قبل نقاش مشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير والمتعلقة بالقرض المسند إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز بمبلغ 384 مليونا و800 ألف أورو للمساهمة في تمويل برنامج تحسين نجاعة وفاعلية وحوكمة قطاع الطاقة في تونس ومشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير بصفته الجهة المنفذة لصندوق التكنولوجيا النظيفة والمتعلقة بالقرض المسند إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز بمبلغ 30 مليون دورا للمساهمة في تمويل برنامج تحسين نجاعة وفاعلية وحوكمة قطاع الطاقة في تونس، صادق مجلس نواب الشعب أمس خلال جلسته العامة المنعقدة بقصر باردو على مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية 2026ـ 2030 وكانت نتيجة التصويت كما يلي: 64 موافقون 15 محتفظون 24 رافضون، وبناء على أحكام الدستور والمرسوم المنظم للعلاقات بين الغرفتين النيابيتين، سيتم في المرحلة الموالية النظر في مشروع المخطط من طرف المجلس الوطني للجهات والأقاليم.
وتعقيبا على مداخلات النواب، أكد سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط على أهمية مخطط التنمية الذي تم إعداده بصفة تشاركية حسب وصفه وذكر أنه بفضل مجهودات المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم تم التوصل إلى إعداد الوثيقة التأليفية للمخطط المعروضة على أنظار مجلس نواب الشعب والتي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء يتعلق الجزء الأول بالتوجهات الكبرى والجزء الثاني بالتنمية المجالية والجزء الثالث بالسياسات التنموية. ولاحظ وجود توافق واسع حول تشخيص الأوضاع والتحديات الوطنية والأولويات التنموية وهو ما يعكس إدراكا مشتركا بأن المرحلة تقتضي تعبئة كل الطاقات لتحقيق تنمية عادلة وشاملة وتعزيز مقومات الدولة الاجتماعية وترسيخ الإنصاف والتوازن بين مختلف الجهات والأقاليم الأمر الذي يقتضي بناء اقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة. وأضاف أن النقاش الثري الذي دار تحت قبة البرلمان حول المخطط أكد أن الغاية التي تجمع الوظيفتين التنفيذية والتشريعية واحدة وهي خدمة تونس وتحقيق مصالحها ودعا الجميع كل من موقعه إلى الإسهام في هذا المسار التنموي وتحويل أهدافه إلى انجازات ملموسة تجسد العدالة وتكافؤ الفرص وتستجيب إلى تطلعات المواطنين في مختلف الجهات.
البناء القاعدي
وبين الوزير سمير عبد الحفيظ أن مشروع مخطط التنمية الوارد في ثلاثة أجزاء يكتسي أهمية دستورية ومؤسساتية بالغة بالنظر إلى الدور الذي أسنده دستور الجمهورية التونسية لكل من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في مناقشة مخططات التنمية والمصادقة عليها وهو ما يجسد تكامل الأدوار بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية ويؤكد أن إنجاح هذا المخطط هو مسؤولية وطنية مشتركة. وقال الوزير إن المخطط التنموي يمثل أول مخطط يتم إعداده في ظل دستور 25 جويلية 2022 الذي أرسى مقاربة جديدة للتخطيط التنموي قوامها البناء القاعدي بما يعزز مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات ويكرس سيادة الشعب عبر المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم. ولاحظ أن تونس لديها تاريخا كبيرا في التخطيط منذ الستينات ومنذ أن كان اسم الهيكل المشرف على التخطيط "كتابة الدولة للتصميم والمالية"، وتم وضع أول مخطط سنة 1962. وأضاف في المرحلة الحالية وقع الاختيار على مواصلة اعتماد التخطيط لتوجيه السياسات العمومية لكن بمنهجية جديدة في إطار دستور 2022.
منهج تصاعدي
وتطرق وزير الاقتصاد والتخطيط إلى الدور الموكول إلى المجالس المنتخبة وبين في هذا الصدد أن هذه المجالس تشكل الحلقة المحورية في تشخيص الحاجيات الحقيقية للمواطنين وترتيب الأولويات التنموية وفق خصوصية كل جهة. وأضاف أنه تجسيدا لهذا التوجه اعتمد في إعداد المخطط منهجا تصاعديا انطلاقا من المستوى المحلي فالجهوي فالإقليمي وصولا إلى الوطني بما يضمن انسجام الأولويات وتكامل البرامج وتوافقها مع التوجهات الوطنية. وفسر أن المجالس المنتخبة تختار وتعبر بكل حرية ودون وصاية عن مقترحاتها، وشدد عبد الحفيظ مرة أخرى على أن المقترحات لا تتمثل في مشاريع بل هي رؤى تنموية وهو ما اشتغلت عليه الوزارة مع المجالس المنتخبة عند ضبط منهجية العمل حيث تم ضبط العناصر الكبرى التي تكون مخطط التنمية على المستوى المحلي وعلى المستوى الجهوي وعلى المستوى الإقليمي وتوجد في العناصر الكبرى عملية التشخيص، ولاحظ أنه عندما لا يكون التشخيص جيدا لا يمكن معالجة المشاكل، وذكر أنه تم النظر في مقترحات المجالس إذ أن كل مجلس عبر عن رؤيته التنموية لجهته ومن خلال تلك الرؤية التنموية حدد الأهداف الإستراتيجية التي يريد الاشتغال عليها على مستوى المعتمدية أو على مستوى الولاية ومن خلالها يتم وضع مقترحات مشاريع وبرامج. وقال الوزير إنه لا يمكن الأخذ بكل البرامج وكل المشاريع.
وذكر أن السؤال المطروح اليوم هو هل تم بلوغ نتيجة تلبي كل الانتظارات ولكنه لا يمكنه الإجابة عنه بنعم لكنه يكتفي بالإشارة إلى أن هذا المخطط مهم وجاء في إطار الدستور الجديد الذي نص في الفصل 77 على أن تضبط التوجهات التنموية في مخططات التنمية. وفسر أن الدستور تحدث عن توجهات ولم يتحدث عن مشاريع لكن مداخلات عديد النواب ركزت على المشاريع، وأضاف أنه توجد اليوم توجهات تنموية تم تأليفيها من خلال تقارير المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وكانت هناك محاولة للتنسيق بينها وتم الاستئناس بدراسات إستراتيجية، فتجسيدا لهذا التوجه اعتمد إعداد المخطط منهجيا تصاعديا ينطلق من المستوى المحلي مرورا بالجهوي ثم الإقليمي وصولا إلى الوطني بما يضمن انسجام الأولويات وتكامل البرامج وتوافقها مع التوجهات الوطنية ويعكس هذا المسار حسب قوله قناعة راسخة بأن التنمية تكون أكثر نجاعة كلما انطلقت من تشخيص دقيق لواقع الجهات واستجابت لتطلعات المواطنين لأنه في هذه الحالة يكون هناك تملكا أكبر للمشروع من قبل المواطنين.
وبين الوزير أن التخطيط في السابق كان يعتمد منهجية مختلفة ويتم على المستوى المركزي والحزب الحاكم وبعض المنظمات الوطنية والخبراء وبعد بلورة الخطوط العريضة للمخطط يقع إرساله للبرلمان لنقاشه وينتهي الأمر، أما اليوم فالبلاد تعيش مرحلة تاريخية مهمة جدا حسب وصفه لأن النقاش الذي تم في علاقة بمشروع مخطط التنمية والاهتمام الإعلامي به لم يحصل في السابق. وتعقيبا على النواب الذين قالوا إنه لم يقع تشريك أعضاء مجلس نواب الشعب في إعداد المخطط بين الوزير أن الوظيفة التنفيذية لم تغلق الباب أمام أي شخص، وأوضح أن المجلس المحلي حر في طريقة تواصله مع المواطنين بما فيهم نواب الشعب ولم تكن هناك وصاية على أعمال هذه المجالس. ويرى الوزير أن هذا المخطط يؤسس إلى تفعيل التقسيم الترابي الجديد الذي يشكل ركيزة لإرساء ديناميكية تنموية أكثر تكاملا من خلال جعل الأقاليم فضاءات للتنسيق والتكامل الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز دور الجهات كأقطاب للنمو والاستثمار بما يتيح تثيمن مواردها وميزاتها التفاضلية ويعزز التكامل بينها في إطار وحدة الدولة.
