضى، وتقويض الاستقرار، وإرباك الثقة في سير مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار يتجلى رهان أساسي يتمثل في بناء جبهة داخلية متماسكة، لا تنكر وجود صعوبات وتحديات وبيروقراطية مقيتة في إدارة الأزمات لكنها ترفض في الوقت ذاته تحويلها إلى وسيلة للمساس باستقرار البلاد أو الدفع نحو مزيد من الاحتقان..
ليكشف اجتماع قرطاج عن الانتقال من منطق التفاعل مع الأحداث بعد وقوعها إلى منطق استباقها وإدارتها ضمن رؤية متكاملة تجمع كافة الأطراف المعنية فالاجتماع حمل توجيهات تتعلق بالتدخل سريعا والتنسيق بين مختلف المؤسسات مع التنصيص على واجب الإعلام المسبق للمواطنين، وجميعها عناصر تعكس توجها نحو ترسيخ الحوكمة في إدارة الأزمات.
وفي المقابل، فإن تحميل من وصفهم رئيس الجمهورية قيس سعيد بمن يسعون إلى "التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع" المسؤولية السياسية عن استثمار هذه الاضطرابات، يفتح الباب أمام مرحلة قد تتسم بمزيد من التشدد في حماية المرافق الحيوية وملاحقة كل من يثبت تورطه في تعطيلها أو استغلالها للإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.
في هذا الخضم، لا يختزل اجتماع رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزراء الداخلية والتجهيز والفلاحة وبقية إطارات الدولة في كونه متابعة لملف ظرفي فرضتها الأزمة الراهنة ليطال قاعدة رئيسية تعتبر خطا أحمر بالنسبة للدولة في أعلى هرمها وهي أن معاناة المواطنين ليست مجالا للمضاربة السياسية ولا منصة لتصفية الحسابات أو تأجيج الأوضاع. وفي هذا السياق، يبدو أن الدولة تتجه إلى ترسيخ معادلة جديدة عنوانها أن مواجهة الأزمات لا تقتصر على إصلاح الخلل أو تجاوز الإشكال الظرفي، بل تشمل أيضا حماية الثقة العامة، والتصدي لكل من يحاول تحويل الصعوبات اليومية إلى آليات لإضعاف مؤسسات الدولة. وهي معادلة تجعل من صيانة المرفق العمومي، والجاهزية الميدانية، ووعي المواطنين، ركائز هامة وأساسية لحماية الاستقرار الوطني في مرحلة تتزايد فيها التحديات والمسؤوليات.