إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في افتتاح الدورة 60 لمهرجان قرطاج الدولي.. صابر الرباعي يحقق حلم لقاء أجيال للأغنية التونسية "تحت الياسمين"

*لطفي بوشناق يعيد للأذهان لقاءه مع الصادق ثريا على ركح قرطاج

*حضور النجوم الشباب تصور مدروس بدقة من نجم الحفل، وتكريم ذكرى محمد لم يغب عن بال الرباعي

*استقبال حماسي من جمهور قرطاج للشاب خالد

 

تونس - الصباح

يتوقف الزمن في مشهد بديع تتقاطع في تفاصيله تجارب فنية تجمع الماضي بالحاضر والمستقبل، في سهرة رمزية تتجاوز الافتتاح التقليدي لدورة من دورات مهرجان قرطاج الدولي.. 60 عاما تختزل ذاكرة وطن، كما وصفها صاحب عرض "تحت الياسمين" صابر الرباعي في افتتاحه ليلة الخميس 16 جويلية الحالي للدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي.. تلتقي الذاكرة روح الشباب المتحمس، وتطبع الهوية نغمات سهرة تتماهى في عمقها الأصالة بإيقاعات أكثر معاصرة.. هنا في قرطاج كانت البداية سنة 1964 بوشم لا يُمحى، "مدرسة النساء" لعلي بن عياد، خيار مسرحي حرص عبره وزير الثقافة آنذاك، الشاذلي القليبي، على تجسيد الهوية التونسية "ما بعد الاستقلال" وتحديد مسارها الثقافي المنفتح والمجدد... مرّ الكثيرون على المسرح الأثري، أسماء عالمية ومطربون عرب وتونسيون تركوا أثرا يغدو اليوم بريقا متأصلا في تاريخ المهرجان، آخرون كانوا عابرين - فأحيانا تخذلنا الخيارات - ومع ذلك لا يفقد قرطاج روحه "المعتّقة"، فكلما مرّ الزمن زاد أصالة وعراقة...

اليوم يعود مهرجان قرطاج الدولي من جديد في دورته الستين مع مبدعيه، راهن على الصوت التونسي بمختلف أجياله وكسب الرهان، فقد احتشد الجمهور بأعداد غفيرة لمواكبة حفل الافتتاح ليلة الخميس 16 جويلية الحالي، وتعالت الأصوات تردد بحماس النشيد الوطني وتستقبل على إيقاعات "ما شاء الله عليها" نجم الحفل صابر الرباعي، والذي رسم رؤية فنية تتماهى والموعد الرمزي للدورة الحالية من المهرجان، جوهرها تثمين مكانة قرطاج "ذاكرة الوطن"، عبارة توجت كلمة ألقاها في بداية سهرته باللغة العربية الفصحى، وأكد خلالها أن هذا الموعد هو لحظة وفاء للمسرح الأثري ومن صنعوا مجده، فعكس عرض "تحت الياسمين" لقاء الأجيال والامتداد المهيب للأغنية التونسية بعبقها المحبب لجمهور قرطاج.. مشهد من أرشيف المهرجان للصادق ثريا يغني "كي ضيق بك الدهر يا مزيانة" مع لطفي بوشناق، يداعب المخيلة، فاختيار استرجاع هذه الصورة الرمزية للقاء المعلم مع صوت هو اليوم واحد من الكبار وسفير للأغنية التونسية منح الافتتاح بعدا أعمق في تصوره الفني والفرجوي للإرث الموسيقي، كنا نطمح أو لنقول "نطمع" أن يذهب العرض أبعد في تثمينه لمسار الأغنية التونسية وحضورها لستين عاما في مضامين مهرجان قرطاج الدولي، إلا أن إدراكنا للإمكانيات المطلوبة لتنفيذ مثل هذا المشروع يحتاج لفترة تحضير أطول وتمويلا أضخم، يشفع للمنظمين ويكون فرصة لمزيد تطوير مثل هذه التصورات مستقبلا، تثمينا لكفاءاتنا الإبداعية وتنمية للقطاع الثقافي وتذكير الجيل اليافع في عروض ضخمة على غرار افتتاح قرطاج بأعمال المؤسسين والرواد بأسلوب معاصر يحمل من الجماليات البصرية الكثير لينساب سلسا في أذهان هذه الفئة العمرية...

