إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رئيس الجمهورية يعيد الصلح الجزائي إلى الواجهة.. انطلاقة جديدة لاسترجاع الأموال المنهوبة

 

في خطوة تعكس إصرارًا متجددًا على معالجة أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإثارةً للجدل، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ملف الصلح الجزائي إلى صدارة النقاش العام، من خلال استقباله بقصر قرطاج رئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي علي عباس، في لقاء حمل رسائل متعددة الأبعاد تجاوزت في مضمونها الجانب الإجرائي المرتبط بتعيين مسؤول جديد على رأس اللجنة.

فاللقاء جاء ليؤكد أن هذا الملف لا يزال يحظى بمكانة هامة ضمن أولويات الدولة في أعلى هرمها، وأن مرحلة جديدة قد أُعطيت إشارة انطلاقتها بعد سنوات من التعثر والصعوبات التي حالت دون تحقيق الأهداف المرجوة التي ضُبطت من أجلها هذه الآلية.

ولا تكمن أهمية هذا اللقاء في إعلانه إعادة تفعيل لجنة أو استئناف مسار قانوني قائم، وإنما بما كشف عنه من توجه سياسي واضح نحو تسريع نسق معالجة ملف الأموال المنهوبة واسترجاع الحقوق المالية للدولة، في إطار رؤية تقوم على المصالحة الاقتصادية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن منطق العقاب أو التشفي وسياسة تصفية الحسابات، وهو طرح لطالما تبناه رئيس الدولة قيس سعيّد، داعيًا في مناسبات عديدة إلى ضرورة تجسيمه بما يتماشى مع الصالح العام.

الصلح الجزائي خيار الدولة

أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا اللقاء هو أن الصلح الجزائي ما زال يمثل أحد الخيارات الاستراتيجية للدولة في التعامل مع ملفي مكافحة الفساد المالي والاعتداء على المال العام.

ففي أكثر من محطة رسمية، أكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن معالجة هذه الملفات يتعين ألا تبقى حبيسة المسارات القضائية التقليدية، بما يؤشر في نهاية المطاف إلى استرجاع الأموال وضخها مجددًا في الدورة الاقتصادية والتنموية. ومن هذا المنطلق، ذكر رئيس الدولة قيس سعيّد إثر هذا اللقاء أن هذه المقاربة كان قد طرحها منذ سنة 2012، موضحًا أن الأمر يتعلق بمشروع إصلاحي متكامل من شأنه أن يعالج جملة الإخلالات التي تراكمت على مدار عقود.

كما أن اختيار هذا التوقيت لإعادة التأكيد على ملف الصلح الجزائي يعكس رغبة في توجيه الاهتمام نحو الملفات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى تعبئة موارد مالية جديدة لدعم جهود التنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

ومن جانب آخر، ومن بين أهم الرسائل التي تطرق إليها لقاء قرطاج الأخير، تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن الهدف ليس التنكيل بالأشخاص أو ملاحقتهم لذواتهم، وإنما استرجاع الأموال التي تعود في الأصل إلى الشعب التونسي.

هذا التوجه يعكس طرحًا مغايرًا في معالجة قضايا الفساد، يقوم على تحقيق مصلحة عامة مباشرة للدولة والمجتمع. فبدل أن تنتهي الملفات بأحكام قضائية طويلة الأمد قد لا تؤدي بالضرورة إلى استعادة الأموال، تسعى الدولة من خلال الصلح الجزائي إلى الوصول إلى تسويات تضمن استرجاع الحقوق المالية وتوظيفها في مشاريع تنموية في مختلف جهات البلاد.

ولهذا شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن الصلح لا يمثل محكمة لتصفية الحسابات، بل فرصة متاحة لكل من يرغب في تسوية وضعيته القانونية وإعادة الأموال المتخلدة بذمته.

