إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

جودة التكوين.. رهان الدولة لبناء كفاءات المستقبل

 

تونس - الصباح

في عالم يعيد فيه التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي رسم ملامح الاقتصادات الكبرى، وإعادة تعريف المهارات المطلوبة، تحول الرهان على جودة التكوين في تونس إلى خيار دولة تفرضه طبيعة المرحلة، بعد أن باتت الكفاءة البشرية تمثل الرهان الفعلي لتحقيق الإقلاع المنشود في أكثر من مجال.

وضمن هذا التمشي، لم يعد تطوير منظومة التكوين شأنا يخص قطاعا بعينه، بل أصبح توجها عاما يطال أغلب الوزارات والمؤسسات وهياكل الدولة، في إطار رؤية تراهن على الاستثمار في الإنسان والمعرفة معا، باعتبارهما أساس بناء دولة أكثر فاعلية، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية، وتعزيز تنافسيتها، ورفع جاهزية مؤسساتها لمواجهة تحديات سوق الشغل.

ومن خلال التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، وما تشهده عديد الوزارات من مراجعات لبرامج التكوين والتأهيل، يتضح أن الدولة، في أعلى هرمها، تراهن اليوم على بناء رأس مال بشري قادر على مواكبة مختلف التحولات الاقتصادية والتكنولوجية واستيعابها، والأهم من ذلك التفاعل معها، وفي مقدمتها ثورة الذكاء الاصطناعي.

 

وهذا التوجه لا يعكس، في جوهره، مجرد اهتمام بإعادة تأهيل الإطار البشري، وإنما يؤشر إلى إدراك متزايد بأن طبيعة المنافسة اليوم بين مختلف القوى تجاوزت حجم الاستثمارات المرصودة أو الثروات الطبيعية المتوفرة، لتطال مدى قدرتها على إنتاج كفاءات تمتلك من المهارات ما يجعلها قادرة على التعامل مع اقتصاد يقوم على البيانات والابتكار والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس الدولة قيس سعيد، في محطات عديدة، أن جودة التكوين أصبحت اليوم شرطا أساسيا لبناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فإعداد جيل المستقبل يفرض تكوين كفاءات تمتلك آليات وأدوات المرحلة الراهنة، بما يعزز الإنتاجية ويجعل منظومة التكوين أكثر انسجاما وتناغما مع حاجيات الاقتصاد الوطني وسوق الشغل العالمية.

 

إدارة جديدة للموارد البشرية

ومن هذا المنطلق، يلاحظ المتأمل في مختلف السياسات العمومية خلال الفترة الأخيرة أن أغلب الوزارات، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد، أصبحت تتعامل مع ملف التكوين المستمر باعتباره أولوية قصوى. فمعظم الوزارات تعمل على مراجعة مسارات التكوين وربطها أكثر بحاجيات الاقتصاد الوطني وسوق الشغل، فيما تتجه قطاعات أخرى إلى تحديث برامج التأهيل المهني والارتقاء بكفاءة إطاراتها وأعوانها، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها العالم.

 

وفي هذا السياق، يكتسي ما أعلن عنه وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي، أول أمس، خلال إشرافه على حفل تخرج الدورة الثلاثين للمدرسة الحربية العليا، أهمية خاصة، لأنه يعكس كيفية ترجمة هذا التوجه داخل إحدى أكثر المؤسسات حساسية ودقة في الدولة.

فالوزير أكد أن تطوير الجاهزية والقدرات العملياتية للجيش الوطني يمر عبر الارتقاء بمستوى تكوين الضباط، حتى يصبحوا أكثر قدرة على التفاعل مع المخاطر والتهديدات الجديدة، مع الاستئناس بتجارب الجيوش المتقدمة، ومواكبة التطور التكنولوجي، فضلا عن رقمنة الدروس، وتعميق البحث العلمي، وتطوير وسائل التفاعل البيداغوجي.

كما شدد على حرص الوزارة على المحافظة على معايير الجودة المعتمدة دوليا في التعليم العالي، إلى جانب مراجعة الإطار التشريعي المنظم للمدرسة الحربية العليا، حتى يستجيب لمتطلبات المرحلة.

وبذلك، يتجاوز الأمر مجرد تحديث مؤسسة عسكرية، ليجسد رؤية تعتبر أن الأمن الوطني نفسه أصبح مرتبطا بالمعرفة، وبمدى قدرة الإطارات على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وإدارة المخاطر الجديدة التي أفرزها العالم الرقمي.

