غياب مدير فني قد يكون مؤثرًا خاصة على مستوى البرمجة "النوعية"
لماذا غاب الإنتاج الخاص بالمهرجان في هذه المناسبة الرمزية؟
الحضور اللبناني في البرمجة كما وكيفًا يطرح أسئلة
تونس - الصباح
فرضت، على ما يبدو، الضغوط المالية واللوجستية نواميسها على برمجة مهرجاني قرطاج والحمامات الدوليين، واللذان ينتظمان تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية. ورغم الانطلاق مبكرًا في التحضير لستينية كلتا المناسبتين الأهم على خارطة المهرجانات الصيفية في تونس، إلا أن البعد الاحتفالي المبتكر يغيب عن خيارات قرطاج والحمامات، التي اتجهت برمجتهما، وبنسبة كبيرة، إلى تصورات ذات العائد الربحي، مع عروض مكررة واختيارات أجنبية لا تناسب حجم الموعد المرتقب، في غياب واضح لفلسفة فنية تثمن المشاريع الموسيقية التونسية.
انتظرنا سهرة أو أكثر تكون إنتاجًا مخصصًا لاحتفالات الستينية في كل من الحمامات وقرطاج، غير أن المعلن عنه من خيارات لا يعكس هذه المرحلة المفصلية من مسار أعرق المهرجانات التونسية، ليكتفي مهرجان الحمامات الدولي بشعار "ذاكرة تعيش"، ويذهب مهرجان قرطاج نحو عروض يغلب عليها الطابع التجاري، لا تصنع الحدث، وذلك باستثناء عروض قليلة.
وتعكس الأرقام المتعلقة ببرمجة مهرجان الحمامات الدولي من 11 جويلية إلى 13 أوت 2026 اهتمامًا بالإنتاج الفني الوطني، وذلك بمشاركة 14 عرضًا يمثلون 43.8 بالمائة من إجمالي البرمجة، ومن بينهم 4 عروض مسرحية حديثة الإنتاج ("الهاربات"، "جاكراندا"، "هوما" و"العشاق"). وإن كان هذا الخيار أنصف نسبيًا العروض التونسية وبعض المشاريع الموسيقية، على غرار الحضور المرتقب لظافر يوسف، "دوليشة" لبثينة نابولي، مشروع سليم ونور عرجون "Live With Orchestra" و"صدى الأطلس" لعطيل معاوي، إلا أن العروض العربية - ونسبتها 34.4 بالمائة من إجمالي العروض - تثير، في اعتقادنا، عددًا من التساؤلات، أهمها تسجيل مشاركة 8 فنانين من لبنان فقط، مقابل ثلاث عروض من فلسطين، الجزائر والمغرب (وعرض مشترك تونسي مغربي). هل لعبت الصدفة في هذا الخيار؟ السؤال يطرح، خاصة وأن بعض الفنانين اللبنانيين المشاركين يمكن الاستغناء عن برمجتهم لأسباب عدة، أهمها وجود خيارات وأسماء أفضل من دول عربية أخرى من أصحاب المشاريع الموسيقية البديلة والمجددة، وأيضًا عودة بعض الفنانين اللبنانيين بإنتاجات متواضعة لا تبرر البرمجة في مهرجان دولي هو، حسب المنظمين، واجهة للبلاد على غرار قرطاج الدولي. والأكيد أننا نستثني من هذه القائمة العودة المهمة لمارسيل خليفة إلى ركح الحمامات، والصوت المهم على الصعيد العربي لملحم زين، وحضور الفنان أدم في جولة مستحقة بتونس لتميزه فنيًا وجماهيريًا، مع انتظار لتجربة ياسمين حمدان بألبومها المنتج سنة 2025 بعد غياب سنوات، لكن بقية المواعيد تبقى محل نظر.
أما غياب التجارب المصرية وفناني "اندرغروند" في شتى بلدان الوطن العربي، والقائمة تطول في السياق، فإنه يفتح باب التساؤل: هل إن فنانينا يجدون نفس الحظوة في المهرجانات العربية، ويقع التعامل معهم بنفس الطريقة التي يتم بها التعامل في تونس مع الأسماء العربية ذات الحضور المهيمن، وخاصة من لبنان؟
وبالعودة إلى مهرجان الحمامات الدولي، نشير إلى أنه يملك خصوصية تمنح مكانة بارزة للمسرح والمشاريع الموسيقية والاكتشافات الشبابية، ولكن في السنوات الأخيرة تبدو هذه الخيارات أقل تميزًا للعمل الفني الجاد والمجدد. ولعلّ غياب مدير فني صاحب تجربة ومدرك للتحولات الحديثة في الموسيقى العالمية والمعاصرة، ومواكب للمواعيد الموسيقية العالمية، ساهم في تراجع المستوى الفني لعدد من العروض العربية والأجنبية، على غرار مهرجان قرطاج الدولي الذي فقد الكثير من تميزه مع غياب مدير فني يتحمل مسؤولية الخيارات، ويسطر مسار المهرجان، ويضع الخطوط الرئيسية لفلسفته.
