شواطئ كانت تضجّ بالحياة والجمال، وكانت ملاذًا للمصطافين وللحيوانات البحرية، تحوّلت في عدد كبير منها، في السنوات الأخيرة، إلى شواطئ مهجورة بسبب التلوّث الشديد الذي جعلها غير صالحة للسباحة وغير آمنة صحيًا، نتيجة ما قد تسببه المياه الملوثة من أمراض جلدية وتنفسية خطيرة، وذلك استنادًا إلى تحاليل جودة المياه بتلك الشواطئ.
وقد حدّدت إدارة حفظ صحة الوسط والمحيط بوزارة الصحة، في بلاغ رسمي، الشواطئ المعنية بتجنّب السباحة، مؤكدة مواصلة متابعة الوضعية وتحيين المعطيات بصفة دورية حسب تطور جودة المياه ونتائج التحاليل، بالتنسيق مع السلط الجهوية والبلديات والهياكل المعنية، وفق نص البلاغ.
وقد تفاقم، في السنوات الأخيرة، خطر التلوث البحري الناتج عن تصريف المياه الصناعية ومياه الصرف الصحي، بما خلّف تداعيات بيئية وصحية واقتصادية متزايدة، وأخرج عدة شواطئ من الخدمة، وسط تحذيرات الخبراء البيئيين من أن الأزمة بلغت مستويات تهدد التوازن البيئي والحياة البحرية ومصدر رزق البحّارة وحق المواطن في شاطئ نظيف. بل تحوّلت بعض الشواطئ التي كانت قبلة للمصطافين ومتنفّسًا للسكان، خاصة في الضاحية الجنوبية للعاصمة، إلى مصدر قلق وخطر بعد تلوث أكثر من 33 بالمائة من شريطها الساحلي، حيث بات البحر يلفظ بشكل دوري عشرات السلاحف والأسماك النافقة نتيجة التلوث المتواصل.
شواطئ خارج الخدمة
وقد أعلنت وزارة الصحة، السبت الماضي، أنّ مصالحها المختصة تواصل تنفيذ البرنامج الوطني لمراقبة جودة مياه البحر على كامل الشريط الساحلي، عبر شبكة وطنية تضم 539 نقطة مراقبة، وذلك من خلال المعاينات الميدانية ورفع العينات دوريًا وإخضاعها للتحاليل المخبرية الدورية وفق المواصفات الصحية المعتمدة لتقييم قابلية مياه الشواطئ للسباحة. وقالت وزارة الصحة في بلاغها إن نتائج المتابعة أظهرت أن أغلب الشواطئ التونسية تستجيب للشروط الصحية للسباحة، في حين أظهرت التحاليل أنّ 49 نقطة مراقبة، أي حوالي 9% من مجموع النقاط المراقبة، بما يعادل 48 شاطئًا، تستوجب تجنّب السباحة فيها إلى حين تحسّن المؤشرات وإعادة التقييم المخبري.
وتصدّرت شواطئ ولاية بن عروس قائمة الشواطئ الممنوعة بـ18 نقطة معنية بمنع السباحة، وحلت شواطئ ولاية بنزرت ثانيًا بـ12 نقطة، و8 شواطئ بولاية تونس، و5 نقاط بولاية نابل، و3 شواطئ بولاية قابس، ونقطتين بولاية أريانة، وشاطئًا وحيدًا بولاية سوسة. وكانت كل هذه الشواطئ تعتبر، إلى سنوات قريبة، من أجمل الشواطئ التونسية ووجهة مفضلة للمصطافين، لكن اليوم، يتكرّر تقريبًا نفس المشهد، في هذه الشواطئ، حيث تصبّ فيها المياه المستعملة والصناعية لتحوّلها إلى مناطق مهجورة وقاتلة للحياة البحرية.
ولعل شواطئ قابس تُعتبر خير مثال على الحالة «الكارثية»، حيث تواجه مياه البحر في قابس ارتفاعًا كبيرًا في مؤشرات التلوث، بما دعا الأهالي إلى مواصلة تحركاتهم في مختلف الاتجاهات على مدى الأشهر الماضية، والمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة، حيث رفع المحتجون مؤخرًا وعلى طول شاطئ السلام شعارات تطالب بالحق في بيئة سليمة وهواء نقي وشواطئ نظيفة بسبب ما ألحقه التلوث من أضرار بالغة بالسياحة والفلاحة.
وزاد عدد الشواطئ المشمولة بالمنع هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، حيث تم تسجيل 28 نقطة غير صالحة للسباحة بسبب تلوث المياه، في جوان الماضي، وفق معطيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة، إذ ارتفع عدد النقاط التي يُمنع فيها السباحة في بن عروس من 15 نقطة إلى 18 نقطة هذه السنة.
