مع تسارع وتيرة التحولات داخل القارة الإفريقية وتعالي أصوات تدعو إلى إعادة صياغة دور الاتحاد الإفريقي ومؤسساته، جاء استقبال رئيس الجمهورية قيس سعيّد لنائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي سلمى مليكة حدادي، إثر الزيارة الرسمية التي تؤديها إلى تونس من 18 إلى 21 جوان الجاري، ليؤكد أن الملف الإفريقي يظل من الثوابت الأساسية في توجهات الدبلوماسية التونسية.
فاللقاء تجاوز في جوهره مجرد الإشادة بالنجاح الدبلوماسي الذي حققته الجزائر الشقيقة من خلال فوز إحدى كفاءاتها بهذا المنصب الرفيع، ليتحول إلى مناسبة لطرح جملة من التصورات المرتبطة بمستقبل العمل الإفريقي المشترك وبالرهانات التي تواجه القارة السمراء في مرحلة تتطلب مراجعة العديد من المفاهيم التقليدية التي رافقت مسار العلاقات الدولية والتنمية والتعاون بين مختلف الدول.
ومن خلال الرسائل التي حملها هذا اللقاء، تجلت رؤية سياسية تدعو إلى الانتقال من سياسة الاكتفاء بتشخيص الأزمات الإفريقية إلى البحث عن آليات جديدة تمكّن القارة من استثمار طاقاتها البشرية والطبيعية الهائلة وتحويلها إلى عناصر قوة وتأثير. كما عكس اللقاء تمسكا متجددا بمكانة إفريقيا في السياسة الخارجية التونسية، وبقناعة مفادها أن مستقبل القارة لا يمكن أن يُبنى إلا بإرادة أبنائها وقدرتهم على صياغة نموذج تنموي وسياسي يعكس خصوصياتهم وتطلعات شعوبهم، بما يتماشى مع الرؤية التي ما فتئ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكدها في مختلف المحافل، والقائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتحرر من كل أشكال التبعية، وبناء شراكات تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
فقد أكد رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته الرسمية مع شخصيات إفريقية رفيعة المستوى ومسؤولين سامين بالاتحاد الإفريقي على أهمية بناء إفريقيا قوية وموحدة وقادرة على رفع التحديات المشتركة، معتبرا أن القارة تمتلك من المقومات البشرية والطبيعية والثقافية ما يؤهلها لأن تكون فاعلا مؤثرا في صياغة التوازنات الدولية الجديدة، وأن تحقيق هذا الهدف يظل رهين تعزيز العمل الإفريقي المشترك وتطوير مؤسساته بما يستجيب لتطلعات شعوب القارة في التنمية والاستقرار والازدهار.
دعم للتكامل المغاربي الإفريقي
وضمن هذا التمشي، تعكس تهنئة رئيس الدولة قيس سعيّد للجزائر الشقيقة بمناسبة انتخاب سلمى مليكة حدادي نائبة لرئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، اعترافا تونسيا بأهمية الحضور المغاربي داخل مؤسسات القرار الإفريقية.
فالتمثيل المغاربي في المناصب القيادية للاتحاد الإفريقي يكتسي أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز مساهمة بلدان شمال إفريقيا في رسم السياسات القارية الكبرى، لاسيما في الملفات الحارقة على غرار الأمن والتنمية والهجرة والتكامل الاقتصادي.
كما يندرج هذا الموقف ضمن رؤية شاملة تعتبر أن تعزيز الحضور الإفريقي للدول المغاربية لا يتم فرديا، وإنما عبر دعم متبادل يسمح بإبراز الكفاءات والطاقات القادرة على المساهمة في تطوير المؤسسات القارية. وفي هذا السياق، تبدو تونس حريصة على ترسيخ صورة الفاعل الدبلوماسي الداعم لكل ما من شأنه تعزيز الحضور الإفريقي المشترك، وهو توجه ينسجم مع خطاب الدولة في أعلى هرمها الداعي إلى توسيع مجالات التعاون جنوب–جنوب.
