إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  الدورة الرئيسية لباكالوريا 2026..  سليانة والكاف وجندوبة يحصدون المراتب الأولى في أفضل معدلات الناجحين.. واستمرار التفاوت بين الشعب والجهات  

حملت نتائج الباكالوريا للدورة الرئيسية هذا العام عددًا من المستجدات، فعلى خلاف السنوات الماضية حصدت مندوبيات جهات على غرار الكاف المعدل الأول في اختصاص الرياضيات، والذي كان من نصيب ياسمين اليعقوبي بمعدل 20.01 وهي الأولى وطنيًا، وسليانة التي سجل معهدها النموذجي المعدل الأول في اختصاص التقنية وكان من نصيب محمد الورتاني وتحصل على 19.76، وكانت رغد عشي بمعهد خميس الجبري بجندوبة الأولى وطنيًا على شعبة الآداب بمعدل 17.29، وذلك رغم أن نسبة النجاح الإجمالية المسجلة فيها لم تتحسن كثيرًا أو حافظت على نفس ترتيب السنوات الماضية.

وما يمكن أيضًا الوقوف عنده أنه ولأول مرة تعود مرتبة الأولى وطنيًا في نتائج الباكالوريا إلى أحد المعاهد الخاصة، إذ تحصل التلميذ آدم الكوكي بمعهد خاص ببن عروس على المرتبة الأولى في اختصاص الاقتصاد والتصرف بمعدل 18.70.

وكانت المرتبة الأولى في اختصاص علوم تجريبية لملكة الوحيشي من المعهد النموذجي بنابل، حيث تحصلت على معدل 19.72، أما المرتبة الأولى في اختصاص علوم الإعلامية فكانت من نصيب محمد أمين شوشان بمعهد ابن سينا بالمهدية وتحصل على معدل 19.54، وسجل أحمد المديوب بمعهد أبي الحسن اللخمي بصفاقس أعلى معدل في اختصاص الرياضة بحصوله على معدل 19.02.

وحسب نتائج الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا لسنة 2026، بلغت نسبة النجاح العامة 35.67 %، في حين بلغ عدد الناجحين 55,259 تلميذًا من إجمالي 154,928 مترشحًا. كما سُجل أكثر من 50 ألف مؤجل لدورة المراقبة. وتتخذ بالتالي النتائج منحى تنازليًا بالمقارنة مع الدورة الرئيسية لسنة 2025 والتي بلغت 37.08 %. كما تؤشر نسبة النجاح إلى أن امتحان الباكالوريا ما يزال يحافظ على طابعه الانتقائي، خاصة مع ارتفاع عدد المؤجلين إلى دورة المراقبة.

وتصدرت شعبة الرياضيات ترتيب الناجحين في الدورة الرئيسية بنسبة 79.41%، تلتها شعبة الرياضة بنسبة 70.32 %، ثم شعبة علوم الإعلامية بنسبة 44.02 %، فالعلوم التجريبية بنسبة 42.27%، وتأتي بعدها علوم التقنية بنسبة 37.62 %، وشعبة الاقتصاد والتصرف بنسبة 26.22 %، وتحتل شعبة الآداب المرتبة الأخيرة بأضعف نسب نجاح بلغت 24.24 %.

وتظهر نتائج الدورة الرئيسية لهذه السنة تعمق الفجوة بين الشعب العلمية والأدبية، باعتبار أنه معطى يتكرر سنويًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة التوجيه المدرسي ومناهج التدريس.

فالتفاوت المسجل يبرز استمرار تفوق الشعب العلمية ذات الانتقاء المسبق والمعدلات المرتفعة عند التوجيه، مقابل الصعوبات التي تواجهها شعب أخرى تستقطب أعدادًا أكبر من التلاميذ بمستويات دراسية أكثر تباينًا.

