بات التداوي الذاتي من السلوكيات المتفشية بكثرة، والتي أصبحت تثير مخاوف الأطباء والمختصين بالنظر إلى مخاطرها على الصحة وآثارها الكارثية. واليوم هناك نقاش محتدم حول المكملات الغذائية التي أصبحت في متناول الجميع دون احتياطات استعمال ودون الانتباه إلى خطورتها. وقد عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بمجلس نواب الشعب يوم الخميس الماضي جلسة استماع إلى ممثلي النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة حول مقترح القانون المتعلق بصناعة المكملات الغذائية، وذلك بعد تذمّر كبير من المهنيين بسبب التسيّب الكبير الذي يشهده سوق المكملات الغذائية.
وقبل المكملات الغذائية كانت هناك تحذيرات جدّية من الأطباء بشأن المضادات الحيوية واستعمالها المكثّف وغير المسؤول، خاصة في فصل الشتاء حيث تكثر نوبات البرد. وقد تجاوز التداوي الذاتي في بعض الأحيان المضادات الحيوية والمكملات الغذائية إلى أدوية أخرى أكثر خطورة يجب ألا تُباع دون وصفة طبية. وفي علاقة بالمكملات الغذائية، صرّح الكاتب العام للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة خلال جلسة استماع صلب لجنة الصحة بمجلس نواب الشعب بأن 2500 صيدلي في حالة سراح مؤقت، وفق تعبيره، بسبب وجود المكملات الغذائية في الصيدليات دون سند قانوني ينظّم بيع هذه المكملات.
وقد اعتبرت نقابة الصيدليات الخاصة أن 3 % من المواد المستخدمة في تصنيع المكملات الغذائية مواد خطرة، ولذلك يجب أن تُباع حصريا في الصيدليات وتحت رقابة الطبيب أو الصيدلي.
وطبيا، فإنه باستثناء بعض الأدوية كمسكنات الألم الخفيفة، فإن كل الأدوية يجب ألا تُستهلك إلا عن طريق وصفة طبية من طبيب مختص أو طبيب عام، غير أن الواقع يكشف أن عدة أدوية تُباع وتُستهلك دون إذن مباشر من الطبيب، الذي يختص وحده بتحديد الجرعة ومدة العلاج باستعمال دواء معيّن.
مخاطر التداوي الذاتي
يُعدّ التداوي الذاتي سلوكا شائعا في تونس، حيث يتم استعمال الأدوية بشكل عشوائي عند الإصابة بمرض ما دون استشارة طبيب مختص. ويمكن أن ينجرّ عن هذا السلوك مخاطر عديدة، إذ يؤدي استعمال بعض الأدوية بجرعات خاطئة إلى تعكّر الحالة الصحية للمريض، وقد يصل الأمر إلى الوفاة في بعض الأحيان. كما يمكن للمريض أن يستعمل أدوية غير مناسبة، مما يزيد في مدة التعافي من المرض. ويرى المختصون أن عيادة الطبيب عند الإصابة بأي عارض صحي مسألة ضرورية، لأن الطبيب هو الوحيد القادر على إجراء جميع الفحوصات اللازمة التي تمكّنه من تشخيص المرض بدقة، وبالتالي وصف العلاج الفعّال والمناسب. كما أن ظهور بعض الأعراض التي تبدو بسيطة لدى البعض قد يكون ناتجا عن أمراض باطنية غير مكتشفة، وبالتالي فإن زيارة الطبيب المختص يمكن أن تساهم في التشخيص المبكر والعلاج قبل تطور الحالة وبلوغ مضاعفات خطيرة.
واليوم باتت بعض الأدوية التي تُباع في الصيدليات دون وصفة طبية مصدر قلق طبي، ليس في تونس فقط كما عبّرت عن ذلك وزارة الصحة في بلاغها الأخير، بل في مختلف دول العالم، حيث تبدو المعطيات الصحية بشأن التداوي الذاتي دون وصفة مثيرة للقلق. إذ إن الاستخدام العشوائي للأدوية، وخاصة المضادات الحيوية، يُضعف فعاليتها ويجعلها غير مجدية عند الحاجة إليها، وهو ما أكدته وزارة الصحة سابقا، محذّرة من استعمال المضادات الحيوية، واعتبرت أن ذلك ليس علاجا سحريا لكل الأمراض. كما أشارت الوزارة إلى أن المضاد الحيوي يعالج البكتيريا، لكنه لا يعالج الأمراض الفيروسية مثل الزكام أو النزلة الموسمية، ودعت إلى ضرورة الالتزام بالجرعات والمدة التي يحددها الطبيب وعدم اقتناء هذه المضادات دون وصفة طبية.