إطار مرجعي
وقال وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ إن مخطط التنمية لا يقتصر على كونه وثيقة برمجة تحدد المشاريع والتدخلات بل يمثل إطارا استراتيجيا مرجعيا لتوجيه السياسات التنموية طيلة الفترة 2026ـ 2030 بما يضمن تكامل البرامج القطاعية والمجالية ويوحد الرؤية بين مختلف المتدخلين ويعزز نجاعة الاستثمار العمومي ويسرع انجاز المشاريع ويرسخ ثقافة المتابعة والتقييم وقياس الأداء وهو أيضا يجسد ما جاء في الدستور الذي نص في الفصل 77 على ما يلي :" تضبط التوجهات التنموية في مخطط التنمية الذي تقع الموافقة عليه بقانون" وأقر الوزير بوجود هنات لكنه أشار إلى أنها أول تجربة لإعداد مخطط في إطار البناء الجديد، ولترجمة هذه الرؤية الجديدة إلى الواقع استند إعداد المخطط حسب قوله إلى جملة من الثوابت الوطنية والخيارات المنهجية التي أطرت مختلف مراحله سواء في تحديد الأولويات أو ضبط مضمون السياسات التنموية والمجالية أو بلورة المشاريع أو صياغة الفرضيات، وذكر أنه في مقدمة هذه الثوابت يأتي تكريس السيادة الوطنية باعتبارها خيارا يؤطر مختلف أبعاد التنمية، ويقوم على حسن توظيف الإمكانيات والموارد الوطنية، وتثمين الثروات والكفاءات التونسية، مع الانفتاح على الشراكات التي تخدم المصلحة الوطنية وتحترم استقلالية القرار الوطني.
وأشار عبد الحفيظ إلى أنه في نفس الإطار تولت وزارة الاقتصاد والتخطيط بالتنسيق مع مختلف الوزارات مرافقة المجالس المنتخبة من خلال توفير أدلة ومن خلال التأطير المنهجي والمساندة الفنية اللازمة بما يمكنها من الاضطلاع باختصاصاتها في أفضل الظروف دون وصاية أو تدخل في اختياراتها أو فرض أسقف مسبقة للمشاريع المقترحة إيمانا بأن الأولويات التنموية تنبع من المجلس والجهوي وتبنى في تكامل مع مختلف المستويات الترابية والقطاعية.
كيفية تمويل المشاريع
وفسر الوزير سمير عبد الحفيظ لنواب الشعب أن اعتماد المنهجية سالفة الذكر في إعداد مخطط التنمية لم تكن تعني إدراج جميع المشاريع المقترحة من قبل المجالس المنتخبة بصفة آلية بل خضعت مختلف المقترحات إلى تقييم وترتيب وفق معايير تراعي مساهمة المشروع في تحقيق أهداف التنمية وأثرة الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن جاهزيته وقابليته للانجاز. وذكر أنه بصفة موازية تم التنسيق الوثيق مع وزارة المالية لضمان اتساق المخطط مع التوازنات المالية للدولة من أجل التوفيق بين الطموح التنموي ومتطلبات الاستدامة المالية حتى يكون هذا المخطط إطارا استراتيجيا واقعيا وقابلا للتنفيذ وليس مجرد وثيقة وجب أن تتضمن قائمة من المشاريع أو إعلانا للنوايا، ومكن هذا التنسيق من تحديد كلفة المشاريع و قدرها 102 مليار دينار ويتم توفير هذا المبلغ من ميزانية الدولة ومن المؤسسات والمنشآت العمومية ومن الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص. وذكر أن هناك من يرى أن مبلغ 102 مليار دينار يفوق قدرة الدولة وهذا معقول لكن إذا أريد اليوم حقا تحريك العجلة الاقتصادية فيجب على القطاع العام أن ينزل بثقله من خلال استثمارات عمومية، ولاحظ أنه بالنظر إلى مطالب الجهات يمكن القول إن الاستجابة لها تتطلب الآلاف والآلاف من المليارات، وخلص الوزير إلى أن الدستور نص على التنمية المستمرة والدائمة وبالتالي فإن الأمر لن يتوقف عند سنة 2030 إذ ستأخذ الأجيال القادمة المشعل وستواصل العمل التنموي.وقال إنه كان هناك تنسيق بين وزارتي الاقتصاد والتخطيط والمالية من أجل ضمان أن يكون مبلغ 102 مليار دينار في إطار الممكن مع الحفاظ على ديمومة المالية العمومية.
وبين عبد الحفيظ أن مسار إعداد مخطط التنموية ارتكز على عمل ميداني واسع وبين أنه حرصا على توفير كل مقومات نجاح المخطط حظيت مختلف مراحل إعداده بمتابعة مستمرة من قبل الحكومة حيث تم عقد عديد المجالس الوزارية برئاسة رئيسة الحكومة خصصت للنظر في مدى تقدم الأشغال ومناقشة المخرجات الأولية، وقد أسهمت هذه المجالس حسب قوله في مزيد إحكام تناسق محاور المخطط وفي تجويد مضامين السياسات والبرامج العمومية وتدقيق محفظة المشاريع الاستثمارية المقترحة، وذكر أن رئيس الجمهورية أولى اهتماما متواصلا بأشغال إعداد مشروع المخطط وأكد على ضرورة أن يكون هذا المخطط نابعا من إرادة المواطنين والمواطنات وكان لذلك أثر بالغ في توجيه مسار إعداد المخطط وفي أن يتم الحرص على أن يعبر المخطط عن انتظارات المواطنين من خلال رؤى تنموية تم إعدادها في إطار المجالس وفي إطار تلك الرؤى تم إعداد محاور إستراتيجية وبعد التأليف تم ضبط خمسة توجهات تنموية كبرى في المخطط وهي التي يجب البناء عليها معا.
فرضيات المخطط
وقال وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ إنه بالتوازي مع هذه الخيارات المنهجية تم إعداد إطار اقتصادي كلي يوازن بين الواقعية والطموح بما يجعله قادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية الوطنية والعالمية وقابلا للتنفيذ في ضوء الإمكانيات المتاحة، وفسر أنه تم إعداد الإطار الاقتصادي الكلي وفق منهجية علمية تراعي الانسجام بين مختلف مكوناته وتعتمد المعطيات الإحصائية الرسمية المتوفرة إلى موفى ديسمبر 2025 بما يضمن تماسك الفرضيات وواقعية التقديرات. ولاحظ أن العديد من النواب طالبوا بمراجعة الفرضيات التي قام عليها المخطط وأكد لهم أن الفرضيات التي تم اعتمادها قامت على معطيات وإحصائيات أواخر 2025 و على التقارير الدولية المتوفرة في تلك الفترة وآخرها آن ذاك تقرير صندوق النقد الدولي لشهر أكتوبر 2025. وبين أنه في إطار النمذجة الاقتصادية لا بد من اعتماد نقطة مرجعية يتم الانطلاق منها وبتطور الأوضاع الاقتصادية على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي تتم العودة إلى الفرضيات وتحيينها في إطار الميزان الاقتصادي السنوي وقوانين المالية. وقال إنه لن يقع تحيين الفرضيات التي قام عليها المخطط يوميا بسبب تغير سعر البترول. وفسر أن خيار مراجعة الفرضيات في إطار الميزان الاقتصادي وقانون المالية كل سنة تم اعتماده بعد نقاش الأمر على مستوى المجالس الوزارية وعلى مستوى مجلس الوزراء بمناسبة النظر في مشروع المخطط، وذكر أنه عند مراجعة النمو العالمي بصفة جذرية فسيؤثر ذلك دون شك على الطلب الخارجي الموجه إلى المنتوجات التونسية وهو ما يتم أخذه بعين الاعتبار في بناء التوقعات بالنسبة إلى النمو وغيرها من المتغيرات.
