إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

«الصباح» في سوق البركة للمصوغ بالعاصمة..  عندما يشتكي التاجر من الركود ويستغيث المواطن من الارتفاع الجنوني للأسعار  

 

◄ رئيس غرفة تجار المصوغ لـ«الصباح»: هذه أسباب تراجع الإقبال خلال السنوات العشر الأخيرة

 

يبدأ سوق «البركة» للمصوغ، بالمدينة العتيقة، في استقبال زواره منذ الصباح، وتتواصل داخله حركة البيع والشراء على امتداد كامل اليوم. ومن أمام المحلات اللامعة وواجهاتها البلورية، يمكن اكتشاف واقع القطاع وقراءته، حيث تبدو الحسرة بادية على وجوه تعجز عن اقتناء ما تريد من تلك المعروضات التي تعد أسعارها مشطة وتضاهي خمس أو ست مرات أجر موظف تونسي، وبين آخرين يبحثون عن سعر أفضل لما يملكونه من قطع ذهبية شكلت السبيل الأخير لرفع الضيق وحل الأزمات.

وعلى جانبي الأزقة الضيقة للمدينة، اختار أصحاب المحلات الوقوف والترويج، في الوقت نفسه، لسلعهم، وعرض أسعار تفاضلية لشراء ما تيسر من الذهب.

وبجولة بين المحلات وأسعار العرض والطلب، يمكن أن تتفطن سريعا إلى أن سوق البركة للمصوغ لا يخضع لمحرار السعر العالمي للذهب أو للتقلبات التي تعرفها بورصة نيويورك كل يوم، فالانخفاض الذي تعرفه أسعار الذهب العالمية منذ أيام لم يؤثر في أسعار بيع المصوغ هناك، إذ كان التراجع الذي عرفته الأسعار بسيطا للغاية. وإلى غاية اليوم، تتراوح كلفة الغرام من المصوغ المصنوع في البركة بين 460 و500 دينار، في الوقت الذي تنهار فيه أسعار الذهب إلى دون ذلك بكثير.

ومن أمام إحدى الواجهات، كانت شابة، رفقة أمها وزوجها المستقبلي، تقلب قطع المصوغ وتعاين أيها الأجمل والأقدر على تغطية تكلفته. وتبتسم وتكشف: «كنا نطمح إلى شراء طقم كامل، لكن الأسعار دفعتنا إلى الاكتفاء بخاتم و»سلسلة» بسيطة مع قرطين.. المهم أن تبقى الفرحة موجودة». وتعقب والدتها: «الذهب يبقى قيمة آمنة، لكنه أصبح عبئا على ميزانية العائلات، خاصة مع ارتفاع تكاليف الزواج».

ويكشف أحد المتعاملين في القطاع أن الزبائن أصبحوا يتجهون أكثر نحو القطع الخفيفة، أو يعمدون إلى بيع مصوغ قديم واستبداله بآخر جديد مع دفع الفارق فقط، في حين يتجه آخرون إلى اقتناء الخواتم فقط من الذهب، أما بقية المصوغ فيشترونها إما من الفضة المنقوعة في الذهب أو من «البلاكيور»، وذلك في محاولة للحفاظ على عادات يعجزون عن تغطية تكاليفها المرتفعة.

في المقابل، يشكل شراء الذهب بالنسبة إلى «فائزة» أحد مصادر الأمان والتأمين، فهو قيمة قارة، وعادة شراء الذهب أمر ورثته عن جدتها، التي كانت تعتبر أن شراء الذهب، فضلًا عن أنه شكل من أشكال الزينة، هو حفظ للمال ووديعة يمكن أن «نلجأ إليها وقت الحاجة»، وفق تقديرها.

وقال رشاد، صاحب محل لبيع الذهب، في وصفه لحركة السوق هذه الأيام: «لم يفقد الذهب بريقه على امتداد سنوات عملي في البركة، وكان دائما الهدية الأثمن والأجمل للأزواج والأحبة، غير أن السوق فقد زواره وحركته خلال أشهر الصائفة ومواسم الأعراس والمسرات والأعياد».