بحسب دراسة أعدّها معهد الاستهلاك ونُشرت سنة 2019، فإن 61 % من التونسيين يشترون الأدوية مباشرة من الصيدليات دون وصفة طبية. ويرتفع الاستهلاك المفرط للأدوية خلال فصل الشتاء، إذ تؤدي تقلبات الطقس إلى انتشار بعض الأمراض مثل نزلات البرد، مما يزيد في الإقبال على التداوي الذاتي بسبب ارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص وطول انتظار المواعيد في القطاع العام. وهذا التطبيب الذاتي قد يشكل خطرا كبيرا على المسنين والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، حيث يؤدي استعمال بعض الأدوية بجرعات خاطئة إلى تعكّر الحالة الصحية للمريض وقد يصل الأمر إلى الوفاة في بعض الحالات.
ولكن فصل الصيف أيضا له خصوصيته في التداوي الذاتي، خاصة في ما يتعلق بمواد التجميل والمكملات الغذائية، وهي كلها مواد ذات خاصية دوائية وتقتضي وصفها من الطبيب أو الصيدلي وليس بيعها بشكل عشوائي. كما تنتشر في البلدان المتوسطة والفقيرة ظاهرة المداواة الذاتية واستهلاك المضادات الحيوية دون وصفة طبية، وهي ممارسة وسلوك خاطئ. وتدعو نقابة الصيادلة إلى ضرورة الاستظهار بوصفة طبية قبل الحصول على مضاد حيوي، خاصة أن هناك اليوم 22 مضادا حيويا يتم استخدامه في الخط الأول لمعالجة بعض الأمراض الخطيرة والقاتلة، وإذا استمر ارتفاع مقاومة الجراثيم لهذه المضادات فإن ذلك قد يشكل خطرا على صحة المرضى. كما أن غياب التغطية الصحية الشاملة يجعل المريض يتقاعس عن زيارة الطبيب ودفع معلوم الكشف، وأحيانا لا يملك هذا المبلغ، فيلجأ مباشرة إلى الصيدلي دون المرور بطبيب، وهو ما ينطوي بدوره على خطر.
والصيدلي في هذه الحالة مجبر على الالتزام ببعض الضوابط والقوانين، إذ لا يجب عليه التنازل عن الوصفة الطبية عند بيعه للدواء، مع ضرورة توفير تغطية صحية شاملة حتى يصبح الالتزام بوصفة الطبيب وتوجيهاته أكثر مرونة، فلا يتجاوزها المريض ويتجه مباشرة إلى الصيدلي. ويأتي ذلك في ظل الإقبال الكبير على استهلاك الأدوية في تونس، حيث صرّح الرئيس السابق لنقابة الصيادلة مصطفى العروسي بأن قرابة 500 ألف مواطن يتوافدون على الصيدليات يوميا، مشيرا إلى أن المواطن يميل إلى استسهال الدواء وتناوله دون استشارة ودون الاطلاع على أعراضه الجانبية. وقد أكد أن العديد من الدول الأخرى قامت بتركيز مختص في الصحة داخل الصيدليات للحد من نسبة التداوي الذاتي.
التداوي الذاتي بالمكملات الغذائية
في السنة الماضية، انتظم بمدينة العلوم يوم تحسيسي تحت عنوان «التغذية الدقيقة من أجل صحة مثالية»، حيث حذّر مختصون في البيولوجيا والتغذية من الاستعمال العشوائي للمكملات الغذائية من أجل معالجة نقص المغذيات الدقيقة في الجسم. وبيّنوا أن التداوي الذاتي ومعالجة نقص المغذيات الدقيقة في الجسم، المتمثلة خصوصا في الفيتامينات بكل أنواعها والمعادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والزنك، بطريقة اعتباطية ودون متابعة من طبيب مختص، يمكن أن تنجرّ عنه تداعيات صحية خطيرة على صحة المريض وتؤدي إلى مزيد تدهور وضعه الصحي نحو الأسوأ.