وخلص الوزير قائلا " إن الإبقاء على الفرضيات الأساسية للمخطط لا يعني تجاهلا للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية الأخيرة وإنما يستجيب إلى متطلبات النمذجة الاقتصادية التي تقتضي اعتماد نقطة مرجعية ثابتة تستند إلى معطيات مستقرة بما يسمح بتقدير الآثار الفعلية للمتغيرات على الاقتصاد الوطني وفق أسس علمية سليمة ويعزز هذا التوجه إقرار المؤسسات الدولية المختصة في نشرياتها الصادرة في أفريل 2026 بالإبقاء على توقعاتها لنمو الاقتصاد الوطني دون تغيير يذكر مقارنة بالتقديرات السابقة". وفسر أنه من الأسلم اعتماد نقطة مرجعية ويتم التحيين إن لزم الأمر من خلال الميزان الاقتصادي. وأشار إلى أن المخطط ليس نصا مقدسا فإذا تغيرت الفرضيات وتغير الوضع العالمي وحصلت صدمات قوية إيجابية كانت أو سلبية على مستوى الاقتصادي التونسي فالأكيد سيتم تحيين الفرضيات والنسب وحتى مبالغ الاستثمارات والكلفة لأن كلفة المشاريع التي تم ضبطها في المخطط هي بدورها تقديرية.
وأضاف عبد الحفيظ أن الحكومة اعتمدت على مقاربة تقوم على المحافظة على الفرضيات الأساسية للمخطط مع إمكانية تحيينها عند إعداد الميزان الاقتصادي لسنة 2027 استنادا إلى معطيات أكثر استقرار وأكثر شمولا. ولاحظ أنه على أساس هذه الفرضيات تم ضبط الأهداف الكمية للمخطط الذي يهدف إلى تحقيق معدل نمو سنوي في حدود 4 فاصل 2 بالمائة خلال فترة 2026ـ 2030 وفق نسق تصاعدي يرتفع من 2 فاصل 6 بالمائة سنة 2025 إلى 5 فاصل 1 بالمائة سنة 2030، ويهدف المخطط حسب قوله إلى الترفيع في الدخل الفردي والارتقاء بتونس إلى الثلث الأول من الشريحة العليا للبلدان متوسطة الدخل في أفق 2030، وذكر أن تحقيق هذه الأهداف الطموحة وارد جدا.
وبين الوزير أن الإطار الاقتصادي الكلي يستهدف كذلك حصر نسبة التضخم في مستوى لا يتجاوز 5 بالمائة طوال فترة المخطط بما يساهم في المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، إلى جانب تدعيم توازنات المالية العمومية والتحكم في نسبة التداين العمومي في حدود لا تتجاوز 80 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي وهو ما يقتضي بالأساس مضاعفة الجهود لتنمية الموارد الذاتية للدولة والارتقاء بمردودية المؤسسات العمومية. ولاحظ أن الهدف بالنسبة إلى الموارد الذاتية للدولة هو بلوغ 80 بالمائة في أوفق 2030 مقارنة بالموارد الجملية للدولة.
ويرى الوزير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى رهين التسريع في تنفيذ كل الإصلاحات وتحديث الأطر المؤسساتية والتشريعية والتقدم في مسار الرقمنة وتسريع نسق انجاز المشاريع العمومية وتهيئة الظروف الملائمة لتحسين مناخ الأعمال واستقطاب الاستثمارات الخاصة حتى يضطلع القطاع الخاص بدور أكبر في خلق الثروة وإحداث مواطن الشغل اللائق في إطار تضمن فيه الدولة التعايش بين القطاعين العام والخاص وتحقيق التكامل بينهما على قاعدة العدل الاجتماعي وهو ما ورد في الفصل 17 من الدستور. وأكد على العمل من أجل توفير كل ما يمكن لتشجيع القطاع الخاص مشيرا إلى وجود هنات في علاقة بمناخ الأعمال وبقانون الاستثمار.
محفظة المشاريع
وأشار وزير الاقتصاد والتخطيط إلى أنه تجسيدا لهذه التوجهات تم اعتماد محفظة متكاملة من المشاريع التي تعد أحد الأدوات الرئيسية لتنفيذ المخطط، وذكر أنه عند إعدادها تمت مراعاة حاجيات التنمية التي أفرزها مسار التخطيط التصاعدي والإمكانيات الفعلية للدولة من حيث التمويل ومن حيث الانجاز. وتضم هذه المحفظة حسب قوله الاستثمارات المباشرة والتدخلات ذات الصبغة التنموية التي تتولى تنفيذها الوزارات والمؤسسات والهياكل العمومية بكامل تراب الجمهورية، وهي تتضمن أيضا استثمارات المؤسسات العمومية والمشاريع المبرمج انجازها في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومن بين المشاريع التي سيتم انجازها في إطار الشراكة بين القطاعين حسب ما أشار إليه الوزير بعض محطات التطهير ومشروع تبارورة. وأكد أن عملية ضبط محفظة المشاريع التنموية حظيت باهتمام الهياكل العمومية من خلال مرافقة المجالس ومدها بالمعطيات الفنية والإحصائية وتأسست المقاربة خاصة على استهداف المشاريع التنموية التي تلامس الحياة اليومية للتونسيين والتي تعكس انتظاراتهم انطلاقا مما تتضمنه تقارير المجالس وفي صدارتها خدمات الصحة والتعليم والتكوين والنقل والمياه والتطهير والسكن الاجتماعي والمشاريع الرياضية والثقافية ومساندة الأنشطة الاقتصادية خاصة الفلاحة وتدعيم النسيج الاقتصادي والسياحة والارتقاء بمنظومات الإنتاج المحلية والجهوية، فكلها ضمّنت في إطار المخطط ببرامج ومشاريع.
وأكد الوزير أن المحفظة شملت أيضا جملة من المشاريع المهيكلة للبنية الأساسية خاصة شبكات طرقات ومسالك وخطوط نقل حديدي ومترو وتطوير الموانئ ومطار تونس قرطاج وإنشاء مناطق صناعية ومشاريع تعبئة الموارد المائية وإنتاج ونقل الكهرباء فضلا عن تحسين التوجه نحو رفع قدرات إنتاج الطاقات المتجددة ورقمنة الخدمات العمومية. وذكر أنه من بين المشاريع المهيكلة هناك مشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة وهو مشروع وطني مهم لذلك سيتواصل انجازه في فترة المخطط، وفسر أنه توجد في المخطط مشاريع جديدة كما توجد مشاريع قديمة سيتواصل انجازها مثل مشاريع تحلية المياه نظرا لأن الوضعية المائية في تونس أصبحت حرجة ولا بد من توفير الماء فهو حق دستوري مثله مثل الصحة، وخلص عبد الحفيظ إلى أن عملية التأليف بين قائمات المشاريع المقترحة من قبل المجالس والهياكل العمومية أرست على اختيار محفظة مشاريع تتكون من 21100 مشروعا علما وأن عدد المشاريع التي وردت على وزارة الاقتصاد والتخطيط كان في حدود 40 ألف مشروع.
