◄ الأستاذ محمد آيت ميهوب لـ«الصباح»: نحن نؤمن بأن هذا هو عصر الكتاب بامتياز، رغم كل التحديات الرقمية..
◄ الدكتورة سميرة الحوسني لـ«الصباح»: «ضرورة خلق منصات تمنح الطفل الأمان النفسي في مواجهة الثورة التكنولوجية»..
◄ الأستاذ حسن لشكر لـ«الصباح»: رغم الفوارق، بدأ الكتاب الموجه للطفل العربي يعرف نوعا من التطور والانتشار النوعي..
ينتظم اليوم السبت 13 جوان الجاري حفل تسليم الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل، في اختتام الدورة السابعة عشرة للملتقى العربي لأدب الطفل الذي احتضنته مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة، بعد يوم من النقاشات العلمية واللقاءات الفكرية التي جمعت نخبة من الأكاديميين والباحثين والكتاب والمبدعين من تونس والمغرب والإمارات العربية المتحدة، في موعد ثقافي بات يرسخ حضوره باعتباره إحدى أهم المنصات العربية المتخصصة في أدب الطفل، ليس فقط من خلال الاحتفاء بالإنتاج الإبداعي، وإنما أيضا عبر فتح المجال أمام المقاربات النقدية والفكرية التي تواكب تحولات الكتابة الموجهة للطفل وتستشرف مستقبلها في ظل التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة.
وجاءت الدورة السابعة عشرة تحت عنوان «المباني السردية في الأدب القصصي الموجه إلى الطفل العربي»، وهو عنوان يعكس رهان المنتدى على إعادة التفكير في البنية الفنية للنص الموجه للناشئة، باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء الوعي والخيال والقيم. ونظم منتدى أدب الطفل بأريانة، برئاسة الدكتور محمد آيت ميهوب، هذه التظاهرة السنوية بالتعاون مع البنك العربي لتونس، فيما احتضنت قاعة الطاهر شريعة بمدينة الثقافة جلساتها يوم أمس الجمعة 12 جوان.
واستهلت الأشغال بجلسة علمية أولى برئاسة الأستاذ حسن لشكر، قدمت خلالها الأستاذة جليلة طريطر مداخلة بعنوان «الأبعاد العرفانية للسرد القصصي في الأدب الموجه للطفل واليافعين»، تلتها مداخلة للأستاذ فتحي بن معمر حول «تحولات الكتابة السردية ووظائفها في أدب الطفل»، من خلال قراءة في قصة «الفتى ذو العين الكسولة» الفائزة العام الماضي بالجائزة العربية مصطفى عزوز. كما تابع الحاضرون ثلاث مداخلات لكل من فيصل الشطي حول «تسريد القيم في رواية التعلم»، والهادي العيادي الذي قدم قراءة في ديوان الأطفال لأحمد شوقي، وسميرة الحوسني التي تناولت «السرد الثقافي في كتاب الطفل: بين التجريبي والتجريدي».
وتضمن برنامج الفترة المسائية جلستين، الأولى خصصت لمداخلات حسن لشكر حول «المباني السردية في الرواية الموجهة لليافعين»، ونور الدين كريديس حول «الجاذبية والتشويق في أدب الطفل»، والصحفية والروائية وحيدة المي التي قدمت شهادة بعنوان «رحلتي في الكتابة للطفل». أما الجلسة الثانية فقد جمعت مداخلات لطفي زكري حول «كتابة الحوار في الأدب الموجه للطفل العربي»، ودلال الغربي التي تناولت «السرد الموجه للطفل في مادة اللغة العربية: المدرسة الإعدادية أنموذجا»، والمنجي الطرابلسي الذي سلط الضوء على «الراوي في عينات من القص الموجه للطفل»، قبل أن يختتم الملتقى فعالياته اليوم السبت بداية من الساعة الثالثة بعد الزوال، بحفل الإعلان عن نتائج الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل وتكريم الفائزين.