ولا يعتبر حصر الفضاء الثقافي لمسرحي قرطاج والحمامات، خصوصًا في دورة مفصلية، في طابعه الترفيهي والاكتفاء بعروض ذات عائد مالي، مقياسها كثافة الحضور والإقبال الجماهيري، مقابل إغفال المشروع الثقافي للبلاد في مهرجان "الواجهة"، اختيارًا موفقًا بالكامل. وكان يمكن لوزارة الشؤون الثقافية رصد ميزانية خاصة لعرض ضخم يثمن الستينية، وكان يمكن تفعيل الدبلوماسية الثقافية بطرق أكثر نجاعة وفعالية، مع ضرورة ضبط خارطة العروض التي تقام على ركح مسرح قرطاج الأثري خارج البرمجة الرسمية لمهرجان قرطاج الدولي، واختيار توقيت يجنبنا الخلط بين التظاهرات. فلا يعقل أن يصبح المسرح الروماني متاحًا لكل أنواع الحفلات والأنماط الموسيقية في فترة وجيزة بعد مهرجان قرطاج الدولي، وهي فترة تظل مرتبطة في أذهان متابعي المهرجان في الداخل والخارج بخصوصية قرطاج، المهرجان العربي الأعرق في المشهد الثقافي الصيفي.
لقد تحدث المنظمون في دورات سابقة عن عدم تكرار عروض في قرطاج والحمامات في الموسم نفسه، ومع ذلك يحضر "نوردو" في كلا الموعدين، مع "تغيب" واضح لغيره من الفنانين الشباب وفناني الراب والأندرغروند التونسيين. أما عروض المسرح في قرطاج فتحتاج بدورها إلى اهتمام أكبر ومراجعة جذرية، ومنها البحث أكثر في الخيارات والعودة إلى المسرح الغنائي المتماهي مع هيبة المكان. ويمكن للتبادل الثقافي بين تونس وغيرها من الدول منح البرمجة بعدًا جماليًا وفنيًا أعمق، لا الاقتصار على عروض كوميدية هزيلة يمكن مشاهدتها في الفضاءات الخاصة، لا على مسرح بمكانة قرطاج.
إن البرمجة المعلن عنها للدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، في انتظار الإعلان الرسمي اليوم عن البرنامج الكامل، تقصي الفئات العمرية اليافعة، وكان من المؤمل أن لا يغفل المنظمون عن هذا الجانب في خياراتهم، فقد ضمت دورة سابقة في اختياراتها عروضًا دولية للرقص والألعاب السحرية والسرك، وحظيت باهتمام كبير من الجماهير التونسية.
في المقابل، لنا أن نشير إلى أن برمجة مهرجاني "الواجهة" قرطاج والحمامات، لوزارة الشؤون الثقافية - على مستوى الإشراف والتنظيم - تقترح عروضًا هامة لعدد من الفنانين الكبار والمطربين المهمين من تونس والعالم العربي، على غرار ميادة الحناوي، ماجدة الرومي، صابر الرباعي، مع عودة أمينة فاخت والشاب خالد ومارسيل خليفة. ومع ذلك، نأمل في مزيد من الاهتمام بالاكتشافات النوعية، ومنح الأصوات والأسماء التونسية الشابة الفرصة التي تمنح لمن يماثلونهم في التجربة من جنسيات أخرى، يحضرون لمسارحنا ليغنوا بعض إنتاجاتهم الخاصة مع اجترار لأعمال فيروز وأم كلثوم ووردة الجزائرية وأسمهان وعبد الحليم حافظ، وإعادة "مشوهة" لأغنية تونسية من التراث.
لقد حان الوقت، ربما، للتخلص من عقلية تعبئة الفراغات بأسماء دون جماهيرية أو إنتاج فني، على حساب أصحاب المشاريع الموسيقية المجددة من تونسيين وضيوف. ولعلّ عودة كل من قرطاج والحمامات للاستعانة بمدير فني قد تساعد على حل العديد من الإشكاليات في البرمجة وفي الخيارات، بعيدًا عن "كاتلوغ" متعهدي الحفلات، الملف الذي يظل ضبابيًا في خارطة المهرجانات الصيفية في بلادنا منذ سنوات، وهو يعتبر، لدى الملاحظين، من بين أبرز أسباب تراجع المستوى الفني للعروض، مقابل طغيان واضح للبعد التجاري في المشهد الثقافي الصيفي.
