إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  مكافحة الفساد والمخدرات: تونس تصعّد وتيرة الحرب على الجريمة المنظمة    

«لا أحد فوق القانون».. مبدأ تؤكده اليوم الدولة عبر سجل من نجاحات أمنية متتالية استهدفت شبكات الجريمة المنظمة وبارونات المال المشبوه الذين اعتقدوا لسنوات أنهم بمنأى عن المحاسبة. وفي هذا السياق أفادت وزارة الداخلية أمس أنه في إطار معاضدة المجهودات الوطنيّة لمكافحة الجرائم المنظمة والعمل على إحباط المخططات التخريبيّة التي من شأنها المساس من أمن بلادنا واستقرارها، تمكنت الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة والماسّة بسلامة التراب الوطني بالإدارة العامة للمصالح المختصة للأمن الوطني، اثر عمل  استعلامي ومتابعة فنيّة وميدانية عالية الدقّة بالتنسيق مع إدارات الاختصاص، من كشف وتفكيك شبكتين إجراميتين دوليتين ناشطتين في مجال ترويج المخدرات وتبييض الأموال والابتزاز والقتل المأجور.

وبمباشرة الأبحاث في الموضوع بالتنسيق المباشر مع النيابة العمومية أمكن ضبط وإيقاف أغلب متزعمّي وعناصر الشبكتين الإجراميتين المذكورتين وعددهم 25 شخصا وحجز عدد هام من السيارات والدراجات والمراكب الترفيهية الفاخرة المتأتية من أنشطتهم المشبوهة بالداخل والخارج، إضافة إلى كمية من المخدرات ومبالغ مالية هامة.

وتعكس الإطاحة بالعصابات المحلية وعديد الشبكات الدولية التي تنشط في تبييض الأموال والاتجار بالاشخاص،  توجها سياسيا واضحا يقوم على تجفيف منابع الفساد وملاحقة بارونات المال غير المشروع الذين ظلوا لعقود خارج دائرة المحاسبة. وهي معركة يضعها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في صدارة أولويات الدولة، باعتبارها شرطا أساسيا لبناء اقتصاد سليم وحماية المجتمع من آفة الفساد والمخدرات والجريمة المنظمة.

ففي مناسبات عديدة، جعل رئيس الدولة قيس سعيّد من مكافحة الفساد أحد المحاور الأساسية في أجندة عمل الدولة، موضحا أن جزءا كبيرا من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد يعود إلى تراكم منظومات من الفساد والاحتكار والتهرب الضريبي.

تفكيك شبكات النفوذ

وفي أكثر من لقاء رسمي أيضا، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على أن المعركة الفعلية اليوم لا تقتصر فقط على الترفيع في نسب النمو أو استقطاب الاستثمارات، وإنما تشمل أيضا تفكيك شبكات النفوذ التي استفادت لعقود من غياب مبدأ المحاسبة ومن هشاشة بعض مؤسسات الرقابة.

وفي هذا الإطار، تؤكد النجاحات الأمنية الأخيرة - التي تم تسجيلها على مدار الأشهر الماضية من خلال عمليات نوعية استهدفت شبكات تنشط في غسيل الأموال وتهريب المخدرات - أن الدولة ماضية قدما في توجيه رسائل واضحة مفادها أن القانون يطبّق على الجميع، وأن أي نشاط يقوم على المال المشبوه أو استغلال البشر أو الإضرار بالاقتصاد الوطني لن يكون بمنأى عن المتابعة والمساءلة. وهو طرح يكتسب أهمية بالغة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، حيث يمثل تبييض الأموال أحد أهم الإشكاليات التي تخل بمبدأ المنافسة الشريفة وتضعف ثقة المستثمرين في مناخ الأعمال.

كما أن مقاربة الدولة في أعلى هرمها في هذا الملف لا تنفصل عن رؤية شاملة تقوم على حماية مؤسساتها من الاختراق المالي. فالجريمة المنظمة أصبحت اليوم ترتكز على شبكات مالية معقدة تسعى إلى إدماج الأموال غير المشروعة في الدورة الاقتصادية القانونية. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي عملا استخباراتيا وأمنيا وقضائيا متكاملا، وهو ما تعكسه طبيعة العمليات التي تم تنفيذها خلال الفترة الأخيرة.

