تعيش تونس في هذه الفترة موجة حر لم تشهدها من قبل، ليرتفع بذلك الطلب على استهلاك الكهرباء، مما ترتب عليه ضغط غير مسبوق على الشبكة الوطنية للكهرباء نتيجة الذروة الاستهلاكية لأجهزة التكييف، وهو ما تطلب تدخل الجهات الرسمية إلى إعلان جملة من الإجراءات اللازمة تحسبًا من القطع الشامل للكهرباء في كامل البلاد، أو ما يعرف بـ"البلاك أوت"، لحماية الشبكة من الانهيار، وذلك باعتماد الانقطاع الدوري الذي شمل أغلب الجهات والولايات، إلا أن هذه التراتيب تبقى ظرفية وتتطلب حلولًا ناجعة أمام الاستهلاك الكبير للكهرباء.
وفاء بن محمد
وفي هذا الإطار، طالبت العديد من الجهات الرسمية وجملة من المختصين والخبراء في مجال الطاقة بإيجاد حلول فعلية على المدى القصير لتجاوز موجة الحر التي تمر بها البلاد بأخف الأضرار، وكانت أبرز هذه المقترحات المرور إلى العمل عن بُعد خلال ما تبقى من أشهر الصيف للتقليص من الضغط على الشبكة الوطنية للكهرباء ومجابهة خطر الانقطاعات المتكررة التي تضر بالاقتصاد الوطني وبراحة المواطن...
هذا المقترح الذي يصنف في خانة الطوارئ ويقتضي إقرار بروتوكول ظرفي يسمح، بمقتضاه، بالعمل عن بُعد بنسبة 100% للوظائف القابلة لذلك، بمجرد إعلان الأرصاد الجوية عن موجة حر استثنائية، على غرار ما تعيشه اليوم أغلب جهات البلاد.
فاليوم أثبتت الدراسات المنجزة في مجال الطاقة واستهلاك الكهرباء في أشهر الصيف تحديدًا، أن المؤسسات والمقرات الإدارية والشركات الكبرى تستهلك كميات هائلة من الطاقة لتشغيل أنظمة التكييف المركزي العملاقة، والإضاءة، وأجهزة الكمبيوتر، والخوادم على مدار الساعة، مما ينهك الشبكة الوطنية للكهرباء، خاصة في أوقات الذروة التي حددت من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثالثة بعد الظهر...
العمل عن بُعد.. آلية لترشيد الاستهلاك
ولم يعد العمل عن بُعد مجرد رفاهية مهنية فرضتها جائحة كورونا سابقًا، بل أصبح اليوم آلية ذكية وصديقة للبيئة والمناخ، يمكن لتونس استغلالها للتكيف مع التغيرات المناخية من جهة، وحماية أمنها الطاقي عبر تأمين صيف آمن ومستقر لجميع المواطنين من جهة ثانية.
والأهم في تطبيق هذه الآلية أنها خطوة مهمة وفعالة لترشيد استهلاك الكهرباء والتقليص من الطلب المتزايد على المكيفات، وهذا ما كشفت عنه المؤشرات الرسمية بتراجع ملحوظ في استهلاك الطاقة عمومًا في مقرات العمل زمن جائحة كورونا.
كما أثبتت البيانات الرسمية للمرصد الوطني للطاقة والمناجم والشركة التونسية للكهرباء والغاز، أن المؤسسات العمومية والخاصة في البلاد تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء في أشهر الصيف، حيث يتوزع الطلب فيها على مستويات الجهد الكهربائي (العالي، والمتوسط، والمنخفض).
ويعد القطاع الصناعي المستهلك الرئيسي للكهرباء في تونس، حيث تستأثر المؤسسات والشركات الصناعية، لوحدها، بنحو 62% من إجمالي الطلب على حرفاء الجهدين العالي والمتوسط، يليه قطاع الخدمات، والذي يشمل الإدارات العمومية والبنوك والفنادق والمستشفيات والمراكز التجارية الكبرى، التي تستأثر هي الأخرى بحصة هامة من الجهد المتوسط.
في حين يستحوذ الاستهلاك المنزلي والقطاع السكني والمحلات الصغيرة، على مستوى الجهد المنخفض، على نحو 75% من مبيعات الجهد المنخفض في البلاد. ويمثل هذا القطاع المعادلة الأصعب صيفًا؛ فبمجرد عودة الموظفين إلى المنازل واشتداد الحرارة، يرتفع استهلاك التكييف المنزلي ليتداخل مع استهلاك المؤسسات، مما يخلق الضغط الأكبر على الشبكة.
لكن الثابت أن المؤسسات والشركات ومقرات العمل عمومًا تمثل عبئًا كبيرًا على الشبكة الوطنية للكهرباء زمن الصيف، مما يستدعي اعتماد آليات ظرفية على المدى القصير، وتزامنًا مع موجة الحر التي تمر بها البلاد، مع التزايد الكبير في الاستهلاك، والتي من شأنها أن تقلص من كل هذه الضغوطات، والعمل عن بُعد يظل أبرز هذه الآليات.