وخلال جلسة الاستماع التي عقدتها مؤخرا لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة مع ممثلي النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة حول مقترح القانون المتعلق بصناعة المكملات الغذائية، أكد عدد من النواب المتدخلين خلال النقاش أن سوق المكملات الغذائية في تونس تشهد فوضى عارمة بعد أن أصبحت تُباع في كل مكان في غياب شبه كامل للرقابة، مع انتشار واسع لظاهرة التقليد والتهريب، وهو ما يفاقم من خطورة هذه المواد ويستدعي تدخلا تشريعيا حاسما وعاجلا في هذا المجال، مع ضرورة التحسيس بمخاطر التداوي الذاتي والاستهلاك غير الآمن لهذه المكملات.
ودعا بعض المتدخلين إلى إيلاء مزيد من العناية لأعمال التوعية والتحسيس بمخاطر التداوي الذاتي والاستهلاك غير الآمن ومنها المستعملة من قبل الرياضيين. كما لاحظ أحد المتدخلين أّن معظم المكملات الغذائية في تونس تسّوق دون نشرة طبية مفصلة وهو ما يحرم المستهلك من الحصول على المعلومة الضروري وفي تفاعلهم مع ملاحظات واستفسارات النواب اعتبر ممثلو النقابة أّن بعض المنتجات التي يتم تصنيفها كمكملات غذائية هي في حقيقة الأمر منتجات دوائية بتركيز منخفض وهي حيلة يلجأ إليها بعض المصنعين بالنظر لعدم تناسب أسعار بعض الأدوية مع كلفة إنتاجها وهي من ضمن أسباب ارتفاع أسعار المكملات الغذائية وطالبوا بإحداث سجل وطني للمكملات الغذائية تدرج به جميع المنتجات وكافة المعلومات المتعلقة بها كبيان تركيبتها ودرجة خطورتها وشروط توزيعها والتحذيرات الخاصة بها، كما يتعين أن يحمل وسم كّل مكمل غذائي بيانات صحيحة وواضحة تبّين مكّوناته وعدد جرعاته ومدة الاستعمال والتحذيرات الضرورية مع تحجير كل وسم أو إشهار يوحي بخصائص علاجية أو وقائية .
وذكر رئيس النقابة بان تونس تفتقر إلى حّد الآن لقانون منظم للمكملات الغذائية رغم ارتباطها مباشرة بصحة المواطن، مؤكدا مساندة النقابة لسّن قانون شامل يضمن جودة هذه المصنوعات ويخضعها لرقابة صارمة قبلية وبعدية تمّكن من تتّبع المنتوج منذ اقتناء المواد الأولية اللازمة لتصنيعه وحتى استهلاكه النهائي وتتيح إمكانية سحبه الفوري عند الاقتضاء بالإضافة الى ضرورة تصنيف المكملات حسب درجة خطورتها وإفراد كّل صنف منها بقواعد خاصة على مستوى شروط التصنيع ومسالك التوزيع وطبيعة الرقابة والسلطة الإدارية والصحية المختصة. كما بين ممثلو النقابة في هذا الإطار أنه يجب إخضاع المكملات عالية الخطورة، كتلك التي تحتوي على مواد من مصادر نباتية طبية أو لها أثر فيزيولوجي واضح أو قابلية للتفاعل مع الأدوية، لنظام صارم يماثل ما هو معمول به بخصوص الدواء وأن يكون تصنيعها خاضعا لقواعد الممارسات الفضلى وأن يتّم بمخابر علمية تحت رقابة الهياكل المختصة لوزارة الصحة وخاصة الوكالة الوطنية للدواء ومواد الصحة وبإشراف صيدلي يكون مسؤولا على احترام المطابقة العلمية والصحية للمنتوج والتثّبت من سلامة التركيبة واحترام الجرعات وتوفر شروط التتبع واليقظة ضمانا لجودة المنتوج و سلامة المستهلك.
وللحدّ من انتشار التدواي الذاتي سعت بعض الدول الى رقمنة الوصفة الطبية حيث سعت الجهات الصحية إلى تطبيق مشروع الوصفة الإلكترونية للحد من التلاعب بالأدوية ومراقبة صرفها وتفعيل دور الصيدلي على مستوى المراقبة وكذلك في الالتزام بالقوانين وتحمّل المسؤولية المهنية في بيع بعض الأدوية دون وصفة طبية الى جانب حملات التوعية التي يجب أن تركّز على تكثيف الإعلام الصحي لتوعية الفئات الحساسة كالحوامل، الأطفال، وكبار السن بمخاطر التداوي الذاتي.
