إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  تسريع المشاريع العمومية..  رهان الدولة لإنعاش التنمية في الجهات

عادت مسألة المشاريع العمومية المعطلة إلى واجهة الاهتمام خلال الفترات الأخيرة باعتبارها أحد أبرز الملفات التي ترتبط مباشرة بمطالب التونسيين في التنمية والتشغيل وتحسين ظروف العيش، فالمواطن في مختلف الجهات لا يقيس نجاح السياسات العمومية بحجم الاعتمادات المعلنة أو بعدد الاجتماعات المنعقدة، بقدر ما يقيسها بما يراه ويلمسه على أرض الواقع من طرقات ومستشفيات ومدارس ومناطق صناعية ومشاريع فلاحية ومرافق عمومية وخدمات أساسية.

ولعلّ هذا ما يفسر الحضور الدائم لهذا الملف في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي ما انفك يؤكد في مختلف لقاءاته وزياراته الميدانية أن تعطيل المشاريع العمومية لم يعد أمرًا مقبولًا، وأن الدولة مطالبة اليوم بإيجاد حلول عملية وسريعة لكل العراقيل التي تحول دون إنجاز المشاريع المبرمجة.

وقد برز هذا التوجه بوضوح خلال زيارته الأخيرة إلى ولاية القيروان، حيث شدد على أن التنمية يجب أن تكون ملموسة ومرئية في مختلف الجهات، مؤكدًا أن المسؤولية تقتضي المتابعة اليومية والميدانية للمشاريع وعدم الاكتفاء بالتقارير الإدارية والوثائق المكتبية.

كما أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد مؤخرًا، خلال لقائه مع رئيسة الحكومة ووزير التجهيز والإسكان، على تطوير البنية التحتية وسبل تسريع إنجاز المشاريع المعطلة أو التي تشهد نسقًا بطيئًا.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية على ضرورة إعداد نصوص قانونية جديدة لتنظيم الصفقات العمومية، ترتكز أساسًا على تبسيط الإجراءات الإدارية والحدّ من التعقيدات التي غالبًا ما تعيق تنفيذ المشاريع أو تؤخر انطلاقها.

كما شدد على أهمية وضع منظومة رقابة ناجعة تضمن حسن التصرف في المال العام، مع تكريس مبدأ المساءلة وتحميل المسؤولية لكافة المتدخلين في مختلف مراحل إنجاز المشاريع.

وسبق أن تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في لقاء جمعه بوزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري، تقدم إنجاز عدد من المشاريع، وخاصة منها المتعلقة بالبنية التحتية، على غرار بعض المؤسسات الاستشفائية وعدد من الطرقات داخل الجمهورية.

إذ شدد رئيس الدولة على ضرورة تجاوز كل الصعوبات التي أدت إلى التأخر في إنجاز العديد منها، لا نتيجة للإجراءات الإدارية التي حان الوقت لمراجعتها، بل بصفة متعمدة، كما حصل بالنسبة إلى عدد من المنشآت التي استغرقت الدراسات المتعلقة بها سنوات، ومنها ما إن تم استكمال هذه الدراسات حتى تغير الموقع لتُعاد الدراسات من جديد ويعود المشروع إلى نقطة البداية، بالرغم من أن الأموال مرصودة، وهو أمر غير مقبول ويجب أن يتوقف فورًا.

مجلس وزاري.. إقرار إجراءات لتسريع المشاريع التنموية

وبالتوازي، جاء المجلس الوزاري الذي أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري منذ أيام قليلة في إطار هذه الرؤية العامة التي تضع تنفيذ المشاريع العمومية في صدارة الأولويات الوطنية. فقد خُصص الاجتماع لمتابعة تقدم المشاريع التنموية بكامل ولايات الجمهورية، وتم خلاله التأكيد على أن نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة مرتبط أساسًا بمدى قدرة مختلف الهياكل العمومية على تحويل البرامج والخطط إلى إنجازات فعلية يستفيد منها المواطنون.

