إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في انتظار استكمال جملة من المشاريع لتعزيز منظومة المياه.. متابعة نسق التزود بالمياه صيفا لتقليص اضطرابات التوزيع والانقطاعات

 

تونس - الصباح

مع تواصل التحذيرات من موجات الحر القادمة والتوقعات بموجة مرتقبة خلال الأسبوع القادم، تزداد الضغوط على شبكات توزيع المياه والمخاوف من تسجيل انقطاعات.

وقد أعلنت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مؤخرا عن تسجيل اضطراب وانقطاع في توزيع الماء الصالح للشرب بالمناطق العليا بالمحمدية من ولاية بن عروس، ومعتمدية جبل الوسط وبئر مشارقة من ولاية زغوان، بداية من مساء السبت الفارط، بسبب عطب فجئي بمحطة الضخ بالمحمدية.

كما أعلنت عن تسجيل اضطرابات في توزيع المياه بولايات سوسة والمنستير والمهدية، بسبب ارتفاع الاستهلاك الصيفي واستكمال تجارب محطة تحلية مياه البحر بسوسة.

وأفادت الشركة، في بلاغ لها، بأنه سيتم اعتماد قطع ليلي يومي للمياه من منتصف الليل إلى الخامسة صباحا، بداية من الأحد الفارط 5 جويلية الجاري، إلى حين استقرار التزويد وتحسين الموازنة المائية بالجهة.

وتحدث هذه الاضطرابات رغم موسم الأمطار المهم المسجل خلال هذه السنة، وتسجيل تحسن كبير في نسب امتلاء السدود والموارد المائية.

وتفيد آخر المعطيات بأنه، إلى حدود 23 جوان الفارط، بلغت نسبة امتلاء السدود في تونس 60 بالمائة من طاقتها الإجمالية، وفق تصريح المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى بوزارة الفلاحة، فائز مسلم، الذي وصف هذا المستوى بـ"المطمئن جدا" مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت تراجعا حادا في الموارد المائية.

كما بيّن، في تصريح إعلامي، أن "هذا المخزون سيمكن من تغطية الاحتياجات الوطنية خلال فصل الصيف، ويخفف من الضغوط التي عرفتها البلاد في السنوات الماضية، والتي دفعت إلى اعتماد إجراءات استثنائية، من بينها الانقطاعات الدورية للمياه في بعض المناطق".

ويُذكر أن نسبة امتلاء السدود لم تتجاوز 41 بالمائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025، ما يعكس تحسنا ملحوظا في الوضعية المائية خلال العام الجاري بفضل التساقطات المسجلة.

 

اضطرابات في التزود

من جهته، كشف مؤخرا المرصد التونسي للمياه أنه خلال شهر ماي الفارط تم تسجيل 302 تبليغا مواطنيا بخصوص وضعية التزود بالماء الصالح للشرب في مختلف ولايات الجمهورية.

وأكد المرصد، في بلاغ له، تسجيل 266 تبليغا بانقطاع توزيع المياه الصالحة للشرب على مستوى الجمهورية، وهو "ما يمثل حوالي 88 بالمائة من إجمالي التبليغات".

كما تم رصد 15 تبليغا حول وقوع تسربات في الشبكة، و9 تبليغات تعلقت بجودة المياه، وصفت بأنها مياه غير صالحة للشرب.

وأفاد المرصد بأن ولاية بن عروس تصدرت خارطة العطش بـ26 تبليغا، تلتها ولاية قفصة بـ25 تبليغا، ثم ولاية القصرين بـ23 تبليغا، فولاية تونس بـ22 تبليغا.