دعوة لإصلاح الاتحاد الإفريقي
من أبرز النقاط التي تضمنها اللقاء دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تطوير هياكل الاتحاد الإفريقي واعتماد مقاربات جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية التي رافقت العمل القاري لعقود طويلة.
وهو طرح يعكس قناعة بأن التحديات الراهنة لا تقبل التعاطي معها بالأدوات نفسها القديمة، لا سيما وأن إفريقيا تواجه اليوم رهانات استراتيجية مرتبطة بالتحول الرقمي والأمن الغذائي والتغيرات المناخية والانتقال الطاقي والذكاء الاصطناعي، وهي ملفات تتطلب رؤى جديدة ومؤسسات أكثر مرونة ونجاعة.
كما أن الإشارة إلى ضرورة تجديد المفاهيم تعكس رغبة في الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة المستقبل، بما يجعل الاتحاد الإفريقي أكثر قدرة على التأثير في القرارات الدولية والدفاع عن مصالح القارة داخل مراكز القرار العالمية.
الوحدة الإفريقية
أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا اللقاء التأكيد على تمسك تونس بالمبادئ التي قامت عليها منظمة الوحدة الإفريقية قبل أن يحل محلها الاتحاد الإفريقي.
وهذا الاستحضار لا يُعد مجرد استذكار تاريخي، بل يعكس رغبة في إعادة الاعتبار للفلسفة التي قام عليها المشروع الإفريقي منذ ستينات القرن الماضي، والتي ترتكز على مبادئ التحرر والسيادة والوحدة ومقاومة الهيمنة الخارجية.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة وما تشهده القارة من تنافس بين القوى الكبرى، تبرز أهمية العودة إلى المبادئ المؤسسة للعمل الإفريقي المشترك باعتبارها مرجعية سياسية وأخلاقية تحافظ على استقلالية القرار الإفريقي، بما يعكس رؤية تونسية خالصة تعتبر أن التحديات الجديدة لا يجب أن تؤدي إلى التخلي عن الثوابت التاريخية التي شكلت أسس النضال الإفريقي ضد الاستعمار والتبعية.
وفي هذا الإطار، من اللافت في خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد إصراره على أن حلم الوحدة الإفريقية ما يزال قائما رغم الأزمات والصراعات التي شهدتها القارة. ويحمل هذا الموقف بعدا استراتيجيا، إذ يعيد التأكيد على أن التكامل الإفريقي بات ضرورة تفرضها التحولات الدولية الحالية.
فالقارة الإفريقية، التي تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة وتزخر بثروات طبيعية هائلة، تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على التحول إلى أحد أهم أقطاب النمو في العالم، شرط نجاحها في تجاوز الانقسامات وتعزيز التنسيق بين مختلف دولها. ومن هذا المنطلق، يتجلى تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن ما يبدو اليوم حلما قد يتحول إلى واقع متى توفرت الإرادة السياسية المشتركة، في خطاب يراهن على الإمكانيات الذاتية للقارة أكثر من اعتماده على المساعدات أو التدخلات الخارجية.
المفارقة الإفريقية
توقف رئيس الدولة قيس سعيّد عند واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه القارة، والمتمثلة في التناقض بين حجم الثروات التي تمتلكها العديد من الدول الإفريقية وبين استمرار مظاهر الفقر والنزاعات وعدم الاستقرار.
وتعكس هذه الإشارة قراءة نقدية للواقع الإفريقي الذي ما تزال تحكمه اختلالات هيكلية عميقة. كما أن الربط بين الثروات والحروب يحمل رسالة مفادها أن جزءا من الأزمات الإفريقية يرتبط بالصراع حول الموارد الطبيعية، وهو ما يجعل من تعزيز الحوكمة الرشيدة والتنمية العادلة شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار.
