معز القديري لــ«الصباح»: مسرح المواطنة مساحة لتنمية الوعي المجتمعي وأحلم بجمهور أكبر للمسرح
مقالات الصباح
- المسرح غير حياتي.. وعملي في مدرسة 77 هو امتداد للفنان الكبير أحمد السنوسي
-الاستقلالية ثمنها باهظ، ولكننا نستمتع بمشروعنا الثقافي والفكري
من تجربة شخصية في بداية شبابه اليافع سنة 1998، حين التقى صدفة الفنان الكبير أحمد السنوسي بنادي المسرح بدار الثقافة ابن خلدون، ابتدأت قصة معز الڨديري مع الركح.. «المسرح غير حياتي».. هذه كلمات ضيف «الصباح»، المسرحي والممثل الرافض للنجومية التلفزيونية على حساب الفعل الثقافي الواعي والملتزم بالتغير المجتمعي الهادف. معز الڨديري هو صاحب رؤية فكرية وجمالية تجسدت في أعماله المسرحية وخياراته الفنية، وفاعل ثقافي مستقل يحلم ببناء مجتمع متوازن، فنان في كل عائلة تونسية، ومشاريع مسرحية تجمع شبابًا من كل ربوع تونس في حلقات تكوينية، نواتها الأساسية مدرسة 77 التي أسسها قبل 10 سنوات وأثمرت عددا كبيرا من الشباب المحب للفعل المسرحي.. اليوم يواصل معز الڨديري دعمه لمسرح المواطنة عبر أيام 77 المسرحية في دورتها الثانية عشرة والأولى دوليًا، والتي افتتحت فعالياتها أمس 10 جوان وتتواصل إلى غاية 20 من الشهر نفسه. «الصباح» التقت المسرحي معز الڨديري في حديث عن أحدث مشاريعه الفنية، والاستقلالية في المشهد الثقافي التونسي، ودور المسرح في تنمية الوعي المجتمعي، وعودته قريبًا للركح ممثلًا، وغيرها.
تعكس الدورة الثانية عشرة لأيام 77 المسرحية بعدًا دوليًا، كيف تقدم برمجتها وهذا التوجه الجديد المنفتح على تجارب عربية؟
- تتجلى فلسفة التظاهرة بداية في المعلقة الرسمية التي تُترجم ألوانها معاني الانتماء والالتزام الفكري والفني، تونس تحتضن الضيوف المشاركين من مختلف الدول، مع تميز خاص للدولة ضيفة الشرف فلسطين. فلا يمكن أن نتجاوز في دورتنا الدولية الأولى فلسطين إيمانًا منا بالقضية وتماهيًا مع الموقف الرسمي والشعبي التونسي. أمّا اختيارات البرمجة فكانت عبر تقاطعات في الرؤى والشغف نتقاسمها مع ضيوف أيام 77 المسرحية. المسرحي الفلسطيني غنّام غنّام يبذل حقيقة مجهودًا كبيرًا في التكوين بالهيئة العربية للمسرح، ويحرص على دعم مسارح الدول العربية ويعمل بشغف عميق، ولم يتردد لحظة في قبول دعوتنا. نتقاطع معه فكريًا كذلك في هويته الفلسطينية واستماتته في الدفاع عن القضية عبر أعماله، وهو خير ممثل لضيف شرف المهرجان فلسطين.
والضيفة المصرية الدكتورة منى صبان هي مثال للشغف الذي لا يموت، صاحبة أول مركز عربي لتعليم السينما عن بعد، ويضم أكثر من 40 ألف مشارك، وقد أسست مؤخرًا، وهي في سن الـ84، مهرجان سينما قبل أن تحل بيننا في تونس لتقديم ورشة مكثفة في صناعة الأفلام القصيرة. وبالتوازي مع حضور أسماء ذات خبرة وتجربة ثرية، يحضر الممثل الأردني منذر خليل مصطفى، وهو فنان متعدد التخصصات (ممثل نجم في الأردن، مختص في المونتاج، مخرج، مغنٍّ وكاتب)، مجسدًا صورة الفنان الشاب الشغوف الباحث في كل الفنون، ويقترح على المشاركين في ورشته تقنيات صناعة «أفلام الموبايل».