من جانب آخر، ومن بين الملفات الهامة التي حظيت باهتمام خاص في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يتجلى ملف المخدرات الذي اعتبره من أخطر التهديدات التي تواجه المجتمع، خاصة في ظل استهداف فئة الشباب. فقد أكد رئيس الدولة قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن المخدرات وسيلة لتدمير المجتمعات وضرب قدراتها البشرية والإنتاجية، مشدداً على ضرورة التعامل مع شبكات الترويج والتهريب بمنتهى الصرامة، باعتبارها تستهدف مستقبل الأجيال وتضرب أسس الاستقرار الاجتماعي.

حماية المؤسسات التربوية

وفي هذا السياق، شدد رئيس الدولة في أكثر من لقاء رسمي، سواء مع وزير الداخلية أو مختلف القيادات والهياكل الأمنية العليا، على ضرورة توفير حماية مطلقة للمؤسسات التربوية ومحيطها، معتبرا أن المدارس والمعاهد يجب أن تظل فضاءات آمنة للتعلم والتكوين بعيدا عن كل محاولات الاستقطاب والانحراف. كما أكد أن استهداف التلاميذ عبر ترويج المواد المخدرة يمثل اعتداء مباشرا على مستقبل البلاد ورصيدها البشري، بما يستوجب أقصى درجات اليقظة والتصدي الحازم للمتورطين فيه.

وفي خطوة ترمي إلى الحد من هذه الآفة وتضييق الخناق على المتمعشين منها، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مواصلة تكثيف الحملات الأمنية وتنسيق الجهود بين مختلف الأجهزة المختصة من أجل تفكيك شبكات التهريب والترويج، سواء كانت محلية أو مرتبطة بامتدادات دولية. وتنبع هذه المقاربة من قناعة عبّر عنها رئيس الدولة في أكثر من لقاء، مفادها أن المخدرات ليست مجرد تجارة غير مشروعة، وإنما هي أداة تستهدف ضرب مقومات الدول وإضعاف مناعتها الاجتماعية والاقتصادية. لذلك فإن الحرب على هذه الشبكات تندرج ضمن معركة شاملة لحماية وتأمين الأمن المجتمعي وتجفيف منابع الجريمة المنظمة والحفاظ على استقرار الدولة ومستقبل أجيالها الصاعدة.

جهود ميدانية

وقد قوبلت توجيهات رئيس الدولة قيس سعيّد بجهود أمنية ميدانية مكثفة أسفرت عن تحقيق نتائج ملموسة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها، من خلال تفكيك عدد من الشبكات الناشطة في ترويج المخدرات والتهريب وتبييض الأموال، وحجز كميات هامة من المواد المخدرة والأموال المتأتية من أنشطة غير مشروعة. كما مكّنت هذه العمليات من الإطاحة بعناصر مطلوبة للعدالة، وكشفت امتدادا لشبكات إجرامية تنشط على المستويين الوطني والدولي، وهو ما يعكس نجاعة المقاربة المعتمدة في التصدي لهذه الظواهر، بما يؤشر إلى أن مؤسسات الدولة ماضية في تنفيذ القانون بحزم، بما يعزز الأمن ويحمي البلاد من المخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة والمال المشبوه.

من جانب آخر، تتخذ تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد فيما يتعلق بالتصدي لظاهرة المخدرات ومكافحة الجريمة المنظمة دلالة خاصة في ظل التحولات التي شهدتها شبكات الجريمة المنظمة خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت العديد من الأنشطة الإجرامية مترابطة فيما بينها. لذلك فإن مكافحة المخدرات وتبييض الأموال والاتجار بالبشر ليست مجرد معارك منفصلة، وإنما هي جزء من مواجهة شاملة ضد منظومة إجرامية متكاملة.