وعلى غرار السنوات الماضية، تأتي النتائج بتفوق واضح لبعض المندوبيات الجهوية على حساب أخرى، حيث جاءت صفاقس 2 في المرتبة الأولى بنسبة نجاح بلغت 55.16 بالمائة، تلتها مندوبية صفاقس 1 بنسبة 52.61 بالمائة، ثم مدنين بنسبة 49.25 بالمائة. كما سجلت المهدية والمنستير وسوسة نسب نجاح مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني. وفي المقابل، سجلت المندوبية الجهوية للتربية بجندوبة أدنى نسبة نجاح على المستوى الوطني، إذ بلغت 26.48 بالمائة، سبقتها القصرين بنسبة 26.66 بالمائة، ثم قفصة بنسبة 28.57 بالمائة. وبلغت نسبة النجاح بالمندوبية الجهوية للتربية بسليانة 30.52 بالمائة، وبمندوبية توزر 31.04 بالمائة، فيما سجّلت زغوان نسبة نجاح في حدود 31.44 بالمائة. وتعكس هذه المؤشرات استمرار الفوارق الجهوية في المنظومة التعليمية، سواء من حيث جودة التأطير أو الاستقرار البيداغوجي أو الإمكانيات المتاحة للمؤسسات التربوية.

وفي قراءة لنتائج الدورة الرئيسية يقول سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، إن الأرقام، حين تُقرأ قراءة متأنية، تكشف عن حقائق أعمق تتعلق بطبيعة المنظومة التربوية نفسها وبالخيارات التي حكمتها لعقود طويلة، وأول ما يلفت الانتباه أن النسبة العامة للناجحين لا تزال متدنية نسبيًا، إذ لا تمثل سوى نحو ثلث مجموع المترشحين.

وقد اعتاد الرأي العام التعامل مع هذا المعطى وكأنه أمر طبيعي، والحال أنه يستحق التوقف والتساؤل. فهل يعقل أن تدفع المنظومة التربوية كل سنة بمئات الآلاف من التلاميذ عبر مسار دراسي واحد يمتد ثلاثة عشر عامًا كاملة، ثم تكتشف في نهايته أن أغلبهم غير قادرين على اجتياز آخر محطة فيه بنجاح !

وتكمن المشكلة، حسب محدثنا، في أن التعليم المدرسي في تونس ما يزال قائمًا عمليًا على مسلك وحيد: تعليم ابتدائي فإعدادي فثانوي ينتهي بالباكالوريا. أما المسالك المهنية والتقنية والفنية فما تزال محدودة الجاذبية وضعيفة الحضور مقارنة بما هو معمول به في العديد من الدول المتقدمة. والنتيجة أن أعدادًا كبيرة من التلاميذ يواصلون الدراسة داخل مسار لا يتوافق مع ميولاتهم أو قدراتهم أو مشاريعهم المهنية المستقبلية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام امتحان تعلم المنظومة نفسها أن فرص نجاح نسبة هامة منهم فيه ضعيفة جدًا أو شبه معدومة.

ولا يتعلق الأمر بحرمان هؤلاء التلاميذ من فرصة التعليم، بل بالعكس تمامًا. فالمطلوب هو توفير مسالك متعددة ومتساوية في القيمة الاجتماعية والاقتصادية، تسمح لكل تلميذ بأن يجد الطريق التي تناسب استعداداته وتؤهله للنجاح المهني والاجتماعي. وعندما تتوفر هذه البدائل، يصبح اجتياز الباكالوريا خيارًا طبيعيًا لمن يمتلكون الرغبة والقدرة على مواصلة الدراسة الأكاديمية، لا محطة إجبارية يمر بها الجميع مهما كانت حظوظهم.

ويرى قاسم خلال حديثه لـ»الصباح» أنه من بين المعطيات اللافتة التفاوت الكبير في نسب النجاح بين الجهات. فحظوظ التلميذ في بعض المندوبيات قد تبلغ ضعف حظوظ نظيره في مندوبيات أخرى. غير أن هذا المعطى يستوجب الحذر من الاستنتاجات السطحية التي تربط النجاح المدرسي حصريًا بالإمكانيات المادية أو بالمجهودات التنموية.

فعندما نتحدث عن مندوبية مثل صفاقس 2، فإننا نتحدث عن العوابد وجبنيانة والحنشة واللوزة وحزق وجزر قرقنة، وهي مناطق لا يمكن الادعاء بأنها تتمتع بامتيازات تنموية استثنائية مقارنة بغيرها من الجهات. لذلك فإن تفسير الفوارق التعليمية يقتضي النظر إلى عوامل أخرى أكثر عمقًا تتعلق بالثقافة المجتمعية السائدة، وبصورة المدرسة في المخيال الجماعي، وبالقيم التي تُغرس في الطفل منذ سنواته الأولى. كما أن المجتمعات التي تجعل من العمل والاجتهاد والانضباط الذاتي والاعتماد على النفس قيمًا يومية متداولة داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، توفر لأبنائها شروطًا إضافية للنجاح الدراسي. وهذه القيم، وإن كانت لا تلغي أهمية البنية التحتية والتجهيزات والموارد البشرية، فإنها تظل عاملًا حاسمًا في تفسير جانب مهم من الفوارق المسجلة بين الجهات.