وتكمن أهمية هذا المجلس في كونه لم يكتف بتشخيص الوضع أو عرض نسب التقدم، بل ركز على جملة من الإجراءات العملية الرامية إلى معالجة أسباب التعطيل وتحسين منظومة المتابعة والرقابة. فقد تم التأكيد على ضرورة إدراج كل المشاريع العمومية ضمن منصة وطنية موحدة للمتابعة، مع تحيين المعطيات بصفة مستمرة، بما يسمح بالحصول على صورة دقيقة حول وضعية كل مشروع ومراحل إنجازه والعراقيل التي تعترضه.

كما تم الإعلان خلال المجلس الوزاري عن تطوير منظومة للإنذار المبكر تعتمد على تحليل المعطيات المتعلقة بتقدم الأشغال واستهلاك الاعتمادات المالية ومسار الصفقات العمومية والوضعية العقارية للمشاريع، بهدف الكشف المبكر عن مؤشرات التعطيل والتدخل السريع لمعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات تؤدي إلى تعطيل الأشغال أو ارتفاع الكلفة المالية.

وعمومًا، فإن هذا التوجه يعكس قناعة متواصلة لدى الدولة بأن الإشكال لا يكمن دائمًا في نقص التمويل، خاصة بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في حجم الاعتمادات المخصصة للاستثمار العمومي خلال السنوات الأخيرة، بل في القدرة على تنفيذ المشاريع ومتابعتها وتجاوز العراقيل التي تواجهها. فالمشكل الحقيقي يكمن غالبًا في بطء الإجراءات، وتعقيد المسارات الإدارية، والإشكاليات العقارية، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، إضافة إلى الصعوبات المرتبطة ببعض المقاولات المكلفة بإنجاز المشاريع.

ومن هذا المنطلق، شددت رئيسة الحكومة خلال المجلس الوزاري على ضرورة تحسين جاهزية المشاريع قبل الشروع في تنفيذها، عبر استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية والعقارية والبيئية مسبقًا، بما يضمن انطلاق الأشغال في ظروف ملائمة ويحد من احتمالات التعطيل أو التوقف لاحقًا. كما أكدت على أهمية تعزيز الرقابة على المقاولات وتقييم أدائها بشكل دوري للتأكد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.

ويمكن التأكيد أن معالجة ملف المشاريع المعطلة لا يمكن أن تظل مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشترك فيها مختلف مؤسسات الدولة. وفي هذا الإطار، يبرز دور مجلس نواب الشعب باعتباره سلطة تشريعية ورقابية تضطلع بمهمة متابعة السياسات العمومية ومساءلة الجهات التنفيذية حول مدى تقدم المشاريع واحترام الآجال المحددة لإنجازها. فالغرفة البرلمانية لا يقتصر دورها على المصادقة على الميزانيات والقوانين، بل يمتد إلى مراقبة حسن التصرف في المال العام والتثبت من مدى نجاعة البرامج التنموية الممولة من موارد الدولة.

ويمكن للجان البرلمانية المختصة أن تلعب دورًا محوريًا في متابعة المشاريع الكبرى والوقوف ميدانيًا على أسباب التعطيل والاستماع إلى مختلف الأطراف المتدخلة واقتراح الحلول المناسبة لتجاوز الإشكاليات المطروحة.

وبالتوازي مع دور مجلس نواب الشعب، فإن المجالس المحلية والجهوية تضطلع بدورها بمهمة محورية في ما يتعلق بمزيد تحريك المشاريع المعطلة ومتابعتها، وهي مطالبة اليوم بأداء دور أكثر فاعلية في دفع عجلة التنمية. فهذه المجالس تمثل الحلقة الأقرب إلى المواطنين والأكثر قدرة على تشخيص الحاجيات الحقيقية للجهات، وهي الأقدر على رصد النقائص والمشاكل التي قد لا تظهر في التقارير المركزية. كما أن هذه المجالس مطالبة اليوم بمتابعة المشاريع العمومية المبرمجة داخل دوائرها الترابية، والتثبت من مدى تقدم الأشغال، ورصد العراقيل، ورفع التنبيهات إلى الجهات المختصة، واقتراح الحلول العملية التي من شأنها تسريع الإنجاز.