ففي أكثر من لقاء مع المسؤولين، دعا رئيس الدولة قيس سعيّد إلى عدم التهاون مع كل من ثبت تورطه في إلحاق الضرر بالبلاد أو المساس بأمنها الاقتصادي والاجتماعي، مشددا على أن تونس تحتاج إلى إدارة قوية وإلى مؤسسات قادرة على فرض القانون بعيدا عن أي حسابات أو ضغوطات. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة العمليات الأمنية الأخيرة باعتبارها ترجمة عملية لهذا التوجه القائم على تعزيز هيبة الدولة وتكريس مبدأ المحاسبة.

ولعل أبرز ما يميز هذه المقاربة هو تركيزها على استهداف منابع الفساد ومصادر التمويل غير المشروع، خاصة وأن التجارب الدولية أثبتت أن مكافحة الجريمة المنظمة لا تتحقق عبر الإيقافات وحدها، وإنما من خلال تجفيف الموارد المالية التي تسمح لهذه الشبكات بالاستمرار والتوسع والانتشار.

الحزم والفاعلية

صحيح أن المعركة ضد الفساد والجريمة المنظمة هي معركة طويلة تتطلب تضافر جهود مختلف مؤسسات الدولة وهياكلها، إلى جانب وعي المواطنين وانخراطهم في دعم ثقافة احترام القانون، لكنها اليوم دخلت فصلا جديدا عنوانه مزيد من الحزم والفاعلية في ملاحقة الشبكات الإجرامية وتجفيف منابع تمويلها. فمع توالي النجاحات الأمنية تتعزز مؤشرات استعادة الدولة لقدرتها على فرض القانون وبسط نفوذها على مختلف المجالات، بما يكرس الثقة في المؤسسات ويؤكد أن مكافحة الفساد والمال المشبوه لم تعد مجرد شعار، وإنما تجسدت على أرض الواقع كمسار متواصل يهدف إلى حماية المجتمع والاقتصاد الوطني وترسيخ أسس دولة قوية وعادلة لا مكان فيها للإفلات من العقاب.

وإذا كانت النجاحات الأمنية الأخيرة قد أعادت إلى صدارة النقاش العام حجم التحديات المرتبطة بالمال المشبوه والجريمة العابرة للحدود، فإنها عكست في المقابل قدرة مؤسسات الدولة على التحرك والتنسيق من أجل مواجهة هذه الظواهر.

وهي رسالة تؤكد أن تونس لن تكون فضاء آمنا للشبكات التي تسعى إلى تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب أمن المجتمع واستقرار الدولة.

وهنا جدير بالذكر أن النجاحات الأمنية الهامة في كسر شبكات المخدرات والجريمة المنظمة قد كشفت عن جاهزية عالية وقدرة على التكيف مع التهديدات المستجدة بكفاءة واحترافية. كما عكست مستوى متقدما من التنسيق بين الأجهزة المختصة في جمع المعلومات ورصد التحركات المشبوهة وتعقب عناصر الشبكات الإجرامية، بما مكّن من توجيه ضربات موجعة لدوائر تنشط في التهريب وترويج المخدرات وتبييض الأموال. وتؤكد هذه النتائج أن الدولة تمتلك اليوم من الإمكانيات والخبرات ما يسمح لها بمواصلة الحرب على الجريمة المنظمة، ليس فقط من خلال ملاحقة المتورطين، بل أيضا عبر تجفيف منابع التمويل غير المشروع وحماية المجتمع من المخاطر التي تمثلها هذه الشبكات على الأمن والاستقرار والتنمية.

وضمن هذه المقاربة تندرج مكافحة الفساد وتبييض الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات ضمن معركة واسعة تخوضها الدولة من أجل حماية مؤسساتها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي. وتنسجم النجاحات الأمنية الأخيرة مع الخطاب الذي ما فتئ رئيس الدولة قيس سعيّد يؤكد من خلاله أن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، وأن الدولة عازمة على الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الإضرار بالمصلحة الوطنية. وبين الخطاب والممارسة الميدانية، تبدو الرسالة واضحة: لا مكان اليوم لبارونات الفساد والمال المشبوه وشبكات الجريمة المنظمة في تونس التي تسعى إلى ترسيخ دولة القانون واستعادة هيبة المؤسسات وحماية مستقبل أجيالها القادمة.