ويضيف سليم قاسم أن النتائج تكشف أيضًا عن تفاوت صارخ بين الشعب الدراسية. فحظوظ النجاح في شعبة الرياضيات تعادل ثلاثة أضعاف حظوظ النجاح في شعبة الآداب، مع تسجيل فروق كبيرة أيضًا بين الشعب العلمية من جهة وشعبتي الآداب والاقتصاد والتصرف من جهة أخرى.

ولا يعود ذلك إلى اختلاف قيمة التلاميذ أو قدراتهم الإنسانية، وإنما إلى آليات التوجيه المعتمدة داخل المنظومة. فشعبة الرياضيات تستقطب أساسًا التلاميذ الذين أثبتوا منذ سنوات قدرتهم على تحقيق نتائج مرتفعة، بينما تستقبل بعض الشعب الأخرى أعدادًا كبيرة من التلاميذ الذين وجدوا أنفسهم فيها اضطرارًا بعد تعذر الالتحاق بالشعب العلمية. وهنا يعود الإشكال نفسه: غياب مسالك بديلة ذات مصداقية. فبدل أن يُوجَّه جزء من هؤلاء التلاميذ نحو تكوينات تقنية أو مهنية أو فنية تتلاءم مع قدراتهم واهتماماتهم وتفتح أمامهم آفاقًا واعدة، تستمر المنظومة في دفعهم نحو مسار أكاديمي لا ينسجم بالضرورة مع مؤهلاتهم، بما يفسر نسب الرسوب المرتفعة المسجلة في بعض الشعب.

ويضيف في المقابل، تحمل النتائج مؤشرًا إيجابيًا بالغ الأهمية. فقد أظهرت قوائم أصحاب أفضل المعدلات أن التميز لم يعد حكرًا على المعاهد النموذجية أو على الجهات الساحلية الكبرى كما كان يُعتقد البعض. فنسبة هامة من المتفوقين خلال هذه الدورة هم من جهات داخلية. ويبدو أن هذا التحول يرتبط، إلى حد كبير، بالثورة الرقمية التي أتاحت للتلميذ المتميز الوصول إلى أفضل الدروس وأفضل المدرسين عبر الإنترنت والمنصات التعليمية المختلفة، حيث تقلصت المسافات، وأصبح بإمكان التلميذ المجتهد أن يستفيد من موارد تعليمية كانت في السابق حكرًا على فئات محدودة. وهذا درس مهم ينبغي استثماره. فالمدرس المتميز ما يزال العنصر الحاسم في العملية التعليمية، لكن التكنولوجيا أصبحت قادرة على توسيع دائرة الانتفاع بخبراته لتشمل جميع الجهات والفئات الاجتماعية، وهو ما يفتح آفاقًا واعدة لتقليص الفوارق وتحسين جودة التعلمات إذا أُحسن توظيف الإمكانات الرقمية المتاحة.

ويشير في نفس السياق إلى أن نتائج الباكالوريا ليست مجرد أرقام تُعلن في بداية كل صيف، بل هي مرآة تعكس مواطن القوة والضعف داخل المنظومة التربوية. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاحتفاء بالناجحين أو التأسف على الراسبين، وإنما تحويل نتائج الامتحانات الوطنية إلى أداة حقيقية للتشخيص والتقويم واتخاذ القرار. فالسياسات التربوية الناجحة لا تُبنى على الانطباعات أو الأحكام المسبقة، بل على المعطيات الدقيقة والموثوقة، وعلى الاستفادة من الدروس التي تقدمها أفضل التجارب التعليمية عبر العالم. وعندها فقط يمكن أن تصبح نتائج الامتحانات منطلقًا لإصلاح حقيقي يضمن لكل تلميذ فرصة النجاح في المسار الذي يناسب قدراته وطموحاته، ويجعل من المدرسة التونسية فضاءً لصناعة النجاح لا مجرد آلية لفرز الناجحين والراسبين.