أسباب التلوّث
وتشير معطيات رسمية صادرة عن وزارة البيئة إلى أن نحو 1.2 مليون متر مكعب من المياه المستعملة يتم ضخها سنويًا مباشرة في الأودية والسباخ والبحر بولاية نابل، وهو ما يزيد الضغوط على المنظومة البيئية البحرية. حيث قال وزير البيئة الحبيب عبيد، في تصريحات إعلامية السنة الماضية، إنّ 13 مصنعًا لتحويل الطماطم و55 معصرة زيتون متمركزين بالولاية يضخون 1.2 مليون متر مكعب من المياه المستعملة في الوسط المتلقي، أي الأودية والسباخ والبحر.
كما تشير بعض تقارير الجمعيات الناشطة في مجال الدفاع عن البيئة إلى أن 26 منطقة صناعية تسكب مياهها الملوثة في البحر، وهو ما أدى إلى تدهور البيئة البحرية وانعكس سلبًا على النشاطين السياحي والترفيهي، كما تسبب في فقدان العديد من العاملين في قطاع الخدمات والسياحة لمصادر رزقهم الموسمية.
ومن المعضلات التي ساهمت في تأزيم وضع الشواطئ في تونس أن أغلب الوحدات الصناعية تلجأ إلى تصريف مياهها المستعملة مباشرة في البحر، وهو ما أدّى إلى تفاقم حجم الخطر البيئي في السواحل التي يستفيد منها المواطن والسياحة على حد سواء. ويعدّ اليوم مراقبة المصانع وإلزامها بعدم صرف المياه الملوثة في البحر، إلى جانب تحديث وصيانة شبكات الصرف الصحي، خطوة أساسية لحماية البحر، مع ضرورة ضمان وصول المياه المستعملة إلى محطات المعالجة. ومن الخطوات الأساسية في إنقاذ مستقبل البحر في تونس أيضًا ضرورة بناء محطات معالجة جديدة للمياه المستعملة كخطوة محورية نحو حماية البيئة البحرية، حيث إن هذه المحطات مجهزة لإزالة الملوثات الدقيقة والبيولوجية بكفاءة عالية، بما يضمن أن المياه المستعملة تصبح آمنة قبل تصريفها، ويحدّ بشكل كبير من التلوث البحري ويحافظ على الموارد المائية، إذ لم تعد اليوم حماية السواحل التونسية مجرّد خيار، بل ضرورة قصوى.
منية العرفاوي
شواطئ كانت تضجّ بالحياة والجمال، وكانت ملاذًا للمصطافين وللحيوانات البحرية، تحوّلت في عدد كبير منها، في السنوات الأخيرة، إلى شواطئ مهجورة بسبب التلوّث الشديد الذي جعلها غير صالحة للسباحة وغير آمنة صحيًا، نتيجة ما قد تسببه المياه الملوثة من أمراض جلدية وتنفسية خطيرة، وذلك استنادًا إلى تحاليل جودة المياه بتلك الشواطئ.
وقد حدّدت إدارة حفظ صحة الوسط والمحيط بوزارة الصحة، في بلاغ رسمي، الشواطئ المعنية بتجنّب السباحة، مؤكدة مواصلة متابعة الوضعية وتحيين المعطيات بصفة دورية حسب تطور جودة المياه ونتائج التحاليل، بالتنسيق مع السلط الجهوية والبلديات والهياكل المعنية، وفق نص البلاغ.
وقد تفاقم، في السنوات الأخيرة، خطر التلوث البحري الناتج عن تصريف المياه الصناعية ومياه الصرف الصحي، بما خلّف تداعيات بيئية وصحية واقتصادية متزايدة، وأخرج عدة شواطئ من الخدمة، وسط تحذيرات الخبراء البيئيين من أن الأزمة بلغت مستويات تهدد التوازن البيئي والحياة البحرية ومصدر رزق البحّارة وحق المواطن في شاطئ نظيف. بل تحوّلت بعض الشواطئ التي كانت قبلة للمصطافين ومتنفّسًا للسكان، خاصة في الضاحية الجنوبية للعاصمة، إلى مصدر قلق وخطر بعد تلوث أكثر من 33 بالمائة من شريطها الساحلي، حيث بات البحر يلفظ بشكل دوري عشرات السلاحف والأسماك النافقة نتيجة التلوث المتواصل.
شواطئ خارج الخدمة
وقد أعلنت وزارة الصحة، السبت الماضي، أنّ مصالحها المختصة تواصل تنفيذ البرنامج الوطني لمراقبة جودة مياه البحر على كامل الشريط الساحلي، عبر شبكة وطنية تضم 539 نقطة مراقبة، وذلك من خلال المعاينات الميدانية ورفع العينات دوريًا وإخضاعها للتحاليل المخبرية الدورية وفق المواصفات الصحية المعتمدة لتقييم قابلية مياه الشواطئ للسباحة. وقالت وزارة الصحة في بلاغها إن نتائج المتابعة أظهرت أن أغلب الشواطئ التونسية تستجيب للشروط الصحية للسباحة، في حين أظهرت التحاليل أنّ 49 نقطة مراقبة، أي حوالي 9% من مجموع النقاط المراقبة، بما يعادل 48 شاطئًا، تستوجب تجنّب السباحة فيها إلى حين تحسّن المؤشرات وإعادة التقييم المخبري.