منال حرزي

 

   مكافحة الفساد والمخدرات: تونس تصعّد وتيرة الحرب على الجريمة المنظمة      

«لا أحد فوق القانون».. مبدأ تؤكده اليوم الدولة عبر سجل من نجاحات أمنية متتالية استهدفت شبكات الجريمة المنظمة وبارونات المال المشبوه الذين اعتقدوا لسنوات أنهم بمنأى عن المحاسبة. وفي هذا السياق أفادت وزارة الداخلية أمس أنه في إطار معاضدة المجهودات الوطنيّة لمكافحة الجرائم المنظمة والعمل على إحباط المخططات التخريبيّة التي من شأنها المساس من أمن بلادنا واستقرارها، تمكنت الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة والماسّة بسلامة التراب الوطني بالإدارة العامة للمصالح المختصة للأمن الوطني، اثر عمل  استعلامي ومتابعة فنيّة وميدانية عالية الدقّة بالتنسيق مع إدارات الاختصاص، من كشف وتفكيك شبكتين إجراميتين دوليتين ناشطتين في مجال ترويج المخدرات وتبييض الأموال والابتزاز والقتل المأجور.

وبمباشرة الأبحاث في الموضوع بالتنسيق المباشر مع النيابة العمومية أمكن ضبط وإيقاف أغلب متزعمّي وعناصر الشبكتين الإجراميتين المذكورتين وعددهم 25 شخصا وحجز عدد هام من السيارات والدراجات والمراكب الترفيهية الفاخرة المتأتية من أنشطتهم المشبوهة بالداخل والخارج، إضافة إلى كمية من المخدرات ومبالغ مالية هامة.

وتعكس الإطاحة بالعصابات المحلية وعديد الشبكات الدولية التي تنشط في تبييض الأموال والاتجار بالاشخاص،  توجها سياسيا واضحا يقوم على تجفيف منابع الفساد وملاحقة بارونات المال غير المشروع الذين ظلوا لعقود خارج دائرة المحاسبة. وهي معركة يضعها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في صدارة أولويات الدولة، باعتبارها شرطا أساسيا لبناء اقتصاد سليم وحماية المجتمع من آفة الفساد والمخدرات والجريمة المنظمة.

ففي مناسبات عديدة، جعل رئيس الدولة قيس سعيّد من مكافحة الفساد أحد المحاور الأساسية في أجندة عمل الدولة، موضحا أن جزءا كبيرا من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد يعود إلى تراكم منظومات من الفساد والاحتكار والتهرب الضريبي.

تفكيك شبكات النفوذ

وفي أكثر من لقاء رسمي أيضا، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على أن المعركة الفعلية اليوم لا تقتصر فقط على الترفيع في نسب النمو أو استقطاب الاستثمارات، وإنما تشمل أيضا تفكيك شبكات النفوذ التي استفادت لعقود من غياب مبدأ المحاسبة ومن هشاشة بعض مؤسسات الرقابة.

وفي هذا الإطار، تؤكد النجاحات الأمنية الأخيرة - التي تم تسجيلها على مدار الأشهر الماضية من خلال عمليات نوعية استهدفت شبكات تنشط في غسيل الأموال وتهريب المخدرات - أن الدولة ماضية قدما في توجيه رسائل واضحة مفادها أن القانون يطبّق على الجميع، وأن أي نشاط يقوم على المال المشبوه أو استغلال البشر أو الإضرار بالاقتصاد الوطني لن يكون بمنأى عن المتابعة والمساءلة. وهو طرح يكتسب أهمية بالغة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، حيث يمثل تبييض الأموال أحد أهم الإشكاليات التي تخل بمبدأ المنافسة الشريفة وتضعف ثقة المستثمرين في مناخ الأعمال.

كما أن مقاربة الدولة في أعلى هرمها في هذا الملف لا تنفصل عن رؤية شاملة تقوم على حماية مؤسساتها من الاختراق المالي. فالجريمة المنظمة أصبحت اليوم ترتكز على شبكات مالية معقدة تسعى إلى إدماج الأموال غير المشروعة في الدورة الاقتصادية القانونية. لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي عملا استخباراتيا وأمنيا وقضائيا متكاملا، وهو ما تعكسه طبيعة العمليات التي تم تنفيذها خلال الفترة الأخيرة.

