يؤمن بأن المسرح «ابن الحياة»، وأن المقاومة هي «النسغ» الذي يظل يسري في شجرة الفلسطيني من أخمص قدميه حتى رأسه.. هو الكاتب والممثل المسرحي الفلسطيني غنّام غنّام، ضيف «الصباح» في لقاء عن أم القضايا «فلسطين».. عن المنفى والمسرح الذي منحه نبضاً للمقاومة حين غادر الوطن طفلاً نحو الأردن... لستين عاماً كتب القصة والمسرح، ووقف على الركح.. أسس فرقاً مسرحية وكون أجيالاً تؤمن بفعل المقاومة الثقافية في تغيير الوعي المجتمعي.. حلّ المسرحي الفلسطيني ضيفاً على أيام 77 المسرحية لعرض «بأمي عيني»، عمل إبداعي يقطع مع تصنيفات الفرجة التقليدية.. تقاسم لحظات البوح والألم وأمل العودة لفلسطين مع شباب تونسي يبحث بدوره عن مساحات للحرية واللقاء والتفاعل..
عن عوالمه المسرحية، وعن خصوصيات المسرح التونسي، واستعدادات الهيئة العربية للمسرح لموعدها القادم بالأردن، وأسباب تأجيل احتضان تونس للمهرجان العربي للمسرح، تحدّث غنّام غنّام لـ«الصباح»:
*كنت ضيفاً على تظاهرة أيام 77 المسرحية بتونس، كيف كان التأثير والتأثر؟
- أولاً، لا بد من تحية للقائمين على فكرة أن يكون هذا المهرجان، الذي يحتفي بطلبة مدرسة 77، مفتوحاً على مجموعة من المسرحيين المحترفين وجمهور يتابع. فهذه تجربة مهمة للمتدربين، وبالتالي وعي تربوي بيداغوجي وتعليمي، والمهرجان كان فرصة بالنسبة لي للالتقاء مع هؤلاء الشباب. أنا أؤمن تماماً بأنه مثلما أنا سأترك أثراً في الشباب، هم يتركون أثراً فيّ. وأقول أنه طالما هؤلاء الشباب يلتحقون بركب المسرح، فالمسرح سيكون بخير، وأرى المستقبل في عيونهم وفي إبداعاتهم، وهذه مسألة مهمة.
*تلتزم عديد المهرجانات المسرحية والفنية العربية في العموم بالقضية الفلسطينية.. هل يمكن لهذه المقاومة الثقافية أن تغير في الواقع؟
- لا يمكن أن يكون المسرح دون حرية، أو مسرحاً رجعياً أو متخاذلاً، المسرح دائماً ابن الحياة، ودائماً يبحث عن الحق والجمال والعدالة والخير، كل هذه قيم يقوم على أساسها المسرح، وإذا لم تكن فلسطين محصلة كل هذه القيم، فمعنى ذلك أن هناك خللاً ما. طبعاً أحيي أيام 77 المسرحية على اختيار فلسطين ضيف شرف دورتها الثانية عشرة والدولية الأولى، لأني أعتبر أن فلسطين يجب أن تكون هي مركز الحدث في المهرجانات، كما أحيي كل المهرجانات العربية، وهناك مهرجانات عديدة تحتفي بهذه المسألة وتخصص لفلسطين جزءاً مهماً من برنامجها، ومن عروضها، ومن ندواتها. فهذه المسألة في منتهى الأهمية، لأن فلسطين ليست قضية الفلسطيني وحده، وفلسطين ليست قضية عربية فقط، إنها قضية إنسانية مطلقة، إنها أم القضايا. وفي عرضي الذي قدمته في «أيام 77 المسرحية»، أقول ببساطة شديدة: «كل حر في هذا العالم هو فلسطيني الهوية إلى أن تتحرر فلسطين». إذن فلسطين هي امتحان الحق والخير والجمال فيما نقدمه، وامتحان إنسانيتنا أولاً وأخيراً.