في المقابل، تؤكد المصالح المعنية بمنظومة المياه أن الاستعدادات لموسم الصيف وذروة الاستهلاك انطلقت مبكرا. ففي جوان الفارط، وفي إطار ضمان استمرارية تزويد المواطنين بالماء الصالح للشرب والطاقة الكهربائية خلال فترة ذروة الاستهلاك الصيفي، أشرف حمادي الحبيب، كاتب الدولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المكلف بالمياه، على جلسة عمل تنسيقية بحضور الرئيس المدير العام للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، والرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، والمكلف بتسيير الإدارة العامة للهندسة الريفية، وممثل الإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى، ومدير مكتب التخطيط والتوازنات المائية، وممثل شركة استغلال القنال وأنابيب مياه الشمال، إلى جانب عدد من الإطارات الفنية المعنية.

وخصصت الجلسة لمتابعة مدى جاهزية مختلف المنشآت والتجهيزات المائية والكهربائية، وتعزيز التنسيق بين المؤسستين تحسبا لفترة الذروة الصيفية التي تشهد ارتفاعا ملحوظا في الطلب على الماء والكهرباء.

كما تم التطرق إلى تأثير الانقطاعات الكهربائية على منظومات إنتاج ونقل وتوزيع المياه، باعتبار أن مختلف محطات الضخ والمعالجة والتوزيع تعتمد بشكل أساسي على الطاقة الكهربائية، مما قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى اضطرابات في التزويد بالماء أو انخفاض الضغط بالشبكات عند حدوث انقطاعات أو أعطاب كهربائية.

وتم خلال الجلسة النظر في سبل التسريع في إنجاز المشاريع المائية الجارية وربطها بالشبكة الكهربائية في الآجال المحددة، بما يضمن دخولها حيز الاستغلال في أفضل الظروف، ويعزز قدرات التزويد بالماء الصالح للشرب خلال فترة الذروة الصيفية.

وتضمن البرنامج المعد لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب خلال هذه الصائفة 81 مشروعا، منها 35 مشروعا متواصلا بكلفة 58 مليون دينار، ويتضمن خاصة:

•حفر وربط 38 بئرا عميقة في إطار تدعيم الموارد المائية.

•صيانة وتجديد 26 محطة ضخ.

•التدخل في 22 مشروعا لتجديد وتدعيم الشبكات.

وهي تدخلات حسب المنظومات المائية في عديد المناطق بكل الولايات، مع تركيز عديد فرق العمل المركزية بالتنسيق مع المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية للمتابعة المستمرة وضمان تزويد كل المواطنين بالماء الصالح للشرب بكامل جهات البلاد، وذلك من خلال:

•استحثاث نسق إنجاز 187 منظومة مائية لفائدة 248 ألف ساكن بكلفة 147 مليون دينار، منها:

•تحسين أداء 74 منظومة مائية لفائدة 113 ألف ساكن.

•إعادة تشغيل 38 منظومة مائية لفائدة 20 ألف ساكن.

•إنجاز 6 آبار عميقة ستدخل حيز الاستغلال بولايات الوسط والجنوب.

•تعويض 10 آبار عميقة بعديد الولايات.

•صيانة محطات الضخ والشبكات واقتناء التجهيزات الاحتياطية.

•توفير 20 شاحنة مجهزة بصهاريج مخصصة للمناطق الجبلية الوعرة.

 

الأمن المائي

وعموما، تعمل الحكومة منذ فترة على تعزيز منظومة المياه باعتبارها أولوية وخيارا استراتيجيا مرتبطا بالأمن الغذائي، إلى جانب علاقتها بتحديات التغيرات المناخية.

وفي جوان الفارط، أشرفت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري على مجلس وزاري مضيّق حول منظومة المياه، أكدت خلاله "الأهمية الاستراتيجية لمنظومة المياه باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق السيادة المائية وضمان الأمن القومي وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات المناخية التي يشهدها العالم بأسره، مبرزة أن حوكمة قطاع المياه وإصلاحه يعدان من الأولويات الوطنية التي تعمل عليها الدولة تبعا لتوجيهات سيادة رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد، بما يكرس الحق الدستوري في الماء الصالح للشرب لجميع المواطنين على قدم المساواة، والمحافظة على الثروة المائية بما يضمن الأمن المائي للأجيال القادمة".