ويشير، في حديثه لـ»الصباح»، إلى أن «المحل يمتلئ يوميا بالزوار، لكن أغلبهم يكتفي بالسؤال عن الأسعار فقط ثم المغادرة. البيع أصبح أصعب، والزبون يحسب كل مليم قبل اتخاذ قرار الشراء».

وذكر محدثنا أن أسعار الذهب خلال السنوات الماضية سجلت قفزات ضاعفت ثمن الغرام بنحو ثلاث مرات، مقارنة بخمس سنوات مضت، ففي الوقت الذي كان فيه سعر الغرام، في أواخر سنة 2020، في حدود 200 دينار، نرى اليوم أن سعر الغرام قد وصل إلى ما بين 500 و600 دينار، ويمكن أن يرتفع أكثر في أي وقت.

في المقابل، يرى فهد، من داخل مصاغة معروفة، أن موسم الأعراس وأشهر الصائفة ما زالت لهما ميزتهما الخاصة، إذ يشهد السوق خلالهما حركية معقولة لا تغطي حجم التراجع المسجل خلال بقية السنة، لكن لهما خصوصيتهما. ويعتبر فهد أن القدرة الشرائية للتونسي لم تعد كافية لمجاراة الارتفاع المتواصل في الأسعار العالمية للذهب، التي، ورغم التراجع المسجل هذه الأيام، فإن كلفتها تبقى مرتفعة للغاية بالنسبة إلى المستوى المعيشي للتونسيين والتونسيات.

ويتحدث الشيخ بن يونس بصوته الرصين، ليضيف: «الحرفة ما زالت بخير، لكن كلفتها في ارتفاع مستمر، أتعب التاجر والحرفي والحريف على حد سواء... فأسعار الذهب، وصعوبة التزود بالمادة الأولية، وارتفاع كلفة الإنتاج، كلها عوامل تضغط على الحرفي وتنتج ما نراه من أسعار». ويؤكد بن يوسف أن عددا من الحرفيين اضطروا إلى تقليص الإنتاج أو الاكتفاء بالعمل حسب الطلب، تفاديا لتجميد رأس المال في بضائع قد يصعب بيعها.

ويؤكد عدد من المهنيين، وخاصة منهم الحرفيون، أن القطاع يحتاج إلى حلول تضمن استقرار التزود بالذهب الخام، وتحافظ، في الوقت نفسه، على استمرارية الحرف التقليدية التي تمثل جزءًا من التراث اللامادي الاقتصادي والثقافي التونسي.

عوامل أثرت في سوق الذهب

كشف رئيس غرفة تجار المصوغ، حاتم بن يوسف، أن مواسم شراء الذهب لدى التونسيين كانت ترتبط بموسمين أساسيين؛ الأول موسم الأعراس، مبينا أن لكل جهة عادات وتقاليد تحكمها، وكذلك كمية الذهب التي تقتنيها العائلتان للعروس، والتي تصل، في مناطق كالجنوب الشرقي والساحل، إلى مقدار كيلوغرام، تجمعه العائلة للعروس، في مدنين مثلا، منذ ولادتها. أما الموسم الثاني فهو المواسم الفلاحية، مثل الحصاد، وجني الزيتون، وجني البرتقال، حيث يتم اقتناء المصوغ في إطار ثقافة الادخار وتحسبا لكل مستجد طارئ.

ويعتبر بن يوسف أن تغيرات طرأت على علاقة التونسيين بالذهب منذ أكثر من عشر سنوات، حيث سجل تلاشي تدريجي لعادات ادخار الذهب، كما تخلت أو تنازلت العائلات التونسية، سواء عائلة الفتاة أو الفتى، عن تقليد «شرط الذهب» عند الخطوبة أو الزواج، تحت وطأة الضغط على المصاريف، ليتخلى بذلك عدد من العرسان، أكثر فأكثر، عن عادة اقتناء الذهب، ويكتفوا، في كثير من الأحيان، بـ»الخاتمين» فقط.

