سجل معدل التضخم عند الاستهلاك العائلي في تونس تراجعا إلى 5.3 بالمائة خلال شهر جوان 2026، مقابل 5.5 بالمائة خلال شهري ماي وأفريل، وفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، في مؤشر يعكس استمرار تحسن نسق تطور الأسعار، ويؤكد دخول الاقتصاد التونسي مرحلة أكثر استقرارا مقارنة بالفترة التي شهدت مستويات تضخم مرتفعة خلال السنوات الماضية.
ويُعد هذا الانخفاض تطورا إيجابيا يعكس بداية استعادة التوازن التدريجي في الأسواق، خاصة مع تباطؤ ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي تمثل المكون الأكثر تأثيرا في ميزانية الأسر. غير أن المؤشرات التفصيلية تُظهر، في المقابل، أن بعض الضغوط الهيكلية ما تزال قائمة، وهو ما يستدعي مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي لضمان استدامة هذا المنحى الإيجابي.
وقد أرجع المعهد الوطني للإحصاء تراجع التضخم أساسا إلى انخفاض نسق ارتفاع أسعار مجموعة التغذية والمشروبات، التي سجلت زيادة سنوية بنسبة 7.1 بالمائة خلال جوان، مقابل 8.2 بالمائة في ماي.
تحسن نسق استقرار الأسعار
يمثل هذا التطور مؤشرا إيجابيا على تحسن نسق استقرار الأسعار، بالنظر إلى الثقل الذي تمثله المواد الغذائية ضمن سلة استهلاك الأسر التونسية، إذ إن أي تباطؤ في وتيرة ارتفاع أسعارها ينعكس مباشرة على المؤشر العام للتضخم. غير أن هذا التحسن يستوجب قراءة دقيقة، إذ إن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار أو عودتها إلى مستوياتها السابقة، بل يعكس تباطؤ وتيرة ارتفاعها مقارنة بالأشهر الماضية، وهو ما يعد تطورا مشجعا قد يمهد لمرحلة أكثر استقرارا إذا تواصل خلال الأشهر المقبلة.
كما أن الحفاظ على هذا المنحى يتطلب مواصلة الجهود الرامية إلى دعم الإنتاج الوطني، وتحسين التزود بالمواد الأساسية، وتعزيز المنافسة داخل الأسواق، بما يساهم في تخفيف الضغوط على الأسعار وترسيخ استقرارها، وهو ما من شأنه أن ينعكس تدريجيا على القدرة الشرائية للمواطنين، ويعزز الثقة في آفاق الاقتصاد التونسي.
وفي المقابل، شهدت بعض المجموعات الاستهلاكية ارتفاعا طفيفا، إذ زادت أسعار التبغ بنسبة 1 بالمائة مقابل 0.8 بالمائة في الشهر السابق، كما ارتفعت أسعار الترفيه والثقافة إلى 4.4 بالمائة مقابل 4.3 بالمائة، دون أن يؤثر ذلك بشكل كبير في المسار العام للتضخم.
ورغم التحسن المسجل، فإن أسعار عدد من المنتجات الغذائية الأساسية واصلت ارتفاعها مقارنة بجوان من السنة الماضية، حيث ارتفعت أسعار لحم الضأن بنسبة 18.3 بالمائة، ولحم البقر بنسبة 13.6 بالمائة، والدواجن بنسبة 13.5 بالمائة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأسماك الطازجة بنسبة 11.7 بالمائة، والغلال الطازجة بنسبة 11 بالمائة.
وتعكس هذه الزيادات استمرار تأثير كلفة الإنتاج، وتطورات العرض والطلب، والعوامل الموسمية على بعض المنتجات الفلاحية، وهو ما يجعل أسعار الغذاء من أبرز مصادر الضغط على ميزانية الأسر.
