-الجاز،الفن الذي ولد من المعاناة وتحول إلى لغة عالمية للمقاومة والأمل.
بعد ست سنوات من الغياب، تستعيد مدينة طبرقة أحد أهم مواعيدها الثقافية وأكثرها ارتباطا بذاكرة الموسيقى العالمية، إذ تعود الدورة العشرون لمهرجان الجاز بطبرقة لتفتح أبواب «مسرح البحر» من 2 إلى 9 جويلية 2026، في برمجة تبدو أقرب إلى إعلان نوايا ثقافية منها إلى مجرد سلسلة من الحفلات الموسيقية، عنوانها إعادة ربط المهرجان بجذوره الأولى واستعادة المكانة التي جعلت من طبرقة، لعقود، محطة أساسية في خارطة الجاز الدولية ووجهة لأبرز نجومه القادمين من مختلف أنحاء العالم.
هذه العودة لا تأتي محمولة على الحنين وحده، بل تراهن على جودة الأسماء المشاركة وتنوع مدارسها الموسيقية، لتؤكد أن مهرجان طبرقة لا يسعى إلى مواكبة الموجات التجارية السريعة، وإنما إلى إعادة الاعتبار لفلسفة الجاز باعتباره فنا قائما على الحوار والانفتاح والتجريب والعودة المستمرة إلى المنابع الأصلية لهذا اللون الموسيقي الذي ولد من تلاقح الثقافات والهويات.
وتبرز ضمن هذه الرؤية استضافة الفنانة الأمريكية ليز ماكومب، التي تمثل أحد أبرز الأصوات التي حافظت على الروح التاريخية للجاز والغوسبل والبلوز. فصوتها الأوبرالي القوي ومسيرتها الطويلة جعلا منها أيقونة لموسيقى الغوسبل المعاصرة، كما أن حضورها على ركح طبرقة يستحضر تلك المرحلة التي كانت فيها المدينة التونسية تستقبل كبار الموسيقيين العالميين، في زمن كان فيه مهرجان الجاز بطبرقة يحمل إشعاعا دوليا جعل اسمه يتردد في أهم الدوائر الفنية المختصة.
رهان العودة إلى الجذور يتجسد أيضا في اختيار افتتاح الدورة بحفل عازف البيانو والملحن الكوبي ألفريدو رودريغيز، أحد أبرز وجوه الجاز اللاتيني المعاصر. فقد نجح الفنان الذي اكتشفه المنتج الأسطوري كوينسي جونز ورشح لجائزة الغرامي في بناء شخصية موسيقية خاصة تجمع بين الجاز الكلاسيكي والإيقاعات الكوبية التقليدية، ليقدم نموذجا لفن يظل وفيا لتاريخه وهو يفتح أبوابه أمام الحداثة والتجديد، وهو ما يجعل سهرة الافتتاح بمثابة إعلان واضح عن هوية الدورة الجديدة.
وفي مساء السبت 4 جويلية، سيكون الجمهور أمام لقاء مع ليز ماكومب، الفنانة الأمريكية التي لا تقدم مجرد حفلات غنائية، بل تحمل معها تاريخا كاملا من الموسيقى الإفريقية الأمريكية، حيث يلتقي الغوسبل بالبلوز والجاز في أداء يستند إلى القوة التعبيرية أكثر من الاستعراض التقني، لتتحول كل أغنية إلى رحلة في الذاكرة الجماعية لهذا الفن الذي ولد من المعاناة وتحول إلى لغة عالمية للمقاومة والأمل.
ولا تكتفي البرمجة باستحضار الأسماء التاريخية، بل تمنح مساحة واسعة للحوارات الثقافية العابرة للحدود. ففي سهرة الأحد 5 جويلية يلتقي عازف الساكسفون والملحن التونسي الفرنسي ياسين بولعراس بالمغني الجزائري سفيان السعيدي في عرض «أصول»، وهو عمل يقوم على فكرة العودة إلى الجذور المشتركة للموسيقى المغاربية والإفريقية، حيث يمزج بولعراس الجاز المعاصر بالإيقاعات التونسية والإفريقية والعربية التي ظل يستكشفها في مختلف مشاريعه الفنية، بينما يضيف سفيان السعيدي، الملقب بأمير الراي الإلكتروني، لمسته الخاصة التي تجمع بين الراي الجزائري والموسيقى الإلكترونية والجاز، في تجربة تؤكد أن هذا الفن لا يزال قادرا على احتضان ثقافات متعددة داخل فضاء واحد.
