إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  "موسيقات من بلادي" في قرطاج... عرض أوركسترالي أعاد كتابة الذاكرة الموسيقية...

 

-الموسيقار شادي القرفي: اختيار الفنانين لم يكن قائما على الشهرة أو الحضور الإعلامي فقط، وإنما على طبيعة الخامات الصوتية ومدى انسجامها مع الكتابة الأوركسترالية.

تونس-الصباح

لم يكن ركح المسرح الأثري بقرطاج في سهرة "موسيقات من بلادي" أمام اختبار فني فقط، بل كان أيضا أمام اختبار آخر لا يقل أهمية، يتعلق بعلاقة المشروع الموسيقي التونسي بجمهوره. فعلى خشبة تحمل رمزية استثنائية في الذاكرة الثقافية الوطنية، اجتمع الأوركستر السيمفوني التونسي بقيادة المايسترو شادي القرفي مع مجموعة من الأصوات التي تمثل أجيالا ومدارس مختلفة، في محاولة لإعادة قراءة جانب من الذاكرة الغنائية التونسية بلغة أوركسترالية جديدة تجمع بين خصوصية اللحن التونسي ورحابة الكتابة السيمفونية.

غير أن هذا الرهان الفني الكبير حمل معه مفارقة لافتة، فالمشروع الذي جمع بين أسماء وازنة وتجربة موسيقية قائمة على رؤية واضحة لم يجد في مدارج قرطاج الحضور الجماهيري الذي كان يمكن أن يمنحه الزخم الذي يستحقه. وهي مفارقة أعادت إلى الواجهة سؤالا يتكرر في كل موسم مهرجاني: هل تكمن أزمة الفنان التونسي في غياب الفرص أم في غياب الجمهور؟ وهل يكفي أن نطالب بإنصاف الفنان المحلي، أم أن هذا الإنصاف يبدأ أيضا من حضور الجمهور عندما يكون هذا الفنان على الركح؟

إيمان عبد اللطيف

ففي السنوات الأخيرة، أصبح النقاش حول مكانة الفنان التونسي داخل المهرجانات الكبرى واحدا من أكثر الأسئلة حضورا في المشهد الثقافي. فبين من يرى أن الفنان المحلي لا يحصل على المساحة التي يستحقها، ومن يعتبر أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في عدد العروض الممنوحة له، وإنما في قدرتها على استقطاب الجمهور، تبقى العلاقة بين الفنان والمتلقي الحلقة الأصعب في هذه المعادلة. ومن هنا اكتسب عرض "موسيقات من بلادي" أهميته، لأنه لم يكن مجرد سهرة تستعيد أعمالا من الذاكرة، وإنما تحول إلى نموذج مصغر لسؤال ثقافي أوسع يتعلق بمستقبل الموسيقى التونسية وقدرتها على بناء جمهورها.

ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، قدم الأوركستر السيمفوني التونسي بقيادة شادي القرفي وبمشاركة الموسيقار هارون القروي مساء الأربعاء 22 جويلية الجاري عرض "موسيقات من بلادي"، وهو مشروع راهن على إعادة قراءة الريبرتوار التونسي من خلال كتابة أوركسترالية تحافظ على روح الأعمال الأصلية وتفتح لها في الوقت نفسه فضاءات تعبيرية جديدة. فلم يكن الهدف مجرد نقل الأغاني المعروفة من صيغة إلى أخرى، وإنما البحث عن إمكانات جديدة داخل هذه الأعمال، وإبراز قدرتها على العيش خارج سياقها الأول.

ومنذ اللحظات الأولى، أعلن العرض عن هويته الفنية. فقد سبق انطلاق الفقرات الغنائية عرض باليه راقص مهد للأجواء، قبل أن تعلن مقطوعة "سير تونس" للموسيقار الشاذلي مفتاح، في توزيع أوركسترالي لشادي القرفي، افتتاح السهرة. ولم يكن اختيار هذه المقطوعة اعتباطيا، فهي تمثل جانبا من الموسيقى الآلية التونسية التي لم تحظ دائما بنفس حضور الأغنية الجماهيرية، لتأتي بداية العرض وكأنها تأكيد على أن الذاكرة الموسيقية الوطنية لا تختزل فقط في الأصوات، وإنما تشمل أيضا التجارب التي صنعت لغة موسيقية خاصة.