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة تعمل حاليا على تطوير التشريعات الهادفة إلى ضمان تحسين التصرف في الموارد المائية والمحافظة عليها وتثمينها، إلى جانب صيانة المنشآت والمنظومات المائية بما يضمن جاهزيتها لتأمين التزويد المنتظم بالماء الصالح للشرب لفائدة جميع المواطنين بكامل جهات البلاد بصفة متواصلة وعلى مدار السنة، وتفادي انقطاعات الماء الفجئية.

كما تعمل الحكومة على تنويع مصادر المياه عبر تعبئة الموارد المائية غير التقليدية، إلى جانب إنجاز مشاريع عمومية كبرى في مجال تعبئة الموارد المائية، تخص تطوير منشآت نقل المياه وتحسين أداء شبكات التوزيع ومدّ وإعادة تأهيل أنظمة إمدادات مياه الشرب في المناطق الحضرية، وتطوير خدمات التطهير والمعالجة، مع توجه استراتيجي نحو الطاقات البديلة كخيار للتحكم في كلفة إنتاج ونقل المياه الصالحة للشرب.

ويُذكر أن الدراسة الاستراتيجية للمياه في أفق 2050 والبرامج المقترحة للفترة 2026-2030 تقوم على أربعة محاور رئيسية، تضم 43 برنامجا وتشمل 1200 إجراء، واستثمارات بقيمة 74515 مليون دينار، منها 53 بالمائة موجهة لبرامج تثمين المياه غير التقليدية، وإنجاز عدد من المشاريع ذات الأولوية لتعبئة الموارد المائية، وتحسين نجاعة شبكات مياه الشرب وشبكات الري، وتثمين المياه غير التقليدية، وتهيئة الأراضي الفلاحية والمحافظة عليها، وتثمين حصاد مياه الأمطار، واعتماد الطاقات المتجددة.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على توجه نحو الطاقات البديلة كخيار للتحكم في كلفة إنتاج ونقل المياه الصالحة للشرب، من خلال مواصلة تنفيذ برنامج الانتقال الطاقي للفترة 2026-2035، عبر التدقيق الطاقي وإعادة تهيئة محطات الضخ والشبكات الذكية، وإنتاج محطات الطاقة الفولطاضوئية بقدرة 225 ميغاواط، وحوكمة إدارة الطاقات، بما يحقق كلفة طاقة لا تتجاوز 17 بالمائة من كلفة إنتاج وتوزيع المياه في أفق سنة 2030، مقابل استهلاك نسبة 27 بالمائة من هذه الكلفة سنة 2025.

كما ناقش المجلس التقنيات المبتكرة التي سيتم اعتمادها للتعبئة والتصرف في الموارد المائية، ومن أهمها:

•إحداث منصة رقمية للمساعدة على أخذ القرار للتصرف الآني في الموارد المائية المنجزة، وذلك بتجميع البيانات الهيدرولوجية من مصادر مختلفة (الأمطار والسيلان ومخزون السدود والتحويل والاستغلال).

•إعداد منصة رقمية خاصة بالترخيص للتصرف في الملك العمومي للمياه، لتعزيز حوكمة قطاع المياه وتقريب الخدمات الإدارية المتعلقة بتراخيص استغلال الملك العمومي للمياه من طالبيها، مع تبسيط الإجراءات بالحد من عدد المتدخلين في مسار ترخيص البحث والتنقيب عن المياه الجوفية، وتشجيع طالبي الخدمة على الحصول على تراخيص وعدم اللجوء إلى الحفر العشوائي، بما يدعم شفافية ونزاهة إسداء الخدمات ويدفع الاستثمار.

•تحيين خارطة الطوابق البيومناخية، بما سيمكن من تحيين الخارطة الفلاحية وتحديد المناطق الجغرافية لتركيز الزراعات طبقا للطوابق المحيّنة.

