إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد إعادة تشكيل لجنة الصلح الجزائي.. المحاسبة والصلح لاسترجاع الحقوق

تونس - الصباح

بعيدًا عن إجراءات استكمال تعيين أعضاء لجنة الصلح الجزائي، وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد لدى لقائه أعضاء اللجنة بقصر قرطاج أربعة ثوابت كبرى، تعتبر الأسس التي سيرتكز إليها هذا المسار.

وتتمثل هذه الثوابت في أن المحاسبة حق للشعب لا إفراط فيها، وأن الصلح يعتبر آلية هامة لاسترجاع الحقوق بعيدًا عن منطق الإفلات من المسؤولية، أما إعادة تشكيل اللجنة فهي تمثل بداية مرحلة جديدة بعد سنوات من التعثر، فيما يظل القانون المرجعية الوحيدة التي يخضع لها الجميع دون استثناء. 

ومن خلال هذه الرسائل، ارتقى اللقاء من مجرد محطة لاستكمال تركيبة اللجنة إلى إعلان عن مرحلة جديدة تراهن فيها الدولة في أعلى هرمها على الحسم في أحد أكثر الملفات تعقيدًا وارتباطًا باسترجاع المال العام وترسيخ هيبة القانون، وخاصة تحويل مسار الصلح الجزائي إلى آلية فعلية لتنفيذ العدالة الاقتصادية وبلوغ التنمية المنشودة.

 

المحاسبة... حق لا يقبل المساومة

ومن خلال تحديده للثوابت الأربعة السالفة الذكر، يسعى رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى الانتقال بملف الصلح الجزائي من مرحلة التعثر إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع التأكيد على أن هذا المسار لا يمثل بديلاً عن العدالة، وإنما هو مجرد أداة لتحقيقها وفق رؤية سياسية تعتبر أن استرجاع الحقوق العامة يظل الهدف الرئيسي والأساس.

ولعل أبرز ما شدد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في هذا اللقاء هو أن "المحاسبة تمثل مطلبًا مشروعًا للشعب التونسي، ولا مجال للتفريط ولو في مليم واحد من حقه". وهي عبارة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية، كونها تعيد تثبيت مبدأ ظل حاضرًا في مختلف مواقف رئيس الدولة قيس سعيّد منذ توليه المسؤولية، ويتمثل في أن الأموال العمومية ليست مجالًا مفتوحًا للتفاوض السياسي، وإنما هي حق جماعي يتعين أن يسترجعه الشعب.

ويكشف هذا التأكيد عن رؤية سياسية تعتبر أن الدولة تؤكد على المحاسبة باعتبارها التزامًا دستوريًا وأخلاقيًا تجاه المواطنين؛ لذلك فإن الخوض في مسار الصلح لا يعني مطلقًا التفريط في الحقوق أو طي صفحة الماضي دون استرجاع الأموال المستحقة.

ومن هذا المنطلق، تبدو المحاسبة التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد مرتبطة بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن حماية المال العام أو تتصالح مع فكرة تقادم الملفات تفقد رصيدًا هامًا من قدرتها على فرض القانون. أما الدولة التي تتمسك بحقوقها المالية وتعمل على استرجاعها، فإنها تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها وتؤكد أن القانون قادر على حماية المصلحة العامة، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى تجسيمه من خلال الإعلان عن تركيبة جديدة على رأس لجنة الصلح الجزائي.

كما يحمل هذا الطرح بعدًا موجّهًا إلى الرأي العام، مفاده أن إعادة تفعيل ملف الصلح الجزائي لا تعني بأي حال من الأحوال التراجع عن مبدأ المحاسبة، بل إن الصلح نفسه لن يكون إلا آلية لاسترجاع الحقوق كاملة، وهو ما يفسر تشديد رئيس الجمهورية قيس سعيد على عدم التفريط "ولو في مليم واحد"، بما يحمله هذا التعبير من دلالة رمزية تعكس رفض أي تنازل مهما كان حجمه.

وبذلك يصبح الصلح في حد ذاته امتدادًا لمنطق المحاسبة وليس نقيضًا لها، على اعتبار أن الهدف الرئيسي من إعادة تفعيل اللجنة هو استرجاع الشعب التونسي لحقوقه كاملة.