بعد هذه الافتتاحية، انتقل العرض بين محطات مختلفة من تاريخ الأغنية التونسية. وكان الفنان نور الدين الباجي أول الأصوات التي أعادت الجمهور إلى أجواء الطرب الأصيل من خلال موشح "في عيونك نار" لمحمد الجموسي، ثم "شهلولة" لأحمد حمزة و"كي يضيق بيك الدهر" للصادق ثريا. وقد بدا اختياره لهذه الأعمال منسجما مع طبيعة صوته وتجربته الطويلة في التعامل مع هذا اللون الغنائي الذي يمثل جزءا من الذاكرة الجماعية للتونسيين.

أما أريج بريك فقد قدمت مساحة أخرى من خلال "أش أهم" لمحمد ساسي، و"محبوبي الغالي" لمحمد رضا، و"دنيا هانية" لصالح المهدي، مستفيدة من الإمكانات التي وفرتها الكتابة الأوركسترالية لإبراز تفاصيل صوتها. بينما جاءت مشاركة نسرين المهبولي لتقدم زاوية مختلفة، إذ التقت خلفيتها الأكاديمية في الغناء الأوبرالي مع أعمال تونسية مثل "قيتارة" ليوسف حجاج و"ياسمينة" لكمال رؤوف النقاطي، في محاولة لإظهار أن الأغنية التونسية قادرة على احتضان قراءات صوتية متعددة.

وفي جانب آخر من الذاكرة الشعبية، قدم أحمد الرباعي "بوسعيد العالي" لعلي الرياحي و"دنيا زينة" للهادي الجويني و"آه مالعينين" لقدور الصرارفي، محافظا على روح هذه الأعمال مع إضافة حضوره الخاص. كما اختارت أسماء بن أحمد العودة إلى محطات أخرى من الريبرتوار التونسي من خلال "زهر الليمون" لمحمد التريكي و"عودتني عالود" لعبد الكريم صحابو و"ما أحلى ليالي إشبيلية" للسيد شطا، قبل أن تمنح المعزوفة الأوركسترالية "ليالي إشبيلية" مساحة كشفت القدرات التقنية للأوركستر السيمفوني التونسي بعيدا عن حضور الصوت الغنائي.

ولم يقتصر العرض على الذاكرة الموسيقية التونسية، بل حمل أيضا بعدا إنسانيا من خلال حضور فلسطين عبر أغنيتي "اخلع نعلك" و"هذه أرضي" اللتين قدمتهما الفنانة الفلسطينية رولا عازر، في قراءة أوركسترالية حملت إمضاء الموسيقار هارون القروي. وقد أضاف هذا الحضور بعدا رمزيا للسهرة، إذ تحولت الموسيقى إلى مساحة للتعبير عن التضامن والانتماء، قبل أن يختتم شكري بوزيان العرض بأغنية "كأس الصبر" للفنان سمير العقربي، ثم "ما صابني"، في نهاية أعادت الربط بين الذاكرة الموسيقية والأسئلة التي يحملها الحاضر.

لكن القيمة الأساسية لـ"موسيقات من بلادي" لم تكن فقط في البرنامج المختار، وإنما في الطريقة التي تعامل بها شادي القرفي مع هذه الأعمال. فالتحدي الأكبر في مثل هذه المشاريع لا يكمن في إعادة تقديم الأغاني، بل في إيجاد التوازن بين احترام روحها الأصلية ومنحها قراءة جديدة. وهو ما نجح فيه العرض من خلال توزيعات لم تلغ شخصية الألحان، بل أعادت تنظيم العلاقة بين الصوت والآلة.

وخلال الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أوضح شادي القرفي أن اختيار الفنانين لم يكن قائما على الشهرة أو الحضور الإعلامي فقط، وإنما على طبيعة الخامات الصوتية ومدى انسجامها مع الكتابة الأوركسترالية. كما أكد أن المشروع لم يُبنَ على تسلسل زمني لتاريخ الأغنية التونسية، بل على فكرة الجمع بين مدارس مختلفة وأجيال متعددة، بما يسمح بإبراز ثراء التجربة الموسيقية الوطنية.

وتحدث الفنانون المشاركون عن خصوصية العمل مع الأوركستر السيمفوني. فقد اعتبر شكري بوزيان أن مشاركته تمثل امتدادا لعلاقة موسيقية قديمة جمعته بالمايسترو محمد القرفي، والد شادي القرفي، مؤكدا أن الكتابة الأوركسترالية الحقيقية تقوم على بناء موسيقي متكامل وليس مجرد إضافة آلات إلى اللحن. أما أسماء بن أحمد فأشارت إلى أن الغناء بمرافقة أوركسترا كاملة يمنح الفنان فرصة لإعادة اكتشاف صوته، في حين اعتبرت نسرين المهبولي أن التجربة فتحت أمامها نافذة جديدة على الأغنية التونسية.