توجهات كبرى
ولاحظ وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أن عملية التأليف بين التقارير المجالية والقطاعية والأفقية أفضت إلى بلورة خمسة توجهات تنموية كبرى ستشكل الإطار المرجعي لمختلف السياسات والبرامج والمشاريع العمومية المزمع تنفيذها خلال الفترة 2026ـ2030. وتتمثل هذه التوجهات حسب قوله في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة وتحقيق تنمية مجالية متوازنة وتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة إلى جانب تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام، وفسر أن هذه التوجهات تعكس الرؤية التنموية لتونس القائمة على تحقيق الإنصاف والكرامة وذلك بفضل الالتزام بتأمين تكافؤ الفرص لجميع التونسيين وتقاسم الثروة بينهم دون إقصاء وخلق حركية تنموية أكثر أثرا خاصة في الجهات الأقل تنمية وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني وتدعيم القدرة على مجابهة الصدمات الداخلية والخارجية وضمان حسن استغلال الموارد الطبيعية والمحافظة على ديمومتها وتطوير القدرات المؤسساتية وتحديث التشريعات. ويرى الوزير أن تجسيد هذه التوجهات يظل رهين الإصلاحات المبرمجة ضمن المخطط لخلق بيئة دافعة ومحفزة للعمل والإنتاجية والابتكار والتجديد والمبادرة والاستثمار وغيرها من الإصلاحات.
وأضاف الوزير قائلا: "يحتل ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة موقعا محوريا في مخطط التنمية انطلاقا من قناعة راسخة بأن الإنسان غاية التنمية وركيزتها الأساسية وأن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم رهانات بناء اقتصاد أكثر إنتاجية والأهم من ذلك بناء مجتمع أكثر تماسكا، ويهدف هذا التوجه إلى ترسيخ مقومات الدولة الاجتماعية وتعزيز تكافؤ الفرص والارتقاء بجودة الحياة بما يضمن النفاذ العادل للخدمات الأساسية في التعليم والصحة والعمل والسكن اللائق ويستهدف المخطط الارتقاء بالدخل الفردي والتقليص في نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة وتحسين مؤشر التنمية البشرية لبلوغ مستوى البلدان ذات التنمية البشرية المرتفعة بما يعكس الانتقال من معالجة الاختلالات البشرية إلى بناء مقومات تنمية بشرية متكاملة ويرتكز هذا المسار على تطوير منظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي والرفع من جودة مخرجاتها ومواءمتها مع متطلبات الاقتصاد ومهن المستقبل إلى جانب تطوير المنظومة الصحية وضمان النفاذ إلى الخدمة الصحية، ولا تقتصر العدالة الاجتماعية على ضمان الخدمات الأساسية بل تشمل دعم العمل اللائق وتطوير سياسات التشغيل ودعم ريادة الأعمال والشركات الأهلية ودعم الفئات الهشة والمرأة والشباب ودعم السكن الاجتماعي".
تنمية مجالية متوازنة
وأضاف الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أن تحقيق تنمية مجالية متوازنة يمثل أحد التحولات النوعية التي قام عليها المخطط التنموي باعتباره تجسيدا لمقاربة جديدة في التخطيط التنموي تقوم على تثمين المبادرات المحلية واعتماد التخطيط التصاعدي بما يجعل من الجهات والأقاليم فاعلا أساسيا في تحديد أولوياتها التنموية وتوظيف مواردها الذاتية، ويتركز هذا التوجه حسب قوله على تقليص الفوارق بين المجالات الترابية وتعزيز قدرتها على إدارة شأنها التنموي وتثمين خصوصياتها ومزاياها التفاضلية بما يمكنها من الاضطلاع بدور أكبر في مسار التنمية. وذكر أنه في هذا الإطار يهدف المخطط إلى الترفيع في المعدل الوطني لمؤشر التنمية الجهوية وتقليص الفارق بين الحد الأدنى والحد الأقصى من مؤشر التنمية الجهوية، ولاحظ وجود تفاوت بين الولايات وتفاوت بين معتمديات نفس الولاية وتفاوت بين عمادات نفس المعتمدية، وذكر أنه بفضل الاستثمارات التي ستقوم بها الدولة من المؤمل الحد من هذا التفاوت والرفع في معدل مؤشر التنمية الجهوية على مستوى وطني من صفر فاصل 54 إلى صفر فاصل 6. وأضاف أن تدخلات المخطط ستتركز أيضا على دعم قدرات الهياكل المحلية والجهوية والإقليمية في انجاز المشاريع. وبين أنه سيتم العمل على تحويل المجالات الترابية إلى فضاءات للعدالة الاجتماعية وتنمية الرأسمال البشري بفضل تحسين النفاذ إلى الخدمات الأساسية وتطوير التعليم والصحة والسكن وتعزيز صمودها أمام التحديات البيئية والمناخية.
تبسيط الإجراءات
وتطرق الوزير سمير عبد الحفيظ إثر ذلك إلى عديد البرامج والمشاريع التي تضمنها مخطط التنمية والتي تتنزل في إطار تعصير النسيج الاقتصادي أو في إطار تحقيق الأمن المائي والغذائي والطاقي، كما تحدث عن الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام كأحد المرتكزات الأساسية لإنجاح المخطط التنموي وتعزيز ثقة المواطن في الدولة، وأشار في هذا الصدد إلى أنه يتم العمل على تبسيط الإجراءات الإدارية ورقمنتها ومراجعة الإجراءات المستوجبة على المتعاملين مع الإدارة وقد تم وضع مشروع للغرض بهدف تحسين الخدمات وتم جرد 3197 إجراء إداريا لدى رئاسة الحكومة و24 وزارة ومختلف الهياكل تحت إشرافها، وتم عرض نتائج عملية المراجعة على مجلس وزاري بتاريخ 21 جوان 2024 وتمت المصادقة على تبسيط 2255 إجراء إداريا أي ما يمثل 71 بالمائة من جملة الإجراءات كما تمت المصادقة على حذف 177 إجراء أي بنسبة 6 بالمائة. وذكر أنه في إطار تنفيذ المشروع تم إعداد مخطط عمل للفترة 2025 ـ 2027، وسيتم تجسيم نتائج المشروع في منصة وطنية للإجراءات الإدارية تلغي وتعوض منظومة "سيكاد" وهي ستثمل الدليل الوطني والمرجع الموحد للإجراءات الإدارية وتبسيط النفاذ إليها بكل شفافية. وقال الوزير إن هذا التوجه يرتكز على تعزيز الشفافية وتطوير منظومات التخطيط والتصرف العمومي المبني على النتائج فضلا عن بناء مؤسسات عصرية أكثر قدرة على الانجاز وإدارة عصرية وأضاف أن منظومات العدالة والأمن والدفاع ستضطلع بدور محوري في تعزيز دولة القانون وتعزيز الأمن والاستقرار واستعرض عبد الحفيظ بعض البرامج المدرجة في المخطط في علاقة بهذه المنظومات وكذلك في علاقة بالدبلوماسية والتعاون الدولي.
وخلص الوزير إلى أن نجاح المخطط بما يتضمنه من توجهات وأهداف ومؤشرات سيقاس بمدى قدرة الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية على العمل سويا على تجسيد المصلحة الوطنية وتحويل مضامينه إلى مشاريع منجزة واستثمارات منتجة ومواطن شغل محدثة وخدمات عمومية أكثر جودة وتنمية يلمس المواطن آثارها في كل جهة وكل معتمدية وكل عمادة، فالرهان الحقيقي حسب رأيه هو رهان التنفيذ بما يقتضيه ذلك من تنسيق بين مختلف المتدخلين ومتابعة دقيقة وتقييم مستمر حتى تتحول أهداف المخطط وتوجهاته إلى نتائج ملموسة.