وتتواصل الرحلة الموسيقية يوم الاثنين 6 جويلية مع عازف البيانو اللبناني طارق يمني، الذي نجح في ابتكار مدرسة خاصة أطلق عليها اسم «أفرو-طرب»، وهي تجربة تمزج المقامات العربية الشرقية بجذور الجاز الأمريكي والإيقاعات الإفريقية، مستفيدا من تكوين أكاديمي وموسيقي أهله للفوز بمسابقة «ثيلونيوس مونك» الدولية في التلحين، ليقدم نموذجا جديدا للحوار بين الشرق والغرب دون أن يفقد أي منهما هويته الأصلية.
أما الثلاثاء 7 جويلية، فيحمل إلى مسرح البحر واحدة من أساطير الجاز الحي في العالم، وهي الأمريكية دي دي بريدجواتر، صاحبة ثلاث جوائز غرامي وجائزة توني المسرحية، والتي تأتي إلى طبرقة بعرضها «نحن موجودون». وعلى امتداد مسيرتها، عرفت دي دي بريدجواتر بقدرتها على المزج بين الجاز الكلاسيكي والمعاصر، وبحضورها المسرحي الطاغي الذي يجعل من كل عرض تجربة إنسانية وفنية كاملة، وهو ما يمنح الدورة بعدا عالميا يعيد التذكير بالمكانة التاريخية للمهرجان.
وتستضيف سهرة الأربعاء 8 جويلية فرقة كوكوروكو البريطانية، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز رموز الجاز اللندني الجديد، حيث تمزج بين الأفروبيت والجاز الحديث في توليفة تعتمد بشكل أساسي على آلات النفخ النحاسية والإيقاعات الإفريقية. وقد حققت الفرقة ملايين المشاهدات عبر المنصات الرقمية، لكنها حافظت في الوقت نفسه على هوية موسيقية تستلهم التراث الإفريقي وتعيد تقديمه بروح معاصرة، وهو ما يجعل حضورها امتدادا لفكرة الانفتاح التي ميزت تاريخ مهرجان طبرقة.
ويختتم المهرجان فعالياته يوم الخميس 9 جويلية بسهرة أمريكية تجمع بين فيرونيكا سويفت وأكوا نارو، في لقاء بين مدرستين مختلفتين داخل المشهد الموسيقي الأمريكي. ففيرونيكا سويفت تعد من أبرز الأصوات الشابة الصاعدة في الجاز التقليدي، حيث تمزج بين السوينغ والبيبوب والروك والأوبرا، بينما تقدم أكوا نارو تجربة مختلفة تقوم على دمج الهيب هوب بالسول والبلوز والجاز، مع حضور واضح لقضايا العدالة الاجتماعية والهوية وقوة المرأة الإفريقية في نصوصها الشعرية والغنائية.
وتكشف هذه البرمجة أن إدارة المهرجان اختارت الابتعاد عن الحلول السهلة، وهي تراهن على فنانين يمثلون مدارس موسيقية مختلفة تجمعها نقطة واحدة هي احترام تاريخ الجاز واستمرار البحث في جذوره وتحولاته. كما أن هذا التنوع الجغرافي، الممتد من كوبا إلى الولايات المتحدة ومن لبنان إلى الجزائر وتونس وفرنسا وبريطانيا، يجعل من الدورة العشرين فضاء للحوار بين القارات والثقافات، تماما كما كان الجاز منذ نشأته لغة عالمية تتجاوز الحدود.
وتحمل عودة مهرجان الجاز بطبرقة أيضا دلالة تتجاوز الجانب الفني، فهي تعيد إلى الواجهة مهرجانا صنع جزءا مهما من الصورة الثقافية لتونس لسنين طويلة، حين كانت طبرقة تستقبل كبار نجوم الجاز العالمي، وتتحول في كل صيف إلى منصة تجمع عشاق هذا الفن من مختلف البلدان. واليوم، وبعد انقطاع دام ست سنوات، تبدو الدورة الجديدة محاولة لاستعادة ذلك البريق التاريخي عبر العودة إلى المنابع الأصلية للجاز واستحضار أسماء مثل ليز ماكومب ودي دي بريدجواتر، وهما فنانتان تمثلان امتدادا حقيقيا لتاريخ هذا الفن وروحه.
وبين رهان الذاكرة والانفتاح على التجارب الجديدة، تبدو الدورة العشرون لمهرجان الجاز بطبرقة أكثر من مجرد عودة لموعد فني غاب سنوات، إنها محاولة لإعادة إحياء تقليد ثقافي جعل من المدينة، بطبيعتها الساحرة، فضاء عالميا للموسيقى الحرة، ورسالة تؤكد أن تونس لا تزال قادرة على استقطاب كبار الفنانين وصناعة حدث موسيقي يعيد وصل حاضر الجاز بماضيه العريق، ويمنح جمهوره فرصة جديدة للإصغاء إلى الموسيقى وهي تروي تاريخها فوق ركح يطل على البحر.