وفي تصريح لـ«الصباح» على هامش افتتاح الدورة السابعة عشرة للملتقى العربي لأدب الطفل، أكد الأستاذ محمد آيت ميهوب، رئيس منتدى أدب الطفل، أن هذه الدورة تمثل محطة مفصلية في مسيرة النهوض بالأدب الموجه للناشئة، مشددا على أن المنتدى يواصل رسالته في جعل أدب الطفل مجالا للدراسة العلمية الرصينة، بعيدا عن التسطيح.
وقال آيت ميهوب: «لقد انتظم اليوم ملتقانا في دورته السابعة عشرة، وهو نشاط ثقافي مزدوج يجمع بين الندوة الدولية التي تتخذ هذا العام من المباني السردية في الأدب الموجه للطفل العربي عنوانا لها، وبين توزيع جائزة مصطفى عزوز لأدب الطفل. وقد حرصنا في افتتاحية اليوم على توزيع كتاب يضم 11 محاضرة علمية توثق لفعاليات الندوة، لنضع بين أيدي الحضور والمختصين مادة نقدية وإبداعية متكاملة تعزز مكانة أدب الطفل في السلم الأدبي، وتستجيب للرؤية التي حددها المجلس العالمي للمنتدى».
وفي تعليقه على حجم التفاعل مع هذه الدورة، أضاف آيت ميهوب: «لقد غمرنا هذا العام زخم المشاركات، إذ استقبلنا 130 مشاركة لفئة الكهول و17 للفتيان من مختلف أصقاع العالم العربي، ولم يقتصر إشعاعنا على النطاق الجغرافي المعتاد، بل امتد ليشمل مبدعين من كندا ومالي، مما يؤكد المكانة الرفيعة التي باتت تحتلها جائزة مصطفى عزوز كقبلة للمبدعين. ونحن نترقب السبت لحظة الكشف عن أسماء الفائزين الذين سينضمون إلى قائمة النخبة من الكتاب الذين كرمناهم في دورات سابقة، أمثال المرحوم أحمد خالد توفيق، وراشد عيسى، وإبراهيم الدرغوتي وغيرهم».
وعن سؤاله عن رهانات الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، أوضح رئيس منتدى أدب الطفل: «نحن نؤمن بأن هذا هو عصر الكتاب بامتياز، رغم كل التحديات الرقمية. إننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى الكتاب ليظل ملاذ طفلنا وحصنه ضد الانقياد لآلية التكنولوجيا، فالكتاب يمنحه الإحساس بالوجود والقيم الخالدة، وهي تجربة جمالية وفكرية تعجز الخوارزميات عن محاكاتها. ومع ذلك، نحن نعترف بأن صناعة الكتاب للطفل في عالمنا العربي ما زالت تواجه صعوبات هيكلية، فالكتاب الموجه للطفل في بعض الدول الغربية يُعامل كصناعة ثقيلة ومربحة، بينما نصطدم في واقعنا بضعف القدرة الشرائية والنظرة الدونية التي لا تزال تلاحق أدب الطفل».
وأكد محدثنا أن الهدف الجوهري من هذا الملتقى هو «خلق وعي جديد يجمع بين طموح الإبداع وواقعية الصناعة، لنثبت أن أدب الطفل هو أدب رفيع المستوى، ولنحرص على أن يظل أطفالنا متوازنين، يواكبون ثورة التكنولوجيا، لكن دون أن يفقدوا بوصلة الانتماء وقيم الجمال والخيال التي لا يمنحها سوى الكتاب».
وفي السياق ذاته، رأت الدكتورة سميرة الحوسني، مديرة المجمع الثقافي بأبوظبي ومديرة مكتبة أبوظبي للأطفال، أن عنوان الدورة يطرح سؤالا يتجاوز البنية الفنية للنص ليصل إلى رهانات بناء شخصية الطفل العربي في زمن الثورة الرقمية، مؤكدة في تصريحها لـ«الصباح» أن مشاركتها في المنتدى تكتسب أهمية بالغة بالنظر إلى عنوانه الجوهري «المباني السردية». وقالت: «ورقتي اليوم تمحورت حول تحويل نصوص أداء الطفل من مجرد رموز إلى تجربة تعايش وتفاعل حسي».