وفي هذا الإطار، تبرز دعوة تونس إلى تمكين الشعوب الإفريقية من الاستفادة الفعلية من ثرواتها باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
الهجرة غير النظامية.. بين الإنساني والأمني
من جهة أخرى، شكّل ملف الهجرة غير النظامية أحد المحاور التي تناولها رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال اللقاء، حيث جدّد التأكيد على ضرورة تفكيك الشبكات الإجرامية المتاجرة بالبشر، مشددا مرة أخرى على المقاربة التونسية في التعاطي مع هذا الملف الحساس، والتي تقوم على التمييز بين المهاجرين باعتبارهم ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة، وبين الشبكات المنظمة التي تستغل أوضاعهم لتحقيق أرباح غير مشروعة.
كما أن ربط ملف الهجرة بالتنمية داخل القارة يعكس توجها يعتبر أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة هذه الظاهرة، وأن الحد من الهجرة غير النظامية يمر حتما عبر خلق فرص التنمية والاستقرار داخل الدول الإفريقية. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التعاون القاري في مكافحة الشبكات العابرة للحدود، بالتوازي مع إطلاق مشاريع تنموية قادرة على توفير بدائل حقيقية للشباب الإفريقي.
ومن خلال جملة الرسائل التي حملها هذا اللقاء، تتضح رؤية تونس لموقع القارة الإفريقية في المشهد الدولي، وهي رؤية تقوم على اعتبار إفريقيا شريكا فاعلا وقوة قادرة على المساهمة في صياغة التوازنات الدولية الجديدة، حيث تؤمن تونس بأن ما تزخر به القارة من إمكانيات بشرية وطبيعية واستراتيجية يؤهلها للانتقال من موقع المتأثر بالتحولات العالمية إلى موقع المساهم في صناعتها، في إطار شراكة قائمة على الندية واحترام سيادة الدول ومصالح شعوبها.
وبالتالي فإن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد حول مساهمة الأفارقة في بناء مستقبل الإنسانية تعكس تجاوزا للنظرة التقليدية التي تحصر دور القارة في تلقي المبادرات أو الاستجابة للمتغيرات الخارجية.
وتنسجم هذه الرؤية مع التحولات التي تشهدها إفريقيا اليوم، سواء من حيث النمو الديمغرافي أو الإمكانات الاقتصادية أو تصاعد دورها داخل المؤسسات الدولية، كما تعكس رغبة في تعزيز الحضور الإفريقي في القضايا العالمية الكبرى المتعلقة بالسلم والأمن والتنمية والحوكمة الدولية.
القضية الفلسطينية حجر الأساس
اختتم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اللقاء بالتأكيد على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وفي مقدمتها الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
ويبرز هذا الموقف استمرار تمسك تونس بأحد أبرز ثوابت سياستها الخارجية، والمتمثل في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما أن إدراج القضية الفلسطينية ضمن حديث يتعلق بمستقبل إفريقيا والعالم يعكس رؤية تعتبر أن العدالة الدولية تظل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار العالمي، وأن الدفاع عن حقوق الشعوب لا يمكن أن يكون انتقائيا.
وفي هذا السياق، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد بنائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي عن كونه أكثر من مجرد مناسبة دبلوماسية، إذ عكس رؤية متكاملة لمستقبل القارة تقوم على إصلاح المؤسسات الإفريقية، وتجديد الفكر السياسي القاري، وتعزيز الوحدة والتكامل بين الدول الإفريقية، ومواجهة التحديات المشتركة من منطلق إفريقي مستقل. كما أكد تمسك تونس بدورها داخل الفضاء الإفريقي وإيمانها بأن القارة تمتلك من الإمكانيات ما يؤهلها للانتقال من موقع المتأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المساهم في صناعتها، في إطار رؤية تجعل من إفريقيا شريكا أساسيا في بناء نظام عالمي أكثر عدلا وتوازنا.