ريم سوودي

   الدورة الرئيسية لباكالوريا 2026..   سليانة والكاف وجندوبة يحصدون المراتب الأولى في أفضل معدلات الناجحين.. واستمرار التفاوت بين الشعب والجهات   

حملت نتائج الباكالوريا للدورة الرئيسية هذا العام عددًا من المستجدات، فعلى خلاف السنوات الماضية حصدت مندوبيات جهات على غرار الكاف المعدل الأول في اختصاص الرياضيات، والذي كان من نصيب ياسمين اليعقوبي بمعدل 20.01 وهي الأولى وطنيًا، وسليانة التي سجل معهدها النموذجي المعدل الأول في اختصاص التقنية وكان من نصيب محمد الورتاني وتحصل على 19.76، وكانت رغد عشي بمعهد خميس الجبري بجندوبة الأولى وطنيًا على شعبة الآداب بمعدل 17.29، وذلك رغم أن نسبة النجاح الإجمالية المسجلة فيها لم تتحسن كثيرًا أو حافظت على نفس ترتيب السنوات الماضية.

وما يمكن أيضًا الوقوف عنده أنه ولأول مرة تعود مرتبة الأولى وطنيًا في نتائج الباكالوريا إلى أحد المعاهد الخاصة، إذ تحصل التلميذ آدم الكوكي بمعهد خاص ببن عروس على المرتبة الأولى في اختصاص الاقتصاد والتصرف بمعدل 18.70.

وكانت المرتبة الأولى في اختصاص علوم تجريبية لملكة الوحيشي من المعهد النموذجي بنابل، حيث تحصلت على معدل 19.72، أما المرتبة الأولى في اختصاص علوم الإعلامية فكانت من نصيب محمد أمين شوشان بمعهد ابن سينا بالمهدية وتحصل على معدل 19.54، وسجل أحمد المديوب بمعهد أبي الحسن اللخمي بصفاقس أعلى معدل في اختصاص الرياضة بحصوله على معدل 19.02.

وحسب نتائج الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا لسنة 2026، بلغت نسبة النجاح العامة 35.67 %، في حين بلغ عدد الناجحين 55,259 تلميذًا من إجمالي 154,928 مترشحًا. كما سُجل أكثر من 50 ألف مؤجل لدورة المراقبة. وتتخذ بالتالي النتائج منحى تنازليًا بالمقارنة مع الدورة الرئيسية لسنة 2025 والتي بلغت 37.08 %. كما تؤشر نسبة النجاح إلى أن امتحان الباكالوريا ما يزال يحافظ على طابعه الانتقائي، خاصة مع ارتفاع عدد المؤجلين إلى دورة المراقبة.

وتصدرت شعبة الرياضيات ترتيب الناجحين في الدورة الرئيسية بنسبة 79.41%، تلتها شعبة الرياضة بنسبة 70.32 %، ثم شعبة علوم الإعلامية بنسبة 44.02 %، فالعلوم التجريبية بنسبة 42.27%، وتأتي بعدها علوم التقنية بنسبة 37.62 %، وشعبة الاقتصاد والتصرف بنسبة 26.22 %، وتحتل شعبة الآداب المرتبة الأخيرة بأضعف نسب نجاح بلغت 24.24 %.

وتظهر نتائج الدورة الرئيسية لهذه السنة تعمق الفجوة بين الشعب العلمية والأدبية، باعتبار أنه معطى يتكرر سنويًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة التوجيه المدرسي ومناهج التدريس.

فالتفاوت المسجل يبرز استمرار تفوق الشعب العلمية ذات الانتقاء المسبق والمعدلات المرتفعة عند التوجيه، مقابل الصعوبات التي تواجهها شعب أخرى تستقطب أعدادًا أكبر من التلاميذ بمستويات دراسية أكثر تباينًا.