وأوضحت سميرة الحوسني أن الطفل يحتاج إلى نص متكامل يجمع بين الصورة، والإيقاع الصوتي، والخيال، مشيرة إلى أن تعزيز خيال الطفل يجب أن يرتبط بهويته التي تتجاوز حدود الزمان والمكان لتشمل «هوية الوقت الحالي التنوعي». وأضافت: «نحن نعيش في محيطات من المعرفة، والتحدي هو كيف نساعد الطفل على ‹التزامن› مع هويته الأصيلة وسط هذا الزخم. فالبيئة المحيطة اليوم لم تعد مقتصرة على الأسرة والمدرسة، بل امتدت لتشمل المتاحف، والحدائق، والمراكز التجارية، والأهم من ذلك المنصات الرقمية التي باتت تشكل وعي الطفل اليومي». وشددت على «ضرورة خلق منصات تمنح الطفل الأمان النفسي في مواجهة الثورة التكنولوجية، مع ترك المساحة له ليساهم هو الآخر في تشكيل هويته الخاصة بانتماء لبيئته وأسرته».
ومن المغرب، اعتبر الأستاذ حسن لشكر، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل، أن الندوة تمثل لبنة أساسية لمقاربة علمية لموضوع «المباني السردية في أدب الطفل واليافعين»، مؤكدا أن هذا الموضوع يمتلك راهنية وجدة تستوجب الدراسة الأكاديمية العميقة. وفي رده على تساؤل «الصباح» حول مدى تراجع جاذبية الكتاب أمام هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، قال لشكر: «نحن أمام إشكالية حقيقية، فالطفل اليوم محتكم لعناصر جذب تكنولوجية قوية، مما تسبب في تراجع نسبي لهذا النوع من الكتابة. ومع ذلك، يظل الكتاب يفرض نفسه بقوة، لما له من فاعلية مؤكدة في التطور الفكري والنمو المعرفي للطفل، فهو يحافظ على مكانته كركيزة في المشهد الثقافي رغم سطوة التقنية».
وبخصوص المقارنة بين المشهد الغربي والعربي، أقر الأستاذ حسن لشكر بوجود فوارق في نسب القراءة، حيث تحظى الرواية والقصة في الغرب بانتشار واسع يصل إلى ملايين النسخ، معتبرا ذلك نتاجا لثقافة قرائية متجذرة. وأوضح قائلا: «رغم تلك الفوارق، بدأ الكتاب الموجه للطفل العربي يعرف نوعا من التطور والانتشار النوعي، فمساحة القراءة بدأت تتسع، والاهتمام بالجانب الثقافي والعلمي في العالم العربي بدأ يستعيد موقعه الطبيعي والمستحق».
وتكشف هذه الدورة، من خلال برنامجها العلمي وتنوع المشاركات العربية والدولية وما تطرحه من أسئلة حول السرد والهوية والخيال والذكاء الاصطناعي، أن أدب الطفل لم يعد مجالا هامشيا أو نشاطا موازيا، بل أصبح فضاء معرفيا وثقافيا تتقاطع فيه رهانات التربية والإبداع والصناعة الثقافية، فيما تظل الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل إحدى أبرز المبادرات التي تواصل الدفع نحو ترسيخ هذا الأدب باعتباره استثمارا في الإنسان العربي منذ سنواته الأولى، وهو ما يمنح حفل الإعلان عن الفائزين بعدا يتجاوز التكريم ليصبح احتفاء بمشروع ثقافي كامل يراهن على الكتاب بوصفه وسيلة لبناء الوعي وصناعة المستقبل.