*في «بأمي عيني» أو غيرها من أعمالك المسرحية يلوّن الذاتي مساحة هامة من العرض، فكيف تقيم فكرة الذاتية على خشبة المسرح؟
- ليس هناك عمل إبداعي في التاريخ الإنساني كله ليس ذاتياً، دائماً النواة الذاتية الأساسية موجودة، ولكن حذاقة المبدع في أن يحول الذاتي إلى موضوعي، إلى عام، إلى أمر يهم الجميع. ووجود الذاتية في هذا الحدث ليس عيباً، العيب في أسلوب طرح الذاتية، أو أسلوب طرح الذات أو الموضوع الذاتي. إذاً، ليس هناك تناقض في الأصل، ولكن من يريد أن يتصدى لهذه المسألة، وأن لا يتخفى ولا يختبئ وراء المواضيع العامة التي لا تمسه بشكل مباشر، عليه أن يكون حاذقاً في صياغة تقنيات العرض.. أين يبرز الذاتي؟ أين يذهب ويخفيه؟ أين يأخذ المشاهد ليصبح الذاتي قضيته؟ ليصبح الذاتي إحساسه؟ ليصبح الذاتي خفقة قلبه ولمعة فكره؟ المسألة ربما تكون أصعب بكثير، ومن يستسهلها يقع في فخ الخروج عن نسق التلقي الإيجابي، لأن المتلقي لن يتركه يذهب في ذاتيته إلى حد يؤذي الفرجة، أو التلقي، أو التفاعل، أو ينتقص منه. إذاً، عندما أستعمل الذاتية أكون قد عززت وسائل الاتصال ووسائل التأثير بالمتلقي، لأنني أذهب به إلى مكان هو ليس مستعداً له، وأذهب به إلى حالة نفسية هو ليس مستعداً لها، ولم يختبرها ربما معي، لكنه اختبرها في ذاته في مكان آخر. ومن هنا تلتقي ذات المبدع بذات المتلقي لتخلق ذاتاً جديدة مشتركة تحاكي الموضوع والشأن العام، وبالتالي تتخذ موقفاً منه.
*في «بأمي عيني» تقترح عرضاً متقشفاً تتخلى عبره عن معظم جماليات المسرح، في تحدٍّ أيضاً للشكل والنمط والتقنية، كيف تم بناء خطاب هذه التجربة؟
- هذا العرض ليس عرضاً مبنياً على أسس معروفة ومتفق عليها، إنه عرض مشاكس، وبالتالي الجملة التي أبدأ بها هذه العروض وأقول: أنا لا يهمني تصنيف العرض، هي ليست هرباً من التصنيف، لكنها إلقاء قفاز التحدي في وجه النقاد لكي يحددوا ويتناولوا هذه التجربة.. وربما لا أبوح سراً عندما أقول لكِ بأن كل مدارس الأداء المعروفة، هذا العرض متجاوز لها. وربما يفاجأ الناس إذا قلت بأن الحل كان لدي في اللغة، بمعنى أنني في هذه اللحظة فاعل، وبعد قليل أنا نائب فاعل، وبعد قليل أنا مفعول به، وبعد قليل أنا مفعول مطلق، وبعد قليل أنا ضمير متحدث، وبعد قليل ضمير الغائب، وبعد قليل ضمير مستتر تقديره... يعني بمعنى أن اللغة أعطتني كيف أنتقل انتقالاً مباشراً وسلساً من جملة إلى جملة لكي أعطي نوعاً من الأداء يبدو حكواتياً، وهو حامل لجماليات فن الحكواتي، ولكنه ليس حكواتياً كما يبدو، أداء مسرحي من النوع التقليدي، ولكنه ليس كذلك.. إذاً أنا «مسرحت» كل هذه الأدوات وحولتها إلى طريقة أدائية ليست جديدة، ولكنها مختلطة إلى درجة تفرض علي حرفة أعلى في التدريب.. وربما تتفاجئين إذا قلت لكِ بأن هذا العرض يستغرق مني سبعة أشهر للإعداد، ثلاثة أشهر منها كي أكف عن البكاء، لأن المواضيع تمسني من الداخل، وبقية الأشهر لكي أتقن التقنيات التي أبحث عنها في عملي، مع الملاحظة أن القرآن الكريم مرجعي في هذه التقنيات، فهو الكتاب الأهم في ثقافتي، ليس من باب الدين، وإنما من باب الثقافة... فيه كل دروس حداثة النص وحداثة الأداء. فالقرآن الكريم ينتقل من آية إلى آية، إلى موضوعين مختلفين، وربما يذهب إلى أكثر من موضوع في آية واحدة. يختزل حين يريد الاختزال، ويطنب ويفسر ويوسع الصورة حين يريد التوسع. يأتي بالقانون ويأتي بالمشاعر في نفس الوقت، يخاطب الناس ثم يخاطب الفرد في آية تالية، ويفرق بين المخاطبين ويجمعهم في آية واحدة. القرآن الكريم ليس خطاباً للعامة فقط أو للخاصة فقط، إنه خطاب للعامة والخاصة، معجزته اللغة.