 

انطلاقة جديدة بعد التعثر 

لم يخفِ رئيس الجمهورية قيس سعيد أن أعمال اللجنة السابقة قد "تعثرت بل عُثرت"، وهذا التصريح يحمل في طياته تقييمًا ونقدًا للتجربة الماضية، كما يعكس إرادة سياسية لفتح صفحة جديدة تقوم على تجاوز العراقيل التي حالت دون تحقيق النتائج المرجوة.

فإعادة تشكيل اللجنة تعتبر محاولة لإعادة ضخ دماء جديدة في هيكل يفترض أن يضطلع بدور محوري في تنفيذ بنود الصلح الجزائي. ومن خلال هذا التغيير، تبعث الدولة برسالة مفادها أن تعثر المؤسسات لا يعني التخلي عن الأهداف التي أنشئت من أجلها، وإنما قد يستوجب الأمر إعادة هيكلتها وتوفير أرضية ملائمة تمكنها من أداء مهامها على النحو المطلوب.

وفي هذا السياق، يمثل إعادة تشكيل اللجنة إعلانًا عن الانتقال إلى مرحلة الفعل والإنجاز، خاصة وأن ملف الصلح الجزائي ظل خلال السنوات الماضية محل جدل وانتظار واسع من قبل السواد الأعظم الذي كان يترقب أن تفضي هذه الآلية إلى نتائج ملموسة على مستوى استرجاع الأموال ودعم المالية العمومية.

وبالتالي، فإن نجاح اللجنة الجديدة رهن قدرتها على تحويل النصوص القانونية إلى واقع عملي ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني.

 

إحياء مسار الصلح 

حين استخدم رئيس الدولة قيس سعيد عبارة "إحياء مسار الصلح الجزائي" دون أن يلجأ إلى عبارتي إعادة الانطلاق أو الاستئناف، فإن مفردة "الإحياء" تؤشر إلى أن هذا المسار يمتلك من المقومات ما يسمح له باستعادة دوره الحيوي متى توفرت الإرادة والآليات المناسبة لذلك.

وتكشف هذه المقاربة عن تمسك الدولة بهذا الخيار باعتباره أحد أهم المسارات التي يمكن أن تسهم في معالجة ملفي الفساد المالي والاقتصادي بطريقة ناجعة تحقق مصلحة الدولة وتحفظ في الآن نفسه حقوق الشعب.

فالصلح الجزائي، وفقًا للطرح الذي يقدمه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يقوم على إلزام المعنيين بإرجاع الأموال المستحقة أو تنفيذ مشاريع تنموية لفائدة الجهات التي تضررت من الفساد أو التي طالها التهميش، وهو ما يمنحه بعدًا اقتصاديًا وتنمويًا يتجاوز المسارات القضائية التقليدية.

كما أن إعادة "إحياء هذا المسار" تأتي في مرحلة دقيقة تحتاج فيها الدولة إلى تعبئة كل الموارد الممكنة، بما يجعل استرجاع الأموال إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في دعم المالية العمومية وتمويل المشاريع التنموية دون اللجوء إلى خيارات تثقل كاهل الدولة.

وضمن هذا التمشي، يصبح الصلح الجزائي جزءًا من رؤية سياسية شاملة لإعادة توظيف الأموال التي كانت محل تجاوزات في خدمة التنمية، بما يفضي إلى تحويل هذا المسار إلى سياسة عمومية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية.

 

أبواب الصلح مفتوحة ولكن... 

من بين أبرز الرسائل التي حملها لقاء قرطاج تأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على أن "أبواب الصلح تُفتح من جديد" أمام المعنيين، سواء كانوا داخل البلاد أو خارجها، وهو ما يعكس توجهًا نحو منح فرصة جديدة لكل من يرغب في تسوية وضعيته القانونية بصورة جدية.

غير أن هذه الدعوة لا تمثل دعوة مفتوحة دون ضوابط، إذ ربطها رئيس الجمهورية قيس سعيد بشرط أساسي هو أن يكون الصلح صادقًا وأن يتم بعيدًا عن المزايدات والمغالطات وإطالة الآجال، بما يعني أن الدولة ترفض أن تتحول آلية الصلح إلى تعلة للمماطلة أو لإهدار الوقت أو للالتفاف على القانون.