وبعيدا عن المؤسسة العسكرية، أفرزت أشغال الدورة التاسعة للجنة المشتركة التونسية البريطانية، المنعقدة مؤخرا، جملة من المجالات التي تم إقرارها ضمن برنامج العمل للسنة المقبلة في مجال التعليم العالي، بما يستجيب للتحولات العالمية التي يشهدها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الإطار، يبرز توجه واضح نحو الحرص على تحقيق قدر أكبر من التناغم بين الاختصاصات واحتياجات سوق الشغل.

كما تمتد هذه الرؤية إلى تحديث محتوى التكوين نفسه، عبر إدراج اختصاصات جديدة ترتبط بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة، إلى جانب تطوير البنية التحتية لمؤسسات التكوين. ويعكس هذا التوجه إدراكا بأن الثورة التكنولوجية المتسارعة تفرض مراجعة مستمرة للمناهج والبرامج، حتى لا تتحول منظومات التكوين إلى فضاءات تنتج مهارات لم يعد الاقتصاد في حاجة إليها.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة قيس سعيد، في مختلف لقاءاته مع وزير التربية، أهمية الارتقاء بجودة المنظومة التربوية، باعتبارها الحلقة الأولى في بناء وصقل جيل الغد، مشددا على أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على مراجعة البرامج أو المناهج التعليمية، وإنما يتعين أن يشمل أيضا آليات التدريس، وجودة التأطير، وتطوير قدرات الإطار التربوي، بما يضمن إعداد أجيال تمتلك أدوات المعرفة والتفكير والإبداع.

ولا يقتصر هذا المسار على التعليم والتكوين المهني، بل يشمل أيضا الإدارة العمومية، باعتبار أن تحديث الدولة ومختلف هياكلها ينطلق من تطوير رصيدها البشري. لذلك يندرج تطوير برامج التكوين بالمدرسة الوطنية للإدارة، والارتقاء بكفاءة المؤطرين والمكونين، ضمن رؤية شاملة تستهدف بناء إدارة أكثر نجاعة وسرعة في اتخاذ القرار، وأكثر قدرة على مواكبة التحول الرقمي، بما يجعل جودة التكوين ركيزة مشتركة لإصلاح الإدارة وتعزيز تنافسية الاقتصاد في الوقت نفسه.

 

تحديات الذكاء الاصطناعي

دفعت مختلف التحولات التي يشهدها العالم اليوم مفهوم جودة التكوين ليصبح مسألة سيادية بامتياز، باعتبار أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد فقط بعض الوظائف التقليدية، وإنما يعيد تعريف طبيعة المهارات المطلوبة في مختلف القطاعات.

وبالتالي، أصبحت الدول اليوم مطالبة بإعداد أجيال تمتلك القدرة على التحليل واتخاذ القرار والعمل مع الأنظمة الذكية، وليس مجرد استعمالها. كما أصبحت الحاجة ملحة إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع والبحث العلمي، باعتبارها عناصر يصعب تعويضها حتى مع التطور المتسارع للتكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، فإن الدولة، في أعلى هرمها، تتعامل اليوم مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد الملفات الاستراتيجية التي ينبغي الاستعداد لها جيدا، نظرا لتأثيراته في مختلف المجالات.

ومن هذا المنطلق، تندرج الدعوات المتكررة لرئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة الارتقاء بجودة التكوين وتطوير الكفاءات الوطنية ضمن مقاربة تستهدف تمكين تونس من موارد بشرية وإطارات كفأة قادرة على استيعاب هذه التحولات، بما يقلص الفجوة المسجلة مقارنة بكبرى الاقتصادات المتقدمة، ويعزز استقلالية القرار الوطني في المجالات التكنولوجية.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تحتضن تونس، خلال السنوات الأخيرة، وبتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد، عددا من المؤتمرات والقمم والملتقيات الدولية المخصصة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بمشاركة خبراء ومؤسسات دولية وشركاء من مختلف الدول. ويعكس هذا الحضور الدولي الهام إرادة للانخراط في مسارات النقاشات العالمية حول التكنولوجيا الحديثة، علاوة على السعي إلى ترسيخ موقع تونس كشريك فاعل في الاقتصاد الرقمي.