نجلاء قموع
غياب مدير فني قد يكون مؤثرًا خاصة على مستوى البرمجة "النوعية"
لماذا غاب الإنتاج الخاص بالمهرجان في هذه المناسبة الرمزية؟
الحضور اللبناني في البرمجة كما وكيفًا يطرح أسئلة
تونس - الصباح
فرضت، على ما يبدو، الضغوط المالية واللوجستية نواميسها على برمجة مهرجاني قرطاج والحمامات الدوليين، واللذان ينتظمان تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية. ورغم الانطلاق مبكرًا في التحضير لستينية كلتا المناسبتين الأهم على خارطة المهرجانات الصيفية في تونس، إلا أن البعد الاحتفالي المبتكر يغيب عن خيارات قرطاج والحمامات، التي اتجهت برمجتهما، وبنسبة كبيرة، إلى تصورات ذات العائد الربحي، مع عروض مكررة واختيارات أجنبية لا تناسب حجم الموعد المرتقب، في غياب واضح لفلسفة فنية تثمن المشاريع الموسيقية التونسية.
انتظرنا سهرة أو أكثر تكون إنتاجًا مخصصًا لاحتفالات الستينية في كل من الحمامات وقرطاج، غير أن المعلن عنه من خيارات لا يعكس هذه المرحلة المفصلية من مسار أعرق المهرجانات التونسية، ليكتفي مهرجان الحمامات الدولي بشعار "ذاكرة تعيش"، ويذهب مهرجان قرطاج نحو عروض يغلب عليها الطابع التجاري، لا تصنع الحدث، وذلك باستثناء عروض قليلة.
وتعكس الأرقام المتعلقة ببرمجة مهرجان الحمامات الدولي من 11 جويلية إلى 13 أوت 2026 اهتمامًا بالإنتاج الفني الوطني، وذلك بمشاركة 14 عرضًا يمثلون 43.8 بالمائة من إجمالي البرمجة، ومن بينهم 4 عروض مسرحية حديثة الإنتاج ("الهاربات"، "جاكراندا"، "هوما" و"العشاق"). وإن كان هذا الخيار أنصف نسبيًا العروض التونسية وبعض المشاريع الموسيقية، على غرار الحضور المرتقب لظافر يوسف، "دوليشة" لبثينة نابولي، مشروع سليم ونور عرجون "Live With Orchestra" و"صدى الأطلس" لعطيل معاوي، إلا أن العروض العربية - ونسبتها 34.4 بالمائة من إجمالي العروض - تثير، في اعتقادنا، عددًا من التساؤلات، أهمها تسجيل مشاركة 8 فنانين من لبنان فقط، مقابل ثلاث عروض من فلسطين، الجزائر والمغرب (وعرض مشترك تونسي مغربي). هل لعبت الصدفة في هذا الخيار؟ السؤال يطرح، خاصة وأن بعض الفنانين اللبنانيين المشاركين يمكن الاستغناء عن برمجتهم لأسباب عدة، أهمها وجود خيارات وأسماء أفضل من دول عربية أخرى من أصحاب المشاريع الموسيقية البديلة والمجددة، وأيضًا عودة بعض الفنانين اللبنانيين بإنتاجات متواضعة لا تبرر البرمجة في مهرجان دولي هو، حسب المنظمين، واجهة للبلاد على غرار قرطاج الدولي. والأكيد أننا نستثني من هذه القائمة العودة المهمة لمارسيل خليفة إلى ركح الحمامات، والصوت المهم على الصعيد العربي لملحم زين، وحضور الفنان أدم في جولة مستحقة بتونس لتميزه فنيًا وجماهيريًا، مع انتظار لتجربة ياسمين حمدان بألبومها المنتج سنة 2025 بعد غياب سنوات، لكن بقية المواعيد تبقى محل نظر.
أما غياب التجارب المصرية وفناني "اندرغروند" في شتى بلدان الوطن العربي، والقائمة تطول في السياق، فإنه يفتح باب التساؤل: هل إن فنانينا يجدون نفس الحظوة في المهرجانات العربية، ويقع التعامل معهم بنفس الطريقة التي يتم بها التعامل في تونس مع الأسماء العربية ذات الحضور المهيمن، وخاصة من لبنان؟
وبالعودة إلى مهرجان الحمامات الدولي، نشير إلى أنه يملك خصوصية تمنح مكانة بارزة للمسرح والمشاريع الموسيقية والاكتشافات الشبابية، ولكن في السنوات الأخيرة تبدو هذه الخيارات أقل تميزًا للعمل الفني الجاد والمجدد. ولعلّ غياب مدير فني صاحب تجربة ومدرك للتحولات الحديثة في الموسيقى العالمية والمعاصرة، ومواكب للمواعيد الموسيقية العالمية، ساهم في تراجع المستوى الفني لعدد من العروض العربية والأجنبية، على غرار مهرجان قرطاج الدولي الذي فقد الكثير من تميزه مع غياب مدير فني يتحمل مسؤولية الخيارات، ويسطر مسار المهرجان، ويضع الخطوط الرئيسية لفلسفته.