سعيدة بوهلال
تونس-الصباح
قبل نقاش مشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير والمتعلقة بالقرض المسند إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز بمبلغ 384 مليونا و800 ألف أورو للمساهمة في تمويل برنامج تحسين نجاعة وفاعلية وحوكمة قطاع الطاقة في تونس ومشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاقية الضمان المبرمة بتاريخ 3 نوفمبر 2025 بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير بصفته الجهة المنفذة لصندوق التكنولوجيا النظيفة والمتعلقة بالقرض المسند إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز بمبلغ 30 مليون دورا للمساهمة في تمويل برنامج تحسين نجاعة وفاعلية وحوكمة قطاع الطاقة في تونس، صادق مجلس نواب الشعب أمس خلال جلسته العامة المنعقدة بقصر باردو على مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية 2026ـ 2030 وكانت نتيجة التصويت كما يلي: 64 موافقون 15 محتفظون 24 رافضون، وبناء على أحكام الدستور والمرسوم المنظم للعلاقات بين الغرفتين النيابيتين، سيتم في المرحلة الموالية النظر في مشروع المخطط من طرف المجلس الوطني للجهات والأقاليم.
وتعقيبا على مداخلات النواب، أكد سمير عبد الحفيظ وزير الاقتصاد والتخطيط على أهمية مخطط التنمية الذي تم إعداده بصفة تشاركية حسب وصفه وذكر أنه بفضل مجهودات المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم تم التوصل إلى إعداد الوثيقة التأليفية للمخطط المعروضة على أنظار مجلس نواب الشعب والتي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء يتعلق الجزء الأول بالتوجهات الكبرى والجزء الثاني بالتنمية المجالية والجزء الثالث بالسياسات التنموية. ولاحظ وجود توافق واسع حول تشخيص الأوضاع والتحديات الوطنية والأولويات التنموية وهو ما يعكس إدراكا مشتركا بأن المرحلة تقتضي تعبئة كل الطاقات لتحقيق تنمية عادلة وشاملة وتعزيز مقومات الدولة الاجتماعية وترسيخ الإنصاف والتوازن بين مختلف الجهات والأقاليم الأمر الذي يقتضي بناء اقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة. وأضاف أن النقاش الثري الذي دار تحت قبة البرلمان حول المخطط أكد أن الغاية التي تجمع الوظيفتين التنفيذية والتشريعية واحدة وهي خدمة تونس وتحقيق مصالحها ودعا الجميع كل من موقعه إلى الإسهام في هذا المسار التنموي وتحويل أهدافه إلى انجازات ملموسة تجسد العدالة وتكافؤ الفرص وتستجيب إلى تطلعات المواطنين في مختلف الجهات.
البناء القاعدي
وبين الوزير سمير عبد الحفيظ أن مشروع مخطط التنمية الوارد في ثلاثة أجزاء يكتسي أهمية دستورية ومؤسساتية بالغة بالنظر إلى الدور الذي أسنده دستور الجمهورية التونسية لكل من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في مناقشة مخططات التنمية والمصادقة عليها وهو ما يجسد تكامل الأدوار بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية ويؤكد أن إنجاح هذا المخطط هو مسؤولية وطنية مشتركة. وقال الوزير إن المخطط التنموي يمثل أول مخطط يتم إعداده في ظل دستور 25 جويلية 2022 الذي أرسى مقاربة جديدة للتخطيط التنموي قوامها البناء القاعدي بما يعزز مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات ويكرس سيادة الشعب عبر المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم. ولاحظ أن تونس لديها تاريخا كبيرا في التخطيط منذ الستينات ومنذ أن كان اسم الهيكل المشرف على التخطيط "كتابة الدولة للتصميم والمالية"، وتم وضع أول مخطط سنة 1962. وأضاف في المرحلة الحالية وقع الاختيار على مواصلة اعتماد التخطيط لتوجيه السياسات العمومية لكن بمنهجية جديدة في إطار دستور 2022.
منهج تصاعدي
وتطرق وزير الاقتصاد والتخطيط إلى الدور الموكول إلى المجالس المنتخبة وبين في هذا الصدد أن هذه المجالس تشكل الحلقة المحورية في تشخيص الحاجيات الحقيقية للمواطنين وترتيب الأولويات التنموية وفق خصوصية كل جهة. وأضاف أنه تجسيدا لهذا التوجه اعتمد في إعداد المخطط منهجا تصاعديا انطلاقا من المستوى المحلي فالجهوي فالإقليمي وصولا إلى الوطني بما يضمن انسجام الأولويات وتكامل البرامج وتوافقها مع التوجهات الوطنية. وفسر أن المجالس المنتخبة تختار وتعبر بكل حرية ودون وصاية عن مقترحاتها، وشدد عبد الحفيظ مرة أخرى على أن المقترحات لا تتمثل في مشاريع بل هي رؤى تنموية وهو ما اشتغلت عليه الوزارة مع المجالس المنتخبة عند ضبط منهجية العمل حيث تم ضبط العناصر الكبرى التي تكون مخطط التنمية على المستوى المحلي وعلى المستوى الجهوي وعلى المستوى الإقليمي وتوجد في العناصر الكبرى عملية التشخيص، ولاحظ أنه عندما لا يكون التشخيص جيدا لا يمكن معالجة المشاكل، وذكر أنه تم النظر في مقترحات المجالس إذ أن كل مجلس عبر عن رؤيته التنموية لجهته ومن خلال تلك الرؤية التنموية حدد الأهداف الإستراتيجية التي يريد الاشتغال عليها على مستوى المعتمدية أو على مستوى الولاية ومن خلالها يتم وضع مقترحات مشاريع وبرامج. وقال الوزير إنه لا يمكن الأخذ بكل البرامج وكل المشاريع.
وذكر أن السؤال المطروح اليوم هو هل تم بلوغ نتيجة تلبي كل الانتظارات ولكنه لا يمكنه الإجابة عنه بنعم لكنه يكتفي بالإشارة إلى أن هذا المخطط مهم وجاء في إطار الدستور الجديد الذي نص في الفصل 77 على أن تضبط التوجهات التنموية في مخططات التنمية. وفسر أن الدستور تحدث عن توجهات ولم يتحدث عن مشاريع لكن مداخلات عديد النواب ركزت على المشاريع، وأضاف أنه توجد اليوم توجهات تنموية تم تأليفيها من خلال تقارير المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وكانت هناك محاولة للتنسيق بينها وتم الاستئناس بدراسات إستراتيجية، فتجسيدا لهذا التوجه اعتمد إعداد المخطط منهجيا تصاعديا ينطلق من المستوى المحلي مرورا بالجهوي ثم الإقليمي وصولا إلى الوطني بما يضمن انسجام الأولويات وتكامل البرامج وتوافقها مع التوجهات الوطنية ويعكس هذا المسار حسب قوله قناعة راسخة بأن التنمية تكون أكثر نجاعة كلما انطلقت من تشخيص دقيق لواقع الجهات واستجابت لتطلعات المواطنين لأنه في هذه الحالة يكون هناك تملكا أكبر للمشروع من قبل المواطنين.
وبين الوزير أن التخطيط في السابق كان يعتمد منهجية مختلفة ويتم على المستوى المركزي والحزب الحاكم وبعض المنظمات الوطنية والخبراء وبعد بلورة الخطوط العريضة للمخطط يقع إرساله للبرلمان لنقاشه وينتهي الأمر، أما اليوم فالبلاد تعيش مرحلة تاريخية مهمة جدا حسب وصفه لأن النقاش الذي تم في علاقة بمشروع مخطط التنمية والاهتمام الإعلامي به لم يحصل في السابق. وتعقيبا على النواب الذين قالوا إنه لم يقع تشريك أعضاء مجلس نواب الشعب في إعداد المخطط بين الوزير أن الوظيفة التنفيذية لم تغلق الباب أمام أي شخص، وأوضح أن المجلس المحلي حر في طريقة تواصله مع المواطنين بما فيهم نواب الشعب ولم تكن هناك وصاية على أعمال هذه المجالس. ويرى الوزير أن هذا المخطط يؤسس إلى تفعيل التقسيم الترابي الجديد الذي يشكل ركيزة لإرساء ديناميكية تنموية أكثر تكاملا من خلال جعل الأقاليم فضاءات للتنسيق والتكامل الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز دور الجهات كأقطاب للنمو والاستثمار بما يتيح تثيمن مواردها وميزاتها التفاضلية ويعزز التكامل بينها في إطار وحدة الدولة.