كما رأت أريج بريك أن مشاركتها مع الأوركستر السيمفوني على ركح قرطاج تمثل محطة مهمة في مسيرتها، بينما توقفت رولا عازر عند رمزية تقديم أعمالها الخاصة في تونس، معتبرة أن الفن يظل أحد أكثر أشكال التعبير قدرة على حمل القضايا الإنسانية. أما أحمد الرباعي فقد شدد على أهمية جمع أسماء من أجيال مختلفة في عرض واحد، معتبرا أن الحوار الفني كان أساس بناء المشروع.

غير أن السؤال الذي فرض نفسه بعد هذه السهرة لم يكن موسيقيا فقط، بل جماهيريا أيضا. فبالرغم من قيمة العرض والأسماء المشاركة فيه، فإن الحضور الجماهيري في مدارج المسرح الأثري بقرطاج بدا محتشما جدا مقارنة بحجم المشروع، وهو ما أعاد النقاش حول علاقة الفنان التونسي بجمهوره.

وقد رأى شادي القرفي أن دعم الفنان التونسي لا يمكن أن يبقى مجرد شعار متداول، بل يحتاج إلى حضور فعلي من الجمهور. فالدفاع عن الفنان المحلي لا يكون فقط بالمطالبة ببرمجته، وإنما أيضا بالإقبال على عروضه ومساندة المشاريع التي يقدمها.

لكن هذه القراءة لا تعني أن الجمهور التونسي غير قادر على التفاعل مع المشاريع الموسيقية الجادة، فالتجربة نفسها تقدم دليلا مخالفا، فقد حققت عروض الأوركستر السيمفوني التونسي في مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي نجاحات جماهيرية كبيرة، ووصلت في مناسبات عديدة إلى عروض أمام شبابيك مغلقة، وهو ما يؤكد أن المسألة لا ترتبط بطبيعة المشروع الموسيقي، وإنما تتصل أيضا بسياق العرض وفضائه وطريقة تقديمه والترويج له.

وفي هذا السياق، تكشف تجربة "موسيقات من بلادي" عن مفارقة ثقافية أوسع: فالفنان التونسي قادر على إنتاج مشاريع ذات قيمة فنية عالية، والجمهور قادر على احتضانها، لكن تحويل هذا النجاح إلى ظاهرة مستدامة يحتاج إلى بناء علاقة جديدة بين الركح والمدارج.

 

   "موسيقات من بلادي" في قرطاج...  عرض أوركسترالي أعاد كتابة الذاكرة الموسيقية...

 

-الموسيقار شادي القرفي: اختيار الفنانين لم يكن قائما على الشهرة أو الحضور الإعلامي فقط، وإنما على طبيعة الخامات الصوتية ومدى انسجامها مع الكتابة الأوركسترالية.

تونس-الصباح

لم يكن ركح المسرح الأثري بقرطاج في سهرة "موسيقات من بلادي" أمام اختبار فني فقط، بل كان أيضا أمام اختبار آخر لا يقل أهمية، يتعلق بعلاقة المشروع الموسيقي التونسي بجمهوره. فعلى خشبة تحمل رمزية استثنائية في الذاكرة الثقافية الوطنية، اجتمع الأوركستر السيمفوني التونسي بقيادة المايسترو شادي القرفي مع مجموعة من الأصوات التي تمثل أجيالا ومدارس مختلفة، في محاولة لإعادة قراءة جانب من الذاكرة الغنائية التونسية بلغة أوركسترالية جديدة تجمع بين خصوصية اللحن التونسي ورحابة الكتابة السيمفونية.

غير أن هذا الرهان الفني الكبير حمل معه مفارقة لافتة، فالمشروع الذي جمع بين أسماء وازنة وتجربة موسيقية قائمة على رؤية واضحة لم يجد في مدارج قرطاج الحضور الجماهيري الذي كان يمكن أن يمنحه الزخم الذي يستحقه. وهي مفارقة أعادت إلى الواجهة سؤالا يتكرر في كل موسم مهرجاني: هل تكمن أزمة الفنان التونسي في غياب الفرص أم في غياب الجمهور؟ وهل يكفي أن نطالب بإنصاف الفنان المحلي، أم أن هذا الإنصاف يبدأ أيضا من حضور الجمهور عندما يكون هذا الفنان على الركح؟

إيمان عبد اللطيف

ففي السنوات الأخيرة، أصبح النقاش حول مكانة الفنان التونسي داخل المهرجانات الكبرى واحدا من أكثر الأسئلة حضورا في المشهد الثقافي. فبين من يرى أن الفنان المحلي لا يحصل على المساحة التي يستحقها، ومن يعتبر أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في عدد العروض الممنوحة له، وإنما في قدرتها على استقطاب الجمهور، تبقى العلاقة بين الفنان والمتلقي الحلقة الأصعب في هذه المعادلة. ومن هنا اكتسب عرض "موسيقات من بلادي" أهميته، لأنه لم يكن مجرد سهرة تستعيد أعمالا من الذاكرة، وإنما تحول إلى نموذج مصغر لسؤال ثقافي أوسع يتعلق بمستقبل الموسيقى التونسية وقدرتها على بناء جمهورها.

ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، قدم الأوركستر السيمفوني التونسي بقيادة شادي القرفي وبمشاركة الموسيقار هارون القروي مساء الأربعاء 22 جويلية الجاري عرض "موسيقات من بلادي"، وهو مشروع راهن على إعادة قراءة الريبرتوار التونسي من خلال كتابة أوركسترالية تحافظ على روح الأعمال الأصلية وتفتح لها في الوقت نفسه فضاءات تعبيرية جديدة. فلم يكن الهدف مجرد نقل الأغاني المعروفة من صيغة إلى أخرى، وإنما البحث عن إمكانات جديدة داخل هذه الأعمال، وإبراز قدرتها على العيش خارج سياقها الأول.

ومنذ اللحظات الأولى، أعلن العرض عن هويته الفنية. فقد سبق انطلاق الفقرات الغنائية عرض باليه راقص مهد للأجواء، قبل أن تعلن مقطوعة "سير تونس" للموسيقار الشاذلي مفتاح، في توزيع أوركسترالي لشادي القرفي، افتتاح السهرة. ولم يكن اختيار هذه المقطوعة اعتباطيا، فهي تمثل جانبا من الموسيقى الآلية التونسية التي لم تحظ دائما بنفس حضور الأغنية الجماهيرية، لتأتي بداية العرض وكأنها تأكيد على أن الذاكرة الموسيقية الوطنية لا تختزل فقط في الأصوات، وإنما تشمل أيضا التجارب التي صنعت لغة موسيقية خاصة.

بعد هذه الافتتاحية، انتقل العرض بين محطات مختلفة من تاريخ الأغنية التونسية. وكان الفنان نور الدين الباجي أول الأصوات التي أعادت الجمهور إلى أجواء الطرب الأصيل من خلال موشح "في عيونك نار" لمحمد الجموسي، ثم "شهلولة" لأحمد حمزة و"كي يضيق بيك الدهر" للصادق ثريا. وقد بدا اختياره لهذه الأعمال منسجما مع طبيعة صوته وتجربته الطويلة في التعامل مع هذا اللون الغنائي الذي يمثل جزءا من الذاكرة الجماعية للتونسيين.

أما أريج بريك فقد قدمت مساحة أخرى من خلال "أش أهم" لمحمد ساسي، و"محبوبي الغالي" لمحمد رضا، و"دنيا هانية" لصالح المهدي، مستفيدة من الإمكانات التي وفرتها الكتابة الأوركسترالية لإبراز تفاصيل صوتها. بينما جاءت مشاركة نسرين المهبولي لتقدم زاوية مختلفة، إذ التقت خلفيتها الأكاديمية في الغناء الأوبرالي مع أعمال تونسية مثل "قيتارة" ليوسف حجاج و"ياسمينة" لكمال رؤوف النقاطي، في محاولة لإظهار أن الأغنية التونسية قادرة على احتضان قراءات صوتية متعددة.

وفي جانب آخر من الذاكرة الشعبية، قدم أحمد الرباعي "بوسعيد العالي" لعلي الرياحي و"دنيا زينة" للهادي الجويني و"آه مالعينين" لقدور الصرارفي، محافظا على روح هذه الأعمال مع إضافة حضوره الخاص. كما اختارت أسماء بن أحمد العودة إلى محطات أخرى من الريبرتوار التونسي من خلال "زهر الليمون" لمحمد التريكي و"عودتني عالود" لعبد الكريم صحابو و"ما أحلى ليالي إشبيلية" للسيد شطا، قبل أن تمنح المعزوفة الأوركسترالية "ليالي إشبيلية" مساحة كشفت القدرات التقنية للأوركستر السيمفوني التونسي بعيدا عن حضور الصوت الغنائي.

ولم يقتصر العرض على الذاكرة الموسيقية التونسية، بل حمل أيضا بعدا إنسانيا من خلال حضور فلسطين عبر أغنيتي "اخلع نعلك" و"هذه أرضي" اللتين قدمتهما الفنانة الفلسطينية رولا عازر، في قراءة أوركسترالية حملت إمضاء الموسيقار هارون القروي. وقد أضاف هذا الحضور بعدا رمزيا للسهرة، إذ تحولت الموسيقى إلى مساحة للتعبير عن التضامن والانتماء، قبل أن يختتم شكري بوزيان العرض بأغنية "كأس الصبر" للفنان سمير العقربي، ثم "ما صابني"، في نهاية أعادت الربط بين الذاكرة الموسيقية والأسئلة التي يحملها الحاضر.

