إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الكاتب والأكاديمي توفيق العلوي في بيت الرواية:  حين يتحوّل الخيال إلى مرآة للإنسان وأسئلته الكبرى  

 

  • استعارة عنوان الكتاب المحتفى به من أغنية «أنت عمري» جاءت لتأسيس مفارقة حول الارتباط المرضي بفكرة أو رغبة أو سلطة.
  • الرواية الحديثة لم تعد قادرة على الانغلاق داخل حدود جنس أدبي واحد.
  • الرواية يمكن أن تتحول إلى مختبر سردي يختبر الإنسان في مواجهة رغباته ومخاوفه وطموحاته.

في إطار مواصلته لبرامجه الرامية إلى مواكبة الإصدارات الأدبية التونسية وفتح فضاءات للحوار بين الكتّاب والقراء والنقاد، احتضن بيت الرواية بمدينة الثقافة صباح أمس الأربعاء 24 جوان لقاء جديدا ضمن سلسلة «راعي النجوم»، خُصص لتقديم رواية «أنت عمري» للكاتب والأكاديمي توفيق العلوي. وشكّل الموعد مناسبة للاحتفاء بعمل روائي جديد يراهن على الخيال والرمز والسخرية بوصفها أدوات لاستنطاق الواقع الإنساني، حيث تولى الأستاذ عبد القادر عليمي تقديم قراءة نقدية للرواية سلطت الضوء على بنيتها السردية ومرجعياتها الفكرية والجمالية، قبل أن يكشف صاحب العمل عن بعض المفاتيح التي رافقت عملية الكتابة وخلفيات اختياراته الفنية.

وبين القراءة النقدية وشهادة المؤلف، تحوّل اللقاء إلى نقاش أدبي حول أسئلة الكتابة الروائية اليوم، وحدود التخييل، وقدرة الأدب على بناء عوالم متخيلة تستدعي القارئ إلى التأمل في الإنسان ومصائره وتحولاته، وهو ما جعل من «أنت عمري» محور حوار امتد من تقنيات السرد إلى رهانات الرواية المعاصرة وموقعها في المشهد الثقافي التونسي.

وفي قراءته للعمل، اعتبر عبد القادر عليمي أن الرواية تمثل تجربة سردية لافتة تجمع بين الخيال العجائبي والنقد الاجتماعي، وتنجح في بناء عالم رمزي كثيف يجعل القارئ شريكا في الأحداث، لا مجرد متلقٍّ لها.

فالرواية، بحسب رأيه، تمتلك قدرة خاصة على شدّ القارئ وإدخاله في تفاصيل العالم السردي إلى حدّ التماهي مع الشخصيات وتحولاتها النفسية والوجدانية، وهو ما يجعل القراءة تجربة معاشة أكثر منها مجرد متابعة لحكاية متخيلة. وبيّن أن هذا الأثر يعود إلى تمكن الكاتب من النفاذ إلى أعماق شخصياته ومنحها أبعادا نفسية وفكرية تجعلها قريبة من القارئ وقادرة على إثارة الأسئلة والتأملات.

وتوقف المتحدث عند الخلفية الأكاديمية لتوفيق العلوي، معتبرا أنها شكلت أحد العناصر التي منحت الرواية تميزها، إذ استطاع الكاتب أن يوظف معارفه في اللسانيات النفسية والاجتماعية والسيميائيات داخل النسيج السردي دون أن يحول النص إلى خطاب أكاديمي أو تنظيري.

ومن بين أبرز النقاط التي أثارت اهتمام الناقد شخصية «عربشان»، الحاكم الذي يتمحور حوله جزء كبير من البناء الروائي. فهذه الشخصية، كما أوضح، تقوم على مفارقة دلالية لافتة ترتبط بعنوان الرواية «أنت عمري»، إذ لا يكون موضوع العشق امرأة كما توحي الأغنية الشهيرة التي استعار منها الكاتب عنوانه، بل تتحول السلطة نفسها إلى معشوقة يستولي حبها على وجدان الحاكم ويحدد مسار حياته.

ومن خلال هذه الشخصية يبني الكاتب نموذجا رمزيا للحاكم الذي يسعى إلى إخضاع العالم لرغباته، فينشئ فضاء خاصا تتحول فيه الأحلام إلى أوامر، بينما تنقلب الرغبة في بناء المدينة الفاضلة إلى واقع خانق تتقلص فيه الحريات وتتسع فيه دائرة المراقبة.