 

الاستثمار في الإنسان

ورغم أهمية مواكبة التطور التكنولوجي وإطلاق المنصات الرقمية، فإن التجارب الدولية أثبتت أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الفارق. وبالتالي، فإن الاستثمار الفعلي ينطلق من الإنسان القادر على توظيفها وتطويرها وتحويلها إلى قيمة مضافة.

ولهذا تتجه الدول التي تسعى إلى تعزيز تنافسيتها إلى تخصيص موارد كبيرة للتكوين المستمر، والبحث العلمي، وتطوير الجامعات ومراكز الابتكار، باعتبار أن رأس المال البشري أصبح اليوم المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وتعزيز الأمن القومي.

وضمن هذه المقاربة، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد مسألة الاستثمار في الإنسان وفي المعرفة في صدارة الأولويات الوطنية، انطلاقا من قناعة مفادها أن الثروة الحقيقية للدول تقدر بما تملكه من كفاءات قادرة على الإبداع والإنتاج والتطوير. ولذلك يتكرر تأكيده، في أكثر من مناسبة، على أن تأهيل رجل الغد علميا ومهنيا يمثل الأساس لأي مشروع تنموي، باعتبار أن جودة التكوين والتعليم والبحث العلمي جميعها آليات تفضي إلى بلورة اقتصاد أكثر تنافسية، وإدارة أكثر نجاعة، ودولة أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وفي هذا الخضم، لعل ما يجمع بين مختلف المبادرات التي تشهدها مختلف المؤسسات وهياكل الدولة هو أن الدولة بدأت تتعامل مع التكوين باعتباره أحد أهم آليات استثماراتها السيادية.

ويعكس الرهان الذي تقوده الدولة، في أعلى هرمها، على جودة التكوين، توجها استراتيجيا يجعل من الاستثمار في الإنسان أساس بناء الدولة الحديثة. وفي هذا الاتجاه، فإن مواصلة تطوير منظومات التكوين، وربطها بالبحث العلمي والابتكار ومتطلبات الاقتصاد الجديد، من شأنه أن يؤسس لجيل جديد من الكفاءات القادرة على قيادة التحول الرقمي، وترسيخ مكانة تونس كدولة تستثمر في المعرفة وتراهن على الإنسان بوصفه منتجا للثروة.

منال حرزي

 

 

جودة التكوين.. رهان الدولة لبناء كفاءات المستقبل

 

تونس - الصباح

في عالم يعيد فيه التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي رسم ملامح الاقتصادات الكبرى، وإعادة تعريف المهارات المطلوبة، تحول الرهان على جودة التكوين في تونس إلى خيار دولة تفرضه طبيعة المرحلة، بعد أن باتت الكفاءة البشرية تمثل الرهان الفعلي لتحقيق الإقلاع المنشود في أكثر من مجال.

وضمن هذا التمشي، لم يعد تطوير منظومة التكوين شأنا يخص قطاعا بعينه، بل أصبح توجها عاما يطال أغلب الوزارات والمؤسسات وهياكل الدولة، في إطار رؤية تراهن على الاستثمار في الإنسان والمعرفة معا، باعتبارهما أساس بناء دولة أكثر فاعلية، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية، وتعزيز تنافسيتها، ورفع جاهزية مؤسساتها لمواجهة تحديات سوق الشغل.

ومن خلال التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، وما تشهده عديد الوزارات من مراجعات لبرامج التكوين والتأهيل، يتضح أن الدولة، في أعلى هرمها، تراهن اليوم على بناء رأس مال بشري قادر على مواكبة مختلف التحولات الاقتصادية والتكنولوجية واستيعابها، والأهم من ذلك التفاعل معها، وفي مقدمتها ثورة الذكاء الاصطناعي.

 

وهذا التوجه لا يعكس، في جوهره، مجرد اهتمام بإعادة تأهيل الإطار البشري، وإنما يؤشر إلى إدراك متزايد بأن طبيعة المنافسة اليوم بين مختلف القوى تجاوزت حجم الاستثمارات المرصودة أو الثروات الطبيعية المتوفرة، لتطال مدى قدرتها على إنتاج كفاءات تمتلك من المهارات ما يجعلها قادرة على التعامل مع اقتصاد يقوم على البيانات والابتكار والتكنولوجيا.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس الدولة قيس سعيد، في محطات عديدة، أن جودة التكوين أصبحت اليوم شرطا أساسيا لبناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فإعداد جيل المستقبل يفرض تكوين كفاءات تمتلك آليات وأدوات المرحلة الراهنة، بما يعزز الإنتاجية ويجعل منظومة التكوين أكثر انسجاما وتناغما مع حاجيات الاقتصاد الوطني وسوق الشغل العالمية.

