إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من يملك حق الصعود إلى المسرح؟..  المهرجانات العربية أمام اختبار الضمير الجمعي وصوت الشارع

 

◄ أحداث كبرى أعادت ترتيب أولويات الجمهور العربي، وفي مقدمتها الحرب على غزة

 

لم تعد المهرجانات الصيفية في تونس والعالم العربي مجرد فضاءات للاحتفاء بالفنون أو لاستعراض الأسماء الأكثر شهرة على منصات البث الرقمي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة للتحولات التي يعيشها الوعي الجمعي العربي، وإلى مساحة تتقاطع فيها الثقافة مع السياسة والأخلاق والذاكرة. ومع اقتراب افتتاح موسم صيف 2026، تبدو إدارات المهرجانات أمام اختبار جديد لم تعرفه من قبل، فلم يعد السؤال المطروح هو من يستطيع ملء المدارج وبيع أكبر عدد من التذاكر، وإنما من يستحق أن يقف على الخشبة وأن يمثل جمهورا أصبح يرى في الفن امتداداً لمواقفه وقيمه.

هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته أحداث كبرى أعادت ترتيب أولويات الجمهور العربي، وفي مقدمتها الحرب على غزة وما رافقها من اعتداءات على لبنان، وما أنتجته من موجة تضامن واسعة أعادت النقاش حول مسؤولية الفنان وحدود الفصل بين الإبداع والموقف الإنساني. فمنذ ذلك الوقت، لم يعد الإعلان عن أي اسم في برمجة مهرجان دولي يثير النقاش حول جودة العرض أو جماهيرية الفنان فحسب، بل أصبح يفتح أيضا ملفا كاملا يتعلق بتصريحاته وصوره وخياراته ومشاركاته السابقة، وكأن الجمهور يمارس حقه في مساءلة الفنان قبل منحه شرعية الصعود إلى المسرح.

وفي تونس، حيث ارتبطت الحركة الثقافية تاريخيا بالدفاع عن القضايا التحررية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، اكتسب هذا النقاش بعدا أكثر وضوحا. فمهرجانات مثل قرطاج والحمامات والجم وغيرها لم تعد مجرد تظاهرات فنية، بل أصبحت جزءا من النقاش الوطني حول الهوية والثوابت، وأصبحت برمجتها تخضع لمراقبة دقيقة من الرأي العام ومن مكونات المجتمع المدني التي ترى في الثقافة أحد ميادين مقاومة التطبيع.

ولعل ما شهدته الدورة التاسعة والخمسون لمهرجان قرطاج الدولي يقدم نموذجا واضحا لهذا التحول. فبمجرد نشر تفاصيل البرمجة وتضمنها استضافة الفنانة الفرنسية هيلين سيغارا، انطلقت حملة إلكترونية واسعة قادتها مجموعات مدافعة عن القضية الفلسطينية وحركات مناهضة للتطبيع، اعتبرت أن مشاركة الفنانة تتناقض مع الموقف التاريخي لتونس، مستندة إلى مشاركاتها في فعاليات مرتبطة بمنظمات داعمة للكيان الصهيوني. ولم يظل الأمر مجرد جدل على شبكات التواصل الاجتماعي، بل انتهى بإعلان إدارة المهرجان إلغاء الحفل وسحبه من البرمجة، في رسالة أكدت أن المؤسسة الثقافية أصبحت بدورها مضطرة إلى أخذ المزاج الشعبي والاعتبارات الأخلاقية بعين الاعتبار عند إعداد برامجها.

وتكرر المشهد نفسه مع الفنان الجامايكي كي ماني مارلي، نجل أسطورة الريغي بوب مارلي، الذي كان مبرمجا لإحياء إحدى سهرات مهرجان قرطاج قبل أن تتحول مشاركته إلى محور نقاش واسع بعد الكشف عن إحيائه حفلات سابقة في تل أبيب. وبين دعوات المقاطعة والضغوط الشعبية، قررت إدارة المهرجان، قبل يومين فقط من موعد الحفل، إلغاء السهرة وتعويضها بعرض سينمائي تكريمي، في خطوة عكست حجم التأثير الذي بات يمارسه الشارع والجمعيات المناهضة للتطبيع على القرار الثقافي.

هذه الوقائع تكشف أن البرمجة الفنية لم تعد شأنا تقنيا أو إداريا صرفا، وإنما أصبحت قرارا يحمل أبعادا رمزية وسياسية وأخلاقية، وأن إدارات المهرجانات لم تعد تكتفي بحساب القيمة الفنية أو القدرة على استقطاب الجمهور، بل أصبحت مطالبة أيضا بقراءة المناخ العام وتجنب أي خيارات قد تتحول إلى أزمة ثقافية أو سياسية.