وأشار المحاضر إلى أن الرواية تستند إلى شبكة واسعة من المرجعيات الثقافية والفنية والتاريخية، حيث تتجاور فيها الموسيقى مع السينما، والفلسفة مع التاريخ، والتراث مع الأسئلة المعاصرة. واعتبر أن هذا التداخل يمنح النص بعدا موسوعيا ويجعله يتجاوز الحدود التقليدية للرواية، خاصة مع حضور الحوار المكثف والمشاهد ذات الطابع المسرحي التي تسمح بتعدد الأصوات وتنوع وجهات النظر داخل العمل.

كما لفت إلى أن السخرية تشكل إحدى أهم الأدوات التي يعتمدها الكاتب في بناء روايته، فهي ليست مجرد عنصر جمالي أو تقنية للتخفيف من ثقل الموضوعات المطروحة، بل وسيلة لكشف التناقضات وإبراز المفارقات الإنسانية. ومن خلال هذه السخرية ينجح النص في تفكيك أنماط التفكير الجامدة وفي مساءلة عدد من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تتجاوز حدود الحكاية لتلامس الواقع اليومي للقارئ.

وعقب هذه القراءة النقدية، أخذ الكاتب والروائي توفيق العلوي الكلمة ليكشف عن عدد من المفاتيح التي رافقت عملية الكتابة. وأوضح أن الرواية لم تنطلق من رغبة في سرد حكاية غرائبية أو بناء عالم عجائبي فحسب، بل من سؤال جوهري يتعلق بعلاقة الإنسان بما يمتلكه من نفوذ أو سلطة، وكيف يمكن للشغف بأي شكل من أشكال القوة أن يتحول إلى هاجس يعيد تشكيل الوعي والواقع معا. ومن هذا المنطلق جاءت شخصية «عربشان» بوصفها نموذجا رمزيا لا يحيل على شخص أو بلد بعينه، وإنما على ظاهرة إنسانية قابلة للتكرار في أمكنة وأزمنة مختلفة.

وأكد العلوي أن اختياره للفضاء العجائبي كان خيارا فنيا واعيا، إذ يمنح الكاتب حرية أوسع في طرح الأسئلة وتوسيع دائرة التأويل بعيدا عن المباشرة. فالجزيرتان اللتان تدور فيهما الأحداث ليستا مجرد مكانين متخيلين، بل فضاءان رمزيان يسمحان بتجريب الأفكار ومراقبة سلوك الشخصيات في ظروف استثنائية، وهو ما يتيح للرواية أن تتحول إلى مختبر سردي يختبر الإنسان في مواجهة رغباته ومخاوفه وطموحاته.

وتحدث الكاتب عن عنوان الرواية باعتباره جزءا أساسيا من مشروعها الدلالي، موضحا أن استعارته من أغنية «أنت عمري» لم تكن صدفة أو مجرد إحالة ثقافية، بل جاءت لتأسيس مفارقة تجعل الحب يتحول من علاقة إنسانية إلى ارتباط مرضي بفكرة أو رغبة أو سلطة. وبهذا المعنى يصبح العنوان مدخلا لقراءة الرواية كلها، بما تحمله من تأملات في طبيعة التعلق الإنساني وحدوده.

كما أوضح أن خلفيته الأكاديمية أسهمت في بناء الشخصيات وصياغة العوالم السردية، غير أنه كان حريصا على ألا تتحول الرواية إلى درس معرفي. فالمعرفة بالنسبة إليه ينبغي أن تكون جزءا من الحكاية لا عبئا عليها، وأن تخدم الفن لا أن تحل محله. ولذلك سعى إلى تحويل ما راكمه من معارف في اللسانيات وعلم النفس والسيميائيات إلى عناصر فنية تساهم في إثراء النص دون أن تفقده عفويته أو متعته الجمالية.

وأشار توفيق العلوي إلى أن الرواية الحديثة لم تعد قادرة على الانغلاق داخل حدود جنس أدبي واحد، بل أصبحت فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه مختلف أشكال المعرفة. ومن هنا جاء حضور الموسيقى والسينما والتاريخ والفلسفة داخل «أنت عمري» باعتبارها مكونات طبيعية لعالم الرواية، وليست عناصر خارجية أضيفت إليه من باب التزيين أو الاستعراض الثقافي.

وفي حديثه عن رهانات العمل، شدد الكاتب على أن الرواية لا تسعى إلى تقديم أجوبة نهائية بقدر ما تراهن على طرح الأسئلة وإثارة التفكير. فالأدب، في نظره، يظل مجالا للحوار والتأمل أكثر منه مجالاً لإصدار الأحكام أو تقديم الحقائق الجاهزة. ولذلك حاول أن يترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل ولإعادة بناء المعنى وفق تجربته الخاصة ورؤيته للعالم.