 

إدارة جديدة للموارد البشرية

ومن هذا المنطلق، يلاحظ المتأمل في مختلف السياسات العمومية خلال الفترة الأخيرة أن أغلب الوزارات، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد، أصبحت تتعامل مع ملف التكوين المستمر باعتباره أولوية قصوى. فمعظم الوزارات تعمل على مراجعة مسارات التكوين وربطها أكثر بحاجيات الاقتصاد الوطني وسوق الشغل، فيما تتجه قطاعات أخرى إلى تحديث برامج التأهيل المهني والارتقاء بكفاءة إطاراتها وأعوانها، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها العالم.

 

وفي هذا السياق، يكتسي ما أعلن عنه وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي، أول أمس، خلال إشرافه على حفل تخرج الدورة الثلاثين للمدرسة الحربية العليا، أهمية خاصة، لأنه يعكس كيفية ترجمة هذا التوجه داخل إحدى أكثر المؤسسات حساسية ودقة في الدولة.

فالوزير أكد أن تطوير الجاهزية والقدرات العملياتية للجيش الوطني يمر عبر الارتقاء بمستوى تكوين الضباط، حتى يصبحوا أكثر قدرة على التفاعل مع المخاطر والتهديدات الجديدة، مع الاستئناس بتجارب الجيوش المتقدمة، ومواكبة التطور التكنولوجي، فضلا عن رقمنة الدروس، وتعميق البحث العلمي، وتطوير وسائل التفاعل البيداغوجي.

كما شدد على حرص الوزارة على المحافظة على معايير الجودة المعتمدة دوليا في التعليم العالي، إلى جانب مراجعة الإطار التشريعي المنظم للمدرسة الحربية العليا، حتى يستجيب لمتطلبات المرحلة.

وبذلك، يتجاوز الأمر مجرد تحديث مؤسسة عسكرية، ليجسد رؤية تعتبر أن الأمن الوطني نفسه أصبح مرتبطا بالمعرفة، وبمدى قدرة الإطارات على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وإدارة المخاطر الجديدة التي أفرزها العالم الرقمي.

وبعيدا عن المؤسسة العسكرية، أفرزت أشغال الدورة التاسعة للجنة المشتركة التونسية البريطانية، المنعقدة مؤخرا، جملة من المجالات التي تم إقرارها ضمن برنامج العمل للسنة المقبلة في مجال التعليم العالي، بما يستجيب للتحولات العالمية التي يشهدها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الإطار، يبرز توجه واضح نحو الحرص على تحقيق قدر أكبر من التناغم بين الاختصاصات واحتياجات سوق الشغل.

كما تمتد هذه الرؤية إلى تحديث محتوى التكوين نفسه، عبر إدراج اختصاصات جديدة ترتبط بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الحديثة، إلى جانب تطوير البنية التحتية لمؤسسات التكوين. ويعكس هذا التوجه إدراكا بأن الثورة التكنولوجية المتسارعة تفرض مراجعة مستمرة للمناهج والبرامج، حتى لا تتحول منظومات التكوين إلى فضاءات تنتج مهارات لم يعد الاقتصاد في حاجة إليها.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة قيس سعيد، في مختلف لقاءاته مع وزير التربية، أهمية الارتقاء بجودة المنظومة التربوية، باعتبارها الحلقة الأولى في بناء وصقل جيل الغد، مشددا على أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على مراجعة البرامج أو المناهج التعليمية، وإنما يتعين أن يشمل أيضا آليات التدريس، وجودة التأطير، وتطوير قدرات الإطار التربوي، بما يضمن إعداد أجيال تمتلك أدوات المعرفة والتفكير والإبداع.

ولا يقتصر هذا المسار على التعليم والتكوين المهني، بل يشمل أيضا الإدارة العمومية، باعتبار أن تحديث الدولة ومختلف هياكلها ينطلق من تطوير رصيدها البشري. لذلك يندرج تطوير برامج التكوين بالمدرسة الوطنية للإدارة، والارتقاء بكفاءة المؤطرين والمكونين، ضمن رؤية شاملة تستهدف بناء إدارة أكثر نجاعة وسرعة في اتخاذ القرار، وأكثر قدرة على مواكبة التحول الرقمي، بما يجعل جودة التكوين ركيزة مشتركة لإصلاح الإدارة وتعزيز تنافسية الاقتصاد في الوقت نفسه.

