إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ظل لعقود محافظا على حضوره وترك وراءه رصيدا يناهز ثلاثمائة أغنية.. الفنان كمال رؤوف النقاطي في ذمة الله  

 

 

برحيل الفنان والمطرب والملحن التونسي كمال رؤوف النقاطي، الذي وافته المنية يوم أمس الإثنين 15 جوان الجاري، عن عمر ناهز الثامنة والثمانين بعد صراع مع المرض، تفقد الساحة الثقافية التونسية أحد أبرز الأسماء التي واكبت تشكل الأغنية الوطنية الحديثة وأسهمت في صياغة جزء مهم من هويتها الفنية. فقد كان النقاطي واحدا من الفنانين الذين آمنوا بأن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود، فحمل الأغنية التونسية إلى فضاءات عربية ودولية مختلفة، وظل طوال أكثر من ستة عقود محافظا على حضوره وإصراره على التجديد دون أن يتخلى عن جذوره.

 

لم يكن كمال رؤوف النقاطي مجرد صوت جميل مرّ على ذاكرة المستمعين، بل كان فنانا متعدد المواهب جمع بين الغناء والتلحين والكتابة، وترك وراءه رصيدا قيل إنه يناهز ثلاثمائة أغنية، سجل منها نحو مائة عمل في أرشيف الإذاعة التونسية، بينما بقيت أعمال أخرى شاهدة على مرحلة ذهبية من تاريخ الفن في تونس، امتزج فيها الإبداع المحلي بالتأثيرات المتوسطية والعربية.

ولد الراحل في تونس العاصمة سنة 1938 لعائلة تنحدر من مدينة القيروان، ونشأ وسط بيئة غذّت شغفه بالموسيقى منذ سنواته الأولى. وكان المقربون منه ينادونه بـ»حميدو» بسبب تعلقه بالأغنيات المصرية التي كان يرددها باستمرار، قبل أن تتحول الهواية إلى مشروع حياة. ورغم اختياره في بداية شبابه العمل في مؤسسات عمومية وخاصة لضمان مورد رزقه، فإن الفن ظل شغله الأول، إلى أن جاءت الفرصة التي غيرت مسار حياته من خلال مشاركته في برنامج الهواة الذي كان يقدمه الإعلامي حمادي الجزيري عبر الإذاعة التونسية.

شكل ذلك الظهور بداية الاعتراف بموهبته، غير أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما شارك في حفل جمعية «قدماء الصادقية»، الذي نقل مباشرة عبر أمواج الإذاعة، حيث فاز بالجائزة الأولى، وهو ما فتح أمامه أبواب الاحتراف والالتحاق بالإذاعة التونسية ليبدأ رحلة طويلة مع الأغنية. وفي تلك الفترة تعرف إلى الملحن المصري المقيم في تونس «شطا»، الذي لم يكتف بتلحين أولى أغانيه «في غابة جميلة تلاقينا»، بل منحه أيضا الاسم الفني الذي عرف به لاحقا، ليصبح «كمال رؤوف» علامة بارزة في المشهد الموسيقي التونسي.

وخلال مسيرته، لم يتوقف كمال رؤوف النقاطي عند حدود الأغنية التونسية التقليدية، بل اختار الانفتاح على تجارب جديدة جعلته من أكثر فناني جيله تنوعا.

ففي سبعينات القرن الماضي نجح في استقطاب جمهور الشباب من خلال تقديم أغنيات باللغة الفرنسية، من أبرزها «ياسمينا»، كما أعاد أداء الأغنية العالمية «كوانتاناميرا» باللغة الإسبانية، مؤكدا أن الفنان التونسي قادر على مخاطبة العالم بلغات متعددة دون أن يفقد هويته أو خصوصيته الثقافية.

ومن أشهر أعماله الوطنية أغنية «تونس تونس يا ميمة»، التي بقيت حاضرة في المناسبات الوطنية وفي ذاكرة الجمهور، إلى جانب عشرات الأغنيات التي كتب ولحن جزءا كبيرا منها بنفسه، في تجربة تعكس شخصية فنية متكاملة لم تكن تكتفي بالأداء، بل تشارك في صناعة العمل الموسيقي منذ ولادته الأولى.

وكان كمال رؤوف النقاطي شاهدا على أهم التحولات التي عرفها الإعلام والفن في تونس، إذ سجل اسمه ضمن المشاركين في أول منوعة تلفزيونية بثتها التلفزة التونسية سنة 1966 بمناسبة انطلاقها الرسمي، ليكون من الوجوه التي ارتبطت ببدايات الشاشة الوطنية. كما ظل حضوره متواصلا في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، حيث استعاد في لقاءات عديدة ذكريات العصر الذهبي للأغنية التونسية، من بينها ظهوره في برنامج «قهوة عربي» على الوطنية الأولى، إضافة إلى مشاركاته في برامج إذاعية مثل «الصيف ضيف» و»فنان في البال»، مقدما شهادات حول تاريخ الفن ومسيرته الشخصية.