وفي عرض «بأمي عيني» أقدم مضامين تعيد للمتلقي قراءة معارفه، وموقفه الفكري، وموقفه الإنساني، ويخرج من العرض ليبدأ رحلة جديدة في التفكيك والتفكير، إضافة إلى أن هذا العرض مليء بالمعلومات الجديدة، أو مليء بإعادة ترتيب المعلومات المهمة، فيه جغرافيا، وتاريخ، ومشاعر إنسانية، والضحكة، والدمعة، فيه كل ما يمكن أن يقدمه المسرح، ولكنه في عرض واحد متقشف... هناك احترام كبير لهذا المتلقي، ولكن أيضاً هناك رحلة مشتركة مع المتلقي لكي نذهب معاً إلى النتيجة دون إكراه.
*كيف تقرأ الراهن الثقافي، وبالتالي المسرحي الفلسطيني اليوم بمختلف أبعاده وتقاطعاته؟
- ربما تكون هذه من أعقد القراءات التي يمكن أن تقدم، لماذا؟ لأننا عندما نقول في فلسطين، معنى ذلك أننا نقول عن فلسطين كلها، وبالتالي هناك مسرح في قطاع غزة، ومسرح في أرضنا التي احتُلت سنة 1948 يخضع لقوانين الاحتلال، وهناك مسرح في منطقة الجولان، وهناك مسرح في ما تسمى «الضفة الغربية وأراضي السلطة الفلسطينية»، وهناك مسرح فلسطيني في المنافي.. يعني كل هذا الكل في الحقيقة يصعب تصنيفه في علبة واحدة، ولكن يجمعه جذر واحد اسمه فلسطين، وبالتالي يجتهد كل مسرحي في كل مكان أن يقدم خطابه الذي يدافع عن حق فلسطين في الحياة. فمثلما أقدم عرضي في تونس في ظروف إعلامية ولوجستية جيدة، يأتي علي أبو ياسين أو أكرم الصوراني في قطاع غزة ليقدمه على الأنقاض. يأتي شاعر من غزة ليقدم قصيدة ربما يعجز عنها «نيرودا»، وربما تكون تتفوق على كثير من القصائد التي وُجدت في الكتب، حتى من القصائد الفلسطينية.
إذاً هذه المقاومة هي فعل الحياة الأساسي، وهي «نسغ الحياة» الذي يظل يسري في شجرة الفلسطيني من أخمص قدميه حتى رأسه، لأنه يجب أن يهتف باسمها حتى لا يموت وحتى لا تموت هي. تماماً كما يفعل الفلسطيني في ظل الاحتلال، فمن يتابع أعمال «فلسطينيي أراضي 1948» يجد أنها «رجال في الشمس»، يجد أنها تتناول قضايا الشعب الفلسطيني بتفاصيلها، وربما تكون أجرأ من بعض العروض التي تُصنع في دول عربية أو غير عربية. إذاً هذا الدور هو دور مهم، يمنح وعياً يسبق البندقية في رأيي. لأنه إذا كان هذا الذي يحمل البندقية واعياً ويفهم المسرح، صدقيني سيكون نضاله مميزاً إلى درجة أنه يصبح مثلاً.
وأذكر هنا المناضل الذي كان وراء فكرة حفر النفق بالملعقة والذي هرب منه المعتقلون الفلسطينيون، وهو عضو في «مسرح الحرية». إذاً الإبداع في حفر النفق ساهم فيه خيال المسرحي. إذاً نحن أمام تجليات لبناء الشخصية المسرحية أو الشخصية الفلسطينية الجديدة التي تواجه التحدي كل يوم، وكل يوم هي مضطرة لتطوير أدواتها وموقفها وفهمها حتى تستطيع الصمود وعدم المحو الذي يراد لها من هذا الاحتلال الذي يريد أن يمسح كل شيء فلسطيني، سواء كان هذا في المسرح، أو في الأدب، أو في الرواية، أو في الشعر، أو في التطريز، أو في الغناء والدبكة. عندما تعرف فلسطين وتلبس الكوفية، تصبح مسؤوليتك أعلى بكثير، لأنك لا تدافع عن شخص، ولا تدافع عن مجموعة، إنك تدافع عن قضية إنسانية كبرى.
أنا شخصياً أتمنى لو أنني في المناطق المحتدمة في فلسطين، أتمنى أن أكون في قطاع غزة، وأن أكون في رام الله، وفي الخليل، وأتمنى أن أكون في حيفا، وفي عكا، لكي أكون قادراً على أن أصطدم مباشرة بذلك الواقع المر...» مع التأكيد على أن المسرح خارج فلسطين أيضاً يواجه ما يواجه، لأن معظم هذا العالم -رسمياً- متفق على محو القضية ومتفق على إنهائها، وبالتالي كل المثقفين هم عبارة عن مسامير في نعش من يريد أن يمحو فلسطين. محمود درويش بقصائده قد أبّن الاستعمار قبل أن يموت، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وإيميل حبيبي، وغسان كنفاني، وناجي العلي، وراشد حسين، والبرغوثي.. كل هؤلاء وغيرهم الكثير استطاعوا أن يدحروا الاحتلال من رؤوسنا، لأن الاحتلال إذا سكن رؤوسنا نكون قد انتهينا.