إطار مرجعي
وقال وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ إن مخطط التنمية لا يقتصر على كونه وثيقة برمجة تحدد المشاريع والتدخلات بل يمثل إطارا استراتيجيا مرجعيا لتوجيه السياسات التنموية طيلة الفترة 2026ـ 2030 بما يضمن تكامل البرامج القطاعية والمجالية ويوحد الرؤية بين مختلف المتدخلين ويعزز نجاعة الاستثمار العمومي ويسرع انجاز المشاريع ويرسخ ثقافة المتابعة والتقييم وقياس الأداء وهو أيضا يجسد ما جاء في الدستور الذي نص في الفصل 77 على ما يلي :" تضبط التوجهات التنموية في مخطط التنمية الذي تقع الموافقة عليه بقانون" وأقر الوزير بوجود هنات لكنه أشار إلى أنها أول تجربة لإعداد مخطط في إطار البناء الجديد، ولترجمة هذه الرؤية الجديدة إلى الواقع استند إعداد المخطط حسب قوله إلى جملة من الثوابت الوطنية والخيارات المنهجية التي أطرت مختلف مراحله سواء في تحديد الأولويات أو ضبط مضمون السياسات التنموية والمجالية أو بلورة المشاريع أو صياغة الفرضيات، وذكر أنه في مقدمة هذه الثوابت يأتي تكريس السيادة الوطنية باعتبارها خيارا يؤطر مختلف أبعاد التنمية، ويقوم على حسن توظيف الإمكانيات والموارد الوطنية، وتثمين الثروات والكفاءات التونسية، مع الانفتاح على الشراكات التي تخدم المصلحة الوطنية وتحترم استقلالية القرار الوطني.
وأشار عبد الحفيظ إلى أنه في نفس الإطار تولت وزارة الاقتصاد والتخطيط بالتنسيق مع مختلف الوزارات مرافقة المجالس المنتخبة من خلال توفير أدلة ومن خلال التأطير المنهجي والمساندة الفنية اللازمة بما يمكنها من الاضطلاع باختصاصاتها في أفضل الظروف دون وصاية أو تدخل في اختياراتها أو فرض أسقف مسبقة للمشاريع المقترحة إيمانا بأن الأولويات التنموية تنبع من المجلس والجهوي وتبنى في تكامل مع مختلف المستويات الترابية والقطاعية.
كيفية تمويل المشاريع
وفسر الوزير سمير عبد الحفيظ لنواب الشعب أن اعتماد المنهجية سالفة الذكر في إعداد مخطط التنمية لم تكن تعني إدراج جميع المشاريع المقترحة من قبل المجالس المنتخبة بصفة آلية بل خضعت مختلف المقترحات إلى تقييم وترتيب وفق معايير تراعي مساهمة المشروع في تحقيق أهداف التنمية وأثرة الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن جاهزيته وقابليته للانجاز. وذكر أنه بصفة موازية تم التنسيق الوثيق مع وزارة المالية لضمان اتساق المخطط مع التوازنات المالية للدولة من أجل التوفيق بين الطموح التنموي ومتطلبات الاستدامة المالية حتى يكون هذا المخطط إطارا استراتيجيا واقعيا وقابلا للتنفيذ وليس مجرد وثيقة وجب أن تتضمن قائمة من المشاريع أو إعلانا للنوايا، ومكن هذا التنسيق من تحديد كلفة المشاريع و قدرها 102 مليار دينار ويتم توفير هذا المبلغ من ميزانية الدولة ومن المؤسسات والمنشآت العمومية ومن الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص. وذكر أن هناك من يرى أن مبلغ 102 مليار دينار يفوق قدرة الدولة وهذا معقول لكن إذا أريد اليوم حقا تحريك العجلة الاقتصادية فيجب على القطاع العام أن ينزل بثقله من خلال استثمارات عمومية، ولاحظ أنه بالنظر إلى مطالب الجهات يمكن القول إن الاستجابة لها تتطلب الآلاف والآلاف من المليارات، وخلص الوزير إلى أن الدستور نص على التنمية المستمرة والدائمة وبالتالي فإن الأمر لن يتوقف عند سنة 2030 إذ ستأخذ الأجيال القادمة المشعل وستواصل العمل التنموي.وقال إنه كان هناك تنسيق بين وزارتي الاقتصاد والتخطيط والمالية من أجل ضمان أن يكون مبلغ 102 مليار دينار في إطار الممكن مع الحفاظ على ديمومة المالية العمومية.
وبين عبد الحفيظ أن مسار إعداد مخطط التنموية ارتكز على عمل ميداني واسع وبين أنه حرصا على توفير كل مقومات نجاح المخطط حظيت مختلف مراحل إعداده بمتابعة مستمرة من قبل الحكومة حيث تم عقد عديد المجالس الوزارية برئاسة رئيسة الحكومة خصصت للنظر في مدى تقدم الأشغال ومناقشة المخرجات الأولية، وقد أسهمت هذه المجالس حسب قوله في مزيد إحكام تناسق محاور المخطط وفي تجويد مضامين السياسات والبرامج العمومية وتدقيق محفظة المشاريع الاستثمارية المقترحة، وذكر أن رئيس الجمهورية أولى اهتماما متواصلا بأشغال إعداد مشروع المخطط وأكد على ضرورة أن يكون هذا المخطط نابعا من إرادة المواطنين والمواطنات وكان لذلك أثر بالغ في توجيه مسار إعداد المخطط وفي أن يتم الحرص على أن يعبر المخطط عن انتظارات المواطنين من خلال رؤى تنموية تم إعدادها في إطار المجالس وفي إطار تلك الرؤى تم إعداد محاور إستراتيجية وبعد التأليف تم ضبط خمسة توجهات تنموية كبرى في المخطط وهي التي يجب البناء عليها معا.
فرضيات المخطط
وقال وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ إنه بالتوازي مع هذه الخيارات المنهجية تم إعداد إطار اقتصادي كلي يوازن بين الواقعية والطموح بما يجعله قادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية الوطنية والعالمية وقابلا للتنفيذ في ضوء الإمكانيات المتاحة، وفسر أنه تم إعداد الإطار الاقتصادي الكلي وفق منهجية علمية تراعي الانسجام بين مختلف مكوناته وتعتمد المعطيات الإحصائية الرسمية المتوفرة إلى موفى ديسمبر 2025 بما يضمن تماسك الفرضيات وواقعية التقديرات. ولاحظ أن العديد من النواب طالبوا بمراجعة الفرضيات التي قام عليها المخطط وأكد لهم أن الفرضيات التي تم اعتمادها قامت على معطيات وإحصائيات أواخر 2025 و على التقارير الدولية المتوفرة في تلك الفترة وآخرها آن ذاك تقرير صندوق النقد الدولي لشهر أكتوبر 2025. وبين أنه في إطار النمذجة الاقتصادية لا بد من اعتماد نقطة مرجعية يتم الانطلاق منها وبتطور الأوضاع الاقتصادية على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي تتم العودة إلى الفرضيات وتحيينها في إطار الميزان الاقتصادي السنوي وقوانين المالية. وقال إنه لن يقع تحيين الفرضيات التي قام عليها المخطط يوميا بسبب تغير سعر البترول. وفسر أن خيار مراجعة الفرضيات في إطار الميزان الاقتصادي وقانون المالية كل سنة تم اعتماده بعد نقاش الأمر على مستوى المجالس الوزارية وعلى مستوى مجلس الوزراء بمناسبة النظر في مشروع المخطط، وذكر أنه عند مراجعة النمو العالمي بصفة جذرية فسيؤثر ذلك دون شك على الطلب الخارجي الموجه إلى المنتوجات التونسية وهو ما يتم أخذه بعين الاعتبار في بناء التوقعات بالنسبة إلى النمو وغيرها من المتغيرات.