وعاصر الراحل نخبة من كبار الفنانين الذين صنعوا ملامح الأغنية التونسية الحديثة، من بينهم الهادي الجويني وعلي الرياحي ونعمة وعلية وصالح الخميسي، وهي أسماء شكلت جيلا أسس لخصوصية الأغنية التونسية داخل فرقة الرشيدية وخارجها، وأسهم في منحها حضورا عربيا مميزا. وفي هذا المشهد، احتفظ كمال رؤوف النقاطي بأسلوبه الخاص القائم على المزج بين الأصالة والتجديد، وبين الأغنية المحلية والإيقاعات العالمية.

ولم تقتصر رحلته على تونس، فقد حمل صوته إلى لبنان ومصر والمغرب وليبيا، كما أقام فترة في باريس وقدم عروضا في الولايات المتحدة، وكانت له لقاءات مع شخصيات موسيقية عربية بارزة، من بينها الملحن حليم الرومي، أحد أعمدة الموسيقى في إذاعة لبنان، وعازف الكمان الشهير عبود عبد العال، في تجارب عززت انفتاحه على مدارس موسيقية مختلفة وأثرت مسيرته الفنية.

برحيل كمال رؤوف النقاطي، تخسر تونس أحد وجوه الجيل الذي كتب مرحلة مفصلية من تاريخها الموسيقي، غير أن الأعمال التي خلفها ستظل شاهدة على مسيرة فنان آمن بأن الأغنية رسالة ثقافية وجسر للتواصل بين الشعوب. فقد نجح في أن يجمع بين روح الفنان الشعبي وانفتاح الموسيقي العصري، وبين الوفاء للهوية التونسية والرغبة الدائمة في اكتشاف آفاق جديدة، تاركا إرثا فنيا سيبقى حاضرا في ذاكرة الإذاعة وفي وجدان المستمعين، باعتباره أحد الأصوات التي منحت الأغنية التونسية مساحة أوسع للحياة والانتشار.

إيمان عبد اللطيف

 

ظل لعقود محافظا على حضوره وترك وراءه رصيدا يناهز ثلاثمائة أغنية..  الفنان كمال رؤوف النقاطي في ذمة الله   

 

 

برحيل الفنان والمطرب والملحن التونسي كمال رؤوف النقاطي، الذي وافته المنية يوم أمس الإثنين 15 جوان الجاري، عن عمر ناهز الثامنة والثمانين بعد صراع مع المرض، تفقد الساحة الثقافية التونسية أحد أبرز الأسماء التي واكبت تشكل الأغنية الوطنية الحديثة وأسهمت في صياغة جزء مهم من هويتها الفنية. فقد كان النقاطي واحدا من الفنانين الذين آمنوا بأن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود، فحمل الأغنية التونسية إلى فضاءات عربية ودولية مختلفة، وظل طوال أكثر من ستة عقود محافظا على حضوره وإصراره على التجديد دون أن يتخلى عن جذوره.

 

لم يكن كمال رؤوف النقاطي مجرد صوت جميل مرّ على ذاكرة المستمعين، بل كان فنانا متعدد المواهب جمع بين الغناء والتلحين والكتابة، وترك وراءه رصيدا قيل إنه يناهز ثلاثمائة أغنية، سجل منها نحو مائة عمل في أرشيف الإذاعة التونسية، بينما بقيت أعمال أخرى شاهدة على مرحلة ذهبية من تاريخ الفن في تونس، امتزج فيها الإبداع المحلي بالتأثيرات المتوسطية والعربية.

ولد الراحل في تونس العاصمة سنة 1938 لعائلة تنحدر من مدينة القيروان، ونشأ وسط بيئة غذّت شغفه بالموسيقى منذ سنواته الأولى. وكان المقربون منه ينادونه بـ»حميدو» بسبب تعلقه بالأغنيات المصرية التي كان يرددها باستمرار، قبل أن تتحول الهواية إلى مشروع حياة. ورغم اختياره في بداية شبابه العمل في مؤسسات عمومية وخاصة لضمان مورد رزقه، فإن الفن ظل شغله الأول، إلى أن جاءت الفرصة التي غيرت مسار حياته من خلال مشاركته في برنامج الهواة الذي كان يقدمه الإعلامي حمادي الجزيري عبر الإذاعة التونسية.