*أنت مواكب للمسرح التونسي، وتعتبره طلائعياً، فما هي برأيك أبرز خصوصياته؟
- المسرح التونسي طلائعي وهو دائماً لديه رؤى ومعالجات مهمة جداً. هذه المعالجات والرؤى جاءت بعد تجربة طويلة المدى بناها أساتذة كبار مع بدايات التحرير في تونس، وكانوا وراء محطات مفصلية في مطلع السبعينات عندما بدأ المسرح من الولايات، من الهامش يأتي ليستوطن العاصمة ويغير شكلها، عندما جاء المسرح الجديد وجاء المسرح من الكاف وجاء المسرح من الجنوب. وأنا دائماً أصف بأن هناك نواة صلبة مدنية في المجتمع التونسي تحميه من أي تحولات أخرى أو توغلات أيديولوجية ممكن أن تطيح به، يعني مستحيل. المرأة تحسم في تونس، والمدنية تحسم في تونس، وبالتالي المسرح التونسي حتى وإن واجه صعوبات نتيجة أوضاع سياسية أو اقتصادية، فهو يملك ما لا يملكه مجتمع آخر من النواة الصلبة التي تحدثت عنها، والتي تحافظ على وجوده.. وأعتقد أنه ما زال يقف في مقدمة المسرح العربي إلى جانب المسرح المغربي، وإلى جانب مسارح عربية كثيرة أيضاً تطورت وتقدم أعمالاً مهمة. ولكن أنا بالنسبة لي لا أدل على ريادة المسرح التونسي من الجائزة التي تمنحها الهيئة العربية للمسرح، فقد كانت النسخة الأولى لـ»الزهايمر» لمريم بوسالمي، وكانت النسخة الثالثة لـ»ريتشارد الثالث» لجعفر القاسمي، وفي 2025 تُوجت بالجائزة «البخارة»، والنسخة الأخيرة حصدتها «الهاربات» لوفاء طبوبي.. وعملياً من 13 نسخة، أربعة كانت من نصيب تونس. وهناك دول لم تترشح للتنافس طيلة هذه الفترة، إذن الريادة موجودة. تونس لديها أساتذة كبار، عندما أقول تونس أقول توفيق الجبالي، وعلي بن عياد، والفاضل الجعايبي، وعدداً كبيراً من الأجيال اللاحقة: منير العرقي، جعفر القاسمي، نزار السعيدي، وليد الدغسني وغيرهم الكثيرون. لذلك نعم، هناك حصانة للمسرح التونسي تبقيه متقدماً وفاعلاً ومتفاعلاً ومجدداً.
*متى يعود مهرجان الهيئة العربية للمسرح إلى تونس بعد غياب سنوات؟
- سألت سؤالاً مهماً جداً. كان يُفترض أن تكون الدورة القادمة في مطلع 2027 في تونس، ولكن تأخر التراخيص الرسمية جعلنا ننتقل إلى الأردن، التي تحتضن المهرجان في جانفي المقبل. وبالتالي التقيت مدير المسرح الوطني التونسي معز مرابط خلال زيارتي هذه من أجل أن نؤكد أن الـ2028 تكون في تونس. اتخذت كل التدابير والقرارات لاحتضان المهرجان، لأن الدورة في تونس لها معنى آخر، ولها نكهة أخرى. ففي دورة 2018 في تونس، أكثر من 100 فنان عربي شاركوا في المهرجان وقدموا على نفقاتهم الخاصة رغبة في المشاركة ومشاهدة الأعمال المسرحية مع جمهور تونس الاستثنائي والشغوف بالفن الرابع.
*هل يمكن أن تبوح ببعض ملامح الدورة القادمة للمهرجان العربي للمسرح في الأردن، المنتظرة في 2027؟
- دائماً بعد انتهاء المهرجان تكون هناك ورشة للمراجعة والتقييم، والدورة القادمة تحمل أفكاراً جديدة للجوانب الفكرية في المهرجان. نأمل أن يكون هناك مسار ثالث أيضاً تقدمه الدولة المضيفة (الأردن)، وستكون هناك ورشات جديدة تلائم المرحلة، مع مفاجآت ربما لا أعلن عنها الآن، ولكنها مهمة جداً وتخص رسالة اليوم العربي للمسرح.
