بعيدا عن الاكتفاء بالإعلان عن افتتاح مستشفى جديد أو اقتناء تجهيزات طبية حديثة، بات المشهد الصحي في تونس يعكس اليوم مؤشرات أعمق تتعلق بمكانة الدولة نفسها وبمدى قدرتها على استعادة إشعاعها العلمي والطبي. ففي غضون أيام قليلة، احتضنت تونس تظاهرة علمية قارية جمعت نخبة من أبرز المختصين في أمراض القلب، تزامنا مع تكريم منظمة الصحة العالمية بتونس لمهنيي الصحة التونسيين إثر نجاحهم التاريخي في القضاء على مرض الرمد، في حدثين حملا رسائل تتجاوز البعد الصحي لتؤكدا أن الكفاءة الطبية التونسية ما تزال محل تقدير وإشادة دوليين.
ويأتي ذلك في سياق إرادة سياسية تقودها الدولة في أعلى هرمها، تعتبر أن إصلاح المنظومة الصحية، وإعادة الاعتبار للمرفق العمومي، وتثمين الكفاءات الوطنية، تمثل دعائم أساسية في مشروع بناء دولة قوية، قادرة على تحويل رصيدها البشري إلى مصدر إشعاع إقليمي ودولي.
وضمن هذه المقاربة، تعكس تصريحات رئيس الدولة، قيس سعيد، في مختلف لقاءاته الرسمية، أن إصلاح المنظومة الصحية أصبح جزءا من تصور شامل للدولة يقوم على استعادة دور المرافق العمومية، وإعادة الاعتبار للكفاءة الوطنية باعتبارها أساسا لتحقيق التنمية المنشودة.
ففي مختلف لقاءاته الرسمية، ما فتئ رئيس الجمهورية، قيس سعيد، يؤكد أن تونس لا تعوزها الكفاءة، وإنما تحتاج فقط إلى منظومة قادرة على تثمين مواردها البشرية ووضعها في خدمة مشروع وطني متكامل. ومن هذا المنطلق، فإن ما شهده وما سيشهده شهر جويلية الجاري من حركية علمية وصحية لافتة، وما سبقه من نجاحات طبية متتالية في اختصاصات دقيقة، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا التوجه السياسي الذي يسعى إلى تحويل رأس المال البشري إلى أحد أهم عناصر قوة الدولة، لا سيما وأن المؤتمرات والمنتديات الطبية لم تعد مجرد مواعيد أكاديمية، كما لم تعد النجاحات الطبية شأنا يهم الأطباء وحدهم، بل أصبحت جزءا من صورة الدولة في الخارج ومن مدى قدرتها على التأثير وإثبات حضورها.
وفي هذا السياق، فإن تونس بدأت تستعيد تدريجيا أحد أهم مكامن قوتها التاريخية، وهو إشعاعها الطبي الذي صنعته أجيال من الأطباء والباحثين، وتعمل الدولة اليوم، في أعلى هرمها، على توظيفه ضمن رؤية شاملة لإصلاح القطاع الصحي وتعزيز مكانة البلاد إقليميا ودوليا.
تثمين للرأسمال البشري
بعيدا عن المقاربة التي تختزل الإصلاح في معالجة الأزمات اليومية أو الظرفية، يضع رئيس الدولة، قيس سعيد، مسألة الرأسمال البشري واستعادة قيمة الكفاءة في صلب السياسات العمومية، باعتبار أن السيادة قوامها أيضا امتلاك منظومة بشرية ناجحة في الصحة والتعليم والبحث العلمي وبقية المجالات الاستراتيجية.
وفي هذا الاتجاه، لا تبدو الحركية التي يشهدها القطاع الصحي خلال الأسابيع الأخيرة مجرد تزامن بين مؤتمرات علمية وإشادات دولية، وإنما مؤشرا على أن تونس بصدد استعادة أحد أبرز آليات قوتها الناعمة، وهو إشعاعها الطبي الذي صنعته أجيال من الأطباء والباحثين، وتسعى الدولة اليوم إلى تثمينه وتطويره ضمن رؤية شاملة لإصلاح المرافق العمومية.
