لم يعد حضور الكفاءات التونسية في المنظمات الدولية والهيئات الأممية مجرد نجاحات فردية مرتبطة بمسارات مهنية وأكاديمية متميزة، بل أصبح هذا الحضور رصيدا استراتيجيا للدولة التونسية، وعنصرا من عناصر قوتها الناعمة، لما يحمله من دلالات تتجاوز الأشخاص لتلامس صورة تونس ومكانتها على الساحة الدولية. فكل تونسي يتولى مسؤولية داخل مؤسسة دولية أو يفوز بعضوية هيئة قضائية أو علمية عالمية، يترجم، في جانب منه، قدرة تونس على إنتاج كفاءات قادرة على المنافسة والتميز في فضاءات عالمية تتطلب أعلى درجات الخبرة والتخصص.
ويكتسي هذا الحضور أهمية خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، حيث أصبحت المؤسسات الدولية، وخاصة القضائية منها، تضطلع بدور محوري في معالجة قضايا معقدة تتعلق بالقانون الدولي، والبيئة، والتغيرات المناخية، وحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، فإن وجود كفاءات تونسية داخل هذه المؤسسات لا يمثل فقط اعترافا بمساراتها العلمية والمهنية، وإنما يعكس أيضا ثقة المجتمع الدولي في المدرسة التونسية، وفي قدرتها على الإسهام في صياغة قواعد القانون الدولي وتطويرها.
أميرة الدريدي
ومنذ عقود، أثبتت تونس أنها تمتلك مدرسة قانونية عريقة تخرج منها قضاة وأساتذة وخبراء كان لهم حضور بارز في مختلف المحافل الدولية، وهو حضور يعود إلى الاستثمار الذي قامت به الدولة التونسية منذ الاستقلال في التعليم والجامعة وتكوين الكفاءات، ليصبح العنصر البشري أحد أهم مقومات إشعاع البلاد خارج حدودها.
وفي هذا الإطار، جاء انتخاب الأستاذ سليم اللغماني قاضيا بالمحكمة الدولية لقانون البحار تأكيدا مجددا لهذا الحضور التونسي المتنامي في الهيئات القضائية الدولية، وليشكل مناسبة للاحتفاء بكفاءة وطنية جديدة استطاعت أن تنال ثقة المجتمع الدولي.
وقد احتضنت كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، يوم الثلاثاء الماضي، حفل تكريم الأستاذ سليم اللغماني، بمناسبة انتخابه قاضيا بالمحكمة الدولية لقانون البحار، في خطوة اعتبرها الحاضرون تتويجا لمسيرة أكاديمية وقانونية متميزة، وإنجازا جديدا يعزز حضور تونس داخل المؤسسات القضائية الدولية.
وأكد الأستاذ سليم اللغماني، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن تونس أصبحت ممثلة اليوم بثلاثة قضاة في أبرز الهيئات القضائية الدولية، وهم رافع بن عاشور بالمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وهيكل بن محفوظ بالمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب انتخابه بالمحكمة الدولية لقانون البحار.
واعتبر أن هذا الحضور يمثل مصدر فخر لتونس، ويعزز مكانتها على الساحة الدولية، مشيرا إلى أن انتخاب القضاة الدوليين لا يرتبط فقط بالكفاءة العلمية والقانونية، بل يحتاج كذلك إلى دعم دبلوماسي فعّال، باعتبار أن هذه الانتخابات تتم عبر مسارات تتطلب حشد التأييد والمساندة من الدول الأعضاء.
وأوضح اللغماني أن ترشحه جاء بمبادرة من رئيس الجمهورية، معتبرا أن مهمته داخل المحكمة الدولية لقانون البحار تتمثل في المساهمة في ترسيخ سيادة القانون على المستوى الدولي، خاصة في ظرف عالمي تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالقانون والبيئة البحرية.