وفسر رئيس غرفة تجار المصوغ ما يتعلق بارتفاع أسعار الذهب في السوق، قائلا: «إن الوضع العالمي له تأثير واضح في بورصة أسعار الذهب، وكانت البداية مع الحرب الأوكرانية الروسية التي ألقت بآثارها على الأسعار، بعد أن ارتفع الطلب على الذهب باعتباره الملاذ الآمن في مقابل الدولار، وشهدت الأسواق العالمية في أواخر 2025 و2026 صعودا في أسعار الذهب. ثم أتت الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، فخلقت تذبذبا في الأسعار ارتبط بواقع الاتفاقات الهشة التي تسجل من فترة إلى أخرى بين هذه الدول، فيرتفع سعر الذهب ويسجل مستوى قياسيًا، ثم يعاود الانخفاض مرة أخرى».

وفي علاقة بسؤال «الصباح» حول انعكاس هذا التذبذب المسجل في الأسعار العالمية للذهب على السوق التونسية وسوق البركة، ولماذا لا تعرف أسعار المصوغ ذلك الانخفاض أو الانهيار الذي تتحدث عنه نشرات الأخبار بخصوص الأسواق العالمية، فسر حاتم بن يوسف ذلك بقوله: «إننا، بالحديث عن سوق البركة، نتحدث عن قطاع المصوغ. صحيح أنه قطاع مرتبط بالأسعار العالمية للذهب، لكن النزول يكون بشكل تدريجي، كما يأخذ الحرفي بعين الاعتبار إمكانية الصعود مرة أخرى، وحالة التذبذب التي يشهدها سعر الذهب العالمي، فضلًا عن أن تكلفة المصوغ يتم تحديدها عبر مراحل صنعه، التي تنطلق من المصمم، ثم الورشة التي تضم حرفيا أو أكثر، ثم كلفة الطابع، وإن استوجب الأمر ترصيع الفصوص، لتصل إلى السوق، في الأخير، قطعة متكاملة. وطبقًا لهذا المسار يتم تحديد سعر البيع، حتى إنه يمكن أن نجد قطعة مصوغ تضاهي فيها تكلفة اليد العاملة قيمة الذهب تقريبًا».

وأضاف رئيس غرفة تجار المصوغ قائلا: «نحن، في سوق البركة بتونس، لا نتاجر في الذهب، وإنما نتاجر في المصوغ. ندفع أداءات، وقيمة طابع، وتكلفة يد عاملة، وترصيعا، وتصميما... هذا دون الحديث عن القطع التي تحتوي أحجارًا كريمة وغيرها».

وضع عالمي...

وأشار محدثنا إلى أن السوق العالمية للذهب بصدد التأثير في السوق التونسية وتجارة المصوغ، دون شك، ومن المتوقع، حسب الخبراء العالميين، أن تتجه خلال الأشهر القادمة نحو الارتفاع من جديد، فلا وجود لوضعية ثابتة. ولذلك أفاد بأنه، كتاجر، يتوخى الحذر في معاملاته، مضيفًا: «نحن، كتجار، نعتمد تخفيضًا تدريجيًا تأمينًا لوضعنا الاقتصادي».

وفي جانب آخر من حديثه، توقع ارتفاع أسعار الذهب في الفترة القادمة، بعد الانخفاض المسجل هذه الأيام.

وتجدر الإشارة إلى أن ما يزيد في تعميق مشكلة تبادل الذهب في تونس، وانتشار عمليات الغش والتحيل، وكثرة الدخلاء والسماسرة، هو تواصل غلق مكتب باب الطابع، مكتب الضمان والجهة المخول لها تقييم الذهب وإعادة تعييره. ويعتبر التجار والحرفيون أنه من غير المنطقي اليوم تواصل منع إعادة بيع الذهب غير المطبوع في السوق التونسية، فذلك يمثل ثروة مهدورة للبلاد. وبينوا أن حجم كتلة الذهب المهدورة وغير الحاملة للتعيير ليس بسيطًا، بل يصل، على المستوى الوطني، إلى آلاف الأطنان، التي يتم استغلالها في تبييض الأموال من قبل لوبيات وعصابات يمكن مجابهتها بمجرد إعادة فتح مكتب الضمان.

هذا إلى جانب ما ستربحه البلاد من أداءات على عمليات التعيير، وتخفيف الضغط على البنك المركزي، المصدر الوحيد لبيع الذهب، وإعطاء حركية اقتصادية وروح جديدة لسوق صناعة وبيع الذهب.