وفي هذا الإطار، لم يكن اختيار تونس لاحتضان الدورة الثالثة والعشرين للأيام الإفريقية الأوروبية لأمراض القلب التطبيقية، التي انتظمت بمدينة سوسة من 2 إلى 4 جويلية الجاري، حدثا طبيا ينضاف إلى أجندة المؤتمرات العلمية، وإنما محطة تعكس المكانة التي ما تزال تحتلها المدرسة الطبية التونسية داخل الأوساط العلمية الإفريقية والأوروبية، لاسيما وأن هذا الحدث شهد مشاركة نخبة من المختصين والخبراء من تونس وعديد الدول الإفريقية والأوروبية.
وقد حمل هذا الحدث أكثر من دلالة، أبرزها أن تونس ما تزال تحظى بثقة المؤسسات العلمية والطبية الدولية، وأن المنظومة الطبية التونسية ما تزال قادرة على استقطاب أهم الفاعلين في مجالات البحث والتكوين والتطوير الطبي.
ومن جانب آخر، تمتد أهمية هذه التظاهرات إلى تعزيز مكانة تونس داخل شبكات التعاون الصحي الدولية، خاصة أن الطب الحديث يقوم على الشراكات العابرة للحدود، والبحث المشترك، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، إلى جانب تطوير أساليب العلاج. وضمن هذا التمشي، فإن تنظيم تونس لهذه المنتديات يعكس امتلاكها بنية أكاديمية وطبية تجعلها شريكا يحظى بالاحترام داخل الفضاءين الإفريقي والأوروبي.
كما أن تنظيم هذه المؤتمرات ينسجم مع توجه الدولة، في أعلى هرمها، نحو تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية، وهو توجه أكده رئيس الجمهورية، قيس سعيد، في أكثر من مناسبة من خلال دعواته إلى تطوير التعاون جنوب-جنوب، والانفتاح على العمق الإفريقي في مختلف المجالات، بما في ذلك الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي.
ويستمد هذا الطرح شرعيته من كون الصحة أصبحت اليوم إحدى أهم آليات الدبلوماسية الحديثة، بما أن الدول التي تنجح في تصدير خبراتها وكفاءاتها تحقق حضورا لا يقل أهمية عن حضورها الاقتصادي أو السياسي.
إشعاع وإشادة دولية
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن الإشعاع الطبي لا يُقاس فقط بعدد المؤتمرات أو المنتديات الدولية التي تستضيفها الدول، وإنما أيضا بما تحققه منظوماتها الصحية من نتائج يعترف بها العالم.
وهنا يبرز تكريم منظمة الصحة العالمية بتونس لمجموعة من الأطباء والممرضين والباحثين التونسيين، تقديرا لنجاحهم في القضاء على مرض الرمد بعد مسيرة امتدت لأكثر من قرن، ليكون هذا التكريم بمثابة شهادة دولية على نجاح سياسة صحية وطنية قامت على الاستمرارية، والعمل الميداني، والبحث العلمي، والتنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية. كما أعاد هذا التكريم تسليط الضوء على المدرسة الطبية التونسية التي استطاعت، رغم التحولات والصعوبات، أن تحقق إنجازا طبيا أصبح اليوم مرجعا دوليا في مجال مكافحة الأمراض المعدية.
وتزداد أهمية هذا التكريم لأنه يأتي في مرحلة تسعى فيها الدولة، في أعلى هرمها، إلى إعادة بناء الثقة في مؤسساتها العمومية. فالاعتراف الدولي يثبت أن المنظومة الصحية التونسية لا تختزل في النقائص والتحديات التي تواجهها يوميا، وإنما فيما تحظى به من رصيد علمي وبشري أثبت أنه قادر على تحقيق نتائج أبهرت العالم.
وإذا كان القضاء على مرض الرمد يمثل نجاحا في مجال الصحة العمومية، فإن المنظومة الصحية، بوضعها الراهن، تقدم في المقابل، ورغم التحديات الجسام، صورا أخرى لا تقل أهمية، تتجسد من خلال النجاحات الطبية والجراحية في اختصاصات دقيقة ومعقدة، على غرار جراحة القلب والشرايين، وزراعة الأعضاء، وجراحة الأعصاب، وجراحة الأطفال، وطب العيون، والتدخلات الدقيقة في علاج الأورام.