-الجاز،الفن الذي ولد من المعاناة وتحول إلى لغة عالمية للمقاومة والأمل.
بعد ست سنوات من الغياب، تستعيد مدينة طبرقة أحد أهم مواعيدها الثقافية وأكثرها ارتباطا بذاكرة الموسيقى العالمية، إذ تعود الدورة العشرون لمهرجان الجاز بطبرقة لتفتح أبواب «مسرح البحر» من 2 إلى 9 جويلية 2026، في برمجة تبدو أقرب إلى إعلان نوايا ثقافية منها إلى مجرد سلسلة من الحفلات الموسيقية، عنوانها إعادة ربط المهرجان بجذوره الأولى واستعادة المكانة التي جعلت من طبرقة، لعقود، محطة أساسية في خارطة الجاز الدولية ووجهة لأبرز نجومه القادمين من مختلف أنحاء العالم.
هذه العودة لا تأتي محمولة على الحنين وحده، بل تراهن على جودة الأسماء المشاركة وتنوع مدارسها الموسيقية، لتؤكد أن مهرجان طبرقة لا يسعى إلى مواكبة الموجات التجارية السريعة، وإنما إلى إعادة الاعتبار لفلسفة الجاز باعتباره فنا قائما على الحوار والانفتاح والتجريب والعودة المستمرة إلى المنابع الأصلية لهذا اللون الموسيقي الذي ولد من تلاقح الثقافات والهويات.
وتبرز ضمن هذه الرؤية استضافة الفنانة الأمريكية ليز ماكومب، التي تمثل أحد أبرز الأصوات التي حافظت على الروح التاريخية للجاز والغوسبل والبلوز. فصوتها الأوبرالي القوي ومسيرتها الطويلة جعلا منها أيقونة لموسيقى الغوسبل المعاصرة، كما أن حضورها على ركح طبرقة يستحضر تلك المرحلة التي كانت فيها المدينة التونسية تستقبل كبار الموسيقيين العالميين، في زمن كان فيه مهرجان الجاز بطبرقة يحمل إشعاعا دوليا جعل اسمه يتردد في أهم الدوائر الفنية المختصة.
رهان العودة إلى الجذور يتجسد أيضا في اختيار افتتاح الدورة بحفل عازف البيانو والملحن الكوبي ألفريدو رودريغيز، أحد أبرز وجوه الجاز اللاتيني المعاصر. فقد نجح الفنان الذي اكتشفه المنتج الأسطوري كوينسي جونز ورشح لجائزة الغرامي في بناء شخصية موسيقية خاصة تجمع بين الجاز الكلاسيكي والإيقاعات الكوبية التقليدية، ليقدم نموذجا لفن يظل وفيا لتاريخه وهو يفتح أبوابه أمام الحداثة والتجديد، وهو ما يجعل سهرة الافتتاح بمثابة إعلان واضح عن هوية الدورة الجديدة.
وفي مساء السبت 4 جويلية، سيكون الجمهور أمام لقاء مع ليز ماكومب، الفنانة الأمريكية التي لا تقدم مجرد حفلات غنائية، بل تحمل معها تاريخا كاملا من الموسيقى الإفريقية الأمريكية، حيث يلتقي الغوسبل بالبلوز والجاز في أداء يستند إلى القوة التعبيرية أكثر من الاستعراض التقني، لتتحول كل أغنية إلى رحلة في الذاكرة الجماعية لهذا الفن الذي ولد من المعاناة وتحول إلى لغة عالمية للمقاومة والأمل.
ولا تكتفي البرمجة باستحضار الأسماء التاريخية، بل تمنح مساحة واسعة للحوارات الثقافية العابرة للحدود. ففي سهرة الأحد 5 جويلية يلتقي عازف الساكسفون والملحن التونسي الفرنسي ياسين بولعراس بالمغني الجزائري سفيان السعيدي في عرض «أصول»، وهو عمل يقوم على فكرة العودة إلى الجذور المشتركة للموسيقى المغاربية والإفريقية، حيث يمزج بولعراس الجاز المعاصر بالإيقاعات التونسية والإفريقية والعربية التي ظل يستكشفها في مختلف مشاريعه الفنية، بينما يضيف سفيان السعيدي، الملقب بأمير الراي الإلكتروني، لمسته الخاصة التي تجمع بين الراي الجزائري والموسيقى الإلكترونية والجاز، في تجربة تؤكد أن هذا الفن لا يزال قادرا على احتضان ثقافات متعددة داخل فضاء واحد.