من جانب آخر، ومن بين الملفات الهامة التي حظيت باهتمام خاص في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يتجلى ملف المخدرات الذي اعتبره من أخطر التهديدات التي تواجه المجتمع، خاصة في ظل استهداف فئة الشباب. فقد أكد رئيس الدولة قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن المخدرات وسيلة لتدمير المجتمعات وضرب قدراتها البشرية والإنتاجية، مشدداً على ضرورة التعامل مع شبكات الترويج والتهريب بمنتهى الصرامة، باعتبارها تستهدف مستقبل الأجيال وتضرب أسس الاستقرار الاجتماعي.

حماية المؤسسات التربوية

وفي هذا السياق، شدد رئيس الدولة في أكثر من لقاء رسمي، سواء مع وزير الداخلية أو مختلف القيادات والهياكل الأمنية العليا، على ضرورة توفير حماية مطلقة للمؤسسات التربوية ومحيطها، معتبرا أن المدارس والمعاهد يجب أن تظل فضاءات آمنة للتعلم والتكوين بعيدا عن كل محاولات الاستقطاب والانحراف. كما أكد أن استهداف التلاميذ عبر ترويج المواد المخدرة يمثل اعتداء مباشرا على مستقبل البلاد ورصيدها البشري، بما يستوجب أقصى درجات اليقظة والتصدي الحازم للمتورطين فيه.

وفي خطوة ترمي إلى الحد من هذه الآفة وتضييق الخناق على المتمعشين منها، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى مواصلة تكثيف الحملات الأمنية وتنسيق الجهود بين مختلف الأجهزة المختصة من أجل تفكيك شبكات التهريب والترويج، سواء كانت محلية أو مرتبطة بامتدادات دولية. وتنبع هذه المقاربة من قناعة عبّر عنها رئيس الدولة في أكثر من لقاء، مفادها أن المخدرات ليست مجرد تجارة غير مشروعة، وإنما هي أداة تستهدف ضرب مقومات الدول وإضعاف مناعتها الاجتماعية والاقتصادية. لذلك فإن الحرب على هذه الشبكات تندرج ضمن معركة شاملة لحماية وتأمين الأمن المجتمعي وتجفيف منابع الجريمة المنظمة والحفاظ على استقرار الدولة ومستقبل أجيالها الصاعدة.

جهود ميدانية

وقد قوبلت توجيهات رئيس الدولة قيس سعيّد بجهود أمنية ميدانية مكثفة أسفرت عن تحقيق نتائج ملموسة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها، من خلال تفكيك عدد من الشبكات الناشطة في ترويج المخدرات والتهريب وتبييض الأموال، وحجز كميات هامة من المواد المخدرة والأموال المتأتية من أنشطة غير مشروعة. كما مكّنت هذه العمليات من الإطاحة بعناصر مطلوبة للعدالة، وكشفت امتدادا لشبكات إجرامية تنشط على المستويين الوطني والدولي، وهو ما يعكس نجاعة المقاربة المعتمدة في التصدي لهذه الظواهر، بما يؤشر إلى أن مؤسسات الدولة ماضية في تنفيذ القانون بحزم، بما يعزز الأمن ويحمي البلاد من المخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة والمال المشبوه.

من جانب آخر، تتخذ تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد فيما يتعلق بالتصدي لظاهرة المخدرات ومكافحة الجريمة المنظمة دلالة خاصة في ظل التحولات التي شهدتها شبكات الجريمة المنظمة خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت العديد من الأنشطة الإجرامية مترابطة فيما بينها. لذلك فإن مكافحة المخدرات وتبييض الأموال والاتجار بالبشر ليست مجرد معارك منفصلة، وإنما هي جزء من مواجهة شاملة ضد منظومة إجرامية متكاملة.