ويعكس هذا الخطاب محاولة واضحة لإضفاء بعد براغماتي على الملف، يقوم على تحقيق النتائج الملموسة دون الاكتفاء بالمسارات القانونية التي قد تستنزف الوقت والجهد دون مردودية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.

أسباب «غير بريئة»

لم يكتفِ رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا اللقاء بالحديث عن صعوبات أو عراقيل قانونية، بل تحدث صراحة عن أسباب «غير بريئة»، وهو توصيف يحمل في طياته استنكارًا لطريقة إدارة هذا الملف على مدار السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، فإن تعيين لجنة جديدة لإدارة هذا الملف يعتبر محاولة لإعادة إطلاق مسار الصلح على أسس مختلفة، تقوم على النجاعة والسرعة والجرأة في اتخاذ القرار.

كما أن دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى عدم إهدار الوقت في إجراءات وصفها بأنها غير مجدية تعكس رغبة في القطع مع مرحلة طويلة اتسمت بالبطء والتعقيد الإداري في واحد من أكثر الملفات أهمية وحساسية، وهو ملف استرجاع الأموال المنهوبة وتوظيفها لفائدة المجموعة الوطنية.

وتندرج هذه الدعوة في إطار التوجه نحو تجاوز هذه العراقيل بما من شأنه أن يقطع مع مرحلة اتسمت بتراكم الإجراءات وتعثر التنفيذ، ويؤسس في المقابل لمرحلة جديدة عنوانها النجاعة والسرعة في اتخاذ القرار وربط المسؤولية بالإنجاز، بما يسمح بتحويل هذا الملف من مجرد مسار قانوني وإداري إلى آلية فعلية لاستعادة الحقوق ودفع التنمية وتحقيق جزء من تطلعات التونسيين في العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

موارد داخلية للتنمية

من جهة أخرى، يكتسب هذا اللقاء أهمية في بعديه الاقتصادي والتنموي.

ففي الوقت الذي تتجه فيه العديد من الدول إلى البحث عن موارد تمويل إضافية لمواجهة التحديات الاقتصادية، يبرز الصلح الجزائي باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تساهم في توفير موارد مالية مهمة دون اللجوء إلى الاقتراض أو تحميل المالية العمومية أعباء جديدة.

والطرح الذي يتبناه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حتى قبل توليه زمام المسؤولية، يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الأموال التي تم الاستيلاء عليها أو الحصول عليها بطرق غير مشروعة يمكن أن تتحول إلى مصدر تمويل لمشاريع تنموية تخدم الصالح العام.

وهذه المقاربة، وإلى جانب مزاياها التنموية، فإنها تسهم في تعزيز مناخ الثقة، خاصة في قدرة الدولة على حماية المال العام واسترجاع حقوقها، وهي آلية أساسية في تعزيز مناخ الاستثمار وترسيخ صورة الدولة القادرة على فرض احترام القانون وعلويته.

استرجاع الأموال وتحقيق العدالة

من بين النقاط الهامة الأخرى التي أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد التذكير بها إثر لقاء قرطاج، تلك المتعلقة بتوجيه المشاريع نحو المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا.

وهذا الطرح يمثل في الواقع جوهر التصور الذي يرتكز إليه مشروع الصلح الجزائي منذ بدايته.

فالمسألة لا تتعلق فقط باسترجاع الأموال، وإنما بإعادة توظيفها في خدمة الفئات والجهات التي دفعت ثمن سياسات اقتصادية وتنموية غير متوازنة على امتداد عقود خلت.

ومن هذا المنطلق، يتحول الصلح الجزائي إلى أداة فعالة وناجعة لتحقيق العدالة الاجتماعية عبر ربط الأموال المسترجعة بمشاريع تنموية قادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل وتحسين البنية التحتية في المناطق الداخلية.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة لأنه يمنح الملف بعدًا تنمويًا مباشرًا، ويجعله مرتبطًا بانشغالات المواطن اليومية أكثر من ارتباطه بالسجالات السياسية أو القانونية.