وفي المقابل، سجلت بعض المواد الأساسية انخفاضا في الأسعار، حيث تراجعت أسعار الزيوت الغذائية بنسبة 5.5 بالمائة، كما انخفضت أسعار البيض بنسبة 3.1 بالمائة، وهو ما ساهم في الحد من نسق ارتفاع أسعار الغذاء.
وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء أن أسعار المواد المصنعة ارتفعت بنسبة 4.7 بالمائة، مدفوعة خصوصا بزيادة أسعار الملابس والأحذية بنسبة 9.2 بالمائة، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد التنظيف بنسبة 4.7 بالمائة.
أما الخدمات، فقد سجلت ارتفاعا بنسبة 4.3 بالمائة، ويعود ذلك أساسا إلى زيادة أسعار خدمات النزل بنسبة 15.4 بالمائة، وهو تطور يعكس، في جانب منه، الانتعاشة التي يشهدها القطاع السياحي خلال الموسم الصيفي، بما يؤكد عودة النشاط الاقتصادي في عدد من القطاعات الحيوية.
استقرار الأسعار يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاجية
ورغم انخفاض التضخم العام، ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الطاقة والمواد الغذائية، إلى 4.9 بالمائة مقابل 4.8 بالمائة في ماي.
ويُعد هذا المؤشر من أهم المؤشرات التي تعتمدها البنوك المركزية لقياس الضغوط السعرية الحقيقية، إذ يعكس استمرار تأثير عوامل داخلية مرتبطة بكلفة الإنتاج والخدمات، وهو ما يؤكد أن استقرار الأسعار يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاجية.
كما تكشف المؤشرات عن استمرار الفارق بين المواد الحرة والمواد المؤطرة، إذ ارتفعت أسعار المواد الحرة بنسبة 6.3 بالمائة، مقابل 1.3 بالمائة فقط بالنسبة إلى المواد المؤطرة.
أما المواد الغذائية، فقد سجلت المنتجات الحرة ارتفاعا بنسبة 8 بالمائة، في حين لم تتجاوز الزيادة 0.2 بالمائة بالنسبة إلى المواد الغذائية المؤطرة، وهو ما يعكس الدور الذي تواصل سياسات تأطير الأسعار الاضطلاع به في حماية القدرة الشرائية بالنسبة إلى عدد من المنتجات الأساسية.
وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن المواد المصنعة كانت المساهم الأكبر في التضخم، بإسهام بلغ نحو 1.8 نقطة مئوية، تلتها الخدمات بحوالي 1.4 نقطة مئوية.
كما ساهمت المواد غير الغذائية الحرة بما يقارب 3 نقاط مئوية في التضخم العام، تلتها المواد الغذائية الحرة بنحو نقطتين مئويتين، وهو ما يبرز أهمية مواصلة العمل على تحسين المنافسة، وتطوير منظومات التوزيع، والحد من الضغوط السعرية.
مؤشرات مطمئنة
يحمل تراجع التضخم خلال شهر جوان رسالة إيجابية بشأن قدرة الاقتصاد التونسي على استعادة قدر أكبر من الاستقرار، خاصة إذا تواصل هذا المنحى خلال النصف الثاني من السنة.
ورغم أن الأسعار ما تزال مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة، فإن تباطؤ نسق ارتفاعها يمثل خطوة مهمة نحو تحسين مناخ الاستهلاك والاستثمار، كما يمنح السلطات النقدية والاقتصادية هامشا أوسع لتقييم سياساتها في ضوء تطور المؤشرات الاقتصادية.
ويبقى التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة في تحويل هذا التحسن الظرفي إلى مسار مستدام، من خلال دعم الإنتاج الوطني، وتحسين سلاسل التزويد، وتعزيز المنافسة، والحد من كلفة الإنتاج، بما يرسخ استقرار الأسعار، ويحسن القدرة الشرائية، ويعزز الثقة في آفاق الاقتصاد التونسي خلال ما تبقى من سنة 2026.
جهاد الكلبوسي
تونس – الصباح
سجل معدل التضخم عند الاستهلاك العائلي في تونس تراجعا إلى 5.3 بالمائة خلال شهر جوان 2026، مقابل 5.5 بالمائة خلال شهري ماي وأفريل، وفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، في مؤشر يعكس استمرار تحسن نسق تطور الأسعار، ويؤكد دخول الاقتصاد التونسي مرحلة أكثر استقرارا مقارنة بالفترة التي شهدت مستويات تضخم مرتفعة خلال السنوات الماضية.
ويُعد هذا الانخفاض تطورا إيجابيا يعكس بداية استعادة التوازن التدريجي في الأسواق، خاصة مع تباطؤ ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي تمثل المكون الأكثر تأثيرا في ميزانية الأسر. غير أن المؤشرات التفصيلية تُظهر، في المقابل، أن بعض الضغوط الهيكلية ما تزال قائمة، وهو ما يستدعي مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي لضمان استدامة هذا المنحى الإيجابي.
وقد أرجع المعهد الوطني للإحصاء تراجع التضخم أساسا إلى انخفاض نسق ارتفاع أسعار مجموعة التغذية والمشروبات، التي سجلت زيادة سنوية بنسبة 7.1 بالمائة خلال جوان، مقابل 8.2 بالمائة في ماي.
تحسن نسق استقرار الأسعار
يمثل هذا التطور مؤشرا إيجابيا على تحسن نسق استقرار الأسعار، بالنظر إلى الثقل الذي تمثله المواد الغذائية ضمن سلة استهلاك الأسر التونسية، إذ إن أي تباطؤ في وتيرة ارتفاع أسعارها ينعكس مباشرة على المؤشر العام للتضخم. غير أن هذا التحسن يستوجب قراءة دقيقة، إذ إن انخفاض معدل التضخم لا يعني تراجع الأسعار أو عودتها إلى مستوياتها السابقة، بل يعكس تباطؤ وتيرة ارتفاعها مقارنة بالأشهر الماضية، وهو ما يعد تطورا مشجعا قد يمهد لمرحلة أكثر استقرارا إذا تواصل خلال الأشهر المقبلة.
كما أن الحفاظ على هذا المنحى يتطلب مواصلة الجهود الرامية إلى دعم الإنتاج الوطني، وتحسين التزود بالمواد الأساسية، وتعزيز المنافسة داخل الأسواق، بما يساهم في تخفيف الضغوط على الأسعار وترسيخ استقرارها، وهو ما من شأنه أن ينعكس تدريجيا على القدرة الشرائية للمواطنين، ويعزز الثقة في آفاق الاقتصاد التونسي.
وفي المقابل، شهدت بعض المجموعات الاستهلاكية ارتفاعا طفيفا، إذ زادت أسعار التبغ بنسبة 1 بالمائة مقابل 0.8 بالمائة في الشهر السابق، كما ارتفعت أسعار الترفيه والثقافة إلى 4.4 بالمائة مقابل 4.3 بالمائة، دون أن يؤثر ذلك بشكل كبير في المسار العام للتضخم.
ورغم التحسن المسجل، فإن أسعار عدد من المنتجات الغذائية الأساسية واصلت ارتفاعها مقارنة بجوان من السنة الماضية، حيث ارتفعت أسعار لحم الضأن بنسبة 18.3 بالمائة، ولحم البقر بنسبة 13.6 بالمائة، والدواجن بنسبة 13.5 بالمائة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأسماك الطازجة بنسبة 11.7 بالمائة، والغلال الطازجة بنسبة 11 بالمائة.
وتعكس هذه الزيادات استمرار تأثير كلفة الإنتاج، وتطورات العرض والطلب، والعوامل الموسمية على بعض المنتجات الفلاحية، وهو ما يجعل أسعار الغذاء من أبرز مصادر الضغط على ميزانية الأسر.
وفي المقابل، سجلت بعض المواد الأساسية انخفاضا في الأسعار، حيث تراجعت أسعار الزيوت الغذائية بنسبة 5.5 بالمائة، كما انخفضت أسعار البيض بنسبة 3.1 بالمائة، وهو ما ساهم في الحد من نسق ارتفاع أسعار الغذاء.
وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء أن أسعار المواد المصنعة ارتفعت بنسبة 4.7 بالمائة، مدفوعة خصوصا بزيادة أسعار الملابس والأحذية بنسبة 9.2 بالمائة، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد التنظيف بنسبة 4.7 بالمائة.
أما الخدمات، فقد سجلت ارتفاعا بنسبة 4.3 بالمائة، ويعود ذلك أساسا إلى زيادة أسعار خدمات النزل بنسبة 15.4 بالمائة، وهو تطور يعكس، في جانب منه، الانتعاشة التي يشهدها القطاع السياحي خلال الموسم الصيفي، بما يؤكد عودة النشاط الاقتصادي في عدد من القطاعات الحيوية.
استقرار الأسعار يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاجية
ورغم انخفاض التضخم العام، ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الطاقة والمواد الغذائية، إلى 4.9 بالمائة مقابل 4.8 بالمائة في ماي.
ويُعد هذا المؤشر من أهم المؤشرات التي تعتمدها البنوك المركزية لقياس الضغوط السعرية الحقيقية، إذ يعكس استمرار تأثير عوامل داخلية مرتبطة بكلفة الإنتاج والخدمات، وهو ما يؤكد أن استقرار الأسعار يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاجية.
كما تكشف المؤشرات عن استمرار الفارق بين المواد الحرة والمواد المؤطرة، إذ ارتفعت أسعار المواد الحرة بنسبة 6.3 بالمائة، مقابل 1.3 بالمائة فقط بالنسبة إلى المواد المؤطرة.
أما المواد الغذائية، فقد سجلت المنتجات الحرة ارتفاعا بنسبة 8 بالمائة، في حين لم تتجاوز الزيادة 0.2 بالمائة بالنسبة إلى المواد الغذائية المؤطرة، وهو ما يعكس الدور الذي تواصل سياسات تأطير الأسعار الاضطلاع به في حماية القدرة الشرائية بالنسبة إلى عدد من المنتجات الأساسية.
وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن المواد المصنعة كانت المساهم الأكبر في التضخم، بإسهام بلغ نحو 1.8 نقطة مئوية، تلتها الخدمات بحوالي 1.4 نقطة مئوية.
كما ساهمت المواد غير الغذائية الحرة بما يقارب 3 نقاط مئوية في التضخم العام، تلتها المواد الغذائية الحرة بنحو نقطتين مئويتين، وهو ما يبرز أهمية مواصلة العمل على تحسين المنافسة، وتطوير منظومات التوزيع، والحد من الضغوط السعرية.
مؤشرات مطمئنة
يحمل تراجع التضخم خلال شهر جوان رسالة إيجابية بشأن قدرة الاقتصاد التونسي على استعادة قدر أكبر من الاستقرار، خاصة إذا تواصل هذا المنحى خلال النصف الثاني من السنة.
ورغم أن الأسعار ما تزال مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة، فإن تباطؤ نسق ارتفاعها يمثل خطوة مهمة نحو تحسين مناخ الاستهلاك والاستثمار، كما يمنح السلطات النقدية والاقتصادية هامشا أوسع لتقييم سياساتها في ضوء تطور المؤشرات الاقتصادية.
ويبقى التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة في تحويل هذا التحسن الظرفي إلى مسار مستدام، من خلال دعم الإنتاج الوطني، وتحسين سلاسل التزويد، وتعزيز المنافسة، والحد من كلفة الإنتاج، بما يرسخ استقرار الأسعار، ويحسن القدرة الشرائية، ويعزز الثقة في آفاق الاقتصاد التونسي خلال ما تبقى من سنة 2026.