فمن الجميل أن نشاهد لوحة فنية لا تتكرر كثيرا، لطفي بوشناق يغني "ريتك ما نعرف وين" مع صابر الرباعي، ونجم الافتتاح يرافقه في غناء "دلولة"، ثم يمنحان بكرم الكبار المعلمين المسرح لبثينة نابولي تغني "نساية" ومحمد علي شبيل في "يا للا".

لقد طوّع صابر الرباعي بذكائه الفني المعهود الأصوات الشابة المختارة لحفله، فهو الأستاذ الذي يكتشف من نبرة الصوت الإمكانات والحدود، فوظّف جيدا اللون الغنائي لكل من محمد علي شبيل، بثينة نابولي، أحمد الرباعي وملكة الشارني في سهرة افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، طالما طالبنا بجمع الكبار مع الشباب في تصور فني يمنح للطرفين البريق المستحق، وفي اعتقادنا قرطاج 2026 نجح في تحقيق هذه الخطوة في سهرته الأولى.

لا يمكن لصابر الرباعي تقديم مقترح فني يُحيي عبره أسماء فنية تركت أثرا في الأغنية التونسية والعربية وعلى مسرح قرطاج، ولا تكون صديقة البدايات، ذكرى محمد، في قلب هذا المشهد. فقد أعاد أمير الطرب العربي إحياء ابتسامة الفنانة الراحلة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي في خلفية المسرح، مستقبلا كلّا من ملكة الشارني وأحمد الرباعي، وغنّوا معا لذكرى "الأسامي" و"كل اللي لاموني" و"يوم ليك"، وعنهما قال صابر الرباعي: صوتا المستقبل، فكل من ملكة الشارني وأحمد الرباعي يطمحان للانتشار العربي ويملكان الإمكانيات لذلك، مشروعهما يوحي بهذه الخيارات وصاحب الحفل يدرك ذلك جيدا، وكان دقيقا في خياراته وتوظيفها في سهرته، دون أن يغير في بصمة ضيوفه الشباب، فاختار تقديم محمد علي شبيل وبثينة نابولي صحبة لطفي بوشناق من منطلق المشروع الموسيقي التجريبي للفنانين الشابين، والمتوقع أن يكونا بدورهما من "حراس" الأغنية التونسية مستقبلا، كما كان وسيظل لطفي بوشناق أحد أعمدتها، بينما ترنو ملكة الشارني للبعد العربي كما أحمد الرباعي، وهنا إمكانية ولادة نجم تونسي عربي في السنوات القادمة واردة جدا، ونشاهد من جديد قصة نجاح استثنائية تشابه تجربة صابر الرباعي.

وعكست سهرة افتتاح مهرجان قرطاج استمتاعا واضحا من الجماهير الحاضرة، خاصة مع استقبال صابر الرباعي لملك الراي الشاب خالد، فالفنان الجزائري يحظى بشعبية كبيرة بين التونسيين، وضاعف غيابه لسنوات عمق الاشتياق لحفلاته، فأضفى تقاسمه الركح مع صابر الرباعي حماسا أكبر للحفل، وهما يغنيان معا في مشهد بدوره لا يتكرر كثيرا على غرار لقاء بوشناق بأمير الطرب العربي..

ولم يكن اختيار "سيدي منصور" و"عبد القادر" اعتباطيا، فالتصور الفني للعرض مدروس بدقة ويترجم عن وعي كبير من صاحب الحفل برمزية هذا الموعد الفني، ويبعث عبره رسائل عميقة وراقية، جوهرها قدرة الإرث الموسيقي التونسي والجزائري على تجاوز حدوده المحلية بأسلوب معاصر ودون أن يفقد هويته..

وفي برنامجه الغنائي الخاص حافظ صابر الرباعي في افتتاح مهرجان قرطاج على خياراته المعتادة، المراوحة بين أشهر أغانيه وإنتاجه الجديد، فقدم من أحدث ألبوماته "طاير"، "شايخ" و"تحت الياسمين"، وغنى مع جمهوره "تمنيت"، "عز الحبايب"، "عزت نفسي"، "مزيانة"، "خلص تارك" و"صيد الريم"، خاتما عرضه بأغنية "برشا".

الجانب اللوجستي والتنظيمي لافتتاح الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي كان أفضل من مواعيد سابقة، لكن نسوق ملاحظة للمنظمين بضرورة توعية الجمهور على مستوى الحفاظ على نظافة المسرح، احتراما لمكانته وهيبته.