فالخوض في منعرج المزايدات يحمل رسالة إلى كل من يحاول توظيف هذا الملف سياسيًا، في حين أن رفض المغالطات يؤكد ضرورة التعامل مع الوقائع القانونية كما هي، أما التشديد على عدم إطالة الآجال فيعكس رغبة واضحة في تجاوز حالتي الانتظار والترقب اللتين رافقتا هذا الملف لسنوات.

وبذلك ترسم الدولة معادلة دقيقة تجمع بين الانفتاح والحزم: انفتاح يمنح فرصة للعودة إلى الشرعية القانونية، وحزم يرفض مطلقًا أن تتحول تلك الفرصة إلى مناسبة جديدة للتسويف والمماطلة.

كما أن توجيه الدعوة إلى المقيمين بالخارج يحمل بدوره بعدًا سياسيًا، لأنه يفتح المجال أمام عودة من يرغب في تسوية وضعيته وفقًا لأحكام القانون، بما يعزز فكرة أن الدولة ترنو إلى استرجاع الحقوق وإغلاق الملفات العالقة بدل الاستمرار في النزاعات القضائية المفتوحة، شريطة احترام مقتضيات العدالة.

 

المساواة أمام القانون...

 

اختتم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اللقاء بالتأكيد على مبدأ يمثل حجر الأساس في جميع خطاباته ولقاءاته الرسمية، وهو أن: "لا أحد فوق المحاسبة أو فوق القانون، والجميع سواسية دون أي استثناء".

ويتأسس هذا التصريح على مبدأ جوهري يعتبر من ركائز دولة القانون، وهو أن المسؤولية القانونية لا ترتبط بالموقع أو النفوذ أو الإمكانيات، وإنما بالفعل المرتكب وبما يترتب عنه من حقوق وواجبات.

ويكتسب هذا التأكيد أهمية خاصة بالنظر إلى أن ملف الصلح الجزائي ارتبط على مدار سنوات بأسماء وشخصيات وازنة، وهو ما يجعل التأكيد على أن القانون وحده هو الفيصل والمرجعية الوحيدة في معالجة هذه الملفات بمثابة رسالة واضحة بأن الاعتبارات القانونية تظل فوق كل الاعتبارات الأخرى.

وتحمل هذه الرسالة أيضًا بُعدًا مؤسساتيًا، لأنها تعزز صورة القضاء والمؤسسات المكلفة بتنفيذ القانون باعتبارها آليات لتطبيق العدالة على الجميع دون تمييز أو استثناء.

وفي المقابل، فإن ربط المساواة أمام القانون بمبدأ المحاسبة يعكس رؤية تعتبر أن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يبدأ من شعور المواطن بأن القانون يطبق على الجميع بالمعايير نفسها، وأن الحقوق العامة لا تخضع لموازين النفوذ أو لاعتبارات سياسية.

وضمن هذه المقاربة، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد بأعضاء لجنة الصلح الجزائي عن انتقال هذا الملف إلى مرحلة جديدة عنوانها انطلاقة واعدة بعد التعثر.

فقد جاءت الرسائل التي حملها لقاء قرطاج واضحة ومترابطة:

لا صلح دون محاسبة، ولا محاسبة دون استرجاع كامل للحقوق، كما أنه لا استرجاع للحقوق دون لجنة قادرة على العمل وفق المعايير والضوابط المطلوبة، على أن الأهم هو أنه لا مكان في هذا المسار للمماطلة أو الاستثناءات.

ويبقى الرهان الفعلي اليوم في قدرة اللجنة الجديدة على تحويل هذه التوجهات السياسية إلى نتائج عملية، بما يمنح الصلح الجزائي المعنى الذي أرادته الدولة له، معنى يقوم على استرجاع الحقوق العامة، وفرض هيبة القانون، وترسيخ مبدأ أن المال العام حق للشعب لا يسقط بالتقادم ولا بالمساومة، وأن دولة القانون تفتح باب الصلح لمن يلتزم به بصدق، لكنها لا تغلق في المقابل باب المحاسبة في وجه أيّ كان مهما بلغ منصبه أو علا شأنه

منال الحرزي.