•الحد من التبخر، حيث سيتم في هذا الإطار إنجاز تجربة نموذجية بالمسطحات المائية بمخابر مركز تونس لتكنولوجيا المياه، ووضع خطة عمل للتجربة على بحيرة كامش بولاية نابل.

 

تثمين المياه المستعملة

في سياق آخر، وضمن خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن المائي ومواجهة شح الموارد، أعلنت مؤخرا وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري توجهها نحو تنفيذ 120 مشروعا لإعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة، بهدف تثمين نحو 450 مليون متر مكعب سنويا بحلول سنة 2050.

وستخصص هذه الموارد لـ:

•ري 56 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية، منها 30 ألف هكتار ضمن المناطق السقوية الجديدة، بحجم يناهز 230 مليون متر مكعب.

•ري 1100 هكتار من المساحات الخضراء و1400 هكتار من ملاعب الغولف، بحجم إجمالي يقارب 40 مليون متر مكعب.

•تزويد القطاع الصناعي بنحو 35 مليون متر مكعب.

•دعم المناطق الرطبة بحوالي 55 مليون متر مكعب، لما لها من دور بيئي في تنقية المياه والمحافظة على التنوع البيولوجي.

ووفق معطيات الإدارة العامة للهندسة الريفية واستغلال المياه، ستمكن هذه المشاريع من إعادة استعمال أكثر من 75 بالمائة من المياه المستعملة المعالجة في تونس، بما يعزز استدامة الموارد المائية ويدعم التنمية الزراعية والاقتصادية.

وكان وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ، قد صرح مؤخرا على هامش فعاليات اليوم الدراسي الوطني حول "تثمين المياه المستعملة المعالجة في مجال إنتاج الأعلاف لمجابهة التغيرات المناخية وتعزيز صمود منظومات الإنتاج الحيواني"، بأن تونس تواجه، على غرار العديد من دول العالم، تحديات متزايدة ناجمة عن التغيرات المناخية وما أفرزته من تواتر سنوات الجفاف، وتراجع التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يفرض اعتماد مقاربات جديدة ومبتكرة في إدارة الموارد المائية وضمان استدامتها.

وشدد على أن استغلال الموارد المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها المياه المستعملة المعالجة، لم يعد خيارا ظرفيا أو حلا مؤقتا، بل أصبح توجها استراتيجيا وسياديا يهدف إلى دعم الأمن الغذائي الوطني والمحافظة على استمرارية الأنشطة الفلاحية والإنتاجية.

ويُذكر أن تونس تمتلك بنية تحتية متطورة في مجال التطهير ومعالجة المياه، حيث تنتج محطات المعالجة سنويا أكثر من 300 مليون متر مكعب من المياه المعالجة، وهو ما يمثل رصيدا هاما يمكن تثمينه لخدمة التنمية الفلاحية وتعزيز صمود المنظومات الإنتاجية.

وتم مؤخرا إحداث لجنة قيادة للمشاريع المتعلقة بمعالجة المياه المستعملة وتثمينها، تضم مختلف الأطراف المتدخلة، بهدف ضمان التنسيق والنجاعة في تنفيذ البرامج والمشاريع ذات الصلة، لا سيما وأن قطاع الإنتاج الحيواني يعد من أكثر القطاعات تأثرا بندرة الموارد العلفية وتقلبات الأسواق العالمية.

ويعد تثمين المياه المستعملة المعالجة لإنتاج الأعلاف رافعة استراتيجية للحد من التبعية الخارجية وتأمين حاجيات القطيع الوطني من المواد العلفية. وسيتم التوجه نحو إنجاز مشاريع كبرى لإنتاج الأعلاف اعتمادا على المياه المعالجة.