شكل ذلك الظهور بداية الاعتراف بموهبته، غير أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما شارك في حفل جمعية «قدماء الصادقية»، الذي نقل مباشرة عبر أمواج الإذاعة، حيث فاز بالجائزة الأولى، وهو ما فتح أمامه أبواب الاحتراف والالتحاق بالإذاعة التونسية ليبدأ رحلة طويلة مع الأغنية. وفي تلك الفترة تعرف إلى الملحن المصري المقيم في تونس «شطا»، الذي لم يكتف بتلحين أولى أغانيه «في غابة جميلة تلاقينا»، بل منحه أيضا الاسم الفني الذي عرف به لاحقا، ليصبح «كمال رؤوف» علامة بارزة في المشهد الموسيقي التونسي.

وخلال مسيرته، لم يتوقف كمال رؤوف النقاطي عند حدود الأغنية التونسية التقليدية، بل اختار الانفتاح على تجارب جديدة جعلته من أكثر فناني جيله تنوعا.

ففي سبعينات القرن الماضي نجح في استقطاب جمهور الشباب من خلال تقديم أغنيات باللغة الفرنسية، من أبرزها «ياسمينا»، كما أعاد أداء الأغنية العالمية «كوانتاناميرا» باللغة الإسبانية، مؤكدا أن الفنان التونسي قادر على مخاطبة العالم بلغات متعددة دون أن يفقد هويته أو خصوصيته الثقافية.

ومن أشهر أعماله الوطنية أغنية «تونس تونس يا ميمة»، التي بقيت حاضرة في المناسبات الوطنية وفي ذاكرة الجمهور، إلى جانب عشرات الأغنيات التي كتب ولحن جزءا كبيرا منها بنفسه، في تجربة تعكس شخصية فنية متكاملة لم تكن تكتفي بالأداء، بل تشارك في صناعة العمل الموسيقي منذ ولادته الأولى.

وكان كمال رؤوف النقاطي شاهدا على أهم التحولات التي عرفها الإعلام والفن في تونس، إذ سجل اسمه ضمن المشاركين في أول منوعة تلفزيونية بثتها التلفزة التونسية سنة 1966 بمناسبة انطلاقها الرسمي، ليكون من الوجوه التي ارتبطت ببدايات الشاشة الوطنية. كما ظل حضوره متواصلا في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، حيث استعاد في لقاءات عديدة ذكريات العصر الذهبي للأغنية التونسية، من بينها ظهوره في برنامج «قهوة عربي» على الوطنية الأولى، إضافة إلى مشاركاته في برامج إذاعية مثل «الصيف ضيف» و»فنان في البال»، مقدما شهادات حول تاريخ الفن ومسيرته الشخصية.

وعاصر الراحل نخبة من كبار الفنانين الذين صنعوا ملامح الأغنية التونسية الحديثة، من بينهم الهادي الجويني وعلي الرياحي ونعمة وعلية وصالح الخميسي، وهي أسماء شكلت جيلا أسس لخصوصية الأغنية التونسية داخل فرقة الرشيدية وخارجها، وأسهم في منحها حضورا عربيا مميزا. وفي هذا المشهد، احتفظ كمال رؤوف النقاطي بأسلوبه الخاص القائم على المزج بين الأصالة والتجديد، وبين الأغنية المحلية والإيقاعات العالمية.

ولم تقتصر رحلته على تونس، فقد حمل صوته إلى لبنان ومصر والمغرب وليبيا، كما أقام فترة في باريس وقدم عروضا في الولايات المتحدة، وكانت له لقاءات مع شخصيات موسيقية عربية بارزة، من بينها الملحن حليم الرومي، أحد أعمدة الموسيقى في إذاعة لبنان، وعازف الكمان الشهير عبود عبد العال، في تجارب عززت انفتاحه على مدارس موسيقية مختلفة وأثرت مسيرته الفنية.

برحيل كمال رؤوف النقاطي، تخسر تونس أحد وجوه الجيل الذي كتب مرحلة مفصلية من تاريخها الموسيقي، غير أن الأعمال التي خلفها ستظل شاهدة على مسيرة فنان آمن بأن الأغنية رسالة ثقافية وجسر للتواصل بين الشعوب. فقد نجح في أن يجمع بين روح الفنان الشعبي وانفتاح الموسيقي العصري، وبين الوفاء للهوية التونسية والرغبة الدائمة في اكتشاف آفاق جديدة، تاركا إرثا فنيا سيبقى حاضرا في ذاكرة الإذاعة وفي وجدان المستمعين، باعتباره أحد الأصوات التي منحت الأغنية التونسية مساحة أوسع للحياة والانتشار.

إيمان عبد اللطيف