ولا يعتبر حصر الفضاء الثقافي لمسرحي قرطاج والحمامات، خصوصًا في دورة مفصلية، في طابعه الترفيهي والاكتفاء بعروض ذات عائد مالي، مقياسها كثافة الحضور والإقبال الجماهيري، مقابل إغفال المشروع الثقافي للبلاد في مهرجان "الواجهة"، اختيارًا موفقًا بالكامل. وكان يمكن لوزارة الشؤون الثقافية رصد ميزانية خاصة لعرض ضخم يثمن الستينية، وكان يمكن تفعيل الدبلوماسية الثقافية بطرق أكثر نجاعة وفعالية، مع ضرورة ضبط خارطة العروض التي تقام على ركح مسرح قرطاج الأثري خارج البرمجة الرسمية لمهرجان قرطاج الدولي، واختيار توقيت يجنبنا الخلط بين التظاهرات. فلا يعقل أن يصبح المسرح الروماني متاحًا لكل أنواع الحفلات والأنماط الموسيقية في فترة وجيزة بعد مهرجان قرطاج الدولي، وهي فترة تظل مرتبطة في أذهان متابعي المهرجان في الداخل والخارج بخصوصية قرطاج، المهرجان العربي الأعرق في المشهد الثقافي الصيفي.
لقد تحدث المنظمون في دورات سابقة عن عدم تكرار عروض في قرطاج والحمامات في الموسم نفسه، ومع ذلك يحضر "نوردو" في كلا الموعدين، مع "تغيب" واضح لغيره من الفنانين الشباب وفناني الراب والأندرغروند التونسيين. أما عروض المسرح في قرطاج فتحتاج بدورها إلى اهتمام أكبر ومراجعة جذرية، ومنها البحث أكثر في الخيارات والعودة إلى المسرح الغنائي المتماهي مع هيبة المكان. ويمكن للتبادل الثقافي بين تونس وغيرها من الدول منح البرمجة بعدًا جماليًا وفنيًا أعمق، لا الاقتصار على عروض كوميدية هزيلة يمكن مشاهدتها في الفضاءات الخاصة، لا على مسرح بمكانة قرطاج.
إن البرمجة المعلن عنها للدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، في انتظار الإعلان الرسمي اليوم عن البرنامج الكامل، تقصي الفئات العمرية اليافعة، وكان من المؤمل أن لا يغفل المنظمون عن هذا الجانب في خياراتهم، فقد ضمت دورة سابقة في اختياراتها عروضًا دولية للرقص والألعاب السحرية والسرك، وحظيت باهتمام كبير من الجماهير التونسية.
في المقابل، لنا أن نشير إلى أن برمجة مهرجاني "الواجهة" قرطاج والحمامات، لوزارة الشؤون الثقافية - على مستوى الإشراف والتنظيم - تقترح عروضًا هامة لعدد من الفنانين الكبار والمطربين المهمين من تونس والعالم العربي، على غرار ميادة الحناوي، ماجدة الرومي، صابر الرباعي، مع عودة أمينة فاخت والشاب خالد ومارسيل خليفة. ومع ذلك، نأمل في مزيد من الاهتمام بالاكتشافات النوعية، ومنح الأصوات والأسماء التونسية الشابة الفرصة التي تمنح لمن يماثلونهم في التجربة من جنسيات أخرى، يحضرون لمسارحنا ليغنوا بعض إنتاجاتهم الخاصة مع اجترار لأعمال فيروز وأم كلثوم ووردة الجزائرية وأسمهان وعبد الحليم حافظ، وإعادة "مشوهة" لأغنية تونسية من التراث.
لقد حان الوقت، ربما، للتخلص من عقلية تعبئة الفراغات بأسماء دون جماهيرية أو إنتاج فني، على حساب أصحاب المشاريع الموسيقية المجددة من تونسيين وضيوف. ولعلّ عودة كل من قرطاج والحمامات للاستعانة بمدير فني قد تساعد على حل العديد من الإشكاليات في البرمجة وفي الخيارات، بعيدًا عن "كاتلوغ" متعهدي الحفلات، الملف الذي يظل ضبابيًا في خارطة المهرجانات الصيفية في بلادنا منذ سنوات، وهو يعتبر، لدى الملاحظين، من بين أبرز أسباب تراجع المستوى الفني للعروض، مقابل طغيان واضح للبعد التجاري في المشهد الثقافي الصيفي.