وخلص الوزير قائلا " إن الإبقاء على الفرضيات الأساسية للمخطط لا يعني تجاهلا للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية الأخيرة وإنما يستجيب إلى متطلبات النمذجة الاقتصادية التي تقتضي اعتماد نقطة مرجعية ثابتة تستند إلى معطيات مستقرة بما يسمح بتقدير الآثار الفعلية للمتغيرات على الاقتصاد الوطني وفق أسس علمية سليمة ويعزز هذا التوجه إقرار المؤسسات الدولية المختصة في نشرياتها الصادرة في أفريل 2026 بالإبقاء على توقعاتها لنمو الاقتصاد الوطني دون تغيير يذكر مقارنة بالتقديرات السابقة". وفسر أنه من الأسلم اعتماد نقطة مرجعية ويتم التحيين إن لزم الأمر من خلال الميزان الاقتصادي. وأشار إلى أن المخطط ليس نصا مقدسا فإذا تغيرت الفرضيات وتغير الوضع العالمي وحصلت صدمات قوية إيجابية كانت أو سلبية على مستوى الاقتصادي التونسي فالأكيد سيتم تحيين الفرضيات والنسب وحتى مبالغ الاستثمارات والكلفة لأن كلفة المشاريع التي تم ضبطها في المخطط هي بدورها تقديرية.
وأضاف عبد الحفيظ أن الحكومة اعتمدت على مقاربة تقوم على المحافظة على الفرضيات الأساسية للمخطط مع إمكانية تحيينها عند إعداد الميزان الاقتصادي لسنة 2027 استنادا إلى معطيات أكثر استقرار وأكثر شمولا. ولاحظ أنه على أساس هذه الفرضيات تم ضبط الأهداف الكمية للمخطط الذي يهدف إلى تحقيق معدل نمو سنوي في حدود 4 فاصل 2 بالمائة خلال فترة 2026ـ 2030 وفق نسق تصاعدي يرتفع من 2 فاصل 6 بالمائة سنة 2025 إلى 5 فاصل 1 بالمائة سنة 2030، ويهدف المخطط حسب قوله إلى الترفيع في الدخل الفردي والارتقاء بتونس إلى الثلث الأول من الشريحة العليا للبلدان متوسطة الدخل في أفق 2030، وذكر أن تحقيق هذه الأهداف الطموحة وارد جدا.
وبين الوزير أن الإطار الاقتصادي الكلي يستهدف كذلك حصر نسبة التضخم في مستوى لا يتجاوز 5 بالمائة طوال فترة المخطط بما يساهم في المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، إلى جانب تدعيم توازنات المالية العمومية والتحكم في نسبة التداين العمومي في حدود لا تتجاوز 80 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي وهو ما يقتضي بالأساس مضاعفة الجهود لتنمية الموارد الذاتية للدولة والارتقاء بمردودية المؤسسات العمومية. ولاحظ أن الهدف بالنسبة إلى الموارد الذاتية للدولة هو بلوغ 80 بالمائة في أوفق 2030 مقارنة بالموارد الجملية للدولة.
ويرى الوزير أن تحقيق هذه الأهداف يبقى رهين التسريع في تنفيذ كل الإصلاحات وتحديث الأطر المؤسساتية والتشريعية والتقدم في مسار الرقمنة وتسريع نسق انجاز المشاريع العمومية وتهيئة الظروف الملائمة لتحسين مناخ الأعمال واستقطاب الاستثمارات الخاصة حتى يضطلع القطاع الخاص بدور أكبر في خلق الثروة وإحداث مواطن الشغل اللائق في إطار تضمن فيه الدولة التعايش بين القطاعين العام والخاص وتحقيق التكامل بينهما على قاعدة العدل الاجتماعي وهو ما ورد في الفصل 17 من الدستور. وأكد على العمل من أجل توفير كل ما يمكن لتشجيع القطاع الخاص مشيرا إلى وجود هنات في علاقة بمناخ الأعمال وبقانون الاستثمار.
محفظة المشاريع
وأشار وزير الاقتصاد والتخطيط إلى أنه تجسيدا لهذه التوجهات تم اعتماد محفظة متكاملة من المشاريع التي تعد أحد الأدوات الرئيسية لتنفيذ المخطط، وذكر أنه عند إعدادها تمت مراعاة حاجيات التنمية التي أفرزها مسار التخطيط التصاعدي والإمكانيات الفعلية للدولة من حيث التمويل ومن حيث الانجاز. وتضم هذه المحفظة حسب قوله الاستثمارات المباشرة والتدخلات ذات الصبغة التنموية التي تتولى تنفيذها الوزارات والمؤسسات والهياكل العمومية بكامل تراب الجمهورية، وهي تتضمن أيضا استثمارات المؤسسات العمومية والمشاريع المبرمج انجازها في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومن بين المشاريع التي سيتم انجازها في إطار الشراكة بين القطاعين حسب ما أشار إليه الوزير بعض محطات التطهير ومشروع تبارورة. وأكد أن عملية ضبط محفظة المشاريع التنموية حظيت باهتمام الهياكل العمومية من خلال مرافقة المجالس ومدها بالمعطيات الفنية والإحصائية وتأسست المقاربة خاصة على استهداف المشاريع التنموية التي تلامس الحياة اليومية للتونسيين والتي تعكس انتظاراتهم انطلاقا مما تتضمنه تقارير المجالس وفي صدارتها خدمات الصحة والتعليم والتكوين والنقل والمياه والتطهير والسكن الاجتماعي والمشاريع الرياضية والثقافية ومساندة الأنشطة الاقتصادية خاصة الفلاحة وتدعيم النسيج الاقتصادي والسياحة والارتقاء بمنظومات الإنتاج المحلية والجهوية، فكلها ضمّنت في إطار المخطط ببرامج ومشاريع.
وأكد الوزير أن المحفظة شملت أيضا جملة من المشاريع المهيكلة للبنية الأساسية خاصة شبكات طرقات ومسالك وخطوط نقل حديدي ومترو وتطوير الموانئ ومطار تونس قرطاج وإنشاء مناطق صناعية ومشاريع تعبئة الموارد المائية وإنتاج ونقل الكهرباء فضلا عن تحسين التوجه نحو رفع قدرات إنتاج الطاقات المتجددة ورقمنة الخدمات العمومية. وذكر أنه من بين المشاريع المهيكلة هناك مشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة وهو مشروع وطني مهم لذلك سيتواصل انجازه في فترة المخطط، وفسر أنه توجد في المخطط مشاريع جديدة كما توجد مشاريع قديمة سيتواصل انجازها مثل مشاريع تحلية المياه نظرا لأن الوضعية المائية في تونس أصبحت حرجة ولا بد من توفير الماء فهو حق دستوري مثله مثل الصحة، وخلص عبد الحفيظ إلى أن عملية التأليف بين قائمات المشاريع المقترحة من قبل المجالس والهياكل العمومية أرست على اختيار محفظة مشاريع تتكون من 21100 مشروعا علما وأن عدد المشاريع التي وردت على وزارة الاقتصاد والتخطيط كان في حدود 40 ألف مشروع.