ولعل اللافت للانتباه أن هذه النجاحات أصبحت تتكرر بوتيرة متصاعدة داخل عدد من المستشفيات العمومية، وهو ما يؤكد أن الكفاءة الطبية التونسية ظلت محافظة على إشعاعها العلمي، رغم ما يواجهه القطاع من تحديات تتعلق بالنقص في الموارد البشرية، والحاجة إلى مزيد تحديث التجهيزات والبنية التحتية، رغم الجهود التي تبذلها الدولة في هذا الإطار، والتي أسفرت عن تعزيز عدد من المستشفيات العمومية والجهوية بآليات وتجهيزات طبية حديثة.
لتؤكد هذه النجاحات أن الرصيد البشري ما يزال يمثل الثروة الفعلية للقطاع الصحي، وأن ما راكمته تونس على امتداد عقود من تكوين طبي رفيع وخبرة ميدانية ظل ثابتا رغم مختلف التحديات.
إعادة الاعتبار للمرفق العمومي..
وفي هذا السياق، تقوم رؤية رئيس الجمهورية، قيس سعيد، لإصلاح القطاع الصحي على إعادة الاعتبار للمرفق العمومي باعتباره شرطا أساسيا لبناء دولة قوية ومتماسكة. فقد شدد رئيس الدولة في أكثر من مناسبة على أن الصحة حق لكل المواطنين، وأن الدولة مطالبة بتوفير منظومة صحية تستجيب لتطلعات التونسيين، مع تثمين الكفاءات الوطنية وربط البحث العلمي بحاجيات البلاد الفعلية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن السياسة العامة التي تعتمدها الدولة اليوم، والتي جعلت من جودة التكوين، والبحث العلمي، والابتكار ركائز أساسية للإصلاح.
ومن هذا المنطلق، فإن الإشعاع الطبي الذي تحققه تونس، رغم التحديات، وتواصل مسار الإصلاح في هذا القطاع الحيوي، لم يعد مجرد مكسب قطاعي، بل أصبح أحد مؤشرات نجاح الدولة في الحفاظ على كفاءاتها وتثمينها. كما يمثل هذا الإشعاع رافعة للدبلوماسية التونسية، بما يتيحه من فرص لتعزيز التعاون مع المؤسسات الصحية والجامعية الدولية، واستقطاب الاستثمارات في الصناعات الطبية، وتطوير السياحة العلاجية، وترسيخ صورة تونس كبلد يمتلك خبرات طبية معترفا بها.
وبالتالي، فإن تزامن احتضان تونس لفعاليات علمية دولية كبرى مع الاعتراف الأممي بإنجازات كفاءاتها الصحية، يؤكد أن البلاد تمتلك كل المقومات لاستعادة موقعها الطبي الرائد. ويبقى التحدي اليوم في ترجمة الإرادة السياسية، التي يؤكدها رئيس الجمهورية، قيس سعيد، في أكثر من مناسبة، إلى إصلاحات هيكلية تعزز المنظومة الصحية، وتحافظ على الكفاءات، وتجعل من الطب التونسي أحد أبرز عناوين إشعاع الدولة، ودليلا على أن الاستثمار في الإنسان يظل الطريق الأفضل والأنجع نحو بناء تونس أكثر قوة وأكثر حضورا في محيطها الإقليمي والدولي.
وصحيح أن المنظومة الصحية، ورغم العلل والهنات التي رافقتها لسنوات عديدة، لا تزال تواجه جملة من التحديات، إلا أنها لم تعد ذلك «الرجل المريض». فالمحطات الأخيرة، من تنظيم التظاهرات العلمية الدولية إلى الاعتراف الأممي بالنجاحات الصحية، مرورا بما تحققه الكفاءات الطبية التونسية من إنجازات نوعية داخل المستشفيات، تؤكد أن هذا القطاع ما يزال يمتلك من عناصر القوة ما يؤهله لاستعادة مكانته الرائدة، وترسيخ إشعاعه العلمي والطبي على المستويين الإقليمي والدولي.