أيام 77 المسرحية تقدم مقترحًا فنيًا يتجاوز الفن الرابع، هل هذا الخيار لاستقطاب أكبر عدد من المنخرطين في الممارسة الثقافية؟
- نحن نقدم لوحة فنية متنوعة من ورشات تكوينية في مختلف الفنون البصرية وكتابة السيناريو والتصوير بالموبايل لشباب ما زالوا في طور البحث عن ذواتهم، بالتالي لا يمكن حصرهم في التكوين المسرحي فقط. وفي الحقيقة، الإمكانيات المالية للمهرجان وضعت بعض الحدود. أكيد نأمل في تقديم ورشات أكثر، لكن المهرجان مستقل، وبالتالي الميزانية محدودة. وكل الخبراء والمختصين المشرفين على الورشات أو الماستر كلاس في برمجة المهرجان يتقاسمون معنا الرغبة في احتضان الشباب المحب للفنون إيمانًا بالمشروع ودون مقابل مالي. فالفنانة المسرحية الكبيرة جليلة بكار طلبت تقديم ماستر كلاس، وورشات منى الصبان ومنذر خليل مصطفى وسيرين ڨنون مجانًا، إذ نعمل على منح مساحة لاكتشاف الذات والتعبير عنها فنيًا، فالمسرح أب الفنون وفضاء لتماهي الموسيقى والرقص وفن الصورة، وهذا المهرجان هو قنطرة لعبور الشباب نحو المستقبل ونحو الفن.
ثمن الاستقلالية باهظ، كيف تواجهون صعوبات التمويل للبرامج وتصورات المهرجان؟
- الاستقلالية متعبة ماديًا وجسديًا ونفسيًا، فالمستشهرون يفضلون وضع شعاراتهم في المهرجانات الصيفية الجماهيرية، وهذا مفهوم خاطئ للإشهار والتسويق، لأن التسويق الحقيقي وتثمين صورة العلامة التجارية يكون عبر دعم المؤسسات الصغرى والمستقلة الفاعلة على مستوى تنمية الوعي، وبالتالي تحقق قيمة اعتبارية مهمة عند المواطن. ونحن نتطلع ،أكيد، لاستقطاب فنانين كبار وخبراء الفنون الركحية والفرجوية من مختلف دول العالم، ولنا قاعدة علاقات تسمح بتحقيق ذلك. يبقى العائق الأكبر الجانب المالي على مستوى تذاكر الطيران والإقامة، ومع ذلك نسعى لإيجاد حلول بالتعاون مع الفضاءات والمؤسسات الثقافية المستقلة في تونس وخارجها.. الاستقلالية تحد من طموحنا، ولكن في المقابل تمنحك قيمة لا تباع ولا تشترى بالمال، وهي حرية الاختيار وتحمل مسؤولية خياراتنا الفنية والفكرية والسياسية والمجتمعية بعيدًا عن التمويلات العمومية والأجنبية المشروطة.. نعم، للاستقلالية وللحرية ثمن غالٍ، ونحن ندفعه مستمتعين بمشروعنا الثقافي والفكري.
يتردد في المشهد الثقافي وجود «قطيعة» بين الأجيال المسرحية كما المحترفين وهواة الفن الرابع، هل توافق هذا الرأي؟
- من وجهة نظري لا أعتقد أن هناك قطيعة بين المسرحيين، قد تكون هناك حالات شاذة تُحفظ ولا يُقاس عليها، لكن الأغلبية تدعم وتتقاسم المشاريع والرؤى. هناك منافسة بالتأكيد، لكنها لا تمنع التعاون والشراكات.. وأنا شخصيًا لا قطيعة لي مع أي فاعل ثقافي في المشهد، والدليل أن المسرحي الكبير توفيق الجبالي مكرّم في «أيام 77 المسرحية»، وسيرين ڨنون عن مسرح «الحمراء» تقدم ماستر كلاس، والفنانة الكبيرة جليلة بكار تدعم المشروع، والبرمجة تضم ورشات دون مقابل، وكذلك الفنانة القديرة منى نور الدين رحبت بتكريمها في هذه الدورة، كما نتعاون مع فضاء «سينمدار»، وفي الدورة القادمة نسعى لتوسيع رقعة التعاون مع «التياترو» و«الريو».. لا مجال للقطيعة والإقصاء بالنسبة لي، وهذه أساسيات في مبادئ عملي بالمسرح.