منال حرزي
مع تسارع وتيرة التحولات داخل القارة الإفريقية وتعالي أصوات تدعو إلى إعادة صياغة دور الاتحاد الإفريقي ومؤسساته، جاء استقبال رئيس الجمهورية قيس سعيّد لنائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي سلمى مليكة حدادي، إثر الزيارة الرسمية التي تؤديها إلى تونس من 18 إلى 21 جوان الجاري، ليؤكد أن الملف الإفريقي يظل من الثوابت الأساسية في توجهات الدبلوماسية التونسية.
فاللقاء تجاوز في جوهره مجرد الإشادة بالنجاح الدبلوماسي الذي حققته الجزائر الشقيقة من خلال فوز إحدى كفاءاتها بهذا المنصب الرفيع، ليتحول إلى مناسبة لطرح جملة من التصورات المرتبطة بمستقبل العمل الإفريقي المشترك وبالرهانات التي تواجه القارة السمراء في مرحلة تتطلب مراجعة العديد من المفاهيم التقليدية التي رافقت مسار العلاقات الدولية والتنمية والتعاون بين مختلف الدول.
ومن خلال الرسائل التي حملها هذا اللقاء، تجلت رؤية سياسية تدعو إلى الانتقال من سياسة الاكتفاء بتشخيص الأزمات الإفريقية إلى البحث عن آليات جديدة تمكّن القارة من استثمار طاقاتها البشرية والطبيعية الهائلة وتحويلها إلى عناصر قوة وتأثير. كما عكس اللقاء تمسكا متجددا بمكانة إفريقيا في السياسة الخارجية التونسية، وبقناعة مفادها أن مستقبل القارة لا يمكن أن يُبنى إلا بإرادة أبنائها وقدرتهم على صياغة نموذج تنموي وسياسي يعكس خصوصياتهم وتطلعات شعوبهم، بما يتماشى مع الرؤية التي ما فتئ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكدها في مختلف المحافل، والقائمة على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتحرر من كل أشكال التبعية، وبناء شراكات تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
فقد أكد رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته الرسمية مع شخصيات إفريقية رفيعة المستوى ومسؤولين سامين بالاتحاد الإفريقي على أهمية بناء إفريقيا قوية وموحدة وقادرة على رفع التحديات المشتركة، معتبرا أن القارة تمتلك من المقومات البشرية والطبيعية والثقافية ما يؤهلها لأن تكون فاعلا مؤثرا في صياغة التوازنات الدولية الجديدة، وأن تحقيق هذا الهدف يظل رهين تعزيز العمل الإفريقي المشترك وتطوير مؤسساته بما يستجيب لتطلعات شعوب القارة في التنمية والاستقرار والازدهار.
دعم للتكامل المغاربي الإفريقي
وضمن هذا التمشي، تعكس تهنئة رئيس الدولة قيس سعيّد للجزائر الشقيقة بمناسبة انتخاب سلمى مليكة حدادي نائبة لرئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، اعترافا تونسيا بأهمية الحضور المغاربي داخل مؤسسات القرار الإفريقية.
فالتمثيل المغاربي في المناصب القيادية للاتحاد الإفريقي يكتسي أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز مساهمة بلدان شمال إفريقيا في رسم السياسات القارية الكبرى، لاسيما في الملفات الحارقة على غرار الأمن والتنمية والهجرة والتكامل الاقتصادي.
كما يندرج هذا الموقف ضمن رؤية شاملة تعتبر أن تعزيز الحضور الإفريقي للدول المغاربية لا يتم فرديا، وإنما عبر دعم متبادل يسمح بإبراز الكفاءات والطاقات القادرة على المساهمة في تطوير المؤسسات القارية. وفي هذا السياق، تبدو تونس حريصة على ترسيخ صورة الفاعل الدبلوماسي الداعم لكل ما من شأنه تعزيز الحضور الإفريقي المشترك، وهو توجه ينسجم مع خطاب الدولة في أعلى هرمها الداعي إلى توسيع مجالات التعاون جنوب–جنوب.