نجلاء قموع
يؤمن بأن المسرح «ابن الحياة»، وأن المقاومة هي «النسغ» الذي يظل يسري في شجرة الفلسطيني من أخمص قدميه حتى رأسه.. هو الكاتب والممثل المسرحي الفلسطيني غنّام غنّام، ضيف «الصباح» في لقاء عن أم القضايا «فلسطين».. عن المنفى والمسرح الذي منحه نبضاً للمقاومة حين غادر الوطن طفلاً نحو الأردن... لستين عاماً كتب القصة والمسرح، ووقف على الركح.. أسس فرقاً مسرحية وكون أجيالاً تؤمن بفعل المقاومة الثقافية في تغيير الوعي المجتمعي.. حلّ المسرحي الفلسطيني ضيفاً على أيام 77 المسرحية لعرض «بأمي عيني»، عمل إبداعي يقطع مع تصنيفات الفرجة التقليدية.. تقاسم لحظات البوح والألم وأمل العودة لفلسطين مع شباب تونسي يبحث بدوره عن مساحات للحرية واللقاء والتفاعل..
عن عوالمه المسرحية، وعن خصوصيات المسرح التونسي، واستعدادات الهيئة العربية للمسرح لموعدها القادم بالأردن، وأسباب تأجيل احتضان تونس للمهرجان العربي للمسرح، تحدّث غنّام غنّام لـ«الصباح»:
*كنت ضيفاً على تظاهرة أيام 77 المسرحية بتونس، كيف كان التأثير والتأثر؟
- أولاً، لا بد من تحية للقائمين على فكرة أن يكون هذا المهرجان، الذي يحتفي بطلبة مدرسة 77، مفتوحاً على مجموعة من المسرحيين المحترفين وجمهور يتابع. فهذه تجربة مهمة للمتدربين، وبالتالي وعي تربوي بيداغوجي وتعليمي، والمهرجان كان فرصة بالنسبة لي للالتقاء مع هؤلاء الشباب. أنا أؤمن تماماً بأنه مثلما أنا سأترك أثراً في الشباب، هم يتركون أثراً فيّ. وأقول أنه طالما هؤلاء الشباب يلتحقون بركب المسرح، فالمسرح سيكون بخير، وأرى المستقبل في عيونهم وفي إبداعاتهم، وهذه مسألة مهمة.
*تلتزم عديد المهرجانات المسرحية والفنية العربية في العموم بالقضية الفلسطينية.. هل يمكن لهذه المقاومة الثقافية أن تغير في الواقع؟
- لا يمكن أن يكون المسرح دون حرية، أو مسرحاً رجعياً أو متخاذلاً، المسرح دائماً ابن الحياة، ودائماً يبحث عن الحق والجمال والعدالة والخير، كل هذه قيم يقوم على أساسها المسرح، وإذا لم تكن فلسطين محصلة كل هذه القيم، فمعنى ذلك أن هناك خللاً ما. طبعاً أحيي أيام 77 المسرحية على اختيار فلسطين ضيف شرف دورتها الثانية عشرة والدولية الأولى، لأني أعتبر أن فلسطين يجب أن تكون هي مركز الحدث في المهرجانات، كما أحيي كل المهرجانات العربية، وهناك مهرجانات عديدة تحتفي بهذه المسألة وتخصص لفلسطين جزءاً مهماً من برنامجها، ومن عروضها، ومن ندواتها. فهذه المسألة في منتهى الأهمية، لأن فلسطين ليست قضية الفلسطيني وحده، وفلسطين ليست قضية عربية فقط، إنها قضية إنسانية مطلقة، إنها أم القضايا. وفي عرضي الذي قدمته في «أيام 77 المسرحية»، أقول ببساطة شديدة: «كل حر في هذا العالم هو فلسطيني الهوية إلى أن تتحرر فلسطين». إذن فلسطين هي امتحان الحق والخير والجمال فيما نقدمه، وامتحان إنسانيتنا أولاً وأخيراً.
