إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ظل "تهرّم" تدريجي للمجتمع التونسي.. الدولة تغيّر توجهاتها وبرامجها من أجل تأمين التوازن بين الأجيال

تونس - الصباح

تحيي تونس، كسائر بلدان العالم، اليوم العالمي للسكان الموافق ليوم 11 جويلية من كل سنة، وهي مناسبة تأتي بعد سنتين من الإعلان عن آخر نتائج التعداد العام للسكان والسكنى من قبل المعهد الوطني للإحصاء، والذي بلغ فيه عدد سكان تونس 11.972.169 ساكنا، مسجلا بذلك زيادة قدرها 989.415 نسمة خلال العشرية الأخيرة. فقد بلغ عدد سكان تونس 11.972.169 نسمة إلى حدود 6 نوفمبر 2024، مقابل 10.982.754 نسمة سنة 2014، أي بمعدل نمو سنوي بلغ 0.87 بالمائة خلال الفترة نفسها.

 

وفاء بن محمد

واللافت في آخر نتائج التعداد العام للسكان أن نسبة الأطفال دون سن الرابعة تراجعت إلى 5.86 % سنة 2024، مقابل 11 % سنة 1994. كما تقلصت نسبة الفئة العمرية المتراوحة بين 4 سنوات و15 سنة، لتنتقل من 27.79 % سنة 1966 إلى 18.6% سنة 2004، ثم إلى 16.77 % سنة 2024.

في المقابل، تضاعفت نسبة الفئة العمرية البالغة 60 سنة فما فوق، من 5.58 % سنة 1966 إلى 16.68 % سنة 2024. وقد فرض هذا التغير الملحوظ في التركيبة الديمغرافية للمجتمع التونسي على الدولة تحديات جديدة، دفعتها إلى التفكير في مراجعة سياساتها وبرامجها السكانية والتوجه نحو التشجيع على الإنجاب، في ظل تغير تركيبة المجتمع وتنامي فئة الكهول وكبار السن على حساب فئة الشباب، بما يعكس تعمق ظاهرة التهرّم السكاني.

وتعوّل تونس، في إطار هذا التوجه، على سياساتها الوطنية في مجال الصحة الإنجابية وصحة المرأة، وعلى الحقوق التي تكفلها الدولة ومجلة الأحوال الشخصية، باعتبار أن هذه السياسات تهدف أساسا إلى معالجة الآثار الجانبية لستة عقود من سياسات التنظيم العائلي التقليدية، مع التركيز، بقدر أكبر، على جودة الحياة وتأمين التوازن بين الأجيال في ظل "تهرّم" تدريجي للمجتمع.

ومن أبرز ملامح هذه السياسات الجديدة، المضمنة ضمن مخطط التنمية 2026-2030، الاستجابة لنتائج تعداد 2024، التي أظهرت تحولا بنيويا في التركيبة السكانية، حيث بلغت نسبة كبار السن، ممن تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق، نحو 17 %، في حين تراجعت نسبة الأطفال دون الخامسة إلى 5.9 %. 

 

كما ترتكز السياسة الجديدة على تكييف الاقتصاد والخدمات مع مجتمع يتجه تدريجيا نحو الشيخوخة، بدلا من الاقتصار على السياسات التي كانت تستهدف فئة الشباب خلال ستينيات القرن الماضي. ويشمل هذا التوجه أيضا تركيز الدولة، بداية من هذا العام، وفق ما جاء في مخطط التنمية، على الإصلاحات الكبرى في مجال السكن، بهدف تحفيز الشباب على الاستقرار وتحقيق ما يعرف بـ"الاستحقاق الاجتماعي".

ويبرز، في هذا الإطار، الدور المنتظر للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، الذي باتت تفرض عليه المرحلة مراجعة الدراسات والسياسات المعتمدة وإعادة هيكلتها، بما يواكب التطور والتحول الديمغرافي، والانتقال من مجرد مزود لوسائل منع الحمل إلى مؤسسة شاملة تُعنى بالمساعدة على الإنجاب، من خلال معالجة تزايد حالات العقم المرتبطة بتأخر سن الزواج والعوامل البيئية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى انطلاق الدولة في دراسة كيفية الانتقال من مفهوم "تحديد النسل" إلى مفهوم "الصحة الإنجابية"، في إطار برنامج وطني يختلف عن برامج الستينيات التي كانت تهدف إلى الحد من الولادات للتحكم في الانفجار الديمغرافي، وصولا إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على التشجيع على الإنجاب.

 

ويأتي هذا التوجه الجديد، الذي ارتأته الدولة لمواجهة تحدي التهرّم السكاني، بعد أكثر من خمسين عاما على تجربة تونس في خفض معدلات الولادات، ليصبح هذا التحول اليوم ضرورة ملحة، خاصة في ظل الإشكاليات الكبيرة التي تعرفها الصناديق الاجتماعية، التي تستقبل سنويا أعدادا متزايدة من كبار السن، وهو ما يفرض عليها ضغوطا مالية متنامية.