ويمثل انتخاب الكفاءات التونسية في الهيئات الدولية ثمرة تفاعل بين عاملين أساسيين، هما الكفاءة والخبرة اللتان تتمتع بهما الشخصية المرشحة، والجهد الدبلوماسي الذي تقوم به الدولة لدعم هذه الترشيحات وضمان وصولها إلى مواقع المسؤولية. فالمنافسة على المناصب الدولية أصبحت اليوم أكثر تعقيدا، إذ لا يكفي أن يكون المرشح صاحب مسار علمي ومهني متميز، بل يتطلب الأمر تحركات دبلوماسية واتصالات مستمرة مع مختلف الدول والمنظمات، وهو ما يجعل نجاح أي ترشيح تونسي نجاحا جماعيا تشارك فيه مؤسسات الدولة، ووزارة الشؤون الخارجية، والبعثات الدبلوماسية.
ومن هذا المنطلق، فإن وصول كفاءات تونسية إلى مواقع دولية بارزة يعكس قدرة الدبلوماسية التونسية على الدفاع عن حضور البلاد داخل المنظمات الدولية، وعلى تقديم صورة تونس بوصفها دولة تمتلك خبرات قادرة على الإسهام في معالجة القضايا العالمية.
كما أن مثل هذه النجاحات تمنح تونس فرصة لتعزيز حضورها في ملفات استراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالقانون الدولي، والبحار، والبيئة، والتغيرات المناخية، وهي ملفات أصبحت في صلب اهتمامات المجتمع الدولي.
ويأتي دعم الكفاءات الوطنية في سياق توجه توليه الدولة التونسية أهمية خاصة، يقوم على تثمين الطاقات العلمية والخبرات الوطنية، وتمكينها من الاضطلاع بدور أكبر في الداخل والخارج.
وقد شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في عديد المناسبات، على أهمية الاعتماد على الكفاءات الوطنية، وعلى ضرورة أن تتولى المسؤوليات الشخصيات القادرة على خدمة الدولة وتحمل الأمانة، مؤكدا أن تونس تزخر بالطاقات والخبرات التي يجب تثمينها والاستفادة منها.
كما أكد رئيس الجمهورية، في خطاباته ومواقفه المختلفة، أن معيار تولي المسؤوليات يجب أن يكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز وخدمة المصلحة العامة، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، معتبرا أن بناء الدولة يرتكز أساسا على أبنائها، وعلى ما يمتلكونه من علم وخبرة.
وفي هذا الإطار، يندرج دعم الكفاءات التونسية في المحافل الدولية ضمن رؤية تقوم على تعزيز حضور تونس، والاستفادة من خبراتها المنتشرة داخل البلاد وخارجها، باعتبار أن نجاح أي شخصية تونسية في موقع دولي يمثل مكسبا لصورة تونس، ولقدرتها على التأثير.
ويأتي هذا الحضور المتزايد للكفاءات التونسية في الهيئات الدولية في انسجام مع توجه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي أكد في عديد المناسبات أهمية التعويل على الطاقات الوطنية وتثمين أصحاب الخبرة والكفاءة، باعتبار أن هذه الكفاءات تمثل الثروة الحقيقية التي تمتلكها تونس، وأن بناء مستقبل البلاد يمر عبر منح المكانة التي تستحقها الكفاءات القادرة على الإضافة والعطاء.
وقد شدد رئيس الجمهورية، في مواقفه المختلفة، على أن تونس تزخر برجال ونساء يمتلكون من العلم والخبرة ما يؤهلهم لتحمل المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وأن دعم هذه الكفاءات يندرج ضمن رؤية تهدف إلى استعادة دور تونس وإشعاعها في مختلف المجالات، سواء داخل محيطها الإقليمي أو على المستوى الدولي.
كما حرص رئيس الجمهورية قيس سعيّد على التأكيد أن نجاح الشخصيات الوطنية في المحافل الدولية لا يمثل نجاحا فرديا فقط، بل هو انعكاس لما تمتلكه تونس من رصيد حضاري وعلمي وأكاديمي، ودليل على قدرة الكفاءات التونسية على المنافسة في أرفع المواقع عندما تتوفر لها فرص الترشح والدعم.