إيمان عبد اللطيف

الكاتب والأكاديمي توفيق العلوي في بيت الرواية:   حين يتحوّل الخيال إلى مرآة للإنسان وأسئلته الكبرى   

 

  • استعارة عنوان الكتاب المحتفى به من أغنية «أنت عمري» جاءت لتأسيس مفارقة حول الارتباط المرضي بفكرة أو رغبة أو سلطة.
  • الرواية الحديثة لم تعد قادرة على الانغلاق داخل حدود جنس أدبي واحد.
  • الرواية يمكن أن تتحول إلى مختبر سردي يختبر الإنسان في مواجهة رغباته ومخاوفه وطموحاته.

في إطار مواصلته لبرامجه الرامية إلى مواكبة الإصدارات الأدبية التونسية وفتح فضاءات للحوار بين الكتّاب والقراء والنقاد، احتضن بيت الرواية بمدينة الثقافة صباح أمس الأربعاء 24 جوان لقاء جديدا ضمن سلسلة «راعي النجوم»، خُصص لتقديم رواية «أنت عمري» للكاتب والأكاديمي توفيق العلوي. وشكّل الموعد مناسبة للاحتفاء بعمل روائي جديد يراهن على الخيال والرمز والسخرية بوصفها أدوات لاستنطاق الواقع الإنساني، حيث تولى الأستاذ عبد القادر عليمي تقديم قراءة نقدية للرواية سلطت الضوء على بنيتها السردية ومرجعياتها الفكرية والجمالية، قبل أن يكشف صاحب العمل عن بعض المفاتيح التي رافقت عملية الكتابة وخلفيات اختياراته الفنية.

وبين القراءة النقدية وشهادة المؤلف، تحوّل اللقاء إلى نقاش أدبي حول أسئلة الكتابة الروائية اليوم، وحدود التخييل، وقدرة الأدب على بناء عوالم متخيلة تستدعي القارئ إلى التأمل في الإنسان ومصائره وتحولاته، وهو ما جعل من «أنت عمري» محور حوار امتد من تقنيات السرد إلى رهانات الرواية المعاصرة وموقعها في المشهد الثقافي التونسي.

وفي قراءته للعمل، اعتبر عبد القادر عليمي أن الرواية تمثل تجربة سردية لافتة تجمع بين الخيال العجائبي والنقد الاجتماعي، وتنجح في بناء عالم رمزي كثيف يجعل القارئ شريكا في الأحداث، لا مجرد متلقٍّ لها.

فالرواية، بحسب رأيه، تمتلك قدرة خاصة على شدّ القارئ وإدخاله في تفاصيل العالم السردي إلى حدّ التماهي مع الشخصيات وتحولاتها النفسية والوجدانية، وهو ما يجعل القراءة تجربة معاشة أكثر منها مجرد متابعة لحكاية متخيلة. وبيّن أن هذا الأثر يعود إلى تمكن الكاتب من النفاذ إلى أعماق شخصياته ومنحها أبعادا نفسية وفكرية تجعلها قريبة من القارئ وقادرة على إثارة الأسئلة والتأملات.

وتوقف المتحدث عند الخلفية الأكاديمية لتوفيق العلوي، معتبرا أنها شكلت أحد العناصر التي منحت الرواية تميزها، إذ استطاع الكاتب أن يوظف معارفه في اللسانيات النفسية والاجتماعية والسيميائيات داخل النسيج السردي دون أن يحول النص إلى خطاب أكاديمي أو تنظيري.

ومن بين أبرز النقاط التي أثارت اهتمام الناقد شخصية «عربشان»، الحاكم الذي يتمحور حوله جزء كبير من البناء الروائي. فهذه الشخصية، كما أوضح، تقوم على مفارقة دلالية لافتة ترتبط بعنوان الرواية «أنت عمري»، إذ لا يكون موضوع العشق امرأة كما توحي الأغنية الشهيرة التي استعار منها الكاتب عنوانه، بل تتحول السلطة نفسها إلى معشوقة يستولي حبها على وجدان الحاكم ويحدد مسار حياته.

ومن خلال هذه الشخصية يبني الكاتب نموذجا رمزيا للحاكم الذي يسعى إلى إخضاع العالم لرغباته، فينشئ فضاء خاصا تتحول فيه الأحلام إلى أوامر، بينما تنقلب الرغبة في بناء المدينة الفاضلة إلى واقع خانق تتقلص فيه الحريات وتتسع فيه دائرة المراقبة.