 

ريم سوودي

«الصباح» في سوق البركة للمصوغ بالعاصمة..   عندما يشتكي التاجر من الركود ويستغيث المواطن من الارتفاع الجنوني للأسعار   

 

◄ رئيس غرفة تجار المصوغ لـ«الصباح»: هذه أسباب تراجع الإقبال خلال السنوات العشر الأخيرة

 

يبدأ سوق «البركة» للمصوغ، بالمدينة العتيقة، في استقبال زواره منذ الصباح، وتتواصل داخله حركة البيع والشراء على امتداد كامل اليوم. ومن أمام المحلات اللامعة وواجهاتها البلورية، يمكن اكتشاف واقع القطاع وقراءته، حيث تبدو الحسرة بادية على وجوه تعجز عن اقتناء ما تريد من تلك المعروضات التي تعد أسعارها مشطة وتضاهي خمس أو ست مرات أجر موظف تونسي، وبين آخرين يبحثون عن سعر أفضل لما يملكونه من قطع ذهبية شكلت السبيل الأخير لرفع الضيق وحل الأزمات.

وعلى جانبي الأزقة الضيقة للمدينة، اختار أصحاب المحلات الوقوف والترويج، في الوقت نفسه، لسلعهم، وعرض أسعار تفاضلية لشراء ما تيسر من الذهب.

وبجولة بين المحلات وأسعار العرض والطلب، يمكن أن تتفطن سريعا إلى أن سوق البركة للمصوغ لا يخضع لمحرار السعر العالمي للذهب أو للتقلبات التي تعرفها بورصة نيويورك كل يوم، فالانخفاض الذي تعرفه أسعار الذهب العالمية منذ أيام لم يؤثر في أسعار بيع المصوغ هناك، إذ كان التراجع الذي عرفته الأسعار بسيطا للغاية. وإلى غاية اليوم، تتراوح كلفة الغرام من المصوغ المصنوع في البركة بين 460 و500 دينار، في الوقت الذي تنهار فيه أسعار الذهب إلى دون ذلك بكثير.

ومن أمام إحدى الواجهات، كانت شابة، رفقة أمها وزوجها المستقبلي، تقلب قطع المصوغ وتعاين أيها الأجمل والأقدر على تغطية تكلفته. وتبتسم وتكشف: «كنا نطمح إلى شراء طقم كامل، لكن الأسعار دفعتنا إلى الاكتفاء بخاتم و»سلسلة» بسيطة مع قرطين.. المهم أن تبقى الفرحة موجودة». وتعقب والدتها: «الذهب يبقى قيمة آمنة، لكنه أصبح عبئا على ميزانية العائلات، خاصة مع ارتفاع تكاليف الزواج».

ويكشف أحد المتعاملين في القطاع أن الزبائن أصبحوا يتجهون أكثر نحو القطع الخفيفة، أو يعمدون إلى بيع مصوغ قديم واستبداله بآخر جديد مع دفع الفارق فقط، في حين يتجه آخرون إلى اقتناء الخواتم فقط من الذهب، أما بقية المصوغ فيشترونها إما من الفضة المنقوعة في الذهب أو من «البلاكيور»، وذلك في محاولة للحفاظ على عادات يعجزون عن تغطية تكاليفها المرتفعة.

في المقابل، يشكل شراء الذهب بالنسبة إلى «فائزة» أحد مصادر الأمان والتأمين، فهو قيمة قارة، وعادة شراء الذهب أمر ورثته عن جدتها، التي كانت تعتبر أن شراء الذهب، فضلًا عن أنه شكل من أشكال الزينة، هو حفظ للمال ووديعة يمكن أن «نلجأ إليها وقت الحاجة»، وفق تقديرها.

وقال رشاد، صاحب محل لبيع الذهب، في وصفه لحركة السوق هذه الأيام: «لم يفقد الذهب بريقه على امتداد سنوات عملي في البركة، وكان دائما الهدية الأثمن والأجمل للأزواج والأحبة، غير أن السوق فقد زواره وحركته خلال أشهر الصائفة ومواسم الأعراس والمسرات والأعياد».