وفي المقابل، تسعى الدولة إلى تعزيز برامج الصحة الوقائية لفائدة كبار السن، وهي الفئة التي يتوقع أن ترسم ملامح المجتمع التونسي مستقبلا، وذلك من خلال إدراج برامج رعاية المسنين ضمن خدمات الصحة الإنجابية والأسرية، بما يساعد على مواجهة التحديات الصحية التي يفرضها مجتمع يتجه تدريجيا نحو الشيخوخة.

وبالتوازي مع هذه التوجهات الوطنية الجديدة، تحظى الدولة اليوم بمساندة ودعم من قبل الهياكل الدولية المتدخلة في مجال السكان، من أجل تحقيق ما يعرف بالتوازن الديمغرافي، وذلك عبر تنظيم تظاهرات ولقاءات تعنى بمختلف الظواهر الديمغرافية والسكانية في ظل التحولات التي يشهدها العالم، واقتراح الحلول المناسبة لها.

وفي هذا الإطار، ينظم صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس، بالتعاون مع منظمة "صحفيون من أجل حقوق الإنسان"، حلقة نقاش تحت عنوان "تحقيق آمال وتطلعات الشباب: اليوم وفي المستقبل"، وذلك يوم الجمعة القادم، 10 جويلية الجاري، بتونس. ومن المنتظر أن يفضي هذا اللقاء إلى جملة من التوصيات والمخرجات المتعلقة بمستقبل النمو الديمغرافي.

كما ستنتظم تظاهرات أخرى يتم خلالها استعراض نتائج مسح التطلعات الديمغرافية المستقبلية، من خلال عدد من التقارير المنجزة، على غرار تقرير حالة سكان العالم لسنة 2026، الذي يحمل عنوان "الحياة والخيارات والمستقبل: ما الذي يريده الشباب؟ وما الذي يشكل قراراتهم بشأن العلاقات والأبوة والأمومة والمستقبل؟".

ويستند هذا التقرير الدولي إلى مؤشرات ديمغرافية مهمة، إذ شمل استطلاع آراء أكثر من 100 ألف شخص من مستخدمي ومستخدمات شبكة الإنترنت، تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاما، ويتوزعون على 73 دولة من مختلف قارات العالم، من بينها تونس.

 

 

 

في ظل "تهرّم" تدريجي للمجتمع التونسي..  الدولة تغيّر توجهاتها وبرامجها من أجل تأمين التوازن بين الأجيال

تونس - الصباح

تحيي تونس، كسائر بلدان العالم، اليوم العالمي للسكان الموافق ليوم 11 جويلية من كل سنة، وهي مناسبة تأتي بعد سنتين من الإعلان عن آخر نتائج التعداد العام للسكان والسكنى من قبل المعهد الوطني للإحصاء، والذي بلغ فيه عدد سكان تونس 11.972.169 ساكنا، مسجلا بذلك زيادة قدرها 989.415 نسمة خلال العشرية الأخيرة. فقد بلغ عدد سكان تونس 11.972.169 نسمة إلى حدود 6 نوفمبر 2024، مقابل 10.982.754 نسمة سنة 2014، أي بمعدل نمو سنوي بلغ 0.87 بالمائة خلال الفترة نفسها.

 

وفاء بن محمد

واللافت في آخر نتائج التعداد العام للسكان أن نسبة الأطفال دون سن الرابعة تراجعت إلى 5.86 % سنة 2024، مقابل 11 % سنة 1994. كما تقلصت نسبة الفئة العمرية المتراوحة بين 4 سنوات و15 سنة، لتنتقل من 27.79 % سنة 1966 إلى 18.6% سنة 2004، ثم إلى 16.77 % سنة 2024.

في المقابل، تضاعفت نسبة الفئة العمرية البالغة 60 سنة فما فوق، من 5.58 % سنة 1966 إلى 16.68 % سنة 2024. وقد فرض هذا التغير الملحوظ في التركيبة الديمغرافية للمجتمع التونسي على الدولة تحديات جديدة، دفعتها إلى التفكير في مراجعة سياساتها وبرامجها السكانية والتوجه نحو التشجيع على الإنجاب، في ظل تغير تركيبة المجتمع وتنامي فئة الكهول وكبار السن على حساب فئة الشباب، بما يعكس تعمق ظاهرة التهرّم السكاني.

وتعوّل تونس، في إطار هذا التوجه، على سياساتها الوطنية في مجال الصحة الإنجابية وصحة المرأة، وعلى الحقوق التي تكفلها الدولة ومجلة الأحوال الشخصية، باعتبار أن هذه السياسات تهدف أساسا إلى معالجة الآثار الجانبية لستة عقود من سياسات التنظيم العائلي التقليدية، مع التركيز، بقدر أكبر، على جودة الحياة وتأمين التوازن بين الأجيال في ظل "تهرّم" تدريجي للمجتمع.