ففي أكثر من لقاء مع المسؤولين، دعا رئيس الدولة قيس سعيّد إلى عدم التهاون مع كل من ثبت تورطه في إلحاق الضرر بالبلاد أو المساس بأمنها الاقتصادي والاجتماعي، مشددا على أن تونس تحتاج إلى إدارة قوية وإلى مؤسسات قادرة على فرض القانون بعيدا عن أي حسابات أو ضغوطات. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة العمليات الأمنية الأخيرة باعتبارها ترجمة عملية لهذا التوجه القائم على تعزيز هيبة الدولة وتكريس مبدأ المحاسبة.

ولعل أبرز ما يميز هذه المقاربة هو تركيزها على استهداف منابع الفساد ومصادر التمويل غير المشروع، خاصة وأن التجارب الدولية أثبتت أن مكافحة الجريمة المنظمة لا تتحقق عبر الإيقافات وحدها، وإنما من خلال تجفيف الموارد المالية التي تسمح لهذه الشبكات بالاستمرار والتوسع والانتشار.

الحزم والفاعلية

صحيح أن المعركة ضد الفساد والجريمة المنظمة هي معركة طويلة تتطلب تضافر جهود مختلف مؤسسات الدولة وهياكلها، إلى جانب وعي المواطنين وانخراطهم في دعم ثقافة احترام القانون، لكنها اليوم دخلت فصلا جديدا عنوانه مزيد من الحزم والفاعلية في ملاحقة الشبكات الإجرامية وتجفيف منابع تمويلها. فمع توالي النجاحات الأمنية تتعزز مؤشرات استعادة الدولة لقدرتها على فرض القانون وبسط نفوذها على مختلف المجالات، بما يكرس الثقة في المؤسسات ويؤكد أن مكافحة الفساد والمال المشبوه لم تعد مجرد شعار، وإنما تجسدت على أرض الواقع كمسار متواصل يهدف إلى حماية المجتمع والاقتصاد الوطني وترسيخ أسس دولة قوية وعادلة لا مكان فيها للإفلات من العقاب.

وإذا كانت النجاحات الأمنية الأخيرة قد أعادت إلى صدارة النقاش العام حجم التحديات المرتبطة بالمال المشبوه والجريمة العابرة للحدود، فإنها عكست في المقابل قدرة مؤسسات الدولة على التحرك والتنسيق من أجل مواجهة هذه الظواهر.

وهي رسالة تؤكد أن تونس لن تكون فضاء آمنا للشبكات التي تسعى إلى تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب أمن المجتمع واستقرار الدولة.

وهنا جدير بالذكر أن النجاحات الأمنية الهامة في كسر شبكات المخدرات والجريمة المنظمة قد كشفت عن جاهزية عالية وقدرة على التكيف مع التهديدات المستجدة بكفاءة واحترافية. كما عكست مستوى متقدما من التنسيق بين الأجهزة المختصة في جمع المعلومات ورصد التحركات المشبوهة وتعقب عناصر الشبكات الإجرامية، بما مكّن من توجيه ضربات موجعة لدوائر تنشط في التهريب وترويج المخدرات وتبييض الأموال. وتؤكد هذه النتائج أن الدولة تمتلك اليوم من الإمكانيات والخبرات ما يسمح لها بمواصلة الحرب على الجريمة المنظمة، ليس فقط من خلال ملاحقة المتورطين، بل أيضا عبر تجفيف منابع التمويل غير المشروع وحماية المجتمع من المخاطر التي تمثلها هذه الشبكات على الأمن والاستقرار والتنمية.

وضمن هذه المقاربة تندرج مكافحة الفساد وتبييض الأموال والاتجار بالبشر والمخدرات ضمن معركة واسعة تخوضها الدولة من أجل حماية مؤسساتها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي. وتنسجم النجاحات الأمنية الأخيرة مع الخطاب الذي ما فتئ رئيس الدولة قيس سعيّد يؤكد من خلاله أن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، وأن الدولة عازمة على الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الإضرار بالمصلحة الوطنية. وبين الخطاب والممارسة الميدانية، تبدو الرسالة واضحة: لا مكان اليوم لبارونات الفساد والمال المشبوه وشبكات الجريمة المنظمة في تونس التي تسعى إلى ترسيخ دولة القانون واستعادة هيبة المؤسسات وحماية مستقبل أجيالها القادمة.

منال حرزي