ما الذي يجعل ممثل دراما تلفزيونية وسينما قادرًا على تحقيق نجومية أكبر يسخر معظم وقته لمشروع ثقافي قائم على التكوين والتعليم؟
- التلفزة في حياتي المهنية لم تكن هدفًا يومًا، هي حدث عابر في مسيرتي وأعتبرها مجرد تمرين للممثل الذي بداخلي. مارست التمثيل أمام الكاميرا في السينما والتلفزة، ولكن يظل المسرح خياري الأوحد، وسأعود قريبًا إلى الركح ممثلًا بالتوازي مع عملي في التكوين والإخراج.. نعم، كان بإمكاني الاكتفاء بالحضور في دراما رمضان وتحقيق نجومية أكبر في العالم العربي منذ بداياتي في مسلسل «نجوم الليل»، لكنني اخترت مسارًا يشبهني وأؤمن به أكثر. فالمسرح يطور الوعي، ومن خلاله يمكننا نشر الوعي المجتمعي، نزرع في كل عائلة فنانًا، ونربح جمهورًا جديدًا، والأهم نبني إنسانًا يفهم ذاته، وبالتالي يصبح قادرًا على الاختيار. في مدرسة 77 لا نكون ممثلين محترفين، نحن لسنا في المعهد العالي للفن المسرحي.. نحن نقدم مسرح المواطنة من خلال الممارسة الثقافية والفنية.
تتحدث بشغف وإيمان كبيرين عن «مسرح المواطنة»، ما الفلسفة التي يقوم عليها هذا المشروع؟
- أؤمن بعمق أن المسرح يغيّر حياة الإنسان، وليس بالضرورة أن يكون الهدف هو أن يصبح ممثلًا. المسرح يكشف الإمكانيات الكامنة داخل الشخص، وهناك من يختار بعد ذلك أن يصبح ممثلًا أو يتجه إلى مجال آخر، وهذا هو جوهر مسرح المواطنة، فالفن الرابع لا يقتصر على عرض فرجوي وإضاءة وموسيقى وسينوغرافيا.. المسرح أكثر شمولية، هو أسلوب حياة ورؤية للعالم. وهذا ما سعيت لتحقيقه في «مدرسة 77» التي تستقبل كل الفئات العمرية، ومهما كانت الحالة النفسية والجسدية للمشاركين، ومنهم أشخاص حاملون لإعاقة، لا إقصاء أو تهميش، فقط ضرورة توفر رغبة التعلم. وألمس بعد 10 سنوات من التجربة النجاح بفخر حين يأتي أحد الطلبة ويخبرني أنه نجح في مواجهة مخاوفه في الحياة والعمل، وأن نظرته للعالم تغيرت كما تغيرت نظرتي.
وأنا شاب يافع كنت أبحث عن ذاتي، وهي قصة أرغب في سردها لأنها السبب فيما وصلت إليه اليوم، فقد وقفت صدفة أمام دار الثقافة ابن خلدون أشاهد أشخاصًا يلعبون ويقفزون، وفهمت أن هذا جزء من ممارستهم للمسرح، وحين دخلت لاكتشاف الفضاء، وكان ذلك سنة 1998، وجدت أمامي الفنان الكبير أحمد السنوسي الذي رحب بوجودي، ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياتي. فلو رفض أحمد السنوسي استقبالي في نادي المسرح لما كنت الشخص الذي أنا عليه اليوم، ولكان مصيري مختلفًا.. المسرح أنقذ حياتي، ومشروعي التكويني هو استمرارية لأحمد السنوسي وبمسرح المواطنة المفتوح للجميع.