ومن أبرز ملامح هذه السياسات الجديدة، المضمنة ضمن مخطط التنمية 2026-2030، الاستجابة لنتائج تعداد 2024، التي أظهرت تحولا بنيويا في التركيبة السكانية، حيث بلغت نسبة كبار السن، ممن تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق، نحو 17 %، في حين تراجعت نسبة الأطفال دون الخامسة إلى 5.9 %. 

 

كما ترتكز السياسة الجديدة على تكييف الاقتصاد والخدمات مع مجتمع يتجه تدريجيا نحو الشيخوخة، بدلا من الاقتصار على السياسات التي كانت تستهدف فئة الشباب خلال ستينيات القرن الماضي. ويشمل هذا التوجه أيضا تركيز الدولة، بداية من هذا العام، وفق ما جاء في مخطط التنمية، على الإصلاحات الكبرى في مجال السكن، بهدف تحفيز الشباب على الاستقرار وتحقيق ما يعرف بـ"الاستحقاق الاجتماعي".

ويبرز، في هذا الإطار، الدور المنتظر للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، الذي باتت تفرض عليه المرحلة مراجعة الدراسات والسياسات المعتمدة وإعادة هيكلتها، بما يواكب التطور والتحول الديمغرافي، والانتقال من مجرد مزود لوسائل منع الحمل إلى مؤسسة شاملة تُعنى بالمساعدة على الإنجاب، من خلال معالجة تزايد حالات العقم المرتبطة بتأخر سن الزواج والعوامل البيئية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى انطلاق الدولة في دراسة كيفية الانتقال من مفهوم "تحديد النسل" إلى مفهوم "الصحة الإنجابية"، في إطار برنامج وطني يختلف عن برامج الستينيات التي كانت تهدف إلى الحد من الولادات للتحكم في الانفجار الديمغرافي، وصولا إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على التشجيع على الإنجاب.

 

ويأتي هذا التوجه الجديد، الذي ارتأته الدولة لمواجهة تحدي التهرّم السكاني، بعد أكثر من خمسين عاما على تجربة تونس في خفض معدلات الولادات، ليصبح هذا التحول اليوم ضرورة ملحة، خاصة في ظل الإشكاليات الكبيرة التي تعرفها الصناديق الاجتماعية، التي تستقبل سنويا أعدادا متزايدة من كبار السن، وهو ما يفرض عليها ضغوطا مالية متنامية.

وفي المقابل، تسعى الدولة إلى تعزيز برامج الصحة الوقائية لفائدة كبار السن، وهي الفئة التي يتوقع أن ترسم ملامح المجتمع التونسي مستقبلا، وذلك من خلال إدراج برامج رعاية المسنين ضمن خدمات الصحة الإنجابية والأسرية، بما يساعد على مواجهة التحديات الصحية التي يفرضها مجتمع يتجه تدريجيا نحو الشيخوخة.

وبالتوازي مع هذه التوجهات الوطنية الجديدة، تحظى الدولة اليوم بمساندة ودعم من قبل الهياكل الدولية المتدخلة في مجال السكان، من أجل تحقيق ما يعرف بالتوازن الديمغرافي، وذلك عبر تنظيم تظاهرات ولقاءات تعنى بمختلف الظواهر الديمغرافية والسكانية في ظل التحولات التي يشهدها العالم، واقتراح الحلول المناسبة لها.

وفي هذا الإطار، ينظم صندوق الأمم المتحدة للسكان بتونس، بالتعاون مع منظمة "صحفيون من أجل حقوق الإنسان"، حلقة نقاش تحت عنوان "تحقيق آمال وتطلعات الشباب: اليوم وفي المستقبل"، وذلك يوم الجمعة القادم، 10 جويلية الجاري، بتونس. ومن المنتظر أن يفضي هذا اللقاء إلى جملة من التوصيات والمخرجات المتعلقة بمستقبل النمو الديمغرافي.

كما ستنتظم تظاهرات أخرى يتم خلالها استعراض نتائج مسح التطلعات الديمغرافية المستقبلية، من خلال عدد من التقارير المنجزة، على غرار تقرير حالة سكان العالم لسنة 2026، الذي يحمل عنوان "الحياة والخيارات والمستقبل: ما الذي يريده الشباب؟ وما الذي يشكل قراراتهم بشأن العلاقات والأبوة والأمومة والمستقبل؟".

ويستند هذا التقرير الدولي إلى مؤشرات ديمغرافية مهمة، إذ شمل استطلاع آراء أكثر من 100 ألف شخص من مستخدمي ومستخدمات شبكة الإنترنت، تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاما، ويتوزعون على 73 دولة من مختلف قارات العالم، من بينها تونس.