م.ي

 

 

في انتظار استكمال جملة من المشاريع لتعزيز منظومة المياه.. متابعة نسق التزود بالمياه صيفا لتقليص اضطرابات التوزيع والانقطاعات

 

تونس - الصباح

مع تواصل التحذيرات من موجات الحر القادمة والتوقعات بموجة مرتقبة خلال الأسبوع القادم، تزداد الضغوط على شبكات توزيع المياه والمخاوف من تسجيل انقطاعات.

وقد أعلنت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مؤخرا عن تسجيل اضطراب وانقطاع في توزيع الماء الصالح للشرب بالمناطق العليا بالمحمدية من ولاية بن عروس، ومعتمدية جبل الوسط وبئر مشارقة من ولاية زغوان، بداية من مساء السبت الفارط، بسبب عطب فجئي بمحطة الضخ بالمحمدية.

كما أعلنت عن تسجيل اضطرابات في توزيع المياه بولايات سوسة والمنستير والمهدية، بسبب ارتفاع الاستهلاك الصيفي واستكمال تجارب محطة تحلية مياه البحر بسوسة.

وأفادت الشركة، في بلاغ لها، بأنه سيتم اعتماد قطع ليلي يومي للمياه من منتصف الليل إلى الخامسة صباحا، بداية من الأحد الفارط 5 جويلية الجاري، إلى حين استقرار التزويد وتحسين الموازنة المائية بالجهة.

وتحدث هذه الاضطرابات رغم موسم الأمطار المهم المسجل خلال هذه السنة، وتسجيل تحسن كبير في نسب امتلاء السدود والموارد المائية.

وتفيد آخر المعطيات بأنه، إلى حدود 23 جوان الفارط، بلغت نسبة امتلاء السدود في تونس 60 بالمائة من طاقتها الإجمالية، وفق تصريح المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى بوزارة الفلاحة، فائز مسلم، الذي وصف هذا المستوى بـ"المطمئن جدا" مقارنة بالسنوات الأخيرة التي شهدت تراجعا حادا في الموارد المائية.

كما بيّن، في تصريح إعلامي، أن "هذا المخزون سيمكن من تغطية الاحتياجات الوطنية خلال فصل الصيف، ويخفف من الضغوط التي عرفتها البلاد في السنوات الماضية، والتي دفعت إلى اعتماد إجراءات استثنائية، من بينها الانقطاعات الدورية للمياه في بعض المناطق".

ويُذكر أن نسبة امتلاء السدود لم تتجاوز 41 بالمائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025، ما يعكس تحسنا ملحوظا في الوضعية المائية خلال العام الجاري بفضل التساقطات المسجلة.

 

اضطرابات في التزود

من جهته، كشف مؤخرا المرصد التونسي للمياه أنه خلال شهر ماي الفارط تم تسجيل 302 تبليغا مواطنيا بخصوص وضعية التزود بالماء الصالح للشرب في مختلف ولايات الجمهورية.

وأكد المرصد، في بلاغ له، تسجيل 266 تبليغا بانقطاع توزيع المياه الصالحة للشرب على مستوى الجمهورية، وهو "ما يمثل حوالي 88 بالمائة من إجمالي التبليغات".

كما تم رصد 15 تبليغا حول وقوع تسربات في الشبكة، و9 تبليغات تعلقت بجودة المياه، وصفت بأنها مياه غير صالحة للشرب.

وأفاد المرصد بأن ولاية بن عروس تصدرت خارطة العطش بـ26 تبليغا، تلتها ولاية قفصة بـ25 تبليغا، ثم ولاية القصرين بـ23 تبليغا، فولاية تونس بـ22 تبليغا.