حاورته: نجلاء قموع
- المسرح غير حياتي.. وعملي في مدرسة 77 هو امتداد للفنان الكبير أحمد السنوسي
-الاستقلالية ثمنها باهظ، ولكننا نستمتع بمشروعنا الثقافي والفكري
من تجربة شخصية في بداية شبابه اليافع سنة 1998، حين التقى صدفة الفنان الكبير أحمد السنوسي بنادي المسرح بدار الثقافة ابن خلدون، ابتدأت قصة معز الڨديري مع الركح.. «المسرح غير حياتي».. هذه كلمات ضيف «الصباح»، المسرحي والممثل الرافض للنجومية التلفزيونية على حساب الفعل الثقافي الواعي والملتزم بالتغير المجتمعي الهادف. معز الڨديري هو صاحب رؤية فكرية وجمالية تجسدت في أعماله المسرحية وخياراته الفنية، وفاعل ثقافي مستقل يحلم ببناء مجتمع متوازن، فنان في كل عائلة تونسية، ومشاريع مسرحية تجمع شبابًا من كل ربوع تونس في حلقات تكوينية، نواتها الأساسية مدرسة 77 التي أسسها قبل 10 سنوات وأثمرت عددا كبيرا من الشباب المحب للفعل المسرحي.. اليوم يواصل معز الڨديري دعمه لمسرح المواطنة عبر أيام 77 المسرحية في دورتها الثانية عشرة والأولى دوليًا، والتي افتتحت فعالياتها أمس 10 جوان وتتواصل إلى غاية 20 من الشهر نفسه. «الصباح» التقت المسرحي معز الڨديري في حديث عن أحدث مشاريعه الفنية، والاستقلالية في المشهد الثقافي التونسي، ودور المسرح في تنمية الوعي المجتمعي، وعودته قريبًا للركح ممثلًا، وغيرها.
تعكس الدورة الثانية عشرة لأيام 77 المسرحية بعدًا دوليًا، كيف تقدم برمجتها وهذا التوجه الجديد المنفتح على تجارب عربية؟
- تتجلى فلسفة التظاهرة بداية في المعلقة الرسمية التي تُترجم ألوانها معاني الانتماء والالتزام الفكري والفني، تونس تحتضن الضيوف المشاركين من مختلف الدول، مع تميز خاص للدولة ضيفة الشرف فلسطين. فلا يمكن أن نتجاوز في دورتنا الدولية الأولى فلسطين إيمانًا منا بالقضية وتماهيًا مع الموقف الرسمي والشعبي التونسي. أمّا اختيارات البرمجة فكانت عبر تقاطعات في الرؤى والشغف نتقاسمها مع ضيوف أيام 77 المسرحية. المسرحي الفلسطيني غنّام غنّام يبذل حقيقة مجهودًا كبيرًا في التكوين بالهيئة العربية للمسرح، ويحرص على دعم مسارح الدول العربية ويعمل بشغف عميق، ولم يتردد لحظة في قبول دعوتنا. نتقاطع معه فكريًا كذلك في هويته الفلسطينية واستماتته في الدفاع عن القضية عبر أعماله، وهو خير ممثل لضيف شرف المهرجان فلسطين.
والضيفة المصرية الدكتورة منى صبان هي مثال للشغف الذي لا يموت، صاحبة أول مركز عربي لتعليم السينما عن بعد، ويضم أكثر من 40 ألف مشارك، وقد أسست مؤخرًا، وهي في سن الـ84، مهرجان سينما قبل أن تحل بيننا في تونس لتقديم ورشة مكثفة في صناعة الأفلام القصيرة. وبالتوازي مع حضور أسماء ذات خبرة وتجربة ثرية، يحضر الممثل الأردني منذر خليل مصطفى، وهو فنان متعدد التخصصات (ممثل نجم في الأردن، مختص في المونتاج، مخرج، مغنٍّ وكاتب)، مجسدًا صورة الفنان الشاب الشغوف الباحث في كل الفنون، ويقترح على المشاركين في ورشته تقنيات صناعة «أفلام الموبايل».