وفي المقابل، يبرز على الضفة الأخرى فنانون نجحوا في تعزيز مكانتهم الجماهيرية لأن مواقفهم جاءت منسجمة مع نبض الشارع العربي. ويأتي الفنان التونسي لطفي بوشناق في مقدمة هذه الأسماء، بعدما رسخ صورته بوصفه فنانا لا يفصل الأغنية عن الموقف، خاصة إثر قراره التخلي عن صفة سفير النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة احتجاجا على صمتها تجاه ما يحدث في فلسطين. ومنذ ذلك الحين، أصبح حضوره في المهرجانات يحمل دلالة تتجاوز الجانب الفني، ليغدو بالنسبة إلى جمهور واسع رمزا للالتزام والوفاء للقضايا العادلة.

الأمر نفسه ينطبق على الفنان اللبناني مارسيل خليفة، الذي حافظ طوال مسيرته على ارتباط وثيق بالقضية الفلسطينية، حتى أصبحت حفلاته أقرب إلى لقاءات تستعيد الذاكرة الجماعية وتحتفي بالمقاومة بقدر ما تقدم تجربة موسيقية. كما استطاعت الفنانة الفلسطينية إليانا أن تفرض حضورها العالمي وهي تحمل الكوفية الفلسطينية على أكبر المسارح الدولية، مقدمة نموذجا جديدا لفنانة شابة تجعل من الهوية والموقف جزءا من مشروعها الفني، بينما نجحت فرقة كايروكي وحمزة نمرة في مخاطبة جيل كامل يرى أن الأغنية يمكن أن تكون أيضا مساحة للدفاع عن الحرية والعدالة.

وفي المقابل، وجدت أسماء أخرى نفسها في مواجهة موجات من الانتقادات والمقاطعة بسبب خياراتها أو صمتها أو الصور التي ارتبطت بها. فقد تعرضت الفنانة اللبنانية إليسا لانتقادات بسبب استمرار نشاطها الفني خلال فترات شهدت تصعيدا دمويا في غزة ولبنان، ومع ذلك تمّ تداول اسمها في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، فيما واجهت نانسي عجرم حملات اعتراض بعد تداول صور جمعتها بشخصيات إسرائيلية، بينما طالت الانتقادات عمرو دياب ومحمد رمضان بسبب ما اعتبره قطاع من الجمهور غيابا لمواقف واضحة تجاه الأحداث، مع استمرار مشاركاتهم الفنية والإعلانية بصورة اعتيادية.

ولم يعد هذا التحول مقتصرا على الفنانين العرب، إذ بات الجمهور العربي يراقب أيضا مواقف النجوم العالميين. لذلك يحظى روجر ووترز بتقدير واسع بسبب دعمه المستمر للحقوق الفلسطينية، في حين تواجه أسماء مثل مادونا وبرونو مارس دعوات متكررة لمقاطعتها بسبب مواقفها أو مشاركاتها الفنية في الكيان الصهيوني.

كل هذه الأمثلة تؤكد أن المشهد الثقافي العربي يعيش مرحلة إعادة تعريف لمفهوم النجومية. فبعد أن كانت الشهرة تقاس بعدد الحفلات ومبيعات الألبومات وملايين المشاهدات، أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بما يمكن تسميته «الرصيد القيمي» للفنان. ولم يعد المسرح مجرد فضاء للعرض الفني، بل أصبح مساحة تمنح الشرعية لمن ينسجم مع وجدان الجمهور وتسحبها ممن يبتعد عنه.

وربما يكون الدرس الأهم الذي تفرضه المهرجانات العربية اليوم هو أن الثقافة لم تعد منفصلة عن أسئلة المجتمع الكبرى، وأن الفنان لم يعد شخصية تعيش خارج السياق العام. فالجمهور الذي يملأ المدارج هو نفسه الذي يشارك في حملات المقاطعة ويطالب بالمحاسبة، ويعتبر أن للفن رسالة تتجاوز الترفيه. لذلك تبدو إدارات المهرجانات مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإيجاد توازن دقيق بين القيمة الفنية والالتزام بثوابت مجتمعاتها، لأن الخشبة التي كانت تصنع النجوم أصبحت اليوم أيضا فضاء لاختبار مواقفهم.