وتصدّرت شواطئ ولاية بن عروس قائمة الشواطئ الممنوعة بـ18 نقطة معنية بمنع السباحة، وحلت شواطئ ولاية بنزرت ثانيًا بـ12 نقطة، و8 شواطئ بولاية تونس، و5 نقاط بولاية نابل، و3 شواطئ بولاية قابس، ونقطتين بولاية أريانة، وشاطئًا وحيدًا بولاية سوسة. وكانت كل هذه الشواطئ تعتبر، إلى سنوات قريبة، من أجمل الشواطئ التونسية ووجهة مفضلة للمصطافين، لكن اليوم، يتكرّر تقريبًا نفس المشهد، في هذه الشواطئ، حيث تصبّ فيها المياه المستعملة والصناعية لتحوّلها إلى مناطق مهجورة وقاتلة للحياة البحرية.
ولعل شواطئ قابس تُعتبر خير مثال على الحالة «الكارثية»، حيث تواجه مياه البحر في قابس ارتفاعًا كبيرًا في مؤشرات التلوث، بما دعا الأهالي إلى مواصلة تحركاتهم في مختلف الاتجاهات على مدى الأشهر الماضية، والمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة، حيث رفع المحتجون مؤخرًا وعلى طول شاطئ السلام شعارات تطالب بالحق في بيئة سليمة وهواء نقي وشواطئ نظيفة بسبب ما ألحقه التلوث من أضرار بالغة بالسياحة والفلاحة.
وزاد عدد الشواطئ المشمولة بالمنع هذه السنة مقارنة بالسنة الماضية، حيث تم تسجيل 28 نقطة غير صالحة للسباحة بسبب تلوث المياه، في جوان الماضي، وفق معطيات رسمية صادرة عن وزارة الصحة، إذ ارتفع عدد النقاط التي يُمنع فيها السباحة في بن عروس من 15 نقطة إلى 18 نقطة هذه السنة.
أسباب التلوّث
وتشير معطيات رسمية صادرة عن وزارة البيئة إلى أن نحو 1.2 مليون متر مكعب من المياه المستعملة يتم ضخها سنويًا مباشرة في الأودية والسباخ والبحر بولاية نابل، وهو ما يزيد الضغوط على المنظومة البيئية البحرية. حيث قال وزير البيئة الحبيب عبيد، في تصريحات إعلامية السنة الماضية، إنّ 13 مصنعًا لتحويل الطماطم و55 معصرة زيتون متمركزين بالولاية يضخون 1.2 مليون متر مكعب من المياه المستعملة في الوسط المتلقي، أي الأودية والسباخ والبحر.
كما تشير بعض تقارير الجمعيات الناشطة في مجال الدفاع عن البيئة إلى أن 26 منطقة صناعية تسكب مياهها الملوثة في البحر، وهو ما أدى إلى تدهور البيئة البحرية وانعكس سلبًا على النشاطين السياحي والترفيهي، كما تسبب في فقدان العديد من العاملين في قطاع الخدمات والسياحة لمصادر رزقهم الموسمية.
ومن المعضلات التي ساهمت في تأزيم وضع الشواطئ في تونس أن أغلب الوحدات الصناعية تلجأ إلى تصريف مياهها المستعملة مباشرة في البحر، وهو ما أدّى إلى تفاقم حجم الخطر البيئي في السواحل التي يستفيد منها المواطن والسياحة على حد سواء. ويعدّ اليوم مراقبة المصانع وإلزامها بعدم صرف المياه الملوثة في البحر، إلى جانب تحديث وصيانة شبكات الصرف الصحي، خطوة أساسية لحماية البحر، مع ضرورة ضمان وصول المياه المستعملة إلى محطات المعالجة. ومن الخطوات الأساسية في إنقاذ مستقبل البحر في تونس أيضًا ضرورة بناء محطات معالجة جديدة للمياه المستعملة كخطوة محورية نحو حماية البيئة البحرية، حيث إن هذه المحطات مجهزة لإزالة الملوثات الدقيقة والبيولوجية بكفاءة عالية، بما يضمن أن المياه المستعملة تصبح آمنة قبل تصريفها، ويحدّ بشكل كبير من التلوث البحري ويحافظ على الموارد المائية، إذ لم تعد اليوم حماية السواحل التونسية مجرّد خيار، بل ضرورة قصوى.