منية العرفاوي
بات التداوي الذاتي من السلوكيات المتفشية بكثرة، والتي أصبحت تثير مخاوف الأطباء والمختصين بالنظر إلى مخاطرها على الصحة وآثارها الكارثية. واليوم هناك نقاش محتدم حول المكملات الغذائية التي أصبحت في متناول الجميع دون احتياطات استعمال ودون الانتباه إلى خطورتها. وقد عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بمجلس نواب الشعب يوم الخميس الماضي جلسة استماع إلى ممثلي النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة حول مقترح القانون المتعلق بصناعة المكملات الغذائية، وذلك بعد تذمّر كبير من المهنيين بسبب التسيّب الكبير الذي يشهده سوق المكملات الغذائية.
وقبل المكملات الغذائية كانت هناك تحذيرات جدّية من الأطباء بشأن المضادات الحيوية واستعمالها المكثّف وغير المسؤول، خاصة في فصل الشتاء حيث تكثر نوبات البرد. وقد تجاوز التداوي الذاتي في بعض الأحيان المضادات الحيوية والمكملات الغذائية إلى أدوية أخرى أكثر خطورة يجب ألا تُباع دون وصفة طبية. وفي علاقة بالمكملات الغذائية، صرّح الكاتب العام للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة خلال جلسة استماع صلب لجنة الصحة بمجلس نواب الشعب بأن 2500 صيدلي في حالة سراح مؤقت، وفق تعبيره، بسبب وجود المكملات الغذائية في الصيدليات دون سند قانوني ينظّم بيع هذه المكملات.
وقد اعتبرت نقابة الصيدليات الخاصة أن 3 % من المواد المستخدمة في تصنيع المكملات الغذائية مواد خطرة، ولذلك يجب أن تُباع حصريا في الصيدليات وتحت رقابة الطبيب أو الصيدلي.
وطبيا، فإنه باستثناء بعض الأدوية كمسكنات الألم الخفيفة، فإن كل الأدوية يجب ألا تُستهلك إلا عن طريق وصفة طبية من طبيب مختص أو طبيب عام، غير أن الواقع يكشف أن عدة أدوية تُباع وتُستهلك دون إذن مباشر من الطبيب، الذي يختص وحده بتحديد الجرعة ومدة العلاج باستعمال دواء معيّن.
مخاطر التداوي الذاتي
يُعدّ التداوي الذاتي سلوكا شائعا في تونس، حيث يتم استعمال الأدوية بشكل عشوائي عند الإصابة بمرض ما دون استشارة طبيب مختص. ويمكن أن ينجرّ عن هذا السلوك مخاطر عديدة، إذ يؤدي استعمال بعض الأدوية بجرعات خاطئة إلى تعكّر الحالة الصحية للمريض، وقد يصل الأمر إلى الوفاة في بعض الأحيان. كما يمكن للمريض أن يستعمل أدوية غير مناسبة، مما يزيد في مدة التعافي من المرض. ويرى المختصون أن عيادة الطبيب عند الإصابة بأي عارض صحي مسألة ضرورية، لأن الطبيب هو الوحيد القادر على إجراء جميع الفحوصات اللازمة التي تمكّنه من تشخيص المرض بدقة، وبالتالي وصف العلاج الفعّال والمناسب. كما أن ظهور بعض الأعراض التي تبدو بسيطة لدى البعض قد يكون ناتجا عن أمراض باطنية غير مكتشفة، وبالتالي فإن زيارة الطبيب المختص يمكن أن تساهم في التشخيص المبكر والعلاج قبل تطور الحالة وبلوغ مضاعفات خطيرة.
واليوم باتت بعض الأدوية التي تُباع في الصيدليات دون وصفة طبية مصدر قلق طبي، ليس في تونس فقط كما عبّرت عن ذلك وزارة الصحة في بلاغها الأخير، بل في مختلف دول العالم، حيث تبدو المعطيات الصحية بشأن التداوي الذاتي دون وصفة مثيرة للقلق. إذ إن الاستخدام العشوائي للأدوية، وخاصة المضادات الحيوية، يُضعف فعاليتها ويجعلها غير مجدية عند الحاجة إليها، وهو ما أكدته وزارة الصحة سابقا، محذّرة من استعمال المضادات الحيوية، واعتبرت أن ذلك ليس علاجا سحريا لكل الأمراض. كما أشارت الوزارة إلى أن المضاد الحيوي يعالج البكتيريا، لكنه لا يعالج الأمراض الفيروسية مثل الزكام أو النزلة الموسمية، ودعت إلى ضرورة الالتزام بالجرعات والمدة التي يحددها الطبيب وعدم اقتناء هذه المضادات دون وصفة طبية.