إيمان عبد اللطيف

 

من يملك حق الصعود إلى المسرح؟..   المهرجانات العربية أمام اختبار الضمير الجمعي وصوت الشارع

 

◄ أحداث كبرى أعادت ترتيب أولويات الجمهور العربي، وفي مقدمتها الحرب على غزة

 

لم تعد المهرجانات الصيفية في تونس والعالم العربي مجرد فضاءات للاحتفاء بالفنون أو لاستعراض الأسماء الأكثر شهرة على منصات البث الرقمي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مرآة للتحولات التي يعيشها الوعي الجمعي العربي، وإلى مساحة تتقاطع فيها الثقافة مع السياسة والأخلاق والذاكرة. ومع اقتراب افتتاح موسم صيف 2026، تبدو إدارات المهرجانات أمام اختبار جديد لم تعرفه من قبل، فلم يعد السؤال المطروح هو من يستطيع ملء المدارج وبيع أكبر عدد من التذاكر، وإنما من يستحق أن يقف على الخشبة وأن يمثل جمهورا أصبح يرى في الفن امتداداً لمواقفه وقيمه.

هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته أحداث كبرى أعادت ترتيب أولويات الجمهور العربي، وفي مقدمتها الحرب على غزة وما رافقها من اعتداءات على لبنان، وما أنتجته من موجة تضامن واسعة أعادت النقاش حول مسؤولية الفنان وحدود الفصل بين الإبداع والموقف الإنساني. فمنذ ذلك الوقت، لم يعد الإعلان عن أي اسم في برمجة مهرجان دولي يثير النقاش حول جودة العرض أو جماهيرية الفنان فحسب، بل أصبح يفتح أيضا ملفا كاملا يتعلق بتصريحاته وصوره وخياراته ومشاركاته السابقة، وكأن الجمهور يمارس حقه في مساءلة الفنان قبل منحه شرعية الصعود إلى المسرح.

وفي تونس، حيث ارتبطت الحركة الثقافية تاريخيا بالدفاع عن القضايا التحررية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، اكتسب هذا النقاش بعدا أكثر وضوحا. فمهرجانات مثل قرطاج والحمامات والجم وغيرها لم تعد مجرد تظاهرات فنية، بل أصبحت جزءا من النقاش الوطني حول الهوية والثوابت، وأصبحت برمجتها تخضع لمراقبة دقيقة من الرأي العام ومن مكونات المجتمع المدني التي ترى في الثقافة أحد ميادين مقاومة التطبيع.

ولعل ما شهدته الدورة التاسعة والخمسون لمهرجان قرطاج الدولي يقدم نموذجا واضحا لهذا التحول. فبمجرد نشر تفاصيل البرمجة وتضمنها استضافة الفنانة الفرنسية هيلين سيغارا، انطلقت حملة إلكترونية واسعة قادتها مجموعات مدافعة عن القضية الفلسطينية وحركات مناهضة للتطبيع، اعتبرت أن مشاركة الفنانة تتناقض مع الموقف التاريخي لتونس، مستندة إلى مشاركاتها في فعاليات مرتبطة بمنظمات داعمة للكيان الصهيوني. ولم يظل الأمر مجرد جدل على شبكات التواصل الاجتماعي، بل انتهى بإعلان إدارة المهرجان إلغاء الحفل وسحبه من البرمجة، في رسالة أكدت أن المؤسسة الثقافية أصبحت بدورها مضطرة إلى أخذ المزاج الشعبي والاعتبارات الأخلاقية بعين الاعتبار عند إعداد برامجها.

وتكرر المشهد نفسه مع الفنان الجامايكي كي ماني مارلي، نجل أسطورة الريغي بوب مارلي، الذي كان مبرمجا لإحياء إحدى سهرات مهرجان قرطاج قبل أن تتحول مشاركته إلى محور نقاش واسع بعد الكشف عن إحيائه حفلات سابقة في تل أبيب. وبين دعوات المقاطعة والضغوط الشعبية، قررت إدارة المهرجان، قبل يومين فقط من موعد الحفل، إلغاء السهرة وتعويضها بعرض سينمائي تكريمي، في خطوة عكست حجم التأثير الذي بات يمارسه الشارع والجمعيات المناهضة للتطبيع على القرار الثقافي.

هذه الوقائع تكشف أن البرمجة الفنية لم تعد شأنا تقنيا أو إداريا صرفا، وإنما أصبحت قرارا يحمل أبعادا رمزية وسياسية وأخلاقية، وأن إدارات المهرجانات لم تعد تكتفي بحساب القيمة الفنية أو القدرة على استقطاب الجمهور، بل أصبحت مطالبة أيضا بقراءة المناخ العام وتجنب أي خيارات قد تتحول إلى أزمة ثقافية أو سياسية.