كما يمكن للمجالس المحلية والجهوية أن تضطلع بدور رقابي مهم من خلال تقييم مدى استجابة المشاريع لاحتياجات السكان ومدى تأثيرها الفعلي على التنمية المحلية. فنجاح أي مشروع لا يقاس فقط بإنجازه في الآجال المحددة، وإنما أيضًا بقدرته على تحسين حياة المواطنين وتحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها. فهذا التنسيق من شأنه أن يعزز الشفافية ويقرب القرار التنموي من المواطن ويجعل الأولويات أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي.

المعيار الحقيقي

وفي خضم هذه التحولات، يبقى المواطن هو المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل السياسات التنموية. فالمواطن الذي انتظر لسنوات طويلة استكمال مشاريع معطلة أو انطلاق مشاريع مبرمجة لا يهتم كثيرًا بالتفاصيل الإجرائية أو التقنية، بل ينتظر نتائج ملموسة يشعر بها في حياته اليومية، وينتظر طريقًا يخلصه من معاناته، ومستشفى يوفر له العلاج، ومدرسة لائقة لأبنائه، وشبكات نقل عمومية أفضل، وفرص عمل تحفظ كرامته.

وعندما يلمس المواطن التغيير في حياته اليومية، يمكن القول إن التنمية الجهوية قد بدأت فعلًا في تحقيق أهدافها، وإن الجهود المبذولة من قبل مختلف مؤسسات الدولة قد تحولت إلى واقع ينعكس على حياة التونسيين في كل الجهات دون استثناء.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم خلال المرحلة القادمة لن يكون فقط في إعداد المخططات والاستراتيجيات، بل في تحويلها إلى إنجازات فعلية.

وهو ما فتئ يؤكده رئيس الجمهورية قيس سعيد فمخطط التنمية للفترة 2026-2030 يمثل فرصة مهمة لإطلاق ديناميكية جديدة في مختلف الجهات، لكن نجاحه سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على تجاوز معضلة المشاريع المعطلة وترسيخ ثقافة الإنجاز والمتابعة والمساءلة.

 

أميرة الدريدي

 

   تسريع المشاريع العمومية..   رهان الدولة لإنعاش التنمية في الجهات

عادت مسألة المشاريع العمومية المعطلة إلى واجهة الاهتمام خلال الفترات الأخيرة باعتبارها أحد أبرز الملفات التي ترتبط مباشرة بمطالب التونسيين في التنمية والتشغيل وتحسين ظروف العيش، فالمواطن في مختلف الجهات لا يقيس نجاح السياسات العمومية بحجم الاعتمادات المعلنة أو بعدد الاجتماعات المنعقدة، بقدر ما يقيسها بما يراه ويلمسه على أرض الواقع من طرقات ومستشفيات ومدارس ومناطق صناعية ومشاريع فلاحية ومرافق عمومية وخدمات أساسية.

ولعلّ هذا ما يفسر الحضور الدائم لهذا الملف في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي ما انفك يؤكد في مختلف لقاءاته وزياراته الميدانية أن تعطيل المشاريع العمومية لم يعد أمرًا مقبولًا، وأن الدولة مطالبة اليوم بإيجاد حلول عملية وسريعة لكل العراقيل التي تحول دون إنجاز المشاريع المبرمجة.

وقد برز هذا التوجه بوضوح خلال زيارته الأخيرة إلى ولاية القيروان، حيث شدد على أن التنمية يجب أن تكون ملموسة ومرئية في مختلف الجهات، مؤكدًا أن المسؤولية تقتضي المتابعة اليومية والميدانية للمشاريع وعدم الاكتفاء بالتقارير الإدارية والوثائق المكتبية.

كما أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد مؤخرًا، خلال لقائه مع رئيسة الحكومة ووزير التجهيز والإسكان، على تطوير البنية التحتية وسبل تسريع إنجاز المشاريع المعطلة أو التي تشهد نسقًا بطيئًا.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية على ضرورة إعداد نصوص قانونية جديدة لتنظيم الصفقات العمومية، ترتكز أساسًا على تبسيط الإجراءات الإدارية والحدّ من التعقيدات التي غالبًا ما تعيق تنفيذ المشاريع أو تؤخر انطلاقها.