*في «بأمي عيني» أو غيرها من أعمالك المسرحية يلوّن الذاتي مساحة هامة من العرض، فكيف تقيم فكرة الذاتية على خشبة المسرح؟
- ليس هناك عمل إبداعي في التاريخ الإنساني كله ليس ذاتياً، دائماً النواة الذاتية الأساسية موجودة، ولكن حذاقة المبدع في أن يحول الذاتي إلى موضوعي، إلى عام، إلى أمر يهم الجميع. ووجود الذاتية في هذا الحدث ليس عيباً، العيب في أسلوب طرح الذاتية، أو أسلوب طرح الذات أو الموضوع الذاتي. إذاً، ليس هناك تناقض في الأصل، ولكن من يريد أن يتصدى لهذه المسألة، وأن لا يتخفى ولا يختبئ وراء المواضيع العامة التي لا تمسه بشكل مباشر، عليه أن يكون حاذقاً في صياغة تقنيات العرض.. أين يبرز الذاتي؟ أين يذهب ويخفيه؟ أين يأخذ المشاهد ليصبح الذاتي قضيته؟ ليصبح الذاتي إحساسه؟ ليصبح الذاتي خفقة قلبه ولمعة فكره؟ المسألة ربما تكون أصعب بكثير، ومن يستسهلها يقع في فخ الخروج عن نسق التلقي الإيجابي، لأن المتلقي لن يتركه يذهب في ذاتيته إلى حد يؤذي الفرجة، أو التلقي، أو التفاعل، أو ينتقص منه. إذاً، عندما أستعمل الذاتية أكون قد عززت وسائل الاتصال ووسائل التأثير بالمتلقي، لأنني أذهب به إلى مكان هو ليس مستعداً له، وأذهب به إلى حالة نفسية هو ليس مستعداً لها، ولم يختبرها ربما معي، لكنه اختبرها في ذاته في مكان آخر. ومن هنا تلتقي ذات المبدع بذات المتلقي لتخلق ذاتاً جديدة مشتركة تحاكي الموضوع والشأن العام، وبالتالي تتخذ موقفاً منه.
*في «بأمي عيني» تقترح عرضاً متقشفاً تتخلى عبره عن معظم جماليات المسرح، في تحدٍّ أيضاً للشكل والنمط والتقنية، كيف تم بناء خطاب هذه التجربة؟
- هذا العرض ليس عرضاً مبنياً على أسس معروفة ومتفق عليها، إنه عرض مشاكس، وبالتالي الجملة التي أبدأ بها هذه العروض وأقول: أنا لا يهمني تصنيف العرض، هي ليست هرباً من التصنيف، لكنها إلقاء قفاز التحدي في وجه النقاد لكي يحددوا ويتناولوا هذه التجربة.. وربما لا أبوح سراً عندما أقول لكِ بأن كل مدارس الأداء المعروفة، هذا العرض متجاوز لها. وربما يفاجأ الناس إذا قلت بأن الحل كان لدي في اللغة، بمعنى أنني في هذه اللحظة فاعل، وبعد قليل أنا نائب فاعل، وبعد قليل أنا مفعول به، وبعد قليل أنا مفعول مطلق، وبعد قليل أنا ضمير متحدث، وبعد قليل ضمير الغائب، وبعد قليل ضمير مستتر تقديره... يعني بمعنى أن اللغة أعطتني كيف أنتقل انتقالاً مباشراً وسلساً من جملة إلى جملة لكي أعطي نوعاً من الأداء يبدو حكواتياً، وهو حامل لجماليات فن الحكواتي، ولكنه ليس حكواتياً كما يبدو، أداء مسرحي من النوع التقليدي، ولكنه ليس كذلك.. إذاً أنا «مسرحت» كل هذه الأدوات وحولتها إلى طريقة أدائية ليست جديدة، ولكنها مختلطة إلى درجة تفرض علي حرفة أعلى في التدريب.. وربما تتفاجئين إذا قلت لكِ بأن هذا العرض يستغرق مني سبعة أشهر للإعداد، ثلاثة أشهر منها كي أكف عن البكاء، لأن المواضيع تمسني من الداخل، وبقية الأشهر لكي أتقن التقنيات التي أبحث عنها في عملي، مع الملاحظة أن القرآن الكريم مرجعي في هذه التقنيات، فهو الكتاب الأهم في ثقافتي، ليس من باب الدين، وإنما من باب الثقافة... فيه كل دروس حداثة النص وحداثة الأداء. فالقرآن الكريم ينتقل من آية إلى آية، إلى موضوعين مختلفين، وربما يذهب إلى أكثر من موضوع في آية واحدة. يختزل حين يريد الاختزال، ويطنب ويفسر ويوسع الصورة حين يريد التوسع. يأتي بالقانون ويأتي بالمشاعر في نفس الوقت، يخاطب الناس ثم يخاطب الفرد في آية تالية، ويفرق بين المخاطبين ويجمعهم في آية واحدة. القرآن الكريم ليس خطاباً للعامة فقط أو للخاصة فقط، إنه خطاب للعامة والخاصة، معجزته اللغة.