وعلى غرار السنوات الماضية، تأتي النتائج بتفوق واضح لبعض المندوبيات الجهوية على حساب أخرى، حيث جاءت صفاقس 2 في المرتبة الأولى بنسبة نجاح بلغت 55.16 بالمائة، تلتها مندوبية صفاقس 1 بنسبة 52.61 بالمائة، ثم مدنين بنسبة 49.25 بالمائة. كما سجلت المهدية والمنستير وسوسة نسب نجاح مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني. وفي المقابل، سجلت المندوبية الجهوية للتربية بجندوبة أدنى نسبة نجاح على المستوى الوطني، إذ بلغت 26.48 بالمائة، سبقتها القصرين بنسبة 26.66 بالمائة، ثم قفصة بنسبة 28.57 بالمائة. وبلغت نسبة النجاح بالمندوبية الجهوية للتربية بسليانة 30.52 بالمائة، وبمندوبية توزر 31.04 بالمائة، فيما سجّلت زغوان نسبة نجاح في حدود 31.44 بالمائة. وتعكس هذه المؤشرات استمرار الفوارق الجهوية في المنظومة التعليمية، سواء من حيث جودة التأطير أو الاستقرار البيداغوجي أو الإمكانيات المتاحة للمؤسسات التربوية.

وفي قراءة لنتائج الدورة الرئيسية يقول سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، إن الأرقام، حين تُقرأ قراءة متأنية، تكشف عن حقائق أعمق تتعلق بطبيعة المنظومة التربوية نفسها وبالخيارات التي حكمتها لعقود طويلة، وأول ما يلفت الانتباه أن النسبة العامة للناجحين لا تزال متدنية نسبيًا، إذ لا تمثل سوى نحو ثلث مجموع المترشحين.

وقد اعتاد الرأي العام التعامل مع هذا المعطى وكأنه أمر طبيعي، والحال أنه يستحق التوقف والتساؤل. فهل يعقل أن تدفع المنظومة التربوية كل سنة بمئات الآلاف من التلاميذ عبر مسار دراسي واحد يمتد ثلاثة عشر عامًا كاملة، ثم تكتشف في نهايته أن أغلبهم غير قادرين على اجتياز آخر محطة فيه بنجاح !

وتكمن المشكلة، حسب محدثنا، في أن التعليم المدرسي في تونس ما يزال قائمًا عمليًا على مسلك وحيد: تعليم ابتدائي فإعدادي فثانوي ينتهي بالباكالوريا. أما المسالك المهنية والتقنية والفنية فما تزال محدودة الجاذبية وضعيفة الحضور مقارنة بما هو معمول به في العديد من الدول المتقدمة. والنتيجة أن أعدادًا كبيرة من التلاميذ يواصلون الدراسة داخل مسار لا يتوافق مع ميولاتهم أو قدراتهم أو مشاريعهم المهنية المستقبلية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام امتحان تعلم المنظومة نفسها أن فرص نجاح نسبة هامة منهم فيه ضعيفة جدًا أو شبه معدومة.

ولا يتعلق الأمر بحرمان هؤلاء التلاميذ من فرصة التعليم، بل بالعكس تمامًا. فالمطلوب هو توفير مسالك متعددة ومتساوية في القيمة الاجتماعية والاقتصادية، تسمح لكل تلميذ بأن يجد الطريق التي تناسب استعداداته وتؤهله للنجاح المهني والاجتماعي. وعندما تتوفر هذه البدائل، يصبح اجتياز الباكالوريا خيارًا طبيعيًا لمن يمتلكون الرغبة والقدرة على مواصلة الدراسة الأكاديمية، لا محطة إجبارية يمر بها الجميع مهما كانت حظوظهم.

ويرى قاسم خلال حديثه لـ»الصباح» أنه من بين المعطيات اللافتة التفاوت الكبير في نسب النجاح بين الجهات. فحظوظ التلميذ في بعض المندوبيات قد تبلغ ضعف حظوظ نظيره في مندوبيات أخرى. غير أن هذا المعطى يستوجب الحذر من الاستنتاجات السطحية التي تربط النجاح المدرسي حصريًا بالإمكانيات المادية أو بالمجهودات التنموية.

فعندما نتحدث عن مندوبية مثل صفاقس 2، فإننا نتحدث عن العوابد وجبنيانة والحنشة واللوزة وحزق وجزر قرقنة، وهي مناطق لا يمكن الادعاء بأنها تتمتع بامتيازات تنموية استثنائية مقارنة بغيرها من الجهات. لذلك فإن تفسير الفوارق التعليمية يقتضي النظر إلى عوامل أخرى أكثر عمقًا تتعلق بالثقافة المجتمعية السائدة، وبصورة المدرسة في المخيال الجماعي، وبالقيم التي تُغرس في الطفل منذ سنواته الأولى. كما أن المجتمعات التي تجعل من العمل والاجتهاد والانضباط الذاتي والاعتماد على النفس قيمًا يومية متداولة داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، توفر لأبنائها شروطًا إضافية للنجاح الدراسي. وهذه القيم، وإن كانت لا تلغي أهمية البنية التحتية والتجهيزات والموارد البشرية، فإنها تظل عاملًا حاسمًا في تفسير جانب مهم من الفوارق المسجلة بين الجهات.