دعوة لإصلاح الاتحاد الإفريقي
من أبرز النقاط التي تضمنها اللقاء دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تطوير هياكل الاتحاد الإفريقي واعتماد مقاربات جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية التي رافقت العمل القاري لعقود طويلة.
وهو طرح يعكس قناعة بأن التحديات الراهنة لا تقبل التعاطي معها بالأدوات نفسها القديمة، لا سيما وأن إفريقيا تواجه اليوم رهانات استراتيجية مرتبطة بالتحول الرقمي والأمن الغذائي والتغيرات المناخية والانتقال الطاقي والذكاء الاصطناعي، وهي ملفات تتطلب رؤى جديدة ومؤسسات أكثر مرونة ونجاعة.
كما أن الإشارة إلى ضرورة تجديد المفاهيم تعكس رغبة في الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة المستقبل، بما يجعل الاتحاد الإفريقي أكثر قدرة على التأثير في القرارات الدولية والدفاع عن مصالح القارة داخل مراكز القرار العالمية.
الوحدة الإفريقية
أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا اللقاء التأكيد على تمسك تونس بالمبادئ التي قامت عليها منظمة الوحدة الإفريقية قبل أن يحل محلها الاتحاد الإفريقي.
وهذا الاستحضار لا يُعد مجرد استذكار تاريخي، بل يعكس رغبة في إعادة الاعتبار للفلسفة التي قام عليها المشروع الإفريقي منذ ستينات القرن الماضي، والتي ترتكز على مبادئ التحرر والسيادة والوحدة ومقاومة الهيمنة الخارجية.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة وما تشهده القارة من تنافس بين القوى الكبرى، تبرز أهمية العودة إلى المبادئ المؤسسة للعمل الإفريقي المشترك باعتبارها مرجعية سياسية وأخلاقية تحافظ على استقلالية القرار الإفريقي، بما يعكس رؤية تونسية خالصة تعتبر أن التحديات الجديدة لا يجب أن تؤدي إلى التخلي عن الثوابت التاريخية التي شكلت أسس النضال الإفريقي ضد الاستعمار والتبعية.
وفي هذا الإطار، من اللافت في خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد إصراره على أن حلم الوحدة الإفريقية ما يزال قائما رغم الأزمات والصراعات التي شهدتها القارة. ويحمل هذا الموقف بعدا استراتيجيا، إذ يعيد التأكيد على أن التكامل الإفريقي بات ضرورة تفرضها التحولات الدولية الحالية.
فالقارة الإفريقية، التي تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة وتزخر بثروات طبيعية هائلة، تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على التحول إلى أحد أهم أقطاب النمو في العالم، شرط نجاحها في تجاوز الانقسامات وتعزيز التنسيق بين مختلف دولها. ومن هذا المنطلق، يتجلى تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن ما يبدو اليوم حلما قد يتحول إلى واقع متى توفرت الإرادة السياسية المشتركة، في خطاب يراهن على الإمكانيات الذاتية للقارة أكثر من اعتماده على المساعدات أو التدخلات الخارجية.
المفارقة الإفريقية
توقف رئيس الدولة قيس سعيّد عند واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه القارة، والمتمثلة في التناقض بين حجم الثروات التي تمتلكها العديد من الدول الإفريقية وبين استمرار مظاهر الفقر والنزاعات وعدم الاستقرار.
وتعكس هذه الإشارة قراءة نقدية للواقع الإفريقي الذي ما تزال تحكمه اختلالات هيكلية عميقة. كما أن الربط بين الثروات والحروب يحمل رسالة مفادها أن جزءا من الأزمات الإفريقية يرتبط بالصراع حول الموارد الطبيعية، وهو ما يجعل من تعزيز الحوكمة الرشيدة والتنمية العادلة شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار.