أيام 77 المسرحية تقدم مقترحًا فنيًا يتجاوز الفن الرابع، هل هذا الخيار لاستقطاب أكبر عدد من المنخرطين في الممارسة الثقافية؟
- نحن نقدم لوحة فنية متنوعة من ورشات تكوينية في مختلف الفنون البصرية وكتابة السيناريو والتصوير بالموبايل لشباب ما زالوا في طور البحث عن ذواتهم، بالتالي لا يمكن حصرهم في التكوين المسرحي فقط. وفي الحقيقة، الإمكانيات المالية للمهرجان وضعت بعض الحدود. أكيد نأمل في تقديم ورشات أكثر، لكن المهرجان مستقل، وبالتالي الميزانية محدودة. وكل الخبراء والمختصين المشرفين على الورشات أو الماستر كلاس في برمجة المهرجان يتقاسمون معنا الرغبة في احتضان الشباب المحب للفنون إيمانًا بالمشروع ودون مقابل مالي. فالفنانة المسرحية الكبيرة جليلة بكار طلبت تقديم ماستر كلاس، وورشات منى الصبان ومنذر خليل مصطفى وسيرين ڨنون مجانًا، إذ نعمل على منح مساحة لاكتشاف الذات والتعبير عنها فنيًا، فالمسرح أب الفنون وفضاء لتماهي الموسيقى والرقص وفن الصورة، وهذا المهرجان هو قنطرة لعبور الشباب نحو المستقبل ونحو الفن.
ثمن الاستقلالية باهظ، كيف تواجهون صعوبات التمويل للبرامج وتصورات المهرجان؟
- الاستقلالية متعبة ماديًا وجسديًا ونفسيًا، فالمستشهرون يفضلون وضع شعاراتهم في المهرجانات الصيفية الجماهيرية، وهذا مفهوم خاطئ للإشهار والتسويق، لأن التسويق الحقيقي وتثمين صورة العلامة التجارية يكون عبر دعم المؤسسات الصغرى والمستقلة الفاعلة على مستوى تنمية الوعي، وبالتالي تحقق قيمة اعتبارية مهمة عند المواطن. ونحن نتطلع ،أكيد، لاستقطاب فنانين كبار وخبراء الفنون الركحية والفرجوية من مختلف دول العالم، ولنا قاعدة علاقات تسمح بتحقيق ذلك. يبقى العائق الأكبر الجانب المالي على مستوى تذاكر الطيران والإقامة، ومع ذلك نسعى لإيجاد حلول بالتعاون مع الفضاءات والمؤسسات الثقافية المستقلة في تونس وخارجها.. الاستقلالية تحد من طموحنا، ولكن في المقابل تمنحك قيمة لا تباع ولا تشترى بالمال، وهي حرية الاختيار وتحمل مسؤولية خياراتنا الفنية والفكرية والسياسية والمجتمعية بعيدًا عن التمويلات العمومية والأجنبية المشروطة.. نعم، للاستقلالية وللحرية ثمن غالٍ، ونحن ندفعه مستمتعين بمشروعنا الثقافي والفكري.
يتردد في المشهد الثقافي وجود «قطيعة» بين الأجيال المسرحية كما المحترفين وهواة الفن الرابع، هل توافق هذا الرأي؟
- من وجهة نظري لا أعتقد أن هناك قطيعة بين المسرحيين، قد تكون هناك حالات شاذة تُحفظ ولا يُقاس عليها، لكن الأغلبية تدعم وتتقاسم المشاريع والرؤى. هناك منافسة بالتأكيد، لكنها لا تمنع التعاون والشراكات.. وأنا شخصيًا لا قطيعة لي مع أي فاعل ثقافي في المشهد، والدليل أن المسرحي الكبير توفيق الجبالي مكرّم في «أيام 77 المسرحية»، وسيرين ڨنون عن مسرح «الحمراء» تقدم ماستر كلاس، والفنانة الكبيرة جليلة بكار تدعم المشروع، والبرمجة تضم ورشات دون مقابل، وكذلك الفنانة القديرة منى نور الدين رحبت بتكريمها في هذه الدورة، كما نتعاون مع فضاء «سينمدار»، وفي الدورة القادمة نسعى لتوسيع رقعة التعاون مع «التياترو» و«الريو».. لا مجال للقطيعة والإقصاء بالنسبة لي، وهذه أساسيات في مبادئ عملي بالمسرح.