منال حرزي
تونس-الصباح
بعيدا عن الاكتفاء بالإعلان عن افتتاح مستشفى جديد أو اقتناء تجهيزات طبية حديثة، بات المشهد الصحي في تونس يعكس اليوم مؤشرات أعمق تتعلق بمكانة الدولة نفسها وبمدى قدرتها على استعادة إشعاعها العلمي والطبي. ففي غضون أيام قليلة، احتضنت تونس تظاهرة علمية قارية جمعت نخبة من أبرز المختصين في أمراض القلب، تزامنا مع تكريم منظمة الصحة العالمية بتونس لمهنيي الصحة التونسيين إثر نجاحهم التاريخي في القضاء على مرض الرمد، في حدثين حملا رسائل تتجاوز البعد الصحي لتؤكدا أن الكفاءة الطبية التونسية ما تزال محل تقدير وإشادة دوليين.
ويأتي ذلك في سياق إرادة سياسية تقودها الدولة في أعلى هرمها، تعتبر أن إصلاح المنظومة الصحية، وإعادة الاعتبار للمرفق العمومي، وتثمين الكفاءات الوطنية، تمثل دعائم أساسية في مشروع بناء دولة قوية، قادرة على تحويل رصيدها البشري إلى مصدر إشعاع إقليمي ودولي.
وضمن هذه المقاربة، تعكس تصريحات رئيس الدولة، قيس سعيد، في مختلف لقاءاته الرسمية، أن إصلاح المنظومة الصحية أصبح جزءا من تصور شامل للدولة يقوم على استعادة دور المرافق العمومية، وإعادة الاعتبار للكفاءة الوطنية باعتبارها أساسا لتحقيق التنمية المنشودة.
ففي مختلف لقاءاته الرسمية، ما فتئ رئيس الجمهورية، قيس سعيد، يؤكد أن تونس لا تعوزها الكفاءة، وإنما تحتاج فقط إلى منظومة قادرة على تثمين مواردها البشرية ووضعها في خدمة مشروع وطني متكامل. ومن هذا المنطلق، فإن ما شهده وما سيشهده شهر جويلية الجاري من حركية علمية وصحية لافتة، وما سبقه من نجاحات طبية متتالية في اختصاصات دقيقة، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا التوجه السياسي الذي يسعى إلى تحويل رأس المال البشري إلى أحد أهم عناصر قوة الدولة، لا سيما وأن المؤتمرات والمنتديات الطبية لم تعد مجرد مواعيد أكاديمية، كما لم تعد النجاحات الطبية شأنا يهم الأطباء وحدهم، بل أصبحت جزءا من صورة الدولة في الخارج ومن مدى قدرتها على التأثير وإثبات حضورها.
وفي هذا السياق، فإن تونس بدأت تستعيد تدريجيا أحد أهم مكامن قوتها التاريخية، وهو إشعاعها الطبي الذي صنعته أجيال من الأطباء والباحثين، وتعمل الدولة اليوم، في أعلى هرمها، على توظيفه ضمن رؤية شاملة لإصلاح القطاع الصحي وتعزيز مكانة البلاد إقليميا ودوليا.
تثمين للرأسمال البشري
بعيدا عن المقاربة التي تختزل الإصلاح في معالجة الأزمات اليومية أو الظرفية، يضع رئيس الدولة، قيس سعيد، مسألة الرأسمال البشري واستعادة قيمة الكفاءة في صلب السياسات العمومية، باعتبار أن السيادة قوامها أيضا امتلاك منظومة بشرية ناجحة في الصحة والتعليم والبحث العلمي وبقية المجالات الاستراتيجية.
وفي هذا الاتجاه، لا تبدو الحركية التي يشهدها القطاع الصحي خلال الأسابيع الأخيرة مجرد تزامن بين مؤتمرات علمية وإشادات دولية، وإنما مؤشرا على أن تونس بصدد استعادة أحد أبرز آليات قوتها الناعمة، وهو إشعاعها الطبي الذي صنعته أجيال من الأطباء والباحثين، وتسعى الدولة اليوم إلى تثمينه وتطويره ضمن رؤية شاملة لإصلاح المرافق العمومية.