الطمأنة والحزم

اللافت في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد أنه جمع بين رسالتين يبدو أنهما متكاملتان.

الرسالة الأولى تقوم على الطمأنة، من خلال التأكيد المتكرر على غياب أي نية للتنكيل بالأشخاص المعنيين بالصلح الجزائي، فالمسألة بعيدة كليًا عن منطق التشفي.

أما الرسالة الثانية فتقوم على الحزم، حيث أكد رئيس الدولة بشكل واضح أن زمن المماطلة والمساومات والتعثر قد انتهى، وأن المطلوب اليوم هو الإسراع في إبرام الاتفاقيات وإنهاء هذا الملف في أقرب الآجال.

ويكشف الجمع بين هاتين الرسالتين عن مقاربة سياسية تسعى إلى تشجيع المعنيين بالأمر على الانخراط في هذا المسار، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الدولة لن تقبل باستمرار التعطيل أو بإهدار الوقت.

الصلح على أنظار الأمن القومي

وضمن هذا التمشي، فإن من بين النقاط اللافتة أيضًا في تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأكيده أن اتفاقيات الصلح ستُعرض على مجلس الأمن القومي.

وهذا المعطى يحمل دلالات سياسية، على اعتبار أن إدراج الملف ضمن دائرة اهتمام مجلس الأمن القومي يعكس قناعة بأن قضية الأموال المنهوبة لم تعد مجرد مسألة مالية أو قضائية، بل أصبحت مرتبطة بمفهوم الأمن القومي في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية.

فاسترجاع الموارد المالية، وتحقيق التنمية، وتقليص الفوارق الجهوية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، كلها عناصر باتت تُعتبر جزءًا من منظومة الأمن الوطني بمفهومها الحديث.

ولهذا فإن إشراف أعلى هياكل الدولة على متابعة الملف يمنحه ثقلًا سياسيًا إضافيًا ويؤكد حجم الرهانات المرتبطة به.

وبعيدًا عن الإرادة السياسية الواضحة والملموسة لحلحلة هذا الملف، يبقى الرهان مرتبطًا بالنتائج التي ستتمخض عن أعمال اللجنة الجديدة. فهذا الملف عرف خلال السنوات الماضية مسارًا طويلًا من الترقب والتعثر. لذلك فإن نجاح اللجنة الجديدة في التوصل إلى اتفاقيات فعلية واسترجاع أموال حقيقية من شأنه أن يشكل نقطة تحول مهمة في مسار هذا الملف، وأن يمنح دفعًا جديدًا لجهود الدولة الرامية إلى تعبئة مواردها الذاتية وتوجيهها نحو المشاريع التنموية ذات الأولوية.

كما سيساهم في تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وفي نجاعة الآليات التي تم إرساؤها لمعالجة ملفات الفساد والاعتداء على المال العام، فضلًا عن إرساء مناخ يقوم على تحمل المسؤولية واحترام القانون.

ومن شأن تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال أن يفتح آفاقًا أوسع أمام إنجاز مشاريع تنموية في الجهات الداخلية، وأن يترجم عمليًا مبدأ إعادة الحقوق إلى أصحابها عبر تحويل الأموال المسترجعة إلى مكاسب حقيقية تعود بالنفع على المواطنين وتدعم مسار التنمية الشاملة والمتوازنة.

وفي هذا الإطار، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي عن توجه سياسي يرمي إلى تحويل ملف ظل لسنوات عنوانًا للجدل إلى رافعة اقتصادية وتنموية يمكن أن تساهم في معالجة جزء من التحديات التي تواجهها البلاد.

فالرسالة الأساسية التي أراد رئيس الدولة توجيهها تبدو واضحة: الدولة مستعدة لفتح صفحة جديدة قائمة على الصلح واسترجاع الحقوق، لكنها في المقابل عازمة على إنهاء حالة الانتظار التي رافقت هذا الملف لسنوات.