في المقابل، تؤكد المصالح المعنية بمنظومة المياه أن الاستعدادات لموسم الصيف وذروة الاستهلاك انطلقت مبكرا. ففي جوان الفارط، وفي إطار ضمان استمرارية تزويد المواطنين بالماء الصالح للشرب والطاقة الكهربائية خلال فترة ذروة الاستهلاك الصيفي، أشرف حمادي الحبيب، كاتب الدولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المكلف بالمياه، على جلسة عمل تنسيقية بحضور الرئيس المدير العام للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، والرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، والمكلف بتسيير الإدارة العامة للهندسة الريفية، وممثل الإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى، ومدير مكتب التخطيط والتوازنات المائية، وممثل شركة استغلال القنال وأنابيب مياه الشمال، إلى جانب عدد من الإطارات الفنية المعنية.

وخصصت الجلسة لمتابعة مدى جاهزية مختلف المنشآت والتجهيزات المائية والكهربائية، وتعزيز التنسيق بين المؤسستين تحسبا لفترة الذروة الصيفية التي تشهد ارتفاعا ملحوظا في الطلب على الماء والكهرباء.

كما تم التطرق إلى تأثير الانقطاعات الكهربائية على منظومات إنتاج ونقل وتوزيع المياه، باعتبار أن مختلف محطات الضخ والمعالجة والتوزيع تعتمد بشكل أساسي على الطاقة الكهربائية، مما قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى اضطرابات في التزويد بالماء أو انخفاض الضغط بالشبكات عند حدوث انقطاعات أو أعطاب كهربائية.

وتم خلال الجلسة النظر في سبل التسريع في إنجاز المشاريع المائية الجارية وربطها بالشبكة الكهربائية في الآجال المحددة، بما يضمن دخولها حيز الاستغلال في أفضل الظروف، ويعزز قدرات التزويد بالماء الصالح للشرب خلال فترة الذروة الصيفية.

وتضمن البرنامج المعد لتأمين التزود بالماء الصالح للشرب خلال هذه الصائفة 81 مشروعا، منها 35 مشروعا متواصلا بكلفة 58 مليون دينار، ويتضمن خاصة:

•حفر وربط 38 بئرا عميقة في إطار تدعيم الموارد المائية.

•صيانة وتجديد 26 محطة ضخ.

•التدخل في 22 مشروعا لتجديد وتدعيم الشبكات.

وهي تدخلات حسب المنظومات المائية في عديد المناطق بكل الولايات، مع تركيز عديد فرق العمل المركزية بالتنسيق مع المندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية للمتابعة المستمرة وضمان تزويد كل المواطنين بالماء الصالح للشرب بكامل جهات البلاد، وذلك من خلال:

•استحثاث نسق إنجاز 187 منظومة مائية لفائدة 248 ألف ساكن بكلفة 147 مليون دينار، منها:

•تحسين أداء 74 منظومة مائية لفائدة 113 ألف ساكن.

•إعادة تشغيل 38 منظومة مائية لفائدة 20 ألف ساكن.

•إنجاز 6 آبار عميقة ستدخل حيز الاستغلال بولايات الوسط والجنوب.

•تعويض 10 آبار عميقة بعديد الولايات.

•صيانة محطات الضخ والشبكات واقتناء التجهيزات الاحتياطية.

•توفير 20 شاحنة مجهزة بصهاريج مخصصة للمناطق الجبلية الوعرة.

 

الأمن المائي

وعموما، تعمل الحكومة منذ فترة على تعزيز منظومة المياه باعتبارها أولوية وخيارا استراتيجيا مرتبطا بالأمن الغذائي، إلى جانب علاقتها بتحديات التغيرات المناخية.

وفي جوان الفارط، أشرفت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري على مجلس وزاري مضيّق حول منظومة المياه، أكدت خلاله "الأهمية الاستراتيجية لمنظومة المياه باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق السيادة المائية وضمان الأمن القومي وتحقيق الأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات المناخية التي يشهدها العالم بأسره، مبرزة أن حوكمة قطاع المياه وإصلاحه يعدان من الأولويات الوطنية التي تعمل عليها الدولة تبعا لتوجيهات سيادة رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد، بما يكرس الحق الدستوري في الماء الصالح للشرب لجميع المواطنين على قدم المساواة، والمحافظة على الثروة المائية بما يضمن الأمن المائي للأجيال القادمة".