وفي هذا السياق، فإن انتخاب كفاءات تونسية لتولي مسؤوليات داخل الهيئات الدولية يترجم أهمية الاستثمار في الكفاءات والمؤسسات التعليمية والجامعية، ويؤكد أن المدرسة التونسية ما تزال قادرة على إنتاج أسماء تحظى بالتقدير والاعتراف خارج حدود الوطن.
ولا يقتصر هذا الحضور على الجانب الرمزي، بل يحمل أبعادا استراتيجية، باعتبار أن وجود تونسيين في مواقع القرار الدولي يساهم في تعزيز صورة تونس، ويدعم قدرتها على الدفاع عن مصالحها وقضاياها، ويمنحها حضورا أكبر في النقاشات العالمية المرتبطة بالقانون والتنمية والبيئة وحقوق الإنسان.
ويتجاوز حضور الكفاءات التونسية في الهيئات الدولية حدود التتويج الشخصي ليصبح عنوانا على قدرة تونس على إنتاج الطاقات والخبرات القادرة على تمثيلها على أعلى المستويات. فنجاح أي كفاءة تونسية في تولي مسؤولية دولية هو انعكاس لما راكمته البلاد من خبرات علمية وأكاديمية ومهنية، وهو كذلك تأكيد على أن الاستثمار في الإنسان يظل أحد أهم الخيارات التي تصنع مكانة الدول وتعزز حضورها.
ويؤكد هذا الحضور أن الكفاءات الوطنية تمثل رصيدا استراتيجيا للدولة، سواء من خلال خدمة مؤسساتها أو عبر تمثيلها في المحافل الدولية، بما يساهم في الدفاع عن مصالحها وتعزيز صورتها وبناء جسور جديدة مع مختلف الفضاءات العالمية.
وبالتالي، فإن مواصلة دعم الكفاءات التونسية وتثمين خبراتها يبقى خيارا ضروريا لتعزيز مكانة تونس، وتحويل النجاحات الفردية إلى مكاسب وطنية، بما يكرّس حضور البلاد كدولة قادرة على المساهمة في صياغة مستقبلها والمشاركة بفاعلية في القضايا الدولية.
ومن جهته، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، رياض جعيدان، في تصريح لـ"الصباح"، إن الحضور المتزايد للكفاءات التونسية داخل الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية ليس صدفة، بل هو دليل على جودة التكوين التونسي وعلى الكفاءة التي يتمتع بها الإطار التونسي عندما تتاح له فرص المنافسة على المستوى الدولي. وهو يعكس صورة إيجابية عن تونس باعتبارها بلدا يمتلك رصيدا بشريا قادرا على الإسهام في صياغة القانون الدولي، وإدارة المؤسسات متعددة الأطراف، والمشاركة في صنع القرار العالمي.
وأضاف أن الدولة، في المقابل، تحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجية وطنية لإعداد ودعم وترشيح كفاءاتها للمناصب الدولية، لأن هذه المناصب أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة للدول ووسيلة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.
وأوضح أنه رغم تثمين النجاحات الأخيرة في ترشيح الأستاذين هيكل بن محفوظ وسليم اللغماني، فإن عدد الترشيحات التونسية للمناصب داخل المنظمات والمحاكم الإقليمية والدولية ما يزال محدودا مقارنة بما تمتلكه تونس من كفاءات قادرة على المنافسة.
وأشار إلى ضرورة أن تستثمر الدولة في الطاقات التونسية المقيمة بالخارج، باعتبار أنها اكتسبت خبرات دولية وشبكات علاقات تؤهلها لبلوغ أعلى مواقع المسؤولية، موضحا أن التفكير غالبا ما يقتصر على ترشيح مسؤولين أو قضاة أو خبراء من داخل تونس، في حين أن أبناء الجالية يمثلون رصيدا استراتيجيا يجب تعبئته والاستفادة منه.