وأجمع العديد من المختصين في مجال الشغل والتوظيف أن العمل عن بُعد يتيح مرونة أكبر في تنظيم أوقات العمل، مما يمكن الموظف من البدء في العمل في أوقات باكرة وتفادي تشغيل الأجهزة في ساعات الذروة القاتلة، ليساهم بالتالي فيما يعرف بـ"تسطيح منحنى الطلب"، ويجنب البلاد خطر الانقطاعات الشاملة.
كذلك أكدت التجارب الأخيرة في مجال العمل عن بُعد أن عمل الموظفين من منازلهم يمكن العديد من الشركات والمؤسسات من إغلاق طوابق بأكملها، أو ضبط مبردات الهواء المركزية على درجات حرارة اقتصادية، مما يوفر طاقة تفوق بكثير ما يستهلكه الموظفون متفرقين في منازلهم.
وبعيدًا عن مستويات الاستهلاك والطلب، يمكن العمل عن بُعد، خلال موجات الحر التي تشهدها البلاد مؤخرًا، من حماية صحة الموظفين؛ لأن تنقلهم في درجات حرارة تفوق 40 درجة مائوية يؤدي مباشرة إلى الإنهاك الحراري وتدهور ملحوظ في صحتهم.
وللإشارة، فإن الشركة التونسية للكهرباء والغاز توقعت أن تصل ذروة الاستهلاك هذا الصيف إلى نحو 5200 ميغاوات، مقتربة جدًا من الخط الأحمر للقدرة المتاحة محليًا للشبكة، والبالغة حوالي 5000 ميغاوات، وهو ما دفع الشركة، في اليومين الأخيرين، إلى اعتماد القطع الدوري المؤقت لتخفيف الأحمال.
وكانت، في السنة المنقضية، في نفس هذه الفترة، قد بلغت ذروة الاستهلاك 4825 ميغاوات، وقبلها بسنة بلغت 4692 ميغاوات، بما يؤكد النسق المتسارع في ارتفاع استهلاك الكهرباء في السنوات الأخيرة بسبب التزايد الكبير في استعمال المكيفات في مقرات العمل والمنازل، خاصة أمام تضاعف عدد المكيفات في بلادنا إلى حد الآن.
تونس - الصباح
تعيش تونس في هذه الفترة موجة حر لم تشهدها من قبل، ليرتفع بذلك الطلب على استهلاك الكهرباء، مما ترتب عليه ضغط غير مسبوق على الشبكة الوطنية للكهرباء نتيجة الذروة الاستهلاكية لأجهزة التكييف، وهو ما تطلب تدخل الجهات الرسمية إلى إعلان جملة من الإجراءات اللازمة تحسبًا من القطع الشامل للكهرباء في كامل البلاد، أو ما يعرف بـ"البلاك أوت"، لحماية الشبكة من الانهيار، وذلك باعتماد الانقطاع الدوري الذي شمل أغلب الجهات والولايات، إلا أن هذه التراتيب تبقى ظرفية وتتطلب حلولًا ناجعة أمام الاستهلاك الكبير للكهرباء.
وفاء بن محمد
وفي هذا الإطار، طالبت العديد من الجهات الرسمية وجملة من المختصين والخبراء في مجال الطاقة بإيجاد حلول فعلية على المدى القصير لتجاوز موجة الحر التي تمر بها البلاد بأخف الأضرار، وكانت أبرز هذه المقترحات المرور إلى العمل عن بُعد خلال ما تبقى من أشهر الصيف للتقليص من الضغط على الشبكة الوطنية للكهرباء ومجابهة خطر الانقطاعات المتكررة التي تضر بالاقتصاد الوطني وبراحة المواطن...
هذا المقترح الذي يصنف في خانة الطوارئ ويقتضي إقرار بروتوكول ظرفي يسمح، بمقتضاه، بالعمل عن بُعد بنسبة 100% للوظائف القابلة لذلك، بمجرد إعلان الأرصاد الجوية عن موجة حر استثنائية، على غرار ما تعيشه اليوم أغلب جهات البلاد.
فاليوم أثبتت الدراسات المنجزة في مجال الطاقة واستهلاك الكهرباء في أشهر الصيف تحديدًا، أن المؤسسات والمقرات الإدارية والشركات الكبرى تستهلك كميات هائلة من الطاقة لتشغيل أنظمة التكييف المركزي العملاقة، والإضاءة، وأجهزة الكمبيوتر، والخوادم على مدار الساعة، مما ينهك الشبكة الوطنية للكهرباء، خاصة في أوقات الذروة التي حددت من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثالثة بعد الظهر...