وفي عرض «بأمي عيني» أقدم مضامين تعيد للمتلقي قراءة معارفه، وموقفه الفكري، وموقفه الإنساني، ويخرج من العرض ليبدأ رحلة جديدة في التفكيك والتفكير، إضافة إلى أن هذا العرض مليء بالمعلومات الجديدة، أو مليء بإعادة ترتيب المعلومات المهمة، فيه جغرافيا، وتاريخ، ومشاعر إنسانية، والضحكة، والدمعة، فيه كل ما يمكن أن يقدمه المسرح، ولكنه في عرض واحد متقشف... هناك احترام كبير لهذا المتلقي، ولكن أيضاً هناك رحلة مشتركة مع المتلقي لكي نذهب معاً إلى النتيجة دون إكراه.
*كيف تقرأ الراهن الثقافي، وبالتالي المسرحي الفلسطيني اليوم بمختلف أبعاده وتقاطعاته؟
- ربما تكون هذه من أعقد القراءات التي يمكن أن تقدم، لماذا؟ لأننا عندما نقول في فلسطين، معنى ذلك أننا نقول عن فلسطين كلها، وبالتالي هناك مسرح في قطاع غزة، ومسرح في أرضنا التي احتُلت سنة 1948 يخضع لقوانين الاحتلال، وهناك مسرح في منطقة الجولان، وهناك مسرح في ما تسمى «الضفة الغربية وأراضي السلطة الفلسطينية»، وهناك مسرح فلسطيني في المنافي.. يعني كل هذا الكل في الحقيقة يصعب تصنيفه في علبة واحدة، ولكن يجمعه جذر واحد اسمه فلسطين، وبالتالي يجتهد كل مسرحي في كل مكان أن يقدم خطابه الذي يدافع عن حق فلسطين في الحياة. فمثلما أقدم عرضي في تونس في ظروف إعلامية ولوجستية جيدة، يأتي علي أبو ياسين أو أكرم الصوراني في قطاع غزة ليقدمه على الأنقاض. يأتي شاعر من غزة ليقدم قصيدة ربما يعجز عنها «نيرودا»، وربما تكون تتفوق على كثير من القصائد التي وُجدت في الكتب، حتى من القصائد الفلسطينية.
إذاً هذه المقاومة هي فعل الحياة الأساسي، وهي «نسغ الحياة» الذي يظل يسري في شجرة الفلسطيني من أخمص قدميه حتى رأسه، لأنه يجب أن يهتف باسمها حتى لا يموت وحتى لا تموت هي. تماماً كما يفعل الفلسطيني في ظل الاحتلال، فمن يتابع أعمال «فلسطينيي أراضي 1948» يجد أنها «رجال في الشمس»، يجد أنها تتناول قضايا الشعب الفلسطيني بتفاصيلها، وربما تكون أجرأ من بعض العروض التي تُصنع في دول عربية أو غير عربية. إذاً هذا الدور هو دور مهم، يمنح وعياً يسبق البندقية في رأيي. لأنه إذا كان هذا الذي يحمل البندقية واعياً ويفهم المسرح، صدقيني سيكون نضاله مميزاً إلى درجة أنه يصبح مثلاً.
وأذكر هنا المناضل الذي كان وراء فكرة حفر النفق بالملعقة والذي هرب منه المعتقلون الفلسطينيون، وهو عضو في «مسرح الحرية». إذاً الإبداع في حفر النفق ساهم فيه خيال المسرحي. إذاً نحن أمام تجليات لبناء الشخصية المسرحية أو الشخصية الفلسطينية الجديدة التي تواجه التحدي كل يوم، وكل يوم هي مضطرة لتطوير أدواتها وموقفها وفهمها حتى تستطيع الصمود وعدم المحو الذي يراد لها من هذا الاحتلال الذي يريد أن يمسح كل شيء فلسطيني، سواء كان هذا في المسرح، أو في الأدب، أو في الرواية، أو في الشعر، أو في التطريز، أو في الغناء والدبكة. عندما تعرف فلسطين وتلبس الكوفية، تصبح مسؤوليتك أعلى بكثير، لأنك لا تدافع عن شخص، ولا تدافع عن مجموعة، إنك تدافع عن قضية إنسانية كبرى.
أنا شخصياً أتمنى لو أنني في المناطق المحتدمة في فلسطين، أتمنى أن أكون في قطاع غزة، وأن أكون في رام الله، وفي الخليل، وأتمنى أن أكون في حيفا، وفي عكا، لكي أكون قادراً على أن أصطدم مباشرة بذلك الواقع المر...» مع التأكيد على أن المسرح خارج فلسطين أيضاً يواجه ما يواجه، لأن معظم هذا العالم -رسمياً- متفق على محو القضية ومتفق على إنهائها، وبالتالي كل المثقفين هم عبارة عن مسامير في نعش من يريد أن يمحو فلسطين. محمود درويش بقصائده قد أبّن الاستعمار قبل أن يموت، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وإيميل حبيبي، وغسان كنفاني، وناجي العلي، وراشد حسين، والبرغوثي.. كل هؤلاء وغيرهم الكثير استطاعوا أن يدحروا الاحتلال من رؤوسنا، لأن الاحتلال إذا سكن رؤوسنا نكون قد انتهينا.