وواصل محدثنا قائلا إن "التجارب الدولية تثبت أن وجود مواطنين في مواقع القرار داخل المنظمات الدولية لا يخدم الأشخاص فقط، بل يساهم أيضا في تعزيز حضور دولهم، وفهم خصوصياتها، والدفاع عن مصالحها المشروعة وفقا لقواعد الحياد والاستقلال التي تحكم تلك المؤسسات. فامتلاك كفاءات تونسية في مواقع مؤثرة يتيح لتونس صوتا أكثر حضورا داخل دوائر صناعة القرار الدولي، ويمنحها قدرة أكبر على بناء التحالفات والتعريف بأولوياتها".
وقال محدثنا: "لدينا اليوم العديد من الخبراء التونسيين الذين يشغلون مناصب داخل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وداخل الاتحاد الإفريقي، والاتحاد من أجل المتوسط، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وغيرها من المؤسسات الدولية".
وواصل رئيس لجنة الشؤون الخارجية التوضيح قائلا إن "الدبلوماسية البرلمانية يمكن أن تكون إحدى أهم أدوات دعم حضور الكفاءات التونسية داخل الهيئات والمنظمات الدولية، إذا انتقلت من دورها البروتوكولي إلى دور استراتيجي قائم على التأثير وبناء الشراكات. وهذا ما قمنا به مؤخرا في دعم ترشح سليم اللغماني من خلال استغلال علاقاتنا بعدد من البرلمانيين في مختلف أنحاء العالم.
فالبرلمان، من خلال علاقاته مع البرلمانات الأجنبية والاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية، قادر على القيام بدور فعّال في دعم الترشيحات التونسية للمناصب الدولية، والتعريف بالكفاءات الوطنية، وحشد التأييد لها لدى الدول الشقيقة والصديقة. فاليوم، الوصول إلى مواقع المسؤولية داخل المنظمات الدولية لا يعتمد فقط على الكفاءة، بل يحتاج أيضا إلى عمل دبلوماسي منظم وإلى شبكة من الدعم السياسي.
تونس - الصباح
لم يعد حضور الكفاءات التونسية في المنظمات الدولية والهيئات الأممية مجرد نجاحات فردية مرتبطة بمسارات مهنية وأكاديمية متميزة، بل أصبح هذا الحضور رصيدا استراتيجيا للدولة التونسية، وعنصرا من عناصر قوتها الناعمة، لما يحمله من دلالات تتجاوز الأشخاص لتلامس صورة تونس ومكانتها على الساحة الدولية. فكل تونسي يتولى مسؤولية داخل مؤسسة دولية أو يفوز بعضوية هيئة قضائية أو علمية عالمية، يترجم، في جانب منه، قدرة تونس على إنتاج كفاءات قادرة على المنافسة والتميز في فضاءات عالمية تتطلب أعلى درجات الخبرة والتخصص.
ويكتسي هذا الحضور أهمية خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، حيث أصبحت المؤسسات الدولية، وخاصة القضائية منها، تضطلع بدور محوري في معالجة قضايا معقدة تتعلق بالقانون الدولي، والبيئة، والتغيرات المناخية، وحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، فإن وجود كفاءات تونسية داخل هذه المؤسسات لا يمثل فقط اعترافا بمساراتها العلمية والمهنية، وإنما يعكس أيضا ثقة المجتمع الدولي في المدرسة التونسية، وفي قدرتها على الإسهام في صياغة قواعد القانون الدولي وتطويرها.
أميرة الدريدي
ومنذ عقود، أثبتت تونس أنها تمتلك مدرسة قانونية عريقة تخرج منها قضاة وأساتذة وخبراء كان لهم حضور بارز في مختلف المحافل الدولية، وهو حضور يعود إلى الاستثمار الذي قامت به الدولة التونسية منذ الاستقلال في التعليم والجامعة وتكوين الكفاءات، ليصبح العنصر البشري أحد أهم مقومات إشعاع البلاد خارج حدودها.