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة تعمل حاليا على تطوير التشريعات الهادفة إلى ضمان تحسين التصرف في الموارد المائية والمحافظة عليها وتثمينها، إلى جانب صيانة المنشآت والمنظومات المائية بما يضمن جاهزيتها لتأمين التزويد المنتظم بالماء الصالح للشرب لفائدة جميع المواطنين بكامل جهات البلاد بصفة متواصلة وعلى مدار السنة، وتفادي انقطاعات الماء الفجئية.

كما تعمل الحكومة على تنويع مصادر المياه عبر تعبئة الموارد المائية غير التقليدية، إلى جانب إنجاز مشاريع عمومية كبرى في مجال تعبئة الموارد المائية، تخص تطوير منشآت نقل المياه وتحسين أداء شبكات التوزيع ومدّ وإعادة تأهيل أنظمة إمدادات مياه الشرب في المناطق الحضرية، وتطوير خدمات التطهير والمعالجة، مع توجه استراتيجي نحو الطاقات البديلة كخيار للتحكم في كلفة إنتاج ونقل المياه الصالحة للشرب.

ويُذكر أن الدراسة الاستراتيجية للمياه في أفق 2050 والبرامج المقترحة للفترة 2026-2030 تقوم على أربعة محاور رئيسية، تضم 43 برنامجا وتشمل 1200 إجراء، واستثمارات بقيمة 74515 مليون دينار، منها 53 بالمائة موجهة لبرامج تثمين المياه غير التقليدية، وإنجاز عدد من المشاريع ذات الأولوية لتعبئة الموارد المائية، وتحسين نجاعة شبكات مياه الشرب وشبكات الري، وتثمين المياه غير التقليدية، وتهيئة الأراضي الفلاحية والمحافظة عليها، وتثمين حصاد مياه الأمطار، واعتماد الطاقات المتجددة.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على توجه نحو الطاقات البديلة كخيار للتحكم في كلفة إنتاج ونقل المياه الصالحة للشرب، من خلال مواصلة تنفيذ برنامج الانتقال الطاقي للفترة 2026-2035، عبر التدقيق الطاقي وإعادة تهيئة محطات الضخ والشبكات الذكية، وإنتاج محطات الطاقة الفولطاضوئية بقدرة 225 ميغاواط، وحوكمة إدارة الطاقات، بما يحقق كلفة طاقة لا تتجاوز 17 بالمائة من كلفة إنتاج وتوزيع المياه في أفق سنة 2030، مقابل استهلاك نسبة 27 بالمائة من هذه الكلفة سنة 2025.

كما ناقش المجلس التقنيات المبتكرة التي سيتم اعتمادها للتعبئة والتصرف في الموارد المائية، ومن أهمها:

•إحداث منصة رقمية للمساعدة على أخذ القرار للتصرف الآني في الموارد المائية المنجزة، وذلك بتجميع البيانات الهيدرولوجية من مصادر مختلفة (الأمطار والسيلان ومخزون السدود والتحويل والاستغلال).

•إعداد منصة رقمية خاصة بالترخيص للتصرف في الملك العمومي للمياه، لتعزيز حوكمة قطاع المياه وتقريب الخدمات الإدارية المتعلقة بتراخيص استغلال الملك العمومي للمياه من طالبيها، مع تبسيط الإجراءات بالحد من عدد المتدخلين في مسار ترخيص البحث والتنقيب عن المياه الجوفية، وتشجيع طالبي الخدمة على الحصول على تراخيص وعدم اللجوء إلى الحفر العشوائي، بما يدعم شفافية ونزاهة إسداء الخدمات ويدفع الاستثمار.

•تحيين خارطة الطوابق البيومناخية، بما سيمكن من تحيين الخارطة الفلاحية وتحديد المناطق الجغرافية لتركيز الزراعات طبقا للطوابق المحيّنة.