إيمان عبد اللطيف
◄ الأستاذ محمد آيت ميهوب لـ«الصباح»: نحن نؤمن بأن هذا هو عصر الكتاب بامتياز، رغم كل التحديات الرقمية..
◄ الدكتورة سميرة الحوسني لـ«الصباح»: «ضرورة خلق منصات تمنح الطفل الأمان النفسي في مواجهة الثورة التكنولوجية»..
◄ الأستاذ حسن لشكر لـ«الصباح»: رغم الفوارق، بدأ الكتاب الموجه للطفل العربي يعرف نوعا من التطور والانتشار النوعي..
ينتظم اليوم السبت 13 جوان الجاري حفل تسليم الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل، في اختتام الدورة السابعة عشرة للملتقى العربي لأدب الطفل الذي احتضنته مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة، بعد يوم من النقاشات العلمية واللقاءات الفكرية التي جمعت نخبة من الأكاديميين والباحثين والكتاب والمبدعين من تونس والمغرب والإمارات العربية المتحدة، في موعد ثقافي بات يرسخ حضوره باعتباره إحدى أهم المنصات العربية المتخصصة في أدب الطفل، ليس فقط من خلال الاحتفاء بالإنتاج الإبداعي، وإنما أيضا عبر فتح المجال أمام المقاربات النقدية والفكرية التي تواكب تحولات الكتابة الموجهة للطفل وتستشرف مستقبلها في ظل التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة.
وجاءت الدورة السابعة عشرة تحت عنوان «المباني السردية في الأدب القصصي الموجه إلى الطفل العربي»، وهو عنوان يعكس رهان المنتدى على إعادة التفكير في البنية الفنية للنص الموجه للناشئة، باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء الوعي والخيال والقيم. ونظم منتدى أدب الطفل بأريانة، برئاسة الدكتور محمد آيت ميهوب، هذه التظاهرة السنوية بالتعاون مع البنك العربي لتونس، فيما احتضنت قاعة الطاهر شريعة بمدينة الثقافة جلساتها يوم أمس الجمعة 12 جوان.
واستهلت الأشغال بجلسة علمية أولى برئاسة الأستاذ حسن لشكر، قدمت خلالها الأستاذة جليلة طريطر مداخلة بعنوان «الأبعاد العرفانية للسرد القصصي في الأدب الموجه للطفل واليافعين»، تلتها مداخلة للأستاذ فتحي بن معمر حول «تحولات الكتابة السردية ووظائفها في أدب الطفل»، من خلال قراءة في قصة «الفتى ذو العين الكسولة» الفائزة العام الماضي بالجائزة العربية مصطفى عزوز. كما تابع الحاضرون ثلاث مداخلات لكل من فيصل الشطي حول «تسريد القيم في رواية التعلم»، والهادي العيادي الذي قدم قراءة في ديوان الأطفال لأحمد شوقي، وسميرة الحوسني التي تناولت «السرد الثقافي في كتاب الطفل: بين التجريبي والتجريدي».
وتضمن برنامج الفترة المسائية جلستين، الأولى خصصت لمداخلات حسن لشكر حول «المباني السردية في الرواية الموجهة لليافعين»، ونور الدين كريديس حول «الجاذبية والتشويق في أدب الطفل»، والصحفية والروائية وحيدة المي التي قدمت شهادة بعنوان «رحلتي في الكتابة للطفل». أما الجلسة الثانية فقد جمعت مداخلات لطفي زكري حول «كتابة الحوار في الأدب الموجه للطفل العربي»، ودلال الغربي التي تناولت «السرد الموجه للطفل في مادة اللغة العربية: المدرسة الإعدادية أنموذجا»، والمنجي الطرابلسي الذي سلط الضوء على «الراوي في عينات من القص الموجه للطفل»، قبل أن يختتم الملتقى فعالياته اليوم السبت بداية من الساعة الثالثة بعد الزوال، بحفل الإعلان عن نتائج الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل وتكريم الفائزين.