وفي هذا الإطار، جاء انتخاب الأستاذ سليم اللغماني قاضيا بالمحكمة الدولية لقانون البحار تأكيدا مجددا لهذا الحضور التونسي المتنامي في الهيئات القضائية الدولية، وليشكل مناسبة للاحتفاء بكفاءة وطنية جديدة استطاعت أن تنال ثقة المجتمع الدولي.
وقد احتضنت كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، يوم الثلاثاء الماضي، حفل تكريم الأستاذ سليم اللغماني، بمناسبة انتخابه قاضيا بالمحكمة الدولية لقانون البحار، في خطوة اعتبرها الحاضرون تتويجا لمسيرة أكاديمية وقانونية متميزة، وإنجازا جديدا يعزز حضور تونس داخل المؤسسات القضائية الدولية.
وأكد الأستاذ سليم اللغماني، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن تونس أصبحت ممثلة اليوم بثلاثة قضاة في أبرز الهيئات القضائية الدولية، وهم رافع بن عاشور بالمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وهيكل بن محفوظ بالمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب انتخابه بالمحكمة الدولية لقانون البحار.
واعتبر أن هذا الحضور يمثل مصدر فخر لتونس، ويعزز مكانتها على الساحة الدولية، مشيرا إلى أن انتخاب القضاة الدوليين لا يرتبط فقط بالكفاءة العلمية والقانونية، بل يحتاج كذلك إلى دعم دبلوماسي فعّال، باعتبار أن هذه الانتخابات تتم عبر مسارات تتطلب حشد التأييد والمساندة من الدول الأعضاء.
وأوضح اللغماني أن ترشحه جاء بمبادرة من رئيس الجمهورية، معتبرا أن مهمته داخل المحكمة الدولية لقانون البحار تتمثل في المساهمة في ترسيخ سيادة القانون على المستوى الدولي، خاصة في ظرف عالمي تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالقانون والبيئة البحرية.
ويمثل انتخاب الكفاءات التونسية في الهيئات الدولية ثمرة تفاعل بين عاملين أساسيين، هما الكفاءة والخبرة اللتان تتمتع بهما الشخصية المرشحة، والجهد الدبلوماسي الذي تقوم به الدولة لدعم هذه الترشيحات وضمان وصولها إلى مواقع المسؤولية. فالمنافسة على المناصب الدولية أصبحت اليوم أكثر تعقيدا، إذ لا يكفي أن يكون المرشح صاحب مسار علمي ومهني متميز، بل يتطلب الأمر تحركات دبلوماسية واتصالات مستمرة مع مختلف الدول والمنظمات، وهو ما يجعل نجاح أي ترشيح تونسي نجاحا جماعيا تشارك فيه مؤسسات الدولة، ووزارة الشؤون الخارجية، والبعثات الدبلوماسية.
ومن هذا المنطلق، فإن وصول كفاءات تونسية إلى مواقع دولية بارزة يعكس قدرة الدبلوماسية التونسية على الدفاع عن حضور البلاد داخل المنظمات الدولية، وعلى تقديم صورة تونس بوصفها دولة تمتلك خبرات قادرة على الإسهام في معالجة القضايا العالمية.
كما أن مثل هذه النجاحات تمنح تونس فرصة لتعزيز حضورها في ملفات استراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالقانون الدولي، والبحار، والبيئة، والتغيرات المناخية، وهي ملفات أصبحت في صلب اهتمامات المجتمع الدولي.
ويأتي دعم الكفاءات الوطنية في سياق توجه توليه الدولة التونسية أهمية خاصة، يقوم على تثمين الطاقات العلمية والخبرات الوطنية، وتمكينها من الاضطلاع بدور أكبر في الداخل والخارج.
وقد شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في عديد المناسبات، على أهمية الاعتماد على الكفاءات الوطنية، وعلى ضرورة أن تتولى المسؤوليات الشخصيات القادرة على خدمة الدولة وتحمل الأمانة، مؤكدا أن تونس تزخر بالطاقات والخبرات التي يجب تثمينها والاستفادة منها.