كما شدد على أهمية وضع منظومة رقابة ناجعة تضمن حسن التصرف في المال العام، مع تكريس مبدأ المساءلة وتحميل المسؤولية لكافة المتدخلين في مختلف مراحل إنجاز المشاريع.

وسبق أن تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في لقاء جمعه بوزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري، تقدم إنجاز عدد من المشاريع، وخاصة منها المتعلقة بالبنية التحتية، على غرار بعض المؤسسات الاستشفائية وعدد من الطرقات داخل الجمهورية.

إذ شدد رئيس الدولة على ضرورة تجاوز كل الصعوبات التي أدت إلى التأخر في إنجاز العديد منها، لا نتيجة للإجراءات الإدارية التي حان الوقت لمراجعتها، بل بصفة متعمدة، كما حصل بالنسبة إلى عدد من المنشآت التي استغرقت الدراسات المتعلقة بها سنوات، ومنها ما إن تم استكمال هذه الدراسات حتى تغير الموقع لتُعاد الدراسات من جديد ويعود المشروع إلى نقطة البداية، بالرغم من أن الأموال مرصودة، وهو أمر غير مقبول ويجب أن يتوقف فورًا.

مجلس وزاري.. إقرار إجراءات لتسريع المشاريع التنموية

وبالتوازي، جاء المجلس الوزاري الذي أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري منذ أيام قليلة في إطار هذه الرؤية العامة التي تضع تنفيذ المشاريع العمومية في صدارة الأولويات الوطنية. فقد خُصص الاجتماع لمتابعة تقدم المشاريع التنموية بكامل ولايات الجمهورية، وتم خلاله التأكيد على أن نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة مرتبط أساسًا بمدى قدرة مختلف الهياكل العمومية على تحويل البرامج والخطط إلى إنجازات فعلية يستفيد منها المواطنون.

وتكمن أهمية هذا المجلس في كونه لم يكتف بتشخيص الوضع أو عرض نسب التقدم، بل ركز على جملة من الإجراءات العملية الرامية إلى معالجة أسباب التعطيل وتحسين منظومة المتابعة والرقابة. فقد تم التأكيد على ضرورة إدراج كل المشاريع العمومية ضمن منصة وطنية موحدة للمتابعة، مع تحيين المعطيات بصفة مستمرة، بما يسمح بالحصول على صورة دقيقة حول وضعية كل مشروع ومراحل إنجازه والعراقيل التي تعترضه.

كما تم الإعلان خلال المجلس الوزاري عن تطوير منظومة للإنذار المبكر تعتمد على تحليل المعطيات المتعلقة بتقدم الأشغال واستهلاك الاعتمادات المالية ومسار الصفقات العمومية والوضعية العقارية للمشاريع، بهدف الكشف المبكر عن مؤشرات التعطيل والتدخل السريع لمعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات تؤدي إلى تعطيل الأشغال أو ارتفاع الكلفة المالية.

وعمومًا، فإن هذا التوجه يعكس قناعة متواصلة لدى الدولة بأن الإشكال لا يكمن دائمًا في نقص التمويل، خاصة بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في حجم الاعتمادات المخصصة للاستثمار العمومي خلال السنوات الأخيرة، بل في القدرة على تنفيذ المشاريع ومتابعتها وتجاوز العراقيل التي تواجهها. فالمشكل الحقيقي يكمن غالبًا في بطء الإجراءات، وتعقيد المسارات الإدارية، والإشكاليات العقارية، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، إضافة إلى الصعوبات المرتبطة ببعض المقاولات المكلفة بإنجاز المشاريع.

ومن هذا المنطلق، شددت رئيسة الحكومة خلال المجلس الوزاري على ضرورة تحسين جاهزية المشاريع قبل الشروع في تنفيذها، عبر استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية والعقارية والبيئية مسبقًا، بما يضمن انطلاق الأشغال في ظروف ملائمة ويحد من احتمالات التعطيل أو التوقف لاحقًا. كما أكدت على أهمية تعزيز الرقابة على المقاولات وتقييم أدائها بشكل دوري للتأكد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.