ويضيف سليم قاسم أن النتائج تكشف أيضًا عن تفاوت صارخ بين الشعب الدراسية. فحظوظ النجاح في شعبة الرياضيات تعادل ثلاثة أضعاف حظوظ النجاح في شعبة الآداب، مع تسجيل فروق كبيرة أيضًا بين الشعب العلمية من جهة وشعبتي الآداب والاقتصاد والتصرف من جهة أخرى.

ولا يعود ذلك إلى اختلاف قيمة التلاميذ أو قدراتهم الإنسانية، وإنما إلى آليات التوجيه المعتمدة داخل المنظومة. فشعبة الرياضيات تستقطب أساسًا التلاميذ الذين أثبتوا منذ سنوات قدرتهم على تحقيق نتائج مرتفعة، بينما تستقبل بعض الشعب الأخرى أعدادًا كبيرة من التلاميذ الذين وجدوا أنفسهم فيها اضطرارًا بعد تعذر الالتحاق بالشعب العلمية. وهنا يعود الإشكال نفسه: غياب مسالك بديلة ذات مصداقية. فبدل أن يُوجَّه جزء من هؤلاء التلاميذ نحو تكوينات تقنية أو مهنية أو فنية تتلاءم مع قدراتهم واهتماماتهم وتفتح أمامهم آفاقًا واعدة، تستمر المنظومة في دفعهم نحو مسار أكاديمي لا ينسجم بالضرورة مع مؤهلاتهم، بما يفسر نسب الرسوب المرتفعة المسجلة في بعض الشعب.

ويضيف في المقابل، تحمل النتائج مؤشرًا إيجابيًا بالغ الأهمية. فقد أظهرت قوائم أصحاب أفضل المعدلات أن التميز لم يعد حكرًا على المعاهد النموذجية أو على الجهات الساحلية الكبرى كما كان يُعتقد البعض. فنسبة هامة من المتفوقين خلال هذه الدورة هم من جهات داخلية. ويبدو أن هذا التحول يرتبط، إلى حد كبير، بالثورة الرقمية التي أتاحت للتلميذ المتميز الوصول إلى أفضل الدروس وأفضل المدرسين عبر الإنترنت والمنصات التعليمية المختلفة، حيث تقلصت المسافات، وأصبح بإمكان التلميذ المجتهد أن يستفيد من موارد تعليمية كانت في السابق حكرًا على فئات محدودة. وهذا درس مهم ينبغي استثماره. فالمدرس المتميز ما يزال العنصر الحاسم في العملية التعليمية، لكن التكنولوجيا أصبحت قادرة على توسيع دائرة الانتفاع بخبراته لتشمل جميع الجهات والفئات الاجتماعية، وهو ما يفتح آفاقًا واعدة لتقليص الفوارق وتحسين جودة التعلمات إذا أُحسن توظيف الإمكانات الرقمية المتاحة.

ويشير في نفس السياق إلى أن نتائج الباكالوريا ليست مجرد أرقام تُعلن في بداية كل صيف، بل هي مرآة تعكس مواطن القوة والضعف داخل المنظومة التربوية. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاحتفاء بالناجحين أو التأسف على الراسبين، وإنما تحويل نتائج الامتحانات الوطنية إلى أداة حقيقية للتشخيص والتقويم واتخاذ القرار. فالسياسات التربوية الناجحة لا تُبنى على الانطباعات أو الأحكام المسبقة، بل على المعطيات الدقيقة والموثوقة، وعلى الاستفادة من الدروس التي تقدمها أفضل التجارب التعليمية عبر العالم. وعندها فقط يمكن أن تصبح نتائج الامتحانات منطلقًا لإصلاح حقيقي يضمن لكل تلميذ فرصة النجاح في المسار الذي يناسب قدراته وطموحاته، ويجعل من المدرسة التونسية فضاءً لصناعة النجاح لا مجرد آلية لفرز الناجحين والراسبين.

ريم سوودي