كما أكد رئيس الجمهورية، في خطاباته ومواقفه المختلفة، أن معيار تولي المسؤوليات يجب أن يكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز وخدمة المصلحة العامة، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، معتبرا أن بناء الدولة يرتكز أساسا على أبنائها، وعلى ما يمتلكونه من علم وخبرة.
وفي هذا الإطار، يندرج دعم الكفاءات التونسية في المحافل الدولية ضمن رؤية تقوم على تعزيز حضور تونس، والاستفادة من خبراتها المنتشرة داخل البلاد وخارجها، باعتبار أن نجاح أي شخصية تونسية في موقع دولي يمثل مكسبا لصورة تونس، ولقدرتها على التأثير.
ويأتي هذا الحضور المتزايد للكفاءات التونسية في الهيئات الدولية في انسجام مع توجه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي أكد في عديد المناسبات أهمية التعويل على الطاقات الوطنية وتثمين أصحاب الخبرة والكفاءة، باعتبار أن هذه الكفاءات تمثل الثروة الحقيقية التي تمتلكها تونس، وأن بناء مستقبل البلاد يمر عبر منح المكانة التي تستحقها الكفاءات القادرة على الإضافة والعطاء.
وقد شدد رئيس الجمهورية، في مواقفه المختلفة، على أن تونس تزخر برجال ونساء يمتلكون من العلم والخبرة ما يؤهلهم لتحمل المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وأن دعم هذه الكفاءات يندرج ضمن رؤية تهدف إلى استعادة دور تونس وإشعاعها في مختلف المجالات، سواء داخل محيطها الإقليمي أو على المستوى الدولي.
كما حرص رئيس الجمهورية قيس سعيّد على التأكيد أن نجاح الشخصيات الوطنية في المحافل الدولية لا يمثل نجاحا فرديا فقط، بل هو انعكاس لما تمتلكه تونس من رصيد حضاري وعلمي وأكاديمي، ودليل على قدرة الكفاءات التونسية على المنافسة في أرفع المواقع عندما تتوفر لها فرص الترشح والدعم.
وفي هذا السياق، فإن انتخاب كفاءات تونسية لتولي مسؤوليات داخل الهيئات الدولية يترجم أهمية الاستثمار في الكفاءات والمؤسسات التعليمية والجامعية، ويؤكد أن المدرسة التونسية ما تزال قادرة على إنتاج أسماء تحظى بالتقدير والاعتراف خارج حدود الوطن.
ولا يقتصر هذا الحضور على الجانب الرمزي، بل يحمل أبعادا استراتيجية، باعتبار أن وجود تونسيين في مواقع القرار الدولي يساهم في تعزيز صورة تونس، ويدعم قدرتها على الدفاع عن مصالحها وقضاياها، ويمنحها حضورا أكبر في النقاشات العالمية المرتبطة بالقانون والتنمية والبيئة وحقوق الإنسان.
ويتجاوز حضور الكفاءات التونسية في الهيئات الدولية حدود التتويج الشخصي ليصبح عنوانا على قدرة تونس على إنتاج الطاقات والخبرات القادرة على تمثيلها على أعلى المستويات. فنجاح أي كفاءة تونسية في تولي مسؤولية دولية هو انعكاس لما راكمته البلاد من خبرات علمية وأكاديمية ومهنية، وهو كذلك تأكيد على أن الاستثمار في الإنسان يظل أحد أهم الخيارات التي تصنع مكانة الدول وتعزز حضورها.
ويؤكد هذا الحضور أن الكفاءات الوطنية تمثل رصيدا استراتيجيا للدولة، سواء من خلال خدمة مؤسساتها أو عبر تمثيلها في المحافل الدولية، بما يساهم في الدفاع عن مصالحها وتعزيز صورتها وبناء جسور جديدة مع مختلف الفضاءات العالمية.