بحسب دراسة أعدّها معهد الاستهلاك ونُشرت سنة 2019، فإن 61 % من التونسيين يشترون الأدوية مباشرة من الصيدليات دون وصفة طبية. ويرتفع الاستهلاك المفرط للأدوية خلال فصل الشتاء، إذ تؤدي تقلبات الطقس إلى انتشار بعض الأمراض مثل نزلات البرد، مما يزيد في الإقبال على التداوي الذاتي بسبب ارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص وطول انتظار المواعيد في القطاع العام. وهذا التطبيب الذاتي قد يشكل خطرا كبيرا على المسنين والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، حيث يؤدي استعمال بعض الأدوية بجرعات خاطئة إلى تعكّر الحالة الصحية للمريض وقد يصل الأمر إلى الوفاة في بعض الحالات.
ولكن فصل الصيف أيضا له خصوصيته في التداوي الذاتي، خاصة في ما يتعلق بمواد التجميل والمكملات الغذائية، وهي كلها مواد ذات خاصية دوائية وتقتضي وصفها من الطبيب أو الصيدلي وليس بيعها بشكل عشوائي. كما تنتشر في البلدان المتوسطة والفقيرة ظاهرة المداواة الذاتية واستهلاك المضادات الحيوية دون وصفة طبية، وهي ممارسة وسلوك خاطئ. وتدعو نقابة الصيادلة إلى ضرورة الاستظهار بوصفة طبية قبل الحصول على مضاد حيوي، خاصة أن هناك اليوم 22 مضادا حيويا يتم استخدامه في الخط الأول لمعالجة بعض الأمراض الخطيرة والقاتلة، وإذا استمر ارتفاع مقاومة الجراثيم لهذه المضادات فإن ذلك قد يشكل خطرا على صحة المرضى. كما أن غياب التغطية الصحية الشاملة يجعل المريض يتقاعس عن زيارة الطبيب ودفع معلوم الكشف، وأحيانا لا يملك هذا المبلغ، فيلجأ مباشرة إلى الصيدلي دون المرور بطبيب، وهو ما ينطوي بدوره على خطر.
والصيدلي في هذه الحالة مجبر على الالتزام ببعض الضوابط والقوانين، إذ لا يجب عليه التنازل عن الوصفة الطبية عند بيعه للدواء، مع ضرورة توفير تغطية صحية شاملة حتى يصبح الالتزام بوصفة الطبيب وتوجيهاته أكثر مرونة، فلا يتجاوزها المريض ويتجه مباشرة إلى الصيدلي. ويأتي ذلك في ظل الإقبال الكبير على استهلاك الأدوية في تونس، حيث صرّح الرئيس السابق لنقابة الصيادلة مصطفى العروسي بأن قرابة 500 ألف مواطن يتوافدون على الصيدليات يوميا، مشيرا إلى أن المواطن يميل إلى استسهال الدواء وتناوله دون استشارة ودون الاطلاع على أعراضه الجانبية. وقد أكد أن العديد من الدول الأخرى قامت بتركيز مختص في الصحة داخل الصيدليات للحد من نسبة التداوي الذاتي.
التداوي الذاتي بالمكملات الغذائية
في السنة الماضية، انتظم بمدينة العلوم يوم تحسيسي تحت عنوان «التغذية الدقيقة من أجل صحة مثالية»، حيث حذّر مختصون في البيولوجيا والتغذية من الاستعمال العشوائي للمكملات الغذائية من أجل معالجة نقص المغذيات الدقيقة في الجسم. وبيّنوا أن التداوي الذاتي ومعالجة نقص المغذيات الدقيقة في الجسم، المتمثلة خصوصا في الفيتامينات بكل أنواعها والمعادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والزنك، بطريقة اعتباطية ودون متابعة من طبيب مختص، يمكن أن تنجرّ عنه تداعيات صحية خطيرة على صحة المريض وتؤدي إلى مزيد تدهور وضعه الصحي نحو الأسوأ.