 

بعد إعادة تشكيل لجنة الصلح الجزائي.. المحاسبة والصلح لاسترجاع الحقوق

تونس - الصباح

بعيدًا عن إجراءات استكمال تعيين أعضاء لجنة الصلح الجزائي، وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد لدى لقائه أعضاء اللجنة بقصر قرطاج أربعة ثوابت كبرى، تعتبر الأسس التي سيرتكز إليها هذا المسار.

وتتمثل هذه الثوابت في أن المحاسبة حق للشعب لا إفراط فيها، وأن الصلح يعتبر آلية هامة لاسترجاع الحقوق بعيدًا عن منطق الإفلات من المسؤولية، أما إعادة تشكيل اللجنة فهي تمثل بداية مرحلة جديدة بعد سنوات من التعثر، فيما يظل القانون المرجعية الوحيدة التي يخضع لها الجميع دون استثناء. 

ومن خلال هذه الرسائل، ارتقى اللقاء من مجرد محطة لاستكمال تركيبة اللجنة إلى إعلان عن مرحلة جديدة تراهن فيها الدولة في أعلى هرمها على الحسم في أحد أكثر الملفات تعقيدًا وارتباطًا باسترجاع المال العام وترسيخ هيبة القانون، وخاصة تحويل مسار الصلح الجزائي إلى آلية فعلية لتنفيذ العدالة الاقتصادية وبلوغ التنمية المنشودة.

 

المحاسبة... حق لا يقبل المساومة

ومن خلال تحديده للثوابت الأربعة السالفة الذكر، يسعى رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى الانتقال بملف الصلح الجزائي من مرحلة التعثر إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع التأكيد على أن هذا المسار لا يمثل بديلاً عن العدالة، وإنما هو مجرد أداة لتحقيقها وفق رؤية سياسية تعتبر أن استرجاع الحقوق العامة يظل الهدف الرئيسي والأساس.

ولعل أبرز ما شدد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في هذا اللقاء هو أن "المحاسبة تمثل مطلبًا مشروعًا للشعب التونسي، ولا مجال للتفريط ولو في مليم واحد من حقه". وهي عبارة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية، كونها تعيد تثبيت مبدأ ظل حاضرًا في مختلف مواقف رئيس الدولة قيس سعيّد منذ توليه المسؤولية، ويتمثل في أن الأموال العمومية ليست مجالًا مفتوحًا للتفاوض السياسي، وإنما هي حق جماعي يتعين أن يسترجعه الشعب.

ويكشف هذا التأكيد عن رؤية سياسية تعتبر أن الدولة تؤكد على المحاسبة باعتبارها التزامًا دستوريًا وأخلاقيًا تجاه المواطنين؛ لذلك فإن الخوض في مسار الصلح لا يعني مطلقًا التفريط في الحقوق أو طي صفحة الماضي دون استرجاع الأموال المستحقة.

ومن هذا المنطلق، تبدو المحاسبة التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد مرتبطة بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن حماية المال العام أو تتصالح مع فكرة تقادم الملفات تفقد رصيدًا هامًا من قدرتها على فرض القانون. أما الدولة التي تتمسك بحقوقها المالية وتعمل على استرجاعها، فإنها تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها وتؤكد أن القانون قادر على حماية المصلحة العامة، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى تجسيمه من خلال الإعلان عن تركيبة جديدة على رأس لجنة الصلح الجزائي.

كما يحمل هذا الطرح بعدًا موجّهًا إلى الرأي العام، مفاده أن إعادة تفعيل ملف الصلح الجزائي لا تعني بأي حال من الأحوال التراجع عن مبدأ المحاسبة، بل إن الصلح نفسه لن يكون إلا آلية لاسترجاع الحقوق كاملة، وهو ما يفسر تشديد رئيس الجمهورية قيس سعيد على عدم التفريط "ولو في مليم واحد"، بما يحمله هذا التعبير من دلالة رمزية تعكس رفض أي تنازل مهما كان حجمه.

وبذلك يصبح الصلح في حد ذاته امتدادًا لمنطق المحاسبة وليس نقيضًا لها، على اعتبار أن الهدف الرئيسي من إعادة تفعيل اللجنة هو استرجاع الشعب التونسي لحقوقه كاملة.