وبالتالي، فإن مواصلة دعم الكفاءات التونسية وتثمين خبراتها يبقى خيارا ضروريا لتعزيز مكانة تونس، وتحويل النجاحات الفردية إلى مكاسب وطنية، بما يكرّس حضور البلاد كدولة قادرة على المساهمة في صياغة مستقبلها والمشاركة بفاعلية في القضايا الدولية.
ومن جهته، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة، رياض جعيدان، في تصريح لـ"الصباح"، إن الحضور المتزايد للكفاءات التونسية داخل الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية ليس صدفة، بل هو دليل على جودة التكوين التونسي وعلى الكفاءة التي يتمتع بها الإطار التونسي عندما تتاح له فرص المنافسة على المستوى الدولي. وهو يعكس صورة إيجابية عن تونس باعتبارها بلدا يمتلك رصيدا بشريا قادرا على الإسهام في صياغة القانون الدولي، وإدارة المؤسسات متعددة الأطراف، والمشاركة في صنع القرار العالمي.
وأضاف أن الدولة، في المقابل، تحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجية وطنية لإعداد ودعم وترشيح كفاءاتها للمناصب الدولية، لأن هذه المناصب أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة للدول ووسيلة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية.
وأوضح أنه رغم تثمين النجاحات الأخيرة في ترشيح الأستاذين هيكل بن محفوظ وسليم اللغماني، فإن عدد الترشيحات التونسية للمناصب داخل المنظمات والمحاكم الإقليمية والدولية ما يزال محدودا مقارنة بما تمتلكه تونس من كفاءات قادرة على المنافسة.
وأشار إلى ضرورة أن تستثمر الدولة في الطاقات التونسية المقيمة بالخارج، باعتبار أنها اكتسبت خبرات دولية وشبكات علاقات تؤهلها لبلوغ أعلى مواقع المسؤولية، موضحا أن التفكير غالبا ما يقتصر على ترشيح مسؤولين أو قضاة أو خبراء من داخل تونس، في حين أن أبناء الجالية يمثلون رصيدا استراتيجيا يجب تعبئته والاستفادة منه.
وواصل محدثنا قائلا إن "التجارب الدولية تثبت أن وجود مواطنين في مواقع القرار داخل المنظمات الدولية لا يخدم الأشخاص فقط، بل يساهم أيضا في تعزيز حضور دولهم، وفهم خصوصياتها، والدفاع عن مصالحها المشروعة وفقا لقواعد الحياد والاستقلال التي تحكم تلك المؤسسات. فامتلاك كفاءات تونسية في مواقع مؤثرة يتيح لتونس صوتا أكثر حضورا داخل دوائر صناعة القرار الدولي، ويمنحها قدرة أكبر على بناء التحالفات والتعريف بأولوياتها".
وقال محدثنا: "لدينا اليوم العديد من الخبراء التونسيين الذين يشغلون مناصب داخل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وداخل الاتحاد الإفريقي، والاتحاد من أجل المتوسط، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وغيرها من المؤسسات الدولية".
وواصل رئيس لجنة الشؤون الخارجية التوضيح قائلا إن "الدبلوماسية البرلمانية يمكن أن تكون إحدى أهم أدوات دعم حضور الكفاءات التونسية داخل الهيئات والمنظمات الدولية، إذا انتقلت من دورها البروتوكولي إلى دور استراتيجي قائم على التأثير وبناء الشراكات. وهذا ما قمنا به مؤخرا في دعم ترشح سليم اللغماني من خلال استغلال علاقاتنا بعدد من البرلمانيين في مختلف أنحاء العالم.
فالبرلمان، من خلال علاقاته مع البرلمانات الأجنبية والاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية، قادر على القيام بدور فعّال في دعم الترشيحات التونسية للمناصب الدولية، والتعريف بالكفاءات الوطنية، وحشد التأييد لها لدى الدول الشقيقة والصديقة. فاليوم، الوصول إلى مواقع المسؤولية داخل المنظمات الدولية لا يعتمد فقط على الكفاءة، بل يحتاج أيضا إلى عمل دبلوماسي منظم وإلى شبكة من الدعم السياسي.