منال حرزي

 

رئيس الجمهورية يعيد الصلح الجزائي إلى الواجهة.. انطلاقة جديدة لاسترجاع الأموال المنهوبة

 

في خطوة تعكس إصرارًا متجددًا على معالجة أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإثارةً للجدل، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ملف الصلح الجزائي إلى صدارة النقاش العام، من خلال استقباله بقصر قرطاج رئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي علي عباس، في لقاء حمل رسائل متعددة الأبعاد تجاوزت في مضمونها الجانب الإجرائي المرتبط بتعيين مسؤول جديد على رأس اللجنة.

فاللقاء جاء ليؤكد أن هذا الملف لا يزال يحظى بمكانة هامة ضمن أولويات الدولة في أعلى هرمها، وأن مرحلة جديدة قد أُعطيت إشارة انطلاقتها بعد سنوات من التعثر والصعوبات التي حالت دون تحقيق الأهداف المرجوة التي ضُبطت من أجلها هذه الآلية.

ولا تكمن أهمية هذا اللقاء في إعلانه إعادة تفعيل لجنة أو استئناف مسار قانوني قائم، وإنما بما كشف عنه من توجه سياسي واضح نحو تسريع نسق معالجة ملف الأموال المنهوبة واسترجاع الحقوق المالية للدولة، في إطار رؤية تقوم على المصالحة الاقتصادية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن منطق العقاب أو التشفي وسياسة تصفية الحسابات، وهو طرح لطالما تبناه رئيس الدولة قيس سعيّد، داعيًا في مناسبات عديدة إلى ضرورة تجسيمه بما يتماشى مع الصالح العام.

الصلح الجزائي خيار الدولة

أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا اللقاء هو أن الصلح الجزائي ما زال يمثل أحد الخيارات الاستراتيجية للدولة في التعامل مع ملفي مكافحة الفساد المالي والاعتداء على المال العام.

ففي أكثر من محطة رسمية، أكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن معالجة هذه الملفات يتعين ألا تبقى حبيسة المسارات القضائية التقليدية، بما يؤشر في نهاية المطاف إلى استرجاع الأموال وضخها مجددًا في الدورة الاقتصادية والتنموية. ومن هذا المنطلق، ذكر رئيس الدولة قيس سعيّد إثر هذا اللقاء أن هذه المقاربة كان قد طرحها منذ سنة 2012، موضحًا أن الأمر يتعلق بمشروع إصلاحي متكامل من شأنه أن يعالج جملة الإخلالات التي تراكمت على مدار عقود.

كما أن اختيار هذا التوقيت لإعادة التأكيد على ملف الصلح الجزائي يعكس رغبة في توجيه الاهتمام نحو الملفات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى تعبئة موارد مالية جديدة لدعم جهود التنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

ومن جانب آخر، ومن بين أهم الرسائل التي تطرق إليها لقاء قرطاج الأخير، تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن الهدف ليس التنكيل بالأشخاص أو ملاحقتهم لذواتهم، وإنما استرجاع الأموال التي تعود في الأصل إلى الشعب التونسي.

هذا التوجه يعكس طرحًا مغايرًا في معالجة قضايا الفساد، يقوم على تحقيق مصلحة عامة مباشرة للدولة والمجتمع. فبدل أن تنتهي الملفات بأحكام قضائية طويلة الأمد قد لا تؤدي بالضرورة إلى استعادة الأموال، تسعى الدولة من خلال الصلح الجزائي إلى الوصول إلى تسويات تضمن استرجاع الحقوق المالية وتوظيفها في مشاريع تنموية في مختلف جهات البلاد.

ولهذا شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن الصلح لا يمثل محكمة لتصفية الحسابات، بل فرصة متاحة لكل من يرغب في تسوية وضعيته القانونية وإعادة الأموال المتخلدة بذمته.

ويعكس هذا الخطاب محاولة واضحة لإضفاء بعد براغماتي على الملف، يقوم على تحقيق النتائج الملموسة دون الاكتفاء بالمسارات القانونية التي قد تستنزف الوقت والجهد دون مردودية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.