 

انطلاقة جديدة بعد التعثر 

لم يخفِ رئيس الجمهورية قيس سعيد أن أعمال اللجنة السابقة قد "تعثرت بل عُثرت"، وهذا التصريح يحمل في طياته تقييمًا ونقدًا للتجربة الماضية، كما يعكس إرادة سياسية لفتح صفحة جديدة تقوم على تجاوز العراقيل التي حالت دون تحقيق النتائج المرجوة.

فإعادة تشكيل اللجنة تعتبر محاولة لإعادة ضخ دماء جديدة في هيكل يفترض أن يضطلع بدور محوري في تنفيذ بنود الصلح الجزائي. ومن خلال هذا التغيير، تبعث الدولة برسالة مفادها أن تعثر المؤسسات لا يعني التخلي عن الأهداف التي أنشئت من أجلها، وإنما قد يستوجب الأمر إعادة هيكلتها وتوفير أرضية ملائمة تمكنها من أداء مهامها على النحو المطلوب.

وفي هذا السياق، يمثل إعادة تشكيل اللجنة إعلانًا عن الانتقال إلى مرحلة الفعل والإنجاز، خاصة وأن ملف الصلح الجزائي ظل خلال السنوات الماضية محل جدل وانتظار واسع من قبل السواد الأعظم الذي كان يترقب أن تفضي هذه الآلية إلى نتائج ملموسة على مستوى استرجاع الأموال ودعم المالية العمومية.

وبالتالي، فإن نجاح اللجنة الجديدة رهن قدرتها على تحويل النصوص القانونية إلى واقع عملي ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني.

 

إحياء مسار الصلح 

حين استخدم رئيس الدولة قيس سعيد عبارة "إحياء مسار الصلح الجزائي" دون أن يلجأ إلى عبارتي إعادة الانطلاق أو الاستئناف، فإن مفردة "الإحياء" تؤشر إلى أن هذا المسار يمتلك من المقومات ما يسمح له باستعادة دوره الحيوي متى توفرت الإرادة والآليات المناسبة لذلك.

وتكشف هذه المقاربة عن تمسك الدولة بهذا الخيار باعتباره أحد أهم المسارات التي يمكن أن تسهم في معالجة ملفي الفساد المالي والاقتصادي بطريقة ناجعة تحقق مصلحة الدولة وتحفظ في الآن نفسه حقوق الشعب.

فالصلح الجزائي، وفقًا للطرح الذي يقدمه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يقوم على إلزام المعنيين بإرجاع الأموال المستحقة أو تنفيذ مشاريع تنموية لفائدة الجهات التي تضررت من الفساد أو التي طالها التهميش، وهو ما يمنحه بعدًا اقتصاديًا وتنمويًا يتجاوز المسارات القضائية التقليدية.

كما أن إعادة "إحياء هذا المسار" تأتي في مرحلة دقيقة تحتاج فيها الدولة إلى تعبئة كل الموارد الممكنة، بما يجعل استرجاع الأموال إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في دعم المالية العمومية وتمويل المشاريع التنموية دون اللجوء إلى خيارات تثقل كاهل الدولة.

وضمن هذا التمشي، يصبح الصلح الجزائي جزءًا من رؤية سياسية شاملة لإعادة توظيف الأموال التي كانت محل تجاوزات في خدمة التنمية، بما يفضي إلى تحويل هذا المسار إلى سياسة عمومية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية.

 

أبواب الصلح مفتوحة ولكن... 

من بين أبرز الرسائل التي حملها لقاء قرطاج تأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على أن "أبواب الصلح تُفتح من جديد" أمام المعنيين، سواء كانوا داخل البلاد أو خارجها، وهو ما يعكس توجهًا نحو منح فرصة جديدة لكل من يرغب في تسوية وضعيته القانونية بصورة جدية.

غير أن هذه الدعوة لا تمثل دعوة مفتوحة دون ضوابط، إذ ربطها رئيس الجمهورية قيس سعيد بشرط أساسي هو أن يكون الصلح صادقًا وأن يتم بعيدًا عن المزايدات والمغالطات وإطالة الآجال، بما يعني أن الدولة ترفض أن تتحول آلية الصلح إلى تعلة للمماطلة أو لإهدار الوقت أو للالتفاف على القانون.