وفي هذا الإطار، تبرز دعوة تونس إلى تمكين الشعوب الإفريقية من الاستفادة الفعلية من ثرواتها باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة.
الهجرة غير النظامية.. بين الإنساني والأمني
من جهة أخرى، شكّل ملف الهجرة غير النظامية أحد المحاور التي تناولها رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال اللقاء، حيث جدّد التأكيد على ضرورة تفكيك الشبكات الإجرامية المتاجرة بالبشر، مشددا مرة أخرى على المقاربة التونسية في التعاطي مع هذا الملف الحساس، والتي تقوم على التمييز بين المهاجرين باعتبارهم ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة، وبين الشبكات المنظمة التي تستغل أوضاعهم لتحقيق أرباح غير مشروعة.
كما أن ربط ملف الهجرة بالتنمية داخل القارة يعكس توجها يعتبر أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة هذه الظاهرة، وأن الحد من الهجرة غير النظامية يمر حتما عبر خلق فرص التنمية والاستقرار داخل الدول الإفريقية. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التعاون القاري في مكافحة الشبكات العابرة للحدود، بالتوازي مع إطلاق مشاريع تنموية قادرة على توفير بدائل حقيقية للشباب الإفريقي.
ومن خلال جملة الرسائل التي حملها هذا اللقاء، تتضح رؤية تونس لموقع القارة الإفريقية في المشهد الدولي، وهي رؤية تقوم على اعتبار إفريقيا شريكا فاعلا وقوة قادرة على المساهمة في صياغة التوازنات الدولية الجديدة، حيث تؤمن تونس بأن ما تزخر به القارة من إمكانيات بشرية وطبيعية واستراتيجية يؤهلها للانتقال من موقع المتأثر بالتحولات العالمية إلى موقع المساهم في صناعتها، في إطار شراكة قائمة على الندية واحترام سيادة الدول ومصالح شعوبها.
وبالتالي فإن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد حول مساهمة الأفارقة في بناء مستقبل الإنسانية تعكس تجاوزا للنظرة التقليدية التي تحصر دور القارة في تلقي المبادرات أو الاستجابة للمتغيرات الخارجية.
وتنسجم هذه الرؤية مع التحولات التي تشهدها إفريقيا اليوم، سواء من حيث النمو الديمغرافي أو الإمكانات الاقتصادية أو تصاعد دورها داخل المؤسسات الدولية، كما تعكس رغبة في تعزيز الحضور الإفريقي في القضايا العالمية الكبرى المتعلقة بالسلم والأمن والتنمية والحوكمة الدولية.
القضية الفلسطينية حجر الأساس
اختتم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اللقاء بالتأكيد على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وفي مقدمتها الحق الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف.
ويبرز هذا الموقف استمرار تمسك تونس بأحد أبرز ثوابت سياستها الخارجية، والمتمثل في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما أن إدراج القضية الفلسطينية ضمن حديث يتعلق بمستقبل إفريقيا والعالم يعكس رؤية تعتبر أن العدالة الدولية تظل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار العالمي، وأن الدفاع عن حقوق الشعوب لا يمكن أن يكون انتقائيا.
وفي هذا السياق، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد بنائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي عن كونه أكثر من مجرد مناسبة دبلوماسية، إذ عكس رؤية متكاملة لمستقبل القارة تقوم على إصلاح المؤسسات الإفريقية، وتجديد الفكر السياسي القاري، وتعزيز الوحدة والتكامل بين الدول الإفريقية، ومواجهة التحديات المشتركة من منطلق إفريقي مستقل. كما أكد تمسك تونس بدورها داخل الفضاء الإفريقي وإيمانها بأن القارة تمتلك من الإمكانيات ما يؤهلها للانتقال من موقع المتأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المساهم في صناعتها، في إطار رؤية تجعل من إفريقيا شريكا أساسيا في بناء نظام عالمي أكثر عدلا وتوازنا.