وفي هذا الإطار، لم يكن اختيار تونس لاحتضان الدورة الثالثة والعشرين للأيام الإفريقية الأوروبية لأمراض القلب التطبيقية، التي انتظمت بمدينة سوسة من 2 إلى 4 جويلية الجاري، حدثا طبيا ينضاف إلى أجندة المؤتمرات العلمية، وإنما محطة تعكس المكانة التي ما تزال تحتلها المدرسة الطبية التونسية داخل الأوساط العلمية الإفريقية والأوروبية، لاسيما وأن هذا الحدث شهد مشاركة نخبة من المختصين والخبراء من تونس وعديد الدول الإفريقية والأوروبية.
وقد حمل هذا الحدث أكثر من دلالة، أبرزها أن تونس ما تزال تحظى بثقة المؤسسات العلمية والطبية الدولية، وأن المنظومة الطبية التونسية ما تزال قادرة على استقطاب أهم الفاعلين في مجالات البحث والتكوين والتطوير الطبي.
ومن جانب آخر، تمتد أهمية هذه التظاهرات إلى تعزيز مكانة تونس داخل شبكات التعاون الصحي الدولية، خاصة أن الطب الحديث يقوم على الشراكات العابرة للحدود، والبحث المشترك، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، إلى جانب تطوير أساليب العلاج. وضمن هذا التمشي، فإن تنظيم تونس لهذه المنتديات يعكس امتلاكها بنية أكاديمية وطبية تجعلها شريكا يحظى بالاحترام داخل الفضاءين الإفريقي والأوروبي.
كما أن تنظيم هذه المؤتمرات ينسجم مع توجه الدولة، في أعلى هرمها، نحو تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية، وهو توجه أكده رئيس الجمهورية، قيس سعيد، في أكثر من مناسبة من خلال دعواته إلى تطوير التعاون جنوب-جنوب، والانفتاح على العمق الإفريقي في مختلف المجالات، بما في ذلك الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي.
ويستمد هذا الطرح شرعيته من كون الصحة أصبحت اليوم إحدى أهم آليات الدبلوماسية الحديثة، بما أن الدول التي تنجح في تصدير خبراتها وكفاءاتها تحقق حضورا لا يقل أهمية عن حضورها الاقتصادي أو السياسي.
إشعاع وإشادة دولية
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن الإشعاع الطبي لا يُقاس فقط بعدد المؤتمرات أو المنتديات الدولية التي تستضيفها الدول، وإنما أيضا بما تحققه منظوماتها الصحية من نتائج يعترف بها العالم.
وهنا يبرز تكريم منظمة الصحة العالمية بتونس لمجموعة من الأطباء والممرضين والباحثين التونسيين، تقديرا لنجاحهم في القضاء على مرض الرمد بعد مسيرة امتدت لأكثر من قرن، ليكون هذا التكريم بمثابة شهادة دولية على نجاح سياسة صحية وطنية قامت على الاستمرارية، والعمل الميداني، والبحث العلمي، والتنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية. كما أعاد هذا التكريم تسليط الضوء على المدرسة الطبية التونسية التي استطاعت، رغم التحولات والصعوبات، أن تحقق إنجازا طبيا أصبح اليوم مرجعا دوليا في مجال مكافحة الأمراض المعدية.
وتزداد أهمية هذا التكريم لأنه يأتي في مرحلة تسعى فيها الدولة، في أعلى هرمها، إلى إعادة بناء الثقة في مؤسساتها العمومية. فالاعتراف الدولي يثبت أن المنظومة الصحية التونسية لا تختزل في النقائص والتحديات التي تواجهها يوميا، وإنما فيما تحظى به من رصيد علمي وبشري أثبت أنه قادر على تحقيق نتائج أبهرت العالم.
وإذا كان القضاء على مرض الرمد يمثل نجاحا في مجال الصحة العمومية، فإن المنظومة الصحية، بوضعها الراهن، تقدم في المقابل، ورغم التحديات الجسام، صورا أخرى لا تقل أهمية، تتجسد من خلال النجاحات الطبية والجراحية في اختصاصات دقيقة ومعقدة، على غرار جراحة القلب والشرايين، وزراعة الأعضاء، وجراحة الأعصاب، وجراحة الأطفال، وطب العيون، والتدخلات الدقيقة في علاج الأورام.