نجلاء قموع

 

في افتتاح الدورة 60 لمهرجان قرطاج الدولي..  صابر الرباعي يحقق حلم لقاء أجيال للأغنية التونسية "تحت الياسمين"

*لطفي بوشناق يعيد للأذهان لقاءه مع الصادق ثريا على ركح قرطاج

*حضور النجوم الشباب تصور مدروس بدقة من نجم الحفل، وتكريم ذكرى محمد لم يغب عن بال الرباعي

*استقبال حماسي من جمهور قرطاج للشاب خالد

 

تونس - الصباح

يتوقف الزمن في مشهد بديع تتقاطع في تفاصيله تجارب فنية تجمع الماضي بالحاضر والمستقبل، في سهرة رمزية تتجاوز الافتتاح التقليدي لدورة من دورات مهرجان قرطاج الدولي.. 60 عاما تختزل ذاكرة وطن، كما وصفها صاحب عرض "تحت الياسمين" صابر الرباعي في افتتاحه ليلة الخميس 16 جويلية الحالي للدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي.. تلتقي الذاكرة روح الشباب المتحمس، وتطبع الهوية نغمات سهرة تتماهى في عمقها الأصالة بإيقاعات أكثر معاصرة.. هنا في قرطاج كانت البداية سنة 1964 بوشم لا يُمحى، "مدرسة النساء" لعلي بن عياد، خيار مسرحي حرص عبره وزير الثقافة آنذاك، الشاذلي القليبي، على تجسيد الهوية التونسية "ما بعد الاستقلال" وتحديد مسارها الثقافي المنفتح والمجدد... مرّ الكثيرون على المسرح الأثري، أسماء عالمية ومطربون عرب وتونسيون تركوا أثرا يغدو اليوم بريقا متأصلا في تاريخ المهرجان، آخرون كانوا عابرين - فأحيانا تخذلنا الخيارات - ومع ذلك لا يفقد قرطاج روحه "المعتّقة"، فكلما مرّ الزمن زاد أصالة وعراقة...

اليوم يعود مهرجان قرطاج الدولي من جديد في دورته الستين مع مبدعيه، راهن على الصوت التونسي بمختلف أجياله وكسب الرهان، فقد احتشد الجمهور بأعداد غفيرة لمواكبة حفل الافتتاح ليلة الخميس 16 جويلية الحالي، وتعالت الأصوات تردد بحماس النشيد الوطني وتستقبل على إيقاعات "ما شاء الله عليها" نجم الحفل صابر الرباعي، والذي رسم رؤية فنية تتماهى والموعد الرمزي للدورة الحالية من المهرجان، جوهرها تثمين مكانة قرطاج "ذاكرة الوطن"، عبارة توجت كلمة ألقاها في بداية سهرته باللغة العربية الفصحى، وأكد خلالها أن هذا الموعد هو لحظة وفاء للمسرح الأثري ومن صنعوا مجده، فعكس عرض "تحت الياسمين" لقاء الأجيال والامتداد المهيب للأغنية التونسية بعبقها المحبب لجمهور قرطاج.. مشهد من أرشيف المهرجان للصادق ثريا يغني "كي ضيق بك الدهر يا مزيانة" مع لطفي بوشناق، يداعب المخيلة، فاختيار استرجاع هذه الصورة الرمزية للقاء المعلم مع صوت هو اليوم واحد من الكبار وسفير للأغنية التونسية منح الافتتاح بعدا أعمق في تصوره الفني والفرجوي للإرث الموسيقي، كنا نطمح أو لنقول "نطمع" أن يذهب العرض أبعد في تثمينه لمسار الأغنية التونسية وحضورها لستين عاما في مضامين مهرجان قرطاج الدولي، إلا أن إدراكنا للإمكانيات المطلوبة لتنفيذ مثل هذا المشروع يحتاج لفترة تحضير أطول وتمويلا أضخم، يشفع للمنظمين ويكون فرصة لمزيد تطوير مثل هذه التصورات مستقبلا، تثمينا لكفاءاتنا الإبداعية وتنمية للقطاع الثقافي وتذكير الجيل اليافع في عروض ضخمة على غرار افتتاح قرطاج بأعمال المؤسسين والرواد بأسلوب معاصر يحمل من الجماليات البصرية الكثير لينساب سلسا في أذهان هذه الفئة العمرية...