توجهات كبرى
ولاحظ وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أن عملية التأليف بين التقارير المجالية والقطاعية والأفقية أفضت إلى بلورة خمسة توجهات تنموية كبرى ستشكل الإطار المرجعي لمختلف السياسات والبرامج والمشاريع العمومية المزمع تنفيذها خلال الفترة 2026ـ2030. وتتمثل هذه التوجهات حسب قوله في ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة وتحقيق تنمية مجالية متوازنة وتعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والحفاظ على بيئة سليمة إلى جانب تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام، وفسر أن هذه التوجهات تعكس الرؤية التنموية لتونس القائمة على تحقيق الإنصاف والكرامة وذلك بفضل الالتزام بتأمين تكافؤ الفرص لجميع التونسيين وتقاسم الثروة بينهم دون إقصاء وخلق حركية تنموية أكثر أثرا خاصة في الجهات الأقل تنمية وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني وتدعيم القدرة على مجابهة الصدمات الداخلية والخارجية وضمان حسن استغلال الموارد الطبيعية والمحافظة على ديمومتها وتطوير القدرات المؤسساتية وتحديث التشريعات. ويرى الوزير أن تجسيد هذه التوجهات يظل رهين الإصلاحات المبرمجة ضمن المخطط لخلق بيئة دافعة ومحفزة للعمل والإنتاجية والابتكار والتجديد والمبادرة والاستثمار وغيرها من الإصلاحات.
وأضاف الوزير قائلا: "يحتل ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة موقعا محوريا في مخطط التنمية انطلاقا من قناعة راسخة بأن الإنسان غاية التنمية وركيزتها الأساسية وأن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم رهانات بناء اقتصاد أكثر إنتاجية والأهم من ذلك بناء مجتمع أكثر تماسكا، ويهدف هذا التوجه إلى ترسيخ مقومات الدولة الاجتماعية وتعزيز تكافؤ الفرص والارتقاء بجودة الحياة بما يضمن النفاذ العادل للخدمات الأساسية في التعليم والصحة والعمل والسكن اللائق ويستهدف المخطط الارتقاء بالدخل الفردي والتقليص في نسبة الفقر إلى أقل من 15 بالمائة وتحسين مؤشر التنمية البشرية لبلوغ مستوى البلدان ذات التنمية البشرية المرتفعة بما يعكس الانتقال من معالجة الاختلالات البشرية إلى بناء مقومات تنمية بشرية متكاملة ويرتكز هذا المسار على تطوير منظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي والرفع من جودة مخرجاتها ومواءمتها مع متطلبات الاقتصاد ومهن المستقبل إلى جانب تطوير المنظومة الصحية وضمان النفاذ إلى الخدمة الصحية، ولا تقتصر العدالة الاجتماعية على ضمان الخدمات الأساسية بل تشمل دعم العمل اللائق وتطوير سياسات التشغيل ودعم ريادة الأعمال والشركات الأهلية ودعم الفئات الهشة والمرأة والشباب ودعم السكن الاجتماعي".
تنمية مجالية متوازنة
وأضاف الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أن تحقيق تنمية مجالية متوازنة يمثل أحد التحولات النوعية التي قام عليها المخطط التنموي باعتباره تجسيدا لمقاربة جديدة في التخطيط التنموي تقوم على تثمين المبادرات المحلية واعتماد التخطيط التصاعدي بما يجعل من الجهات والأقاليم فاعلا أساسيا في تحديد أولوياتها التنموية وتوظيف مواردها الذاتية، ويتركز هذا التوجه حسب قوله على تقليص الفوارق بين المجالات الترابية وتعزيز قدرتها على إدارة شأنها التنموي وتثمين خصوصياتها ومزاياها التفاضلية بما يمكنها من الاضطلاع بدور أكبر في مسار التنمية. وذكر أنه في هذا الإطار يهدف المخطط إلى الترفيع في المعدل الوطني لمؤشر التنمية الجهوية وتقليص الفارق بين الحد الأدنى والحد الأقصى من مؤشر التنمية الجهوية، ولاحظ وجود تفاوت بين الولايات وتفاوت بين معتمديات نفس الولاية وتفاوت بين عمادات نفس المعتمدية، وذكر أنه بفضل الاستثمارات التي ستقوم بها الدولة من المؤمل الحد من هذا التفاوت والرفع في معدل مؤشر التنمية الجهوية على مستوى وطني من صفر فاصل 54 إلى صفر فاصل 6. وأضاف أن تدخلات المخطط ستتركز أيضا على دعم قدرات الهياكل المحلية والجهوية والإقليمية في انجاز المشاريع. وبين أنه سيتم العمل على تحويل المجالات الترابية إلى فضاءات للعدالة الاجتماعية وتنمية الرأسمال البشري بفضل تحسين النفاذ إلى الخدمات الأساسية وتطوير التعليم والصحة والسكن وتعزيز صمودها أمام التحديات البيئية والمناخية.
تبسيط الإجراءات
وتطرق الوزير سمير عبد الحفيظ إثر ذلك إلى عديد البرامج والمشاريع التي تضمنها مخطط التنمية والتي تتنزل في إطار تعصير النسيج الاقتصادي أو في إطار تحقيق الأمن المائي والغذائي والطاقي، كما تحدث عن الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام كأحد المرتكزات الأساسية لإنجاح المخطط التنموي وتعزيز ثقة المواطن في الدولة، وأشار في هذا الصدد إلى أنه يتم العمل على تبسيط الإجراءات الإدارية ورقمنتها ومراجعة الإجراءات المستوجبة على المتعاملين مع الإدارة وقد تم وضع مشروع للغرض بهدف تحسين الخدمات وتم جرد 3197 إجراء إداريا لدى رئاسة الحكومة و24 وزارة ومختلف الهياكل تحت إشرافها، وتم عرض نتائج عملية المراجعة على مجلس وزاري بتاريخ 21 جوان 2024 وتمت المصادقة على تبسيط 2255 إجراء إداريا أي ما يمثل 71 بالمائة من جملة الإجراءات كما تمت المصادقة على حذف 177 إجراء أي بنسبة 6 بالمائة. وذكر أنه في إطار تنفيذ المشروع تم إعداد مخطط عمل للفترة 2025 ـ 2027، وسيتم تجسيم نتائج المشروع في منصة وطنية للإجراءات الإدارية تلغي وتعوض منظومة "سيكاد" وهي ستثمل الدليل الوطني والمرجع الموحد للإجراءات الإدارية وتبسيط النفاذ إليها بكل شفافية. وقال الوزير إن هذا التوجه يرتكز على تعزيز الشفافية وتطوير منظومات التخطيط والتصرف العمومي المبني على النتائج فضلا عن بناء مؤسسات عصرية أكثر قدرة على الانجاز وإدارة عصرية وأضاف أن منظومات العدالة والأمن والدفاع ستضطلع بدور محوري في تعزيز دولة القانون وتعزيز الأمن والاستقرار واستعرض عبد الحفيظ بعض البرامج المدرجة في المخطط في علاقة بهذه المنظومات وكذلك في علاقة بالدبلوماسية والتعاون الدولي.
وخلص الوزير إلى أن نجاح المخطط بما يتضمنه من توجهات وأهداف ومؤشرات سيقاس بمدى قدرة الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية على العمل سويا على تجسيد المصلحة الوطنية وتحويل مضامينه إلى مشاريع منجزة واستثمارات منتجة ومواطن شغل محدثة وخدمات عمومية أكثر جودة وتنمية يلمس المواطن آثارها في كل جهة وكل معتمدية وكل عمادة، فالرهان الحقيقي حسب رأيه هو رهان التنفيذ بما يقتضيه ذلك من تنسيق بين مختلف المتدخلين ومتابعة دقيقة وتقييم مستمر حتى تتحول أهداف المخطط وتوجهاته إلى نتائج ملموسة.