ويشير، في حديثه لـ»الصباح»، إلى أن «المحل يمتلئ يوميا بالزوار، لكن أغلبهم يكتفي بالسؤال عن الأسعار فقط ثم المغادرة. البيع أصبح أصعب، والزبون يحسب كل مليم قبل اتخاذ قرار الشراء».

وذكر محدثنا أن أسعار الذهب خلال السنوات الماضية سجلت قفزات ضاعفت ثمن الغرام بنحو ثلاث مرات، مقارنة بخمس سنوات مضت، ففي الوقت الذي كان فيه سعر الغرام، في أواخر سنة 2020، في حدود 200 دينار، نرى اليوم أن سعر الغرام قد وصل إلى ما بين 500 و600 دينار، ويمكن أن يرتفع أكثر في أي وقت.

في المقابل، يرى فهد، من داخل مصاغة معروفة، أن موسم الأعراس وأشهر الصائفة ما زالت لهما ميزتهما الخاصة، إذ يشهد السوق خلالهما حركية معقولة لا تغطي حجم التراجع المسجل خلال بقية السنة، لكن لهما خصوصيتهما. ويعتبر فهد أن القدرة الشرائية للتونسي لم تعد كافية لمجاراة الارتفاع المتواصل في الأسعار العالمية للذهب، التي، ورغم التراجع المسجل هذه الأيام، فإن كلفتها تبقى مرتفعة للغاية بالنسبة إلى المستوى المعيشي للتونسيين والتونسيات.

ويتحدث الشيخ بن يونس بصوته الرصين، ليضيف: «الحرفة ما زالت بخير، لكن كلفتها في ارتفاع مستمر، أتعب التاجر والحرفي والحريف على حد سواء... فأسعار الذهب، وصعوبة التزود بالمادة الأولية، وارتفاع كلفة الإنتاج، كلها عوامل تضغط على الحرفي وتنتج ما نراه من أسعار». ويؤكد بن يوسف أن عددا من الحرفيين اضطروا إلى تقليص الإنتاج أو الاكتفاء بالعمل حسب الطلب، تفاديا لتجميد رأس المال في بضائع قد يصعب بيعها.

ويؤكد عدد من المهنيين، وخاصة منهم الحرفيون، أن القطاع يحتاج إلى حلول تضمن استقرار التزود بالذهب الخام، وتحافظ، في الوقت نفسه، على استمرارية الحرف التقليدية التي تمثل جزءًا من التراث اللامادي الاقتصادي والثقافي التونسي.

عوامل أثرت في سوق الذهب

كشف رئيس غرفة تجار المصوغ، حاتم بن يوسف، أن مواسم شراء الذهب لدى التونسيين كانت ترتبط بموسمين أساسيين؛ الأول موسم الأعراس، مبينا أن لكل جهة عادات وتقاليد تحكمها، وكذلك كمية الذهب التي تقتنيها العائلتان للعروس، والتي تصل، في مناطق كالجنوب الشرقي والساحل، إلى مقدار كيلوغرام، تجمعه العائلة للعروس، في مدنين مثلا، منذ ولادتها. أما الموسم الثاني فهو المواسم الفلاحية، مثل الحصاد، وجني الزيتون، وجني البرتقال، حيث يتم اقتناء المصوغ في إطار ثقافة الادخار وتحسبا لكل مستجد طارئ.

ويعتبر بن يوسف أن تغيرات طرأت على علاقة التونسيين بالذهب منذ أكثر من عشر سنوات، حيث سجل تلاشي تدريجي لعادات ادخار الذهب، كما تخلت أو تنازلت العائلات التونسية، سواء عائلة الفتاة أو الفتى، عن تقليد «شرط الذهب» عند الخطوبة أو الزواج، تحت وطأة الضغط على المصاريف، ليتخلى بذلك عدد من العرسان، أكثر فأكثر، عن عادة اقتناء الذهب، ويكتفوا، في كثير من الأحيان، بـ»الخاتمين» فقط.