العمل عن بُعد.. آلية لترشيد الاستهلاك
ولم يعد العمل عن بُعد مجرد رفاهية مهنية فرضتها جائحة كورونا سابقًا، بل أصبح اليوم آلية ذكية وصديقة للبيئة والمناخ، يمكن لتونس استغلالها للتكيف مع التغيرات المناخية من جهة، وحماية أمنها الطاقي عبر تأمين صيف آمن ومستقر لجميع المواطنين من جهة ثانية.
والأهم في تطبيق هذه الآلية أنها خطوة مهمة وفعالة لترشيد استهلاك الكهرباء والتقليص من الطلب المتزايد على المكيفات، وهذا ما كشفت عنه المؤشرات الرسمية بتراجع ملحوظ في استهلاك الطاقة عمومًا في مقرات العمل زمن جائحة كورونا.
كما أثبتت البيانات الرسمية للمرصد الوطني للطاقة والمناجم والشركة التونسية للكهرباء والغاز، أن المؤسسات العمومية والخاصة في البلاد تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء في أشهر الصيف، حيث يتوزع الطلب فيها على مستويات الجهد الكهربائي (العالي، والمتوسط، والمنخفض).
ويعد القطاع الصناعي المستهلك الرئيسي للكهرباء في تونس، حيث تستأثر المؤسسات والشركات الصناعية، لوحدها، بنحو 62% من إجمالي الطلب على حرفاء الجهدين العالي والمتوسط، يليه قطاع الخدمات، والذي يشمل الإدارات العمومية والبنوك والفنادق والمستشفيات والمراكز التجارية الكبرى، التي تستأثر هي الأخرى بحصة هامة من الجهد المتوسط.
في حين يستحوذ الاستهلاك المنزلي والقطاع السكني والمحلات الصغيرة، على مستوى الجهد المنخفض، على نحو 75% من مبيعات الجهد المنخفض في البلاد. ويمثل هذا القطاع المعادلة الأصعب صيفًا؛ فبمجرد عودة الموظفين إلى المنازل واشتداد الحرارة، يرتفع استهلاك التكييف المنزلي ليتداخل مع استهلاك المؤسسات، مما يخلق الضغط الأكبر على الشبكة.
لكن الثابت أن المؤسسات والشركات ومقرات العمل عمومًا تمثل عبئًا كبيرًا على الشبكة الوطنية للكهرباء زمن الصيف، مما يستدعي اعتماد آليات ظرفية على المدى القصير، وتزامنًا مع موجة الحر التي تمر بها البلاد، مع التزايد الكبير في الاستهلاك، والتي من شأنها أن تقلص من كل هذه الضغوطات، والعمل عن بُعد يظل أبرز هذه الآليات.
وأجمع العديد من المختصين في مجال الشغل والتوظيف أن العمل عن بُعد يتيح مرونة أكبر في تنظيم أوقات العمل، مما يمكن الموظف من البدء في العمل في أوقات باكرة وتفادي تشغيل الأجهزة في ساعات الذروة القاتلة، ليساهم بالتالي فيما يعرف بـ"تسطيح منحنى الطلب"، ويجنب البلاد خطر الانقطاعات الشاملة.
كذلك أكدت التجارب الأخيرة في مجال العمل عن بُعد أن عمل الموظفين من منازلهم يمكن العديد من الشركات والمؤسسات من إغلاق طوابق بأكملها، أو ضبط مبردات الهواء المركزية على درجات حرارة اقتصادية، مما يوفر طاقة تفوق بكثير ما يستهلكه الموظفون متفرقين في منازلهم.
وبعيدًا عن مستويات الاستهلاك والطلب، يمكن العمل عن بُعد، خلال موجات الحر التي تشهدها البلاد مؤخرًا، من حماية صحة الموظفين؛ لأن تنقلهم في درجات حرارة تفوق 40 درجة مائوية يؤدي مباشرة إلى الإنهاك الحراري وتدهور ملحوظ في صحتهم.
وللإشارة، فإن الشركة التونسية للكهرباء والغاز توقعت أن تصل ذروة الاستهلاك هذا الصيف إلى نحو 5200 ميغاوات، مقتربة جدًا من الخط الأحمر للقدرة المتاحة محليًا للشبكة، والبالغة حوالي 5000 ميغاوات، وهو ما دفع الشركة، في اليومين الأخيرين، إلى اعتماد القطع الدوري المؤقت لتخفيف الأحمال.
وكانت، في السنة المنقضية، في نفس هذه الفترة، قد بلغت ذروة الاستهلاك 4825 ميغاوات، وقبلها بسنة بلغت 4692 ميغاوات، بما يؤكد النسق المتسارع في ارتفاع استهلاك الكهرباء في السنوات الأخيرة بسبب التزايد الكبير في استعمال المكيفات في مقرات العمل والمنازل، خاصة أمام تضاعف عدد المكيفات في بلادنا إلى حد الآن.