ولعل اللافت للانتباه أن هذه النجاحات أصبحت تتكرر بوتيرة متصاعدة داخل عدد من المستشفيات العمومية، وهو ما يؤكد أن الكفاءة الطبية التونسية ظلت محافظة على إشعاعها العلمي، رغم ما يواجهه القطاع من تحديات تتعلق بالنقص في الموارد البشرية، والحاجة إلى مزيد تحديث التجهيزات والبنية التحتية، رغم الجهود التي تبذلها الدولة في هذا الإطار، والتي أسفرت عن تعزيز عدد من المستشفيات العمومية والجهوية بآليات وتجهيزات طبية حديثة.
لتؤكد هذه النجاحات أن الرصيد البشري ما يزال يمثل الثروة الفعلية للقطاع الصحي، وأن ما راكمته تونس على امتداد عقود من تكوين طبي رفيع وخبرة ميدانية ظل ثابتا رغم مختلف التحديات.
إعادة الاعتبار للمرفق العمومي..
وفي هذا السياق، تقوم رؤية رئيس الجمهورية، قيس سعيد، لإصلاح القطاع الصحي على إعادة الاعتبار للمرفق العمومي باعتباره شرطا أساسيا لبناء دولة قوية ومتماسكة. فقد شدد رئيس الدولة في أكثر من مناسبة على أن الصحة حق لكل المواطنين، وأن الدولة مطالبة بتوفير منظومة صحية تستجيب لتطلعات التونسيين، مع تثمين الكفاءات الوطنية وربط البحث العلمي بحاجيات البلاد الفعلية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن السياسة العامة التي تعتمدها الدولة اليوم، والتي جعلت من جودة التكوين، والبحث العلمي، والابتكار ركائز أساسية للإصلاح.
ومن هذا المنطلق، فإن الإشعاع الطبي الذي تحققه تونس، رغم التحديات، وتواصل مسار الإصلاح في هذا القطاع الحيوي، لم يعد مجرد مكسب قطاعي، بل أصبح أحد مؤشرات نجاح الدولة في الحفاظ على كفاءاتها وتثمينها. كما يمثل هذا الإشعاع رافعة للدبلوماسية التونسية، بما يتيحه من فرص لتعزيز التعاون مع المؤسسات الصحية والجامعية الدولية، واستقطاب الاستثمارات في الصناعات الطبية، وتطوير السياحة العلاجية، وترسيخ صورة تونس كبلد يمتلك خبرات طبية معترفا بها.
وبالتالي، فإن تزامن احتضان تونس لفعاليات علمية دولية كبرى مع الاعتراف الأممي بإنجازات كفاءاتها الصحية، يؤكد أن البلاد تمتلك كل المقومات لاستعادة موقعها الطبي الرائد. ويبقى التحدي اليوم في ترجمة الإرادة السياسية، التي يؤكدها رئيس الجمهورية، قيس سعيد، في أكثر من مناسبة، إلى إصلاحات هيكلية تعزز المنظومة الصحية، وتحافظ على الكفاءات، وتجعل من الطب التونسي أحد أبرز عناوين إشعاع الدولة، ودليلا على أن الاستثمار في الإنسان يظل الطريق الأفضل والأنجع نحو بناء تونس أكثر قوة وأكثر حضورا في محيطها الإقليمي والدولي.
وصحيح أن المنظومة الصحية، ورغم العلل والهنات التي رافقتها لسنوات عديدة، لا تزال تواجه جملة من التحديات، إلا أنها لم تعد ذلك «الرجل المريض». فالمحطات الأخيرة، من تنظيم التظاهرات العلمية الدولية إلى الاعتراف الأممي بالنجاحات الصحية، مرورا بما تحققه الكفاءات الطبية التونسية من إنجازات نوعية داخل المستشفيات، تؤكد أن هذا القطاع ما يزال يمتلك من عناصر القوة ما يؤهله لاستعادة مكانته الرائدة، وترسيخ إشعاعه العلمي والطبي على المستويين الإقليمي والدولي.