وفي تصريح لـ«الصباح» على هامش افتتاح الدورة السابعة عشرة للملتقى العربي لأدب الطفل، أكد الأستاذ محمد آيت ميهوب، رئيس منتدى أدب الطفل، أن هذه الدورة تمثل محطة مفصلية في مسيرة النهوض بالأدب الموجه للناشئة، مشددا على أن المنتدى يواصل رسالته في جعل أدب الطفل مجالا للدراسة العلمية الرصينة، بعيدا عن التسطيح.
وقال آيت ميهوب: «لقد انتظم اليوم ملتقانا في دورته السابعة عشرة، وهو نشاط ثقافي مزدوج يجمع بين الندوة الدولية التي تتخذ هذا العام من المباني السردية في الأدب الموجه للطفل العربي عنوانا لها، وبين توزيع جائزة مصطفى عزوز لأدب الطفل. وقد حرصنا في افتتاحية اليوم على توزيع كتاب يضم 11 محاضرة علمية توثق لفعاليات الندوة، لنضع بين أيدي الحضور والمختصين مادة نقدية وإبداعية متكاملة تعزز مكانة أدب الطفل في السلم الأدبي، وتستجيب للرؤية التي حددها المجلس العالمي للمنتدى».
وفي تعليقه على حجم التفاعل مع هذه الدورة، أضاف آيت ميهوب: «لقد غمرنا هذا العام زخم المشاركات، إذ استقبلنا 130 مشاركة لفئة الكهول و17 للفتيان من مختلف أصقاع العالم العربي، ولم يقتصر إشعاعنا على النطاق الجغرافي المعتاد، بل امتد ليشمل مبدعين من كندا ومالي، مما يؤكد المكانة الرفيعة التي باتت تحتلها جائزة مصطفى عزوز كقبلة للمبدعين. ونحن نترقب السبت لحظة الكشف عن أسماء الفائزين الذين سينضمون إلى قائمة النخبة من الكتاب الذين كرمناهم في دورات سابقة، أمثال المرحوم أحمد خالد توفيق، وراشد عيسى، وإبراهيم الدرغوتي وغيرهم».
وعن سؤاله عن رهانات الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، أوضح رئيس منتدى أدب الطفل: «نحن نؤمن بأن هذا هو عصر الكتاب بامتياز، رغم كل التحديات الرقمية. إننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى الكتاب ليظل ملاذ طفلنا وحصنه ضد الانقياد لآلية التكنولوجيا، فالكتاب يمنحه الإحساس بالوجود والقيم الخالدة، وهي تجربة جمالية وفكرية تعجز الخوارزميات عن محاكاتها. ومع ذلك، نحن نعترف بأن صناعة الكتاب للطفل في عالمنا العربي ما زالت تواجه صعوبات هيكلية، فالكتاب الموجه للطفل في بعض الدول الغربية يُعامل كصناعة ثقيلة ومربحة، بينما نصطدم في واقعنا بضعف القدرة الشرائية والنظرة الدونية التي لا تزال تلاحق أدب الطفل».
وأكد محدثنا أن الهدف الجوهري من هذا الملتقى هو «خلق وعي جديد يجمع بين طموح الإبداع وواقعية الصناعة، لنثبت أن أدب الطفل هو أدب رفيع المستوى، ولنحرص على أن يظل أطفالنا متوازنين، يواكبون ثورة التكنولوجيا، لكن دون أن يفقدوا بوصلة الانتماء وقيم الجمال والخيال التي لا يمنحها سوى الكتاب».
وفي السياق ذاته، رأت الدكتورة سميرة الحوسني، مديرة المجمع الثقافي بأبوظبي ومديرة مكتبة أبوظبي للأطفال، أن عنوان الدورة يطرح سؤالا يتجاوز البنية الفنية للنص ليصل إلى رهانات بناء شخصية الطفل العربي في زمن الثورة الرقمية، مؤكدة في تصريحها لـ«الصباح» أن مشاركتها في المنتدى تكتسب أهمية بالغة بالنظر إلى عنوانه الجوهري «المباني السردية». وقالت: «ورقتي اليوم تمحورت حول تحويل نصوص أداء الطفل من مجرد رموز إلى تجربة تعايش وتفاعل حسي».