أسباب «غير بريئة»

لم يكتفِ رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا اللقاء بالحديث عن صعوبات أو عراقيل قانونية، بل تحدث صراحة عن أسباب «غير بريئة»، وهو توصيف يحمل في طياته استنكارًا لطريقة إدارة هذا الملف على مدار السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، فإن تعيين لجنة جديدة لإدارة هذا الملف يعتبر محاولة لإعادة إطلاق مسار الصلح على أسس مختلفة، تقوم على النجاعة والسرعة والجرأة في اتخاذ القرار.

كما أن دعوة رئيس الدولة قيس سعيّد إلى عدم إهدار الوقت في إجراءات وصفها بأنها غير مجدية تعكس رغبة في القطع مع مرحلة طويلة اتسمت بالبطء والتعقيد الإداري في واحد من أكثر الملفات أهمية وحساسية، وهو ملف استرجاع الأموال المنهوبة وتوظيفها لفائدة المجموعة الوطنية.

وتندرج هذه الدعوة في إطار التوجه نحو تجاوز هذه العراقيل بما من شأنه أن يقطع مع مرحلة اتسمت بتراكم الإجراءات وتعثر التنفيذ، ويؤسس في المقابل لمرحلة جديدة عنوانها النجاعة والسرعة في اتخاذ القرار وربط المسؤولية بالإنجاز، بما يسمح بتحويل هذا الملف من مجرد مسار قانوني وإداري إلى آلية فعلية لاستعادة الحقوق ودفع التنمية وتحقيق جزء من تطلعات التونسيين في العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

موارد داخلية للتنمية

من جهة أخرى، يكتسب هذا اللقاء أهمية في بعديه الاقتصادي والتنموي.

ففي الوقت الذي تتجه فيه العديد من الدول إلى البحث عن موارد تمويل إضافية لمواجهة التحديات الاقتصادية، يبرز الصلح الجزائي باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تساهم في توفير موارد مالية مهمة دون اللجوء إلى الاقتراض أو تحميل المالية العمومية أعباء جديدة.

والطرح الذي يتبناه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حتى قبل توليه زمام المسؤولية، يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الأموال التي تم الاستيلاء عليها أو الحصول عليها بطرق غير مشروعة يمكن أن تتحول إلى مصدر تمويل لمشاريع تنموية تخدم الصالح العام.

وهذه المقاربة، وإلى جانب مزاياها التنموية، فإنها تسهم في تعزيز مناخ الثقة، خاصة في قدرة الدولة على حماية المال العام واسترجاع حقوقها، وهي آلية أساسية في تعزيز مناخ الاستثمار وترسيخ صورة الدولة القادرة على فرض احترام القانون وعلويته.

استرجاع الأموال وتحقيق العدالة

من بين النقاط الهامة الأخرى التي أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد التذكير بها إثر لقاء قرطاج، تلك المتعلقة بتوجيه المشاريع نحو المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا.

وهذا الطرح يمثل في الواقع جوهر التصور الذي يرتكز إليه مشروع الصلح الجزائي منذ بدايته.

فالمسألة لا تتعلق فقط باسترجاع الأموال، وإنما بإعادة توظيفها في خدمة الفئات والجهات التي دفعت ثمن سياسات اقتصادية وتنموية غير متوازنة على امتداد عقود خلت.

ومن هذا المنطلق، يتحول الصلح الجزائي إلى أداة فعالة وناجعة لتحقيق العدالة الاجتماعية عبر ربط الأموال المسترجعة بمشاريع تنموية قادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل وتحسين البنية التحتية في المناطق الداخلية.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة لأنه يمنح الملف بعدًا تنمويًا مباشرًا، ويجعله مرتبطًا بانشغالات المواطن اليومية أكثر من ارتباطه بالسجالات السياسية أو القانونية.