•الحد من التبخر، حيث سيتم في هذا الإطار إنجاز تجربة نموذجية بالمسطحات المائية بمخابر مركز تونس لتكنولوجيا المياه، ووضع خطة عمل للتجربة على بحيرة كامش بولاية نابل.

 

تثمين المياه المستعملة

في سياق آخر، وضمن خطوة استراتيجية لتعزيز الأمن المائي ومواجهة شح الموارد، أعلنت مؤخرا وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري توجهها نحو تنفيذ 120 مشروعا لإعادة استعمال المياه المستعملة المعالجة، بهدف تثمين نحو 450 مليون متر مكعب سنويا بحلول سنة 2050.

وستخصص هذه الموارد لـ:

•ري 56 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية، منها 30 ألف هكتار ضمن المناطق السقوية الجديدة، بحجم يناهز 230 مليون متر مكعب.

•ري 1100 هكتار من المساحات الخضراء و1400 هكتار من ملاعب الغولف، بحجم إجمالي يقارب 40 مليون متر مكعب.

•تزويد القطاع الصناعي بنحو 35 مليون متر مكعب.

•دعم المناطق الرطبة بحوالي 55 مليون متر مكعب، لما لها من دور بيئي في تنقية المياه والمحافظة على التنوع البيولوجي.

ووفق معطيات الإدارة العامة للهندسة الريفية واستغلال المياه، ستمكن هذه المشاريع من إعادة استعمال أكثر من 75 بالمائة من المياه المستعملة المعالجة في تونس، بما يعزز استدامة الموارد المائية ويدعم التنمية الزراعية والاقتصادية.

وكان وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ، قد صرح مؤخرا على هامش فعاليات اليوم الدراسي الوطني حول "تثمين المياه المستعملة المعالجة في مجال إنتاج الأعلاف لمجابهة التغيرات المناخية وتعزيز صمود منظومات الإنتاج الحيواني"، بأن تونس تواجه، على غرار العديد من دول العالم، تحديات متزايدة ناجمة عن التغيرات المناخية وما أفرزته من تواتر سنوات الجفاف، وتراجع التساقطات، وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يفرض اعتماد مقاربات جديدة ومبتكرة في إدارة الموارد المائية وضمان استدامتها.

وشدد على أن استغلال الموارد المائية غير التقليدية، وفي مقدمتها المياه المستعملة المعالجة، لم يعد خيارا ظرفيا أو حلا مؤقتا، بل أصبح توجها استراتيجيا وسياديا يهدف إلى دعم الأمن الغذائي الوطني والمحافظة على استمرارية الأنشطة الفلاحية والإنتاجية.

ويُذكر أن تونس تمتلك بنية تحتية متطورة في مجال التطهير ومعالجة المياه، حيث تنتج محطات المعالجة سنويا أكثر من 300 مليون متر مكعب من المياه المعالجة، وهو ما يمثل رصيدا هاما يمكن تثمينه لخدمة التنمية الفلاحية وتعزيز صمود المنظومات الإنتاجية.

وتم مؤخرا إحداث لجنة قيادة للمشاريع المتعلقة بمعالجة المياه المستعملة وتثمينها، تضم مختلف الأطراف المتدخلة، بهدف ضمان التنسيق والنجاعة في تنفيذ البرامج والمشاريع ذات الصلة، لا سيما وأن قطاع الإنتاج الحيواني يعد من أكثر القطاعات تأثرا بندرة الموارد العلفية وتقلبات الأسواق العالمية.

ويعد تثمين المياه المستعملة المعالجة لإنتاج الأعلاف رافعة استراتيجية للحد من التبعية الخارجية وتأمين حاجيات القطيع الوطني من المواد العلفية. وسيتم التوجه نحو إنجاز مشاريع كبرى لإنتاج الأعلاف اعتمادا على المياه المعالجة.

م.ي