لكن القيمة الأساسية لـ"موسيقات من بلادي" لم تكن فقط في البرنامج المختار، وإنما في الطريقة التي تعامل بها شادي القرفي مع هذه الأعمال. فالتحدي الأكبر في مثل هذه المشاريع لا يكمن في إعادة تقديم الأغاني، بل في إيجاد التوازن بين احترام روحها الأصلية ومنحها قراءة جديدة. وهو ما نجح فيه العرض من خلال توزيعات لم تلغ شخصية الألحان، بل أعادت تنظيم العلاقة بين الصوت والآلة.

وخلال الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أوضح شادي القرفي أن اختيار الفنانين لم يكن قائما على الشهرة أو الحضور الإعلامي فقط، وإنما على طبيعة الخامات الصوتية ومدى انسجامها مع الكتابة الأوركسترالية. كما أكد أن المشروع لم يُبنَ على تسلسل زمني لتاريخ الأغنية التونسية، بل على فكرة الجمع بين مدارس مختلفة وأجيال متعددة، بما يسمح بإبراز ثراء التجربة الموسيقية الوطنية.

وتحدث الفنانون المشاركون عن خصوصية العمل مع الأوركستر السيمفوني. فقد اعتبر شكري بوزيان أن مشاركته تمثل امتدادا لعلاقة موسيقية قديمة جمعته بالمايسترو محمد القرفي، والد شادي القرفي، مؤكدا أن الكتابة الأوركسترالية الحقيقية تقوم على بناء موسيقي متكامل وليس مجرد إضافة آلات إلى اللحن. أما أسماء بن أحمد فأشارت إلى أن الغناء بمرافقة أوركسترا كاملة يمنح الفنان فرصة لإعادة اكتشاف صوته، في حين اعتبرت نسرين المهبولي أن التجربة فتحت أمامها نافذة جديدة على الأغنية التونسية.

كما رأت أريج بريك أن مشاركتها مع الأوركستر السيمفوني على ركح قرطاج تمثل محطة مهمة في مسيرتها، بينما توقفت رولا عازر عند رمزية تقديم أعمالها الخاصة في تونس، معتبرة أن الفن يظل أحد أكثر أشكال التعبير قدرة على حمل القضايا الإنسانية. أما أحمد الرباعي فقد شدد على أهمية جمع أسماء من أجيال مختلفة في عرض واحد، معتبرا أن الحوار الفني كان أساس بناء المشروع.

غير أن السؤال الذي فرض نفسه بعد هذه السهرة لم يكن موسيقيا فقط، بل جماهيريا أيضا. فبالرغم من قيمة العرض والأسماء المشاركة فيه، فإن الحضور الجماهيري في مدارج المسرح الأثري بقرطاج بدا محتشما جدا مقارنة بحجم المشروع، وهو ما أعاد النقاش حول علاقة الفنان التونسي بجمهوره.

وقد رأى شادي القرفي أن دعم الفنان التونسي لا يمكن أن يبقى مجرد شعار متداول، بل يحتاج إلى حضور فعلي من الجمهور. فالدفاع عن الفنان المحلي لا يكون فقط بالمطالبة ببرمجته، وإنما أيضا بالإقبال على عروضه ومساندة المشاريع التي يقدمها.

لكن هذه القراءة لا تعني أن الجمهور التونسي غير قادر على التفاعل مع المشاريع الموسيقية الجادة، فالتجربة نفسها تقدم دليلا مخالفا، فقد حققت عروض الأوركستر السيمفوني التونسي في مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي نجاحات جماهيرية كبيرة، ووصلت في مناسبات عديدة إلى عروض أمام شبابيك مغلقة، وهو ما يؤكد أن المسألة لا ترتبط بطبيعة المشروع الموسيقي، وإنما تتصل أيضا بسياق العرض وفضائه وطريقة تقديمه والترويج له.

وفي هذا السياق، تكشف تجربة "موسيقات من بلادي" عن مفارقة ثقافية أوسع: فالفنان التونسي قادر على إنتاج مشاريع ذات قيمة فنية عالية، والجمهور قادر على احتضانها، لكن تحويل هذا النجاح إلى ظاهرة مستدامة يحتاج إلى بناء علاقة جديدة بين الركح والمدارج.