*أنت مواكب للمسرح التونسي، وتعتبره طلائعياً، فما هي برأيك أبرز خصوصياته؟
- المسرح التونسي طلائعي وهو دائماً لديه رؤى ومعالجات مهمة جداً. هذه المعالجات والرؤى جاءت بعد تجربة طويلة المدى بناها أساتذة كبار مع بدايات التحرير في تونس، وكانوا وراء محطات مفصلية في مطلع السبعينات عندما بدأ المسرح من الولايات، من الهامش يأتي ليستوطن العاصمة ويغير شكلها، عندما جاء المسرح الجديد وجاء المسرح من الكاف وجاء المسرح من الجنوب. وأنا دائماً أصف بأن هناك نواة صلبة مدنية في المجتمع التونسي تحميه من أي تحولات أخرى أو توغلات أيديولوجية ممكن أن تطيح به، يعني مستحيل. المرأة تحسم في تونس، والمدنية تحسم في تونس، وبالتالي المسرح التونسي حتى وإن واجه صعوبات نتيجة أوضاع سياسية أو اقتصادية، فهو يملك ما لا يملكه مجتمع آخر من النواة الصلبة التي تحدثت عنها، والتي تحافظ على وجوده.. وأعتقد أنه ما زال يقف في مقدمة المسرح العربي إلى جانب المسرح المغربي، وإلى جانب مسارح عربية كثيرة أيضاً تطورت وتقدم أعمالاً مهمة. ولكن أنا بالنسبة لي لا أدل على ريادة المسرح التونسي من الجائزة التي تمنحها الهيئة العربية للمسرح، فقد كانت النسخة الأولى لـ»الزهايمر» لمريم بوسالمي، وكانت النسخة الثالثة لـ»ريتشارد الثالث» لجعفر القاسمي، وفي 2025 تُوجت بالجائزة «البخارة»، والنسخة الأخيرة حصدتها «الهاربات» لوفاء طبوبي.. وعملياً من 13 نسخة، أربعة كانت من نصيب تونس. وهناك دول لم تترشح للتنافس طيلة هذه الفترة، إذن الريادة موجودة. تونس لديها أساتذة كبار، عندما أقول تونس أقول توفيق الجبالي، وعلي بن عياد، والفاضل الجعايبي، وعدداً كبيراً من الأجيال اللاحقة: منير العرقي، جعفر القاسمي، نزار السعيدي، وليد الدغسني وغيرهم الكثيرون. لذلك نعم، هناك حصانة للمسرح التونسي تبقيه متقدماً وفاعلاً ومتفاعلاً ومجدداً.
*متى يعود مهرجان الهيئة العربية للمسرح إلى تونس بعد غياب سنوات؟
- سألت سؤالاً مهماً جداً. كان يُفترض أن تكون الدورة القادمة في مطلع 2027 في تونس، ولكن تأخر التراخيص الرسمية جعلنا ننتقل إلى الأردن، التي تحتضن المهرجان في جانفي المقبل. وبالتالي التقيت مدير المسرح الوطني التونسي معز مرابط خلال زيارتي هذه من أجل أن نؤكد أن الـ2028 تكون في تونس. اتخذت كل التدابير والقرارات لاحتضان المهرجان، لأن الدورة في تونس لها معنى آخر، ولها نكهة أخرى. ففي دورة 2018 في تونس، أكثر من 100 فنان عربي شاركوا في المهرجان وقدموا على نفقاتهم الخاصة رغبة في المشاركة ومشاهدة الأعمال المسرحية مع جمهور تونس الاستثنائي والشغوف بالفن الرابع.
*هل يمكن أن تبوح ببعض ملامح الدورة القادمة للمهرجان العربي للمسرح في الأردن، المنتظرة في 2027؟
- دائماً بعد انتهاء المهرجان تكون هناك ورشة للمراجعة والتقييم، والدورة القادمة تحمل أفكاراً جديدة للجوانب الفكرية في المهرجان. نأمل أن يكون هناك مسار ثالث أيضاً تقدمه الدولة المضيفة (الأردن)، وستكون هناك ورشات جديدة تلائم المرحلة، مع مفاجآت ربما لا أعلن عنها الآن، ولكنها مهمة جداً وتخص رسالة اليوم العربي للمسرح.