وتتواصل الرحلة الموسيقية يوم الاثنين 6 جويلية مع عازف البيانو اللبناني طارق يمني، الذي نجح في ابتكار مدرسة خاصة أطلق عليها اسم «أفرو-طرب»، وهي تجربة تمزج المقامات العربية الشرقية بجذور الجاز الأمريكي والإيقاعات الإفريقية، مستفيدا من تكوين أكاديمي وموسيقي أهله للفوز بمسابقة «ثيلونيوس مونك» الدولية في التلحين، ليقدم نموذجا جديدا للحوار بين الشرق والغرب دون أن يفقد أي منهما هويته الأصلية.
أما الثلاثاء 7 جويلية، فيحمل إلى مسرح البحر واحدة من أساطير الجاز الحي في العالم، وهي الأمريكية دي دي بريدجواتر، صاحبة ثلاث جوائز غرامي وجائزة توني المسرحية، والتي تأتي إلى طبرقة بعرضها «نحن موجودون». وعلى امتداد مسيرتها، عرفت دي دي بريدجواتر بقدرتها على المزج بين الجاز الكلاسيكي والمعاصر، وبحضورها المسرحي الطاغي الذي يجعل من كل عرض تجربة إنسانية وفنية كاملة، وهو ما يمنح الدورة بعدا عالميا يعيد التذكير بالمكانة التاريخية للمهرجان.
وتستضيف سهرة الأربعاء 8 جويلية فرقة كوكوروكو البريطانية، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز رموز الجاز اللندني الجديد، حيث تمزج بين الأفروبيت والجاز الحديث في توليفة تعتمد بشكل أساسي على آلات النفخ النحاسية والإيقاعات الإفريقية. وقد حققت الفرقة ملايين المشاهدات عبر المنصات الرقمية، لكنها حافظت في الوقت نفسه على هوية موسيقية تستلهم التراث الإفريقي وتعيد تقديمه بروح معاصرة، وهو ما يجعل حضورها امتدادا لفكرة الانفتاح التي ميزت تاريخ مهرجان طبرقة.
ويختتم المهرجان فعالياته يوم الخميس 9 جويلية بسهرة أمريكية تجمع بين فيرونيكا سويفت وأكوا نارو، في لقاء بين مدرستين مختلفتين داخل المشهد الموسيقي الأمريكي. ففيرونيكا سويفت تعد من أبرز الأصوات الشابة الصاعدة في الجاز التقليدي، حيث تمزج بين السوينغ والبيبوب والروك والأوبرا، بينما تقدم أكوا نارو تجربة مختلفة تقوم على دمج الهيب هوب بالسول والبلوز والجاز، مع حضور واضح لقضايا العدالة الاجتماعية والهوية وقوة المرأة الإفريقية في نصوصها الشعرية والغنائية.
وتكشف هذه البرمجة أن إدارة المهرجان اختارت الابتعاد عن الحلول السهلة، وهي تراهن على فنانين يمثلون مدارس موسيقية مختلفة تجمعها نقطة واحدة هي احترام تاريخ الجاز واستمرار البحث في جذوره وتحولاته. كما أن هذا التنوع الجغرافي، الممتد من كوبا إلى الولايات المتحدة ومن لبنان إلى الجزائر وتونس وفرنسا وبريطانيا، يجعل من الدورة العشرين فضاء للحوار بين القارات والثقافات، تماما كما كان الجاز منذ نشأته لغة عالمية تتجاوز الحدود.
وتحمل عودة مهرجان الجاز بطبرقة أيضا دلالة تتجاوز الجانب الفني، فهي تعيد إلى الواجهة مهرجانا صنع جزءا مهما من الصورة الثقافية لتونس لسنين طويلة، حين كانت طبرقة تستقبل كبار نجوم الجاز العالمي، وتتحول في كل صيف إلى منصة تجمع عشاق هذا الفن من مختلف البلدان. واليوم، وبعد انقطاع دام ست سنوات، تبدو الدورة الجديدة محاولة لاستعادة ذلك البريق التاريخي عبر العودة إلى المنابع الأصلية للجاز واستحضار أسماء مثل ليز ماكومب ودي دي بريدجواتر، وهما فنانتان تمثلان امتدادا حقيقيا لتاريخ هذا الفن وروحه.
وبين رهان الذاكرة والانفتاح على التجارب الجديدة، تبدو الدورة العشرون لمهرجان الجاز بطبرقة أكثر من مجرد عودة لموعد فني غاب سنوات، إنها محاولة لإعادة إحياء تقليد ثقافي جعل من المدينة، بطبيعتها الساحرة، فضاء عالميا للموسيقى الحرة، ورسالة تؤكد أن تونس لا تزال قادرة على استقطاب كبار الفنانين وصناعة حدث موسيقي يعيد وصل حاضر الجاز بماضيه العريق، ويمنح جمهوره فرصة جديدة للإصغاء إلى الموسيقى وهي تروي تاريخها فوق ركح يطل على البحر.