وأشار المحاضر إلى أن الرواية تستند إلى شبكة واسعة من المرجعيات الثقافية والفنية والتاريخية، حيث تتجاور فيها الموسيقى مع السينما، والفلسفة مع التاريخ، والتراث مع الأسئلة المعاصرة. واعتبر أن هذا التداخل يمنح النص بعدا موسوعيا ويجعله يتجاوز الحدود التقليدية للرواية، خاصة مع حضور الحوار المكثف والمشاهد ذات الطابع المسرحي التي تسمح بتعدد الأصوات وتنوع وجهات النظر داخل العمل.

كما لفت إلى أن السخرية تشكل إحدى أهم الأدوات التي يعتمدها الكاتب في بناء روايته، فهي ليست مجرد عنصر جمالي أو تقنية للتخفيف من ثقل الموضوعات المطروحة، بل وسيلة لكشف التناقضات وإبراز المفارقات الإنسانية. ومن خلال هذه السخرية ينجح النص في تفكيك أنماط التفكير الجامدة وفي مساءلة عدد من الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تتجاوز حدود الحكاية لتلامس الواقع اليومي للقارئ.

وعقب هذه القراءة النقدية، أخذ الكاتب والروائي توفيق العلوي الكلمة ليكشف عن عدد من المفاتيح التي رافقت عملية الكتابة. وأوضح أن الرواية لم تنطلق من رغبة في سرد حكاية غرائبية أو بناء عالم عجائبي فحسب، بل من سؤال جوهري يتعلق بعلاقة الإنسان بما يمتلكه من نفوذ أو سلطة، وكيف يمكن للشغف بأي شكل من أشكال القوة أن يتحول إلى هاجس يعيد تشكيل الوعي والواقع معا. ومن هذا المنطلق جاءت شخصية «عربشان» بوصفها نموذجا رمزيا لا يحيل على شخص أو بلد بعينه، وإنما على ظاهرة إنسانية قابلة للتكرار في أمكنة وأزمنة مختلفة.

وأكد العلوي أن اختياره للفضاء العجائبي كان خيارا فنيا واعيا، إذ يمنح الكاتب حرية أوسع في طرح الأسئلة وتوسيع دائرة التأويل بعيدا عن المباشرة. فالجزيرتان اللتان تدور فيهما الأحداث ليستا مجرد مكانين متخيلين، بل فضاءان رمزيان يسمحان بتجريب الأفكار ومراقبة سلوك الشخصيات في ظروف استثنائية، وهو ما يتيح للرواية أن تتحول إلى مختبر سردي يختبر الإنسان في مواجهة رغباته ومخاوفه وطموحاته.

وتحدث الكاتب عن عنوان الرواية باعتباره جزءا أساسيا من مشروعها الدلالي، موضحا أن استعارته من أغنية «أنت عمري» لم تكن صدفة أو مجرد إحالة ثقافية، بل جاءت لتأسيس مفارقة تجعل الحب يتحول من علاقة إنسانية إلى ارتباط مرضي بفكرة أو رغبة أو سلطة. وبهذا المعنى يصبح العنوان مدخلا لقراءة الرواية كلها، بما تحمله من تأملات في طبيعة التعلق الإنساني وحدوده.

كما أوضح أن خلفيته الأكاديمية أسهمت في بناء الشخصيات وصياغة العوالم السردية، غير أنه كان حريصا على ألا تتحول الرواية إلى درس معرفي. فالمعرفة بالنسبة إليه ينبغي أن تكون جزءا من الحكاية لا عبئا عليها، وأن تخدم الفن لا أن تحل محله. ولذلك سعى إلى تحويل ما راكمه من معارف في اللسانيات وعلم النفس والسيميائيات إلى عناصر فنية تساهم في إثراء النص دون أن تفقده عفويته أو متعته الجمالية.

وأشار توفيق العلوي إلى أن الرواية الحديثة لم تعد قادرة على الانغلاق داخل حدود جنس أدبي واحد، بل أصبحت فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه مختلف أشكال المعرفة. ومن هنا جاء حضور الموسيقى والسينما والتاريخ والفلسفة داخل «أنت عمري» باعتبارها مكونات طبيعية لعالم الرواية، وليست عناصر خارجية أضيفت إليه من باب التزيين أو الاستعراض الثقافي.

وفي حديثه عن رهانات العمل، شدد الكاتب على أن الرواية لا تسعى إلى تقديم أجوبة نهائية بقدر ما تراهن على طرح الأسئلة وإثارة التفكير. فالأدب، في نظره، يظل مجالا للحوار والتأمل أكثر منه مجالاً لإصدار الأحكام أو تقديم الحقائق الجاهزة. ولذلك حاول أن يترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل ولإعادة بناء المعنى وفق تجربته الخاصة ورؤيته للعالم.

إيمان عبد اللطيف