وفي المقابل، يبرز على الضفة الأخرى فنانون نجحوا في تعزيز مكانتهم الجماهيرية لأن مواقفهم جاءت منسجمة مع نبض الشارع العربي. ويأتي الفنان التونسي لطفي بوشناق في مقدمة هذه الأسماء، بعدما رسخ صورته بوصفه فنانا لا يفصل الأغنية عن الموقف، خاصة إثر قراره التخلي عن صفة سفير النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة احتجاجا على صمتها تجاه ما يحدث في فلسطين. ومنذ ذلك الحين، أصبح حضوره في المهرجانات يحمل دلالة تتجاوز الجانب الفني، ليغدو بالنسبة إلى جمهور واسع رمزا للالتزام والوفاء للقضايا العادلة.

الأمر نفسه ينطبق على الفنان اللبناني مارسيل خليفة، الذي حافظ طوال مسيرته على ارتباط وثيق بالقضية الفلسطينية، حتى أصبحت حفلاته أقرب إلى لقاءات تستعيد الذاكرة الجماعية وتحتفي بالمقاومة بقدر ما تقدم تجربة موسيقية. كما استطاعت الفنانة الفلسطينية إليانا أن تفرض حضورها العالمي وهي تحمل الكوفية الفلسطينية على أكبر المسارح الدولية، مقدمة نموذجا جديدا لفنانة شابة تجعل من الهوية والموقف جزءا من مشروعها الفني، بينما نجحت فرقة كايروكي وحمزة نمرة في مخاطبة جيل كامل يرى أن الأغنية يمكن أن تكون أيضا مساحة للدفاع عن الحرية والعدالة.

وفي المقابل، وجدت أسماء أخرى نفسها في مواجهة موجات من الانتقادات والمقاطعة بسبب خياراتها أو صمتها أو الصور التي ارتبطت بها. فقد تعرضت الفنانة اللبنانية إليسا لانتقادات بسبب استمرار نشاطها الفني خلال فترات شهدت تصعيدا دمويا في غزة ولبنان، ومع ذلك تمّ تداول اسمها في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، فيما واجهت نانسي عجرم حملات اعتراض بعد تداول صور جمعتها بشخصيات إسرائيلية، بينما طالت الانتقادات عمرو دياب ومحمد رمضان بسبب ما اعتبره قطاع من الجمهور غيابا لمواقف واضحة تجاه الأحداث، مع استمرار مشاركاتهم الفنية والإعلانية بصورة اعتيادية.

ولم يعد هذا التحول مقتصرا على الفنانين العرب، إذ بات الجمهور العربي يراقب أيضا مواقف النجوم العالميين. لذلك يحظى روجر ووترز بتقدير واسع بسبب دعمه المستمر للحقوق الفلسطينية، في حين تواجه أسماء مثل مادونا وبرونو مارس دعوات متكررة لمقاطعتها بسبب مواقفها أو مشاركاتها الفنية في الكيان الصهيوني.

كل هذه الأمثلة تؤكد أن المشهد الثقافي العربي يعيش مرحلة إعادة تعريف لمفهوم النجومية. فبعد أن كانت الشهرة تقاس بعدد الحفلات ومبيعات الألبومات وملايين المشاهدات، أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بما يمكن تسميته «الرصيد القيمي» للفنان. ولم يعد المسرح مجرد فضاء للعرض الفني، بل أصبح مساحة تمنح الشرعية لمن ينسجم مع وجدان الجمهور وتسحبها ممن يبتعد عنه.

وربما يكون الدرس الأهم الذي تفرضه المهرجانات العربية اليوم هو أن الثقافة لم تعد منفصلة عن أسئلة المجتمع الكبرى، وأن الفنان لم يعد شخصية تعيش خارج السياق العام. فالجمهور الذي يملأ المدارج هو نفسه الذي يشارك في حملات المقاطعة ويطالب بالمحاسبة، ويعتبر أن للفن رسالة تتجاوز الترفيه. لذلك تبدو إدارات المهرجانات مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإيجاد توازن دقيق بين القيمة الفنية والالتزام بثوابت مجتمعاتها، لأن الخشبة التي كانت تصنع النجوم أصبحت اليوم أيضا فضاء لاختبار مواقفهم.

إيمان عبد اللطيف