وخلال جلسة الاستماع التي عقدتها مؤخرا لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة مع ممثلي النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة حول مقترح القانون المتعلق بصناعة المكملات الغذائية، أكد عدد من النواب المتدخلين خلال النقاش أن سوق المكملات الغذائية في تونس تشهد فوضى عارمة بعد أن أصبحت تُباع في كل مكان في غياب شبه كامل للرقابة، مع انتشار واسع لظاهرة التقليد والتهريب، وهو ما يفاقم من خطورة هذه المواد ويستدعي تدخلا تشريعيا حاسما وعاجلا في هذا المجال، مع ضرورة التحسيس بمخاطر التداوي الذاتي والاستهلاك غير الآمن لهذه المكملات.
ودعا بعض المتدخلين إلى إيلاء مزيد من العناية لأعمال التوعية والتحسيس بمخاطر التداوي الذاتي والاستهلاك غير الآمن ومنها المستعملة من قبل الرياضيين. كما لاحظ أحد المتدخلين أّن معظم المكملات الغذائية في تونس تسّوق دون نشرة طبية مفصلة وهو ما يحرم المستهلك من الحصول على المعلومة الضروري وفي تفاعلهم مع ملاحظات واستفسارات النواب اعتبر ممثلو النقابة أّن بعض المنتجات التي يتم تصنيفها كمكملات غذائية هي في حقيقة الأمر منتجات دوائية بتركيز منخفض وهي حيلة يلجأ إليها بعض المصنعين بالنظر لعدم تناسب أسعار بعض الأدوية مع كلفة إنتاجها وهي من ضمن أسباب ارتفاع أسعار المكملات الغذائية وطالبوا بإحداث سجل وطني للمكملات الغذائية تدرج به جميع المنتجات وكافة المعلومات المتعلقة بها كبيان تركيبتها ودرجة خطورتها وشروط توزيعها والتحذيرات الخاصة بها، كما يتعين أن يحمل وسم كّل مكمل غذائي بيانات صحيحة وواضحة تبّين مكّوناته وعدد جرعاته ومدة الاستعمال والتحذيرات الضرورية مع تحجير كل وسم أو إشهار يوحي بخصائص علاجية أو وقائية .
وذكر رئيس النقابة بان تونس تفتقر إلى حّد الآن لقانون منظم للمكملات الغذائية رغم ارتباطها مباشرة بصحة المواطن، مؤكدا مساندة النقابة لسّن قانون شامل يضمن جودة هذه المصنوعات ويخضعها لرقابة صارمة قبلية وبعدية تمّكن من تتّبع المنتوج منذ اقتناء المواد الأولية اللازمة لتصنيعه وحتى استهلاكه النهائي وتتيح إمكانية سحبه الفوري عند الاقتضاء بالإضافة الى ضرورة تصنيف المكملات حسب درجة خطورتها وإفراد كّل صنف منها بقواعد خاصة على مستوى شروط التصنيع ومسالك التوزيع وطبيعة الرقابة والسلطة الإدارية والصحية المختصة. كما بين ممثلو النقابة في هذا الإطار أنه يجب إخضاع المكملات عالية الخطورة، كتلك التي تحتوي على مواد من مصادر نباتية طبية أو لها أثر فيزيولوجي واضح أو قابلية للتفاعل مع الأدوية، لنظام صارم يماثل ما هو معمول به بخصوص الدواء وأن يكون تصنيعها خاضعا لقواعد الممارسات الفضلى وأن يتّم بمخابر علمية تحت رقابة الهياكل المختصة لوزارة الصحة وخاصة الوكالة الوطنية للدواء ومواد الصحة وبإشراف صيدلي يكون مسؤولا على احترام المطابقة العلمية والصحية للمنتوج والتثّبت من سلامة التركيبة واحترام الجرعات وتوفر شروط التتبع واليقظة ضمانا لجودة المنتوج و سلامة المستهلك.
وللحدّ من انتشار التدواي الذاتي سعت بعض الدول الى رقمنة الوصفة الطبية حيث سعت الجهات الصحية إلى تطبيق مشروع الوصفة الإلكترونية للحد من التلاعب بالأدوية ومراقبة صرفها وتفعيل دور الصيدلي على مستوى المراقبة وكذلك في الالتزام بالقوانين وتحمّل المسؤولية المهنية في بيع بعض الأدوية دون وصفة طبية الى جانب حملات التوعية التي يجب أن تركّز على تكثيف الإعلام الصحي لتوعية الفئات الحساسة كالحوامل، الأطفال، وكبار السن بمخاطر التداوي الذاتي.