الطمأنة والحزم

اللافت في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد أنه جمع بين رسالتين يبدو أنهما متكاملتان.

الرسالة الأولى تقوم على الطمأنة، من خلال التأكيد المتكرر على غياب أي نية للتنكيل بالأشخاص المعنيين بالصلح الجزائي، فالمسألة بعيدة كليًا عن منطق التشفي.

أما الرسالة الثانية فتقوم على الحزم، حيث أكد رئيس الدولة بشكل واضح أن زمن المماطلة والمساومات والتعثر قد انتهى، وأن المطلوب اليوم هو الإسراع في إبرام الاتفاقيات وإنهاء هذا الملف في أقرب الآجال.

ويكشف الجمع بين هاتين الرسالتين عن مقاربة سياسية تسعى إلى تشجيع المعنيين بالأمر على الانخراط في هذا المسار، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الدولة لن تقبل باستمرار التعطيل أو بإهدار الوقت.

الصلح على أنظار الأمن القومي

وضمن هذا التمشي، فإن من بين النقاط اللافتة أيضًا في تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد تأكيده أن اتفاقيات الصلح ستُعرض على مجلس الأمن القومي.

وهذا المعطى يحمل دلالات سياسية، على اعتبار أن إدراج الملف ضمن دائرة اهتمام مجلس الأمن القومي يعكس قناعة بأن قضية الأموال المنهوبة لم تعد مجرد مسألة مالية أو قضائية، بل أصبحت مرتبطة بمفهوم الأمن القومي في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية.

فاسترجاع الموارد المالية، وتحقيق التنمية، وتقليص الفوارق الجهوية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، كلها عناصر باتت تُعتبر جزءًا من منظومة الأمن الوطني بمفهومها الحديث.

ولهذا فإن إشراف أعلى هياكل الدولة على متابعة الملف يمنحه ثقلًا سياسيًا إضافيًا ويؤكد حجم الرهانات المرتبطة به.

وبعيدًا عن الإرادة السياسية الواضحة والملموسة لحلحلة هذا الملف، يبقى الرهان مرتبطًا بالنتائج التي ستتمخض عن أعمال اللجنة الجديدة. فهذا الملف عرف خلال السنوات الماضية مسارًا طويلًا من الترقب والتعثر. لذلك فإن نجاح اللجنة الجديدة في التوصل إلى اتفاقيات فعلية واسترجاع أموال حقيقية من شأنه أن يشكل نقطة تحول مهمة في مسار هذا الملف، وأن يمنح دفعًا جديدًا لجهود الدولة الرامية إلى تعبئة مواردها الذاتية وتوجيهها نحو المشاريع التنموية ذات الأولوية.

كما سيساهم في تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وفي نجاعة الآليات التي تم إرساؤها لمعالجة ملفات الفساد والاعتداء على المال العام، فضلًا عن إرساء مناخ يقوم على تحمل المسؤولية واحترام القانون.

ومن شأن تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال أن يفتح آفاقًا أوسع أمام إنجاز مشاريع تنموية في الجهات الداخلية، وأن يترجم عمليًا مبدأ إعادة الحقوق إلى أصحابها عبر تحويل الأموال المسترجعة إلى مكاسب حقيقية تعود بالنفع على المواطنين وتدعم مسار التنمية الشاملة والمتوازنة.

وفي هذا الإطار، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيس اللجنة الوطنية للصلح الجزائي عن توجه سياسي يرمي إلى تحويل ملف ظل لسنوات عنوانًا للجدل إلى رافعة اقتصادية وتنموية يمكن أن تساهم في معالجة جزء من التحديات التي تواجهها البلاد.

فالرسالة الأساسية التي أراد رئيس الدولة توجيهها تبدو واضحة: الدولة مستعدة لفتح صفحة جديدة قائمة على الصلح واسترجاع الحقوق، لكنها في المقابل عازمة على إنهاء حالة الانتظار التي رافقت هذا الملف لسنوات.

منال حرزي