فمن الجميل أن نشاهد لوحة فنية لا تتكرر كثيرا، لطفي بوشناق يغني "ريتك ما نعرف وين" مع صابر الرباعي، ونجم الافتتاح يرافقه في غناء "دلولة"، ثم يمنحان بكرم الكبار المعلمين المسرح لبثينة نابولي تغني "نساية" ومحمد علي شبيل في "يا للا".

لقد طوّع صابر الرباعي بذكائه الفني المعهود الأصوات الشابة المختارة لحفله، فهو الأستاذ الذي يكتشف من نبرة الصوت الإمكانات والحدود، فوظّف جيدا اللون الغنائي لكل من محمد علي شبيل، بثينة نابولي، أحمد الرباعي وملكة الشارني في سهرة افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، طالما طالبنا بجمع الكبار مع الشباب في تصور فني يمنح للطرفين البريق المستحق، وفي اعتقادنا قرطاج 2026 نجح في تحقيق هذه الخطوة في سهرته الأولى.

لا يمكن لصابر الرباعي تقديم مقترح فني يُحيي عبره أسماء فنية تركت أثرا في الأغنية التونسية والعربية وعلى مسرح قرطاج، ولا تكون صديقة البدايات، ذكرى محمد، في قلب هذا المشهد. فقد أعاد أمير الطرب العربي إحياء ابتسامة الفنانة الراحلة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي في خلفية المسرح، مستقبلا كلّا من ملكة الشارني وأحمد الرباعي، وغنّوا معا لذكرى "الأسامي" و"كل اللي لاموني" و"يوم ليك"، وعنهما قال صابر الرباعي: صوتا المستقبل، فكل من ملكة الشارني وأحمد الرباعي يطمحان للانتشار العربي ويملكان الإمكانيات لذلك، مشروعهما يوحي بهذه الخيارات وصاحب الحفل يدرك ذلك جيدا، وكان دقيقا في خياراته وتوظيفها في سهرته، دون أن يغير في بصمة ضيوفه الشباب، فاختار تقديم محمد علي شبيل وبثينة نابولي صحبة لطفي بوشناق من منطلق المشروع الموسيقي التجريبي للفنانين الشابين، والمتوقع أن يكونا بدورهما من "حراس" الأغنية التونسية مستقبلا، كما كان وسيظل لطفي بوشناق أحد أعمدتها، بينما ترنو ملكة الشارني للبعد العربي كما أحمد الرباعي، وهنا إمكانية ولادة نجم تونسي عربي في السنوات القادمة واردة جدا، ونشاهد من جديد قصة نجاح استثنائية تشابه تجربة صابر الرباعي.

وعكست سهرة افتتاح مهرجان قرطاج استمتاعا واضحا من الجماهير الحاضرة، خاصة مع استقبال صابر الرباعي لملك الراي الشاب خالد، فالفنان الجزائري يحظى بشعبية كبيرة بين التونسيين، وضاعف غيابه لسنوات عمق الاشتياق لحفلاته، فأضفى تقاسمه الركح مع صابر الرباعي حماسا أكبر للحفل، وهما يغنيان معا في مشهد بدوره لا يتكرر كثيرا على غرار لقاء بوشناق بأمير الطرب العربي..

ولم يكن اختيار "سيدي منصور" و"عبد القادر" اعتباطيا، فالتصور الفني للعرض مدروس بدقة ويترجم عن وعي كبير من صاحب الحفل برمزية هذا الموعد الفني، ويبعث عبره رسائل عميقة وراقية، جوهرها قدرة الإرث الموسيقي التونسي والجزائري على تجاوز حدوده المحلية بأسلوب معاصر ودون أن يفقد هويته..

وفي برنامجه الغنائي الخاص حافظ صابر الرباعي في افتتاح مهرجان قرطاج على خياراته المعتادة، المراوحة بين أشهر أغانيه وإنتاجه الجديد، فقدم من أحدث ألبوماته "طاير"، "شايخ" و"تحت الياسمين"، وغنى مع جمهوره "تمنيت"، "عز الحبايب"، "عزت نفسي"، "مزيانة"، "خلص تارك" و"صيد الريم"، خاتما عرضه بأغنية "برشا".

الجانب اللوجستي والتنظيمي لافتتاح الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي كان أفضل من مواعيد سابقة، لكن نسوق ملاحظة للمنظمين بضرورة توعية الجمهور على مستوى الحفاظ على نظافة المسرح، احتراما لمكانته وهيبته.

نجلاء قموع