ما الذي يجعل ممثل دراما تلفزيونية وسينما قادرًا على تحقيق نجومية أكبر يسخر معظم وقته لمشروع ثقافي قائم على التكوين والتعليم؟
- التلفزة في حياتي المهنية لم تكن هدفًا يومًا، هي حدث عابر في مسيرتي وأعتبرها مجرد تمرين للممثل الذي بداخلي. مارست التمثيل أمام الكاميرا في السينما والتلفزة، ولكن يظل المسرح خياري الأوحد، وسأعود قريبًا إلى الركح ممثلًا بالتوازي مع عملي في التكوين والإخراج.. نعم، كان بإمكاني الاكتفاء بالحضور في دراما رمضان وتحقيق نجومية أكبر في العالم العربي منذ بداياتي في مسلسل «نجوم الليل»، لكنني اخترت مسارًا يشبهني وأؤمن به أكثر. فالمسرح يطور الوعي، ومن خلاله يمكننا نشر الوعي المجتمعي، نزرع في كل عائلة فنانًا، ونربح جمهورًا جديدًا، والأهم نبني إنسانًا يفهم ذاته، وبالتالي يصبح قادرًا على الاختيار. في مدرسة 77 لا نكون ممثلين محترفين، نحن لسنا في المعهد العالي للفن المسرحي.. نحن نقدم مسرح المواطنة من خلال الممارسة الثقافية والفنية.
تتحدث بشغف وإيمان كبيرين عن «مسرح المواطنة»، ما الفلسفة التي يقوم عليها هذا المشروع؟
- أؤمن بعمق أن المسرح يغيّر حياة الإنسان، وليس بالضرورة أن يكون الهدف هو أن يصبح ممثلًا. المسرح يكشف الإمكانيات الكامنة داخل الشخص، وهناك من يختار بعد ذلك أن يصبح ممثلًا أو يتجه إلى مجال آخر، وهذا هو جوهر مسرح المواطنة، فالفن الرابع لا يقتصر على عرض فرجوي وإضاءة وموسيقى وسينوغرافيا.. المسرح أكثر شمولية، هو أسلوب حياة ورؤية للعالم. وهذا ما سعيت لتحقيقه في «مدرسة 77» التي تستقبل كل الفئات العمرية، ومهما كانت الحالة النفسية والجسدية للمشاركين، ومنهم أشخاص حاملون لإعاقة، لا إقصاء أو تهميش، فقط ضرورة توفر رغبة التعلم. وألمس بعد 10 سنوات من التجربة النجاح بفخر حين يأتي أحد الطلبة ويخبرني أنه نجح في مواجهة مخاوفه في الحياة والعمل، وأن نظرته للعالم تغيرت كما تغيرت نظرتي.
وأنا شاب يافع كنت أبحث عن ذاتي، وهي قصة أرغب في سردها لأنها السبب فيما وصلت إليه اليوم، فقد وقفت صدفة أمام دار الثقافة ابن خلدون أشاهد أشخاصًا يلعبون ويقفزون، وفهمت أن هذا جزء من ممارستهم للمسرح، وحين دخلت لاكتشاف الفضاء، وكان ذلك سنة 1998، وجدت أمامي الفنان الكبير أحمد السنوسي الذي رحب بوجودي، ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياتي. فلو رفض أحمد السنوسي استقبالي في نادي المسرح لما كنت الشخص الذي أنا عليه اليوم، ولكان مصيري مختلفًا.. المسرح أنقذ حياتي، ومشروعي التكويني هو استمرارية لأحمد السنوسي وبمسرح المواطنة المفتوح للجميع.
حاورته: نجلاء قموع