وأوضحت سميرة الحوسني أن الطفل يحتاج إلى نص متكامل يجمع بين الصورة، والإيقاع الصوتي، والخيال، مشيرة إلى أن تعزيز خيال الطفل يجب أن يرتبط بهويته التي تتجاوز حدود الزمان والمكان لتشمل «هوية الوقت الحالي التنوعي». وأضافت: «نحن نعيش في محيطات من المعرفة، والتحدي هو كيف نساعد الطفل على ‹التزامن› مع هويته الأصيلة وسط هذا الزخم. فالبيئة المحيطة اليوم لم تعد مقتصرة على الأسرة والمدرسة، بل امتدت لتشمل المتاحف، والحدائق، والمراكز التجارية، والأهم من ذلك المنصات الرقمية التي باتت تشكل وعي الطفل اليومي». وشددت على «ضرورة خلق منصات تمنح الطفل الأمان النفسي في مواجهة الثورة التكنولوجية، مع ترك المساحة له ليساهم هو الآخر في تشكيل هويته الخاصة بانتماء لبيئته وأسرته».
ومن المغرب، اعتبر الأستاذ حسن لشكر، أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن طفيل، أن الندوة تمثل لبنة أساسية لمقاربة علمية لموضوع «المباني السردية في أدب الطفل واليافعين»، مؤكدا أن هذا الموضوع يمتلك راهنية وجدة تستوجب الدراسة الأكاديمية العميقة. وفي رده على تساؤل «الصباح» حول مدى تراجع جاذبية الكتاب أمام هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، قال لشكر: «نحن أمام إشكالية حقيقية، فالطفل اليوم محتكم لعناصر جذب تكنولوجية قوية، مما تسبب في تراجع نسبي لهذا النوع من الكتابة. ومع ذلك، يظل الكتاب يفرض نفسه بقوة، لما له من فاعلية مؤكدة في التطور الفكري والنمو المعرفي للطفل، فهو يحافظ على مكانته كركيزة في المشهد الثقافي رغم سطوة التقنية».
وبخصوص المقارنة بين المشهد الغربي والعربي، أقر الأستاذ حسن لشكر بوجود فوارق في نسب القراءة، حيث تحظى الرواية والقصة في الغرب بانتشار واسع يصل إلى ملايين النسخ، معتبرا ذلك نتاجا لثقافة قرائية متجذرة. وأوضح قائلا: «رغم تلك الفوارق، بدأ الكتاب الموجه للطفل العربي يعرف نوعا من التطور والانتشار النوعي، فمساحة القراءة بدأت تتسع، والاهتمام بالجانب الثقافي والعلمي في العالم العربي بدأ يستعيد موقعه الطبيعي والمستحق».
وتكشف هذه الدورة، من خلال برنامجها العلمي وتنوع المشاركات العربية والدولية وما تطرحه من أسئلة حول السرد والهوية والخيال والذكاء الاصطناعي، أن أدب الطفل لم يعد مجالا هامشيا أو نشاطا موازيا، بل أصبح فضاء معرفيا وثقافيا تتقاطع فيه رهانات التربية والإبداع والصناعة الثقافية، فيما تظل الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل إحدى أبرز المبادرات التي تواصل الدفع نحو ترسيخ هذا الأدب باعتباره استثمارا في الإنسان العربي منذ سنواته الأولى، وهو ما يمنح حفل الإعلان عن الفائزين بعدا يتجاوز التكريم ليصبح احتفاء بمشروع ثقافي كامل يراهن على الكتاب بوصفه وسيلة لبناء الوعي وصناعة المستقبل.