فالخوض في منعرج المزايدات يحمل رسالة إلى كل من يحاول توظيف هذا الملف سياسيًا، في حين أن رفض المغالطات يؤكد ضرورة التعامل مع الوقائع القانونية كما هي، أما التشديد على عدم إطالة الآجال فيعكس رغبة واضحة في تجاوز حالتي الانتظار والترقب اللتين رافقتا هذا الملف لسنوات.

وبذلك ترسم الدولة معادلة دقيقة تجمع بين الانفتاح والحزم: انفتاح يمنح فرصة للعودة إلى الشرعية القانونية، وحزم يرفض مطلقًا أن تتحول تلك الفرصة إلى مناسبة جديدة للتسويف والمماطلة.

كما أن توجيه الدعوة إلى المقيمين بالخارج يحمل بدوره بعدًا سياسيًا، لأنه يفتح المجال أمام عودة من يرغب في تسوية وضعيته وفقًا لأحكام القانون، بما يعزز فكرة أن الدولة ترنو إلى استرجاع الحقوق وإغلاق الملفات العالقة بدل الاستمرار في النزاعات القضائية المفتوحة، شريطة احترام مقتضيات العدالة.

 

المساواة أمام القانون...

 

اختتم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اللقاء بالتأكيد على مبدأ يمثل حجر الأساس في جميع خطاباته ولقاءاته الرسمية، وهو أن: "لا أحد فوق المحاسبة أو فوق القانون، والجميع سواسية دون أي استثناء".

ويتأسس هذا التصريح على مبدأ جوهري يعتبر من ركائز دولة القانون، وهو أن المسؤولية القانونية لا ترتبط بالموقع أو النفوذ أو الإمكانيات، وإنما بالفعل المرتكب وبما يترتب عنه من حقوق وواجبات.

ويكتسب هذا التأكيد أهمية خاصة بالنظر إلى أن ملف الصلح الجزائي ارتبط على مدار سنوات بأسماء وشخصيات وازنة، وهو ما يجعل التأكيد على أن القانون وحده هو الفيصل والمرجعية الوحيدة في معالجة هذه الملفات بمثابة رسالة واضحة بأن الاعتبارات القانونية تظل فوق كل الاعتبارات الأخرى.

وتحمل هذه الرسالة أيضًا بُعدًا مؤسساتيًا، لأنها تعزز صورة القضاء والمؤسسات المكلفة بتنفيذ القانون باعتبارها آليات لتطبيق العدالة على الجميع دون تمييز أو استثناء.

وفي المقابل، فإن ربط المساواة أمام القانون بمبدأ المحاسبة يعكس رؤية تعتبر أن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يبدأ من شعور المواطن بأن القانون يطبق على الجميع بالمعايير نفسها، وأن الحقوق العامة لا تخضع لموازين النفوذ أو لاعتبارات سياسية.

وضمن هذه المقاربة، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد بأعضاء لجنة الصلح الجزائي عن انتقال هذا الملف إلى مرحلة جديدة عنوانها انطلاقة واعدة بعد التعثر.

فقد جاءت الرسائل التي حملها لقاء قرطاج واضحة ومترابطة:

لا صلح دون محاسبة، ولا محاسبة دون استرجاع كامل للحقوق، كما أنه لا استرجاع للحقوق دون لجنة قادرة على العمل وفق المعايير والضوابط المطلوبة، على أن الأهم هو أنه لا مكان في هذا المسار للمماطلة أو الاستثناءات.

ويبقى الرهان الفعلي اليوم في قدرة اللجنة الجديدة على تحويل هذه التوجهات السياسية إلى نتائج عملية، بما يمنح الصلح الجزائي المعنى الذي أرادته الدولة له، معنى يقوم على استرجاع الحقوق العامة، وفرض هيبة القانون، وترسيخ مبدأ أن المال العام حق للشعب لا يسقط بالتقادم ولا بالمساومة، وأن دولة القانون تفتح باب الصلح لمن يلتزم به بصدق، لكنها لا تغلق في المقابل باب المحاسبة في وجه أيّ كان مهما بلغ منصبه أو علا شأنه

منال الحرزي.