ويمكن التأكيد أن معالجة ملف المشاريع المعطلة لا يمكن أن تظل مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشترك فيها مختلف مؤسسات الدولة. وفي هذا الإطار، يبرز دور مجلس نواب الشعب باعتباره سلطة تشريعية ورقابية تضطلع بمهمة متابعة السياسات العمومية ومساءلة الجهات التنفيذية حول مدى تقدم المشاريع واحترام الآجال المحددة لإنجازها. فالغرفة البرلمانية لا يقتصر دورها على المصادقة على الميزانيات والقوانين، بل يمتد إلى مراقبة حسن التصرف في المال العام والتثبت من مدى نجاعة البرامج التنموية الممولة من موارد الدولة.

ويمكن للجان البرلمانية المختصة أن تلعب دورًا محوريًا في متابعة المشاريع الكبرى والوقوف ميدانيًا على أسباب التعطيل والاستماع إلى مختلف الأطراف المتدخلة واقتراح الحلول المناسبة لتجاوز الإشكاليات المطروحة.

وبالتوازي مع دور مجلس نواب الشعب، فإن المجالس المحلية والجهوية تضطلع بدورها بمهمة محورية في ما يتعلق بمزيد تحريك المشاريع المعطلة ومتابعتها، وهي مطالبة اليوم بأداء دور أكثر فاعلية في دفع عجلة التنمية. فهذه المجالس تمثل الحلقة الأقرب إلى المواطنين والأكثر قدرة على تشخيص الحاجيات الحقيقية للجهات، وهي الأقدر على رصد النقائص والمشاكل التي قد لا تظهر في التقارير المركزية. كما أن هذه المجالس مطالبة اليوم بمتابعة المشاريع العمومية المبرمجة داخل دوائرها الترابية، والتثبت من مدى تقدم الأشغال، ورصد العراقيل، ورفع التنبيهات إلى الجهات المختصة، واقتراح الحلول العملية التي من شأنها تسريع الإنجاز.

كما يمكن للمجالس المحلية والجهوية أن تضطلع بدور رقابي مهم من خلال تقييم مدى استجابة المشاريع لاحتياجات السكان ومدى تأثيرها الفعلي على التنمية المحلية. فنجاح أي مشروع لا يقاس فقط بإنجازه في الآجال المحددة، وإنما أيضًا بقدرته على تحسين حياة المواطنين وتحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها. فهذا التنسيق من شأنه أن يعزز الشفافية ويقرب القرار التنموي من المواطن ويجعل الأولويات أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي.

المعيار الحقيقي

وفي خضم هذه التحولات، يبقى المواطن هو المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل السياسات التنموية. فالمواطن الذي انتظر لسنوات طويلة استكمال مشاريع معطلة أو انطلاق مشاريع مبرمجة لا يهتم كثيرًا بالتفاصيل الإجرائية أو التقنية، بل ينتظر نتائج ملموسة يشعر بها في حياته اليومية، وينتظر طريقًا يخلصه من معاناته، ومستشفى يوفر له العلاج، ومدرسة لائقة لأبنائه، وشبكات نقل عمومية أفضل، وفرص عمل تحفظ كرامته.

وعندما يلمس المواطن التغيير في حياته اليومية، يمكن القول إن التنمية الجهوية قد بدأت فعلًا في تحقيق أهدافها، وإن الجهود المبذولة من قبل مختلف مؤسسات الدولة قد تحولت إلى واقع ينعكس على حياة التونسيين في كل الجهات دون استثناء.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم خلال المرحلة القادمة لن يكون فقط في إعداد المخططات والاستراتيجيات، بل في تحويلها إلى إنجازات فعلية.

وهو ما فتئ يؤكده رئيس الجمهورية قيس سعيد فمخطط التنمية للفترة 2026-2030 يمثل فرصة مهمة لإطلاق ديناميكية جديدة في مختلف الجهات، لكن نجاحه سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على تجاوز معضلة المشاريع المعطلة وترسيخ ثقافة الإنجاز والمتابعة والمساءلة.

 

أميرة الدريدي