وفسر رئيس غرفة تجار المصوغ ما يتعلق بارتفاع أسعار الذهب في السوق، قائلا: «إن الوضع العالمي له تأثير واضح في بورصة أسعار الذهب، وكانت البداية مع الحرب الأوكرانية الروسية التي ألقت بآثارها على الأسعار، بعد أن ارتفع الطلب على الذهب باعتباره الملاذ الآمن في مقابل الدولار، وشهدت الأسواق العالمية في أواخر 2025 و2026 صعودا في أسعار الذهب. ثم أتت الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، فخلقت تذبذبا في الأسعار ارتبط بواقع الاتفاقات الهشة التي تسجل من فترة إلى أخرى بين هذه الدول، فيرتفع سعر الذهب ويسجل مستوى قياسيًا، ثم يعاود الانخفاض مرة أخرى».

وفي علاقة بسؤال «الصباح» حول انعكاس هذا التذبذب المسجل في الأسعار العالمية للذهب على السوق التونسية وسوق البركة، ولماذا لا تعرف أسعار المصوغ ذلك الانخفاض أو الانهيار الذي تتحدث عنه نشرات الأخبار بخصوص الأسواق العالمية، فسر حاتم بن يوسف ذلك بقوله: «إننا، بالحديث عن سوق البركة، نتحدث عن قطاع المصوغ. صحيح أنه قطاع مرتبط بالأسعار العالمية للذهب، لكن النزول يكون بشكل تدريجي، كما يأخذ الحرفي بعين الاعتبار إمكانية الصعود مرة أخرى، وحالة التذبذب التي يشهدها سعر الذهب العالمي، فضلًا عن أن تكلفة المصوغ يتم تحديدها عبر مراحل صنعه، التي تنطلق من المصمم، ثم الورشة التي تضم حرفيا أو أكثر، ثم كلفة الطابع، وإن استوجب الأمر ترصيع الفصوص، لتصل إلى السوق، في الأخير، قطعة متكاملة. وطبقًا لهذا المسار يتم تحديد سعر البيع، حتى إنه يمكن أن نجد قطعة مصوغ تضاهي فيها تكلفة اليد العاملة قيمة الذهب تقريبًا».

وأضاف رئيس غرفة تجار المصوغ قائلا: «نحن، في سوق البركة بتونس، لا نتاجر في الذهب، وإنما نتاجر في المصوغ. ندفع أداءات، وقيمة طابع، وتكلفة يد عاملة، وترصيعا، وتصميما... هذا دون الحديث عن القطع التي تحتوي أحجارًا كريمة وغيرها».

وضع عالمي...

وأشار محدثنا إلى أن السوق العالمية للذهب بصدد التأثير في السوق التونسية وتجارة المصوغ، دون شك، ومن المتوقع، حسب الخبراء العالميين، أن تتجه خلال الأشهر القادمة نحو الارتفاع من جديد، فلا وجود لوضعية ثابتة. ولذلك أفاد بأنه، كتاجر، يتوخى الحذر في معاملاته، مضيفًا: «نحن، كتجار، نعتمد تخفيضًا تدريجيًا تأمينًا لوضعنا الاقتصادي».

وفي جانب آخر من حديثه، توقع ارتفاع أسعار الذهب في الفترة القادمة، بعد الانخفاض المسجل هذه الأيام.

وتجدر الإشارة إلى أن ما يزيد في تعميق مشكلة تبادل الذهب في تونس، وانتشار عمليات الغش والتحيل، وكثرة الدخلاء والسماسرة، هو تواصل غلق مكتب باب الطابع، مكتب الضمان والجهة المخول لها تقييم الذهب وإعادة تعييره. ويعتبر التجار والحرفيون أنه من غير المنطقي اليوم تواصل منع إعادة بيع الذهب غير المطبوع في السوق التونسية، فذلك يمثل ثروة مهدورة للبلاد. وبينوا أن حجم كتلة الذهب المهدورة وغير الحاملة للتعيير ليس بسيطًا، بل يصل، على المستوى الوطني، إلى آلاف الأطنان، التي يتم استغلالها في تبييض الأموال من قبل لوبيات وعصابات يمكن مجابهتها بمجرد إعادة فتح مكتب الضمان.

هذا إلى جانب ما ستربحه البلاد من أداءات على عمليات التعيير، وتخفيف الضغط على البنك المركزي، المصدر الوحيد لبيع الذهب، وإعطاء حركية اقتصادية وروح جديدة لسوق صناعة وبيع الذهب.

 

ريم سوودي