 

تحديات الذكاء الاصطناعي

دفعت مختلف التحولات التي يشهدها العالم اليوم مفهوم جودة التكوين ليصبح مسألة سيادية بامتياز، باعتبار أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد فقط بعض الوظائف التقليدية، وإنما يعيد تعريف طبيعة المهارات المطلوبة في مختلف القطاعات.

وبالتالي، أصبحت الدول اليوم مطالبة بإعداد أجيال تمتلك القدرة على التحليل واتخاذ القرار والعمل مع الأنظمة الذكية، وليس مجرد استعمالها. كما أصبحت الحاجة ملحة إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع والبحث العلمي، باعتبارها عناصر يصعب تعويضها حتى مع التطور المتسارع للتكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، فإن الدولة، في أعلى هرمها، تتعامل اليوم مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد الملفات الاستراتيجية التي ينبغي الاستعداد لها جيدا، نظرا لتأثيراته في مختلف المجالات.

ومن هذا المنطلق، تندرج الدعوات المتكررة لرئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة الارتقاء بجودة التكوين وتطوير الكفاءات الوطنية ضمن مقاربة تستهدف تمكين تونس من موارد بشرية وإطارات كفأة قادرة على استيعاب هذه التحولات، بما يقلص الفجوة المسجلة مقارنة بكبرى الاقتصادات المتقدمة، ويعزز استقلالية القرار الوطني في المجالات التكنولوجية.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تحتضن تونس، خلال السنوات الأخيرة، وبتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد، عددا من المؤتمرات والقمم والملتقيات الدولية المخصصة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بمشاركة خبراء ومؤسسات دولية وشركاء من مختلف الدول. ويعكس هذا الحضور الدولي الهام إرادة للانخراط في مسارات النقاشات العالمية حول التكنولوجيا الحديثة، علاوة على السعي إلى ترسيخ موقع تونس كشريك فاعل في الاقتصاد الرقمي.

 

الاستثمار في الإنسان

ورغم أهمية مواكبة التطور التكنولوجي وإطلاق المنصات الرقمية، فإن التجارب الدولية أثبتت أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الفارق. وبالتالي، فإن الاستثمار الفعلي ينطلق من الإنسان القادر على توظيفها وتطويرها وتحويلها إلى قيمة مضافة.

ولهذا تتجه الدول التي تسعى إلى تعزيز تنافسيتها إلى تخصيص موارد كبيرة للتكوين المستمر، والبحث العلمي، وتطوير الجامعات ومراكز الابتكار، باعتبار أن رأس المال البشري أصبح اليوم المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وتعزيز الأمن القومي.

وضمن هذه المقاربة، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد مسألة الاستثمار في الإنسان وفي المعرفة في صدارة الأولويات الوطنية، انطلاقا من قناعة مفادها أن الثروة الحقيقية للدول تقدر بما تملكه من كفاءات قادرة على الإبداع والإنتاج والتطوير. ولذلك يتكرر تأكيده، في أكثر من مناسبة، على أن تأهيل رجل الغد علميا ومهنيا يمثل الأساس لأي مشروع تنموي، باعتبار أن جودة التكوين والتعليم والبحث العلمي جميعها آليات تفضي إلى بلورة اقتصاد أكثر تنافسية، وإدارة أكثر نجاعة، ودولة أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وفي هذا الخضم، لعل ما يجمع بين مختلف المبادرات التي تشهدها مختلف المؤسسات وهياكل الدولة هو أن الدولة بدأت تتعامل مع التكوين باعتباره أحد أهم آليات استثماراتها السيادية.

ويعكس الرهان الذي تقوده الدولة، في أعلى هرمها، على جودة التكوين، توجها استراتيجيا يجعل من الاستثمار في الإنسان أساس بناء الدولة الحديثة. وفي هذا الاتجاه، فإن مواصلة تطوير منظومات التكوين، وربطها بالبحث العلمي والابتكار ومتطلبات الاقتصاد الجديد، من شأنه أن يؤسس لجيل جديد من الكفاءات القادرة على قيادة التحول الرقمي، وترسيخ مكانة تونس كدولة تستثمر في المعرفة وتراهن على